التعامل مع صدمة الطاقة: الكهرباء والعدالة الاجتماعية في لبنان

أشخاص يقفون في طابور أمام محطة وقود في صيدا، جنوب لبنان، أبريل/نيسان ٢٠٢٦. © هشام معتوق

تؤدي الحرب الإقليمية المستمرة إلى تفاقم الأزمة في لبنان من خلال مسارين متداخلين: التأثير المباشر والمدمر للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتأثيرات الاقتصادية الأوسع نطاقاً التي تتداعى الآن في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إن ارتفاع أسعار النفط، والضغوط التضخمية، والاضطرابات التجاريّة، والضغوط على حركة التحويلات المالية، كلها عوامل تضرب بلداً أضعفته بالفعل سنوات من الانهيار المالي، والتآكل الاجتماعي، والشلل المؤسسي.

وبالتالي، فإن ما نشهده ليس مجرّد أزمة طاقة خارجية بالنسبة للبنان، بل تهديد مباشر للاستقرار النقدي، وتوفّر الكهرباء بأسعار معقولة، ورفاهية الأسر. فالبلد الذي يعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد والتدفقات المالية الخارجية يكون معرضاً بشكل خاص لارتفاع فواتير الاستيراد، وزيادة الطلب على العملة الأجنبية، وتجدد الضغط على احتياطات العملات الأجنبيّة الهشة أصلاً.

يقع قطاع الكهرباء في قلب هذه الأزمة. إن اعتماد لبنان على الوقود المستورد يعني أن عدم الاستقرار الإقليمي ينعكس بسرعة على تكلفة كل من الإمداد العام والتوليد الخاص، مع عواقب فورية على التضخم والفقر وعدم المساواة. وبالتالي، فإن الوضع الحالي لا يكشف فقط ضعف لبنان أمام الصدمات الناجمة عن الحرب؛ بل يسلط الضوء أيضاً على الأسئلة المطروحة منذ فترة طويلة حول التسعير والحماية الاجتماعية والتنظيم وسيادة الطاقة.

 تستكشف هذه الأسئلة والأجوبة مع علي نور الدين، الخبير الاقتصادي وخبير الطاقة، كيف تعيد الحرب الإقليمية تشكيل التوازنات النقدية في لبنان وتكاليف الكهرباء والاستقرار الاجتماعي، وما هي الخيارات السياساتية المطلوبة الآن لمنع حدوث انهيار اقتصادي وسياسي أعمق.

كيف ستؤثر أزمة الطاقة العالمية على التوازنات النقدية المحلية في لبنان، التي تعاني بالفعل من الضغوط الناجمة عن الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019؟

في عام 2025، شكلت المنتجات المعدنية، التي تتألف أساساً من مشتقات النفط، أكبر فئة من الواردات اللبنانية، حيث شكلت 22.94% من إجمالي الواردات وبلغت قيمتها 4.83 مليار دولار أمريكي. ارتفعت أسعار خام برنت حتى الآن بنسبة 55% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما يُتوقع أن ينعكس في زيادات مماثلة في فاتورة استيراد مشتقات النفط.

وستكون زيادة بهذا الحجم كافية لزيادة الطلب المحلي على الدولار الأمريكي في لبنان بأكثر من 2.65 مليار دولار سنوياً، لتمويل هذه الواردات، ما لم تتعافى الأسواق من صدمة الطاقة المستمرة في الأسابيع المقبلة.

ومع ذلك، لن تقتصر الضغوط النقدية الناتجة عن ذلك على تكلفة استيراد مشتقات النفط. فقد أشارت تقديرات سابقة لصندوق النقد الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط الخام تؤدي إلى زيادة بنسبة 0.4% في معدلات التضخم العالميّة، مما يشير إلى تأثير أسعار النفط على أسعار جميع السلع المستوردة. وهذا أمر مهم بشكل خاص بالنسبة للبنان، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاته الاستهلاكية. في عام 2025، بلغ إجمالي الواردات 21 مليار دولار أمريكي، بينما بلغ العجز التجاري حوالي 17.44 مليار دولار أمريكي. ولهذا السبب، أي زيادة إضافية في فاتورة الواردات ستؤدّي إلى توسيع العجز التجاري، كما ستزيد الطلب على العملات الأجنبية لتمويل كل من الاستهلاك والواردات الأساسية.

كيف يمكن أن تؤثر الحرب الإقليمية على تدفقات التحويلات المالية واحتياطات النقد الأجنبي في لبنان، وماذا سيعني ذلك بالنسبة لاستقرار سعر الصرف؟

من المرجح أن تقابل هذه الضغوط النقدية المتزايدة ضغوط أكبر على حركة تحويل الأموال إلى لبنان. خلال السنوات الأخيرة، تراوحت التحويلات المالية الواردة من المغتربين بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، وفقاً لأرقام مصرف لبنان. وتشكل دول الخليج العربي أحد أهم مصادر تدفقات التحويلات المالية إلى لبنان، حيث يقيم فيها أكثر من 600 ألف لبناني. ومن المتوقع أن تنخفض هذه التدفقات بشكل ملحوظ في الفترة المقبلة، في ضوء الضغوط الاقتصادية التي تواجهها هذه الدول. وقد بدأ البنك المركزي بالفعل بتلمّس تداعيات هذا الوضع، حيث انخفضت احتياطات العملات الأجنبية بمقدار 538.89 مليون دولار أمريكي بين منتصف شباط/فبراير ونهاية آذار/مارس. وقد حافظ البنك المركزي، حتى الآن، على إحدى الركائز الأساسية لسياسته النقدية الحالية، والمتمثلة في الحفاظ على سعر الصرف الرائج في السوق الموازية. لكن، في المقابل، لم تعد لديه القدرة على مراكمة احتياطات إضافية، بل انتقل، بدلاً من ذلك، إلى مرحلة استنزاف الاحتياطات من أجل الحفاظ على استقرار سعر الصرف.

وإذا استمر هذا الاستنزاف بالتوازي مع استمرار الحرب، فستضطر السلطات اللبنانيّة إلى اعتماد أحد الخيارين: إما الحفاظ على استقرار سعر الصرف عن طريق استعمال المزيد من احتياطات النقد الأجنبي، أو الحفاظ على الاحتياطات على حساب التخلي عن سياسة تثبيت سعر الصرف.

كيف تنعكس الحرب الإقليمية الحالية على كلفة إنتاج الكهرباء في لبنان، نظراً لاعتماده شبه الكامل على الوقود المستورد؟

بالنسبة لكلفة إنتاج الكهرباء، يظهر التأثير الأسرع في قطاع المولدات الخاصة. وفقاً لجدول التعرفات الشهري لوزارة الطاقة والمياه اللبنانية، ارتفعت التعرفة الرسمية للمولدات الخاصّة من 30,244 ليرة لبنانية/كيلوواط ساعة (0.34 دولار أمريكي/كيلوواط ساعة) في شباط/فبراير 2026 إلى 40,580 ليرة لبنانية/كيلوواط ساعة (0.45 دولار أمريكي/كيلوواط ساعة) في آذار/مارس 2026، ما عكس زيادة بنسبة 34.17% خلال شهر واحد. وكان الدافع الأساسي لهذا التطور هو ارتفاع السعر المرجعي للديزل، الذي ارتفع هو الآخر من 1,398,957 ليرة لبنانية (15.63 دولار أمريكي) لكل 20 لترًا إلى 1,982,753 ليرة لبنانية (22.15 دولار أمريكي) لكل 20 لترًا، خلال الفترة نفسها.

ونظراً لأن الوقود يمثل حوالي 82% من إجمالي تكاليف توليد الكهرباء بالديزل في القطاع الخاص، وفقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن تقلبات أسعار الوقود تشكل عاملاً رئيسياً في حركة الأسعار في قطاع توليد الكهرباء الخاص في لبنان، مع درجة عالية من انتقال هذه التكاليف إلى تعرفات المستخدم النهائي. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن تُترجم الزيادات الإضافية في أسعار النفط العالمية إلى زيادات مقابلة في تعرفات المولدات الخاصة، كما لوحظ في شهر آذار/مارس. وتجدر الإشارة إلى أن ما بين 67 و83% من إجمالي استهلاك الكهرباء يتم تغطيته حالياً من مصادر خاصة ولا مركزية، في حين أن المولدات الخاصة مسؤولة عن 51% من إجمالي الإنتاج المحلي.

وحتى الآن، لم يتم اتخاذ أي قرار بتعديل التعرفة التي تطبقها مؤسسة كهرباء لبنان (EDL). ولا تزال التعرفة مُحدّدة على أساس دعم أول 100 كيلوواط ساعة لكل مشترك بمعدل 0.10 دولار أمريكي/كيلوواط ساعة، في حين يتم تسعير الاستهلاك فوق هذا الحد بمعدل 0.27 دولار أمريكي/كيلوواط ساعة. ومع ذلك، فقد تم تحديد هذه التعرفة في الأصل بناءً على سعر افتراضي يبلغ حوالي 1,000 دولار أمريكي للطن من الغازويل و580 دولار أمريكي للطن من زيت الوقود، في حين أن الأسعار الحالية باتت أعلى بنسبة 48.7% من هذه المستويات.

ولهذا السبب، ستواجه السلطات اللبنانية ثلاثة خيارات سياسية صعبة في حال استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة: إما رفع التعرفة على المستهلكين، أو تقديم دعم مالي لمؤسسة كهرباء لبنان، أو السماح لمؤسسة كهرباء لبنان بمراكمة الخسائر المالية من جديد، ما سيؤدّي إلى تدهور تدريجي في إمدادات الكهرباء.

 

كيف سيؤثر ارتفاع أسعار النفط على الاستقرار الاجتماعي في لبنان؟

وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك، تمثل فئة النقل حوالي 13.1% من إجمالي سلة استهلاك الأسرة، في حين تشكل الطاقة — إلى جانب مشتقات النفط الأخرى والمياه — حوالي 11.8%. ومن المتوقع أن ترتفع الأسعار والإنفاق في هذه الفئات بشكل متناسب مع ارتفاع أسعار النفط.

ومع ذلك، لن تؤثر تكلفة واردات النفط على فئات الإنفاق المرتبطة بالنقل والطاقة فحسب، بل ستؤثر أيضًا، على جميع فئات الاستهلاك الأخرى. فالتكاليف المتعلقة بالطاقة مدمجة في أسعار جميع السلع والخدمات في السوق، نظرًا لارتباطها المباشر بالنقل وعمليات الإنتاج وتشغيل المؤسسات التجارية.

وتجدر الإشارة إلى أنه قبل تصاعد الحرب، وبحلول نهاية شهر كانون الثاني/يناير، سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعاً سنوياً بنحو 11%، ما يُشكّل نسبة مرتفعة وقاسية على المستوى المعيشي، لا سيما في ضوء الاستقرار النسبي لسعر الصرف على مدى السنوات الثلاث الماضية. وقد ترتب على ارتفاع معدل التضخم، على الرغم من استقرار سعر الصرف، انخفاض في القوة الشرائية لجميع الأجور، بما فيها تلك المقومة بالعملات الأجنبية.

وستؤدي هذه الضغوط التضخمية إلى مزيد من الارتفاع في معدلات الفقر، مدفوعة بتآكل القوة الشرائية الحقيقية للأجور. ويأتي ذلك في سياق تدهور حاد في الظروف المعيشية، حيث أدت الضغوط التضخمية إلى تآكل كبير في الدخل الحقيقي على مدى السنوات الست الماضية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الفقر في لبنان قد تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الماضي، ليصل إلى حوالي 44% من السكان، مدفوعاً إلى حد كبير بانهيار القوة الشرائية.

 

كيف ينبغي للبنان أن يوازن بين تعريفات الكهرباء التي تعكس التكلفة والحماية الاجتماعية، خاصة وأن القدرة على تحمل التكاليف هي المحرك الرئيسي لأمن الطاقة وسيادتها؟

أظهرت التجربة في هذا القطاع أن تراكم العجز في مؤسّسة كهرباء لبنان على المدى الطويل يهدد استدامة إمدادات الشبكة. كما سيفرض ذلك أعباءً كبيرة على المالية العامة للدولة، التي تعاني بالفعل من ضغوط الحرب المستمرة. كما أظهرت التجربة أن البديل عن إمدادات الطاقة من مؤسّسة كهرباء لبنان هو الاعتماد بشكل أكبر على المولدات الخاصة، الأكثر كلفة بنسبة كبيرة. وهذا يعني أن ترك الأسر لهذا الخيار ليس خياراً سياسياً محايداً، بل هو نقل للعبء إلى ترتيبات أقل شفافية وعدالة.

وبناءً على ذلك، إذا استمرت الفترة الحالية من الاضطراب في أسواق الطاقة، فينبغي تعديل تعرفة مؤسسة كهرباء لبنان، لشرائح الاستهلاك الأعلى، وبحسب صيغة حسابيّة متحرّكة، مع الإفصاح الدوري عن مكونات التكلفة. وتعد مثل هذه التدابير ضرورية لمنع تحول صدمات أسعار النفط إلى أزمات سياسية أو إلى خسائر خفية داخل ميزانيّات مؤسسة كهرباء لبنان. وسيظل إجراء من هذا النوع أقل تكلفة على المستهلكين من تعريضهم بالكامل لتقلبات تعريفات المولدات الخاصة، لا سيما في حالة انخفاض أو انقطاع إمدادات مؤسسة كهرباء لبنان.

وفي هذا السياق، فإن النهج الأمثل هو دعم الشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي الأساسي، بدلاً من دعم الاستهلاك الإجمالي بشكل شامل. ويتوافق هذا مع التجربة الدولية في إصلاح دعم الطاقة، على النحو الذي أوصى به صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث يتم توجيه الدعم إلى "الحد الأدنى الضروري" بدلاً من إفادة المستخدمين ذوي الاستهلاك الأعلى بشكل غير متناسب. في الواقع، تم تصميم نموذج التسعير الحالي في الأصل على هذا الأساس. ومع ذلك، أدت الزيادة الأخيرة في أسعار النفط إلى تحويل التعرفة المطبقة فعلياً إلى تعرفة مدعومة لجميع فئات المستهلكين.

ولكي تخفّف إمدادات مؤسّسة كهرباء لبنان من عبء تعرفات المولدات الخاصة، ينبغي أن تعيد تدريجياً المستويات القصوى الممكنة من ساعات التغذية، بما يتماشى مع السعة الحالية لمحطات توليد الكهرباء. ويمكن لمؤسّسة كهرباء لبنان نظرياً زيادة الإمدادات إلى ما يصل إلى 1,884 ميجاوات، مقارنة بالطلب الإجمالي المقدر بحوالي 3,000–3,500 ميجاوات للتغذية على مدار 24 ساعة. ومع ذلك، ما زالت هذه الإمدادات مقيدة بعوامل هيكلية، بما في ذلك القدرة المحدودة على تمويل شراء الوقود، ونسب الهدر الفنية وغير الفنية المرتفعة، وضعف تحصيل الفواتير، والتحفظات السياسيّة على تعديل التعرفة. ويتطلب التغلب على هذه القيود الشروع في عملية تصحيح تدريجي للتعرفة — لا سيما بالنسبة لشرائح الاستهلاك الأعلى — إلى جانب تعزيز آليات الإنفاذ والتحصيل وتحسين البنية التحتية للشبكة.

تعد القدرة على تحمل التكاليف جوهر أمن الطاقة. والنهج الأكثر كفاءة هو دعم الأسر ذات الدخل المنخفض والسكان النازحين مباشرة من خلال التحويلات النقدية أو الإعانات الموجهة لتمويل الفواتير، بدلاً من دعم أسعار الكهرباء بشكل عام. ويمتلك لبنان بالفعل إطاراً قائماً يمكن البناء عليه لهذا الغرض، من خلال شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة (AMAN) وبرامج الاستهداف الاجتماعي الأخرى، التي تستخدمها وزارة الشؤون الاجتماعية حالياً لدعم السكان النازحين. ويعد هذا النهج أكثر إنصافاً وأقل تكلفة على المالية العامة مقارنة بالإعانات واسعة النطاق.

إذا قررت الحكومة اعتماد تدبير مؤقت للدعم المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، لتعويض ضغوط ارتفاع أسعار النفط، فمن الضروري ضمان إطار عمل شفاف من خلال الموافقة على مخصصات إضافية في الميزانيّة، وبسقوف محددة بوضوح. وينبغي أن يرافق ذلك إطار زمني محدد وخطة واضحة المعالم. مثل هذا النهج ضروري لتجنب أشكال الدعم الضمني السابقة، التي كانت تُقدم من خلال سلف متكررة من الخزانة.

 

كيف تعيد الحرب المستمرة تشكيل الاقتصاد السياسي للكهرباء في لبنان، ولا سيما دور شبكات المولدات الخاصة التي تعمل بالديزل، وماذا يعني ذلك بالنسبة لتنظيم الأسعار والإنصاف؟

أدى إلغاء دعم الديزل في عام 2022 إلى دولرة سريعة وارتفاع حاد في تعرفات المولدات الخاصة. وأدى العجز الواسع النطاق عن تحمل تكاليف الكهرباء إلى انخفاض الطلب بنسبة تقدر بـ 52٪، مما حوّل الكهرباء فعلياً من خدمة عامة إلى سلعة يتحدد توفّرها بحسب دخل الأسرة. ومن المرجح أن تؤدي الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود إلى نتيجة مماثلة، مما سيزيد من القيود على الطلب، كما سيعمق التفرقة في الوصول إلى الكهرباء على أساس الدخل.

وقد شددت وزارة الاقتصاد رسمياً على ثلاثة متطلبات أساسية لهذا القطاع: تركيب عدادات إلكترونية لجميع المشتركين في المولدات الخاصة التي تعمل بالديزل، والاستخدام الحصري للعدادات لتقدير الاستهلاك، والالتزام الصارم بالتعرفة الشهرية الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، مع حظر أي رسوم إضافية. كما منعت أي استنسابيّة في توزيع الكهرباء.

ومع ذلك، فقد تباينت درجة الامتثال لهذه التوجيهات بشكل كبير بين المناطق، بحسب قوة كارتلات المولدات المهيمنة في كل منطقة، وطبيعة الدعم السياسي الذي تحظى به. وإذا استمرت تغذية مؤسّسة كهرباء لبنان بالانخفاض وسط أزمة الطاقة الحالية، فسوف يزداد الاعتماد على المولدات الخاصة. وهذا ما سيضخم الثقل الاجتماعي والسياسي لشبكة المولدات الخاصّة، كما سيجعل تنظيمها أكثر حساسية، حيث إن أي مواجهة معها قد تترجم مباشرة بانقطاع التيار الكهربائي على مستوى الأحياء.

لهذه الأسباب، ولا سيما في ظل الظروف الحالية، من الضروري تعزيز إطار الرقابة التنظيمية الذي يحكم تشغيل المولدات الخاصة كحل سريع ومؤقت. وقد واجهت الجهود التنظيمية السابقة قيوداً بسبب محدودية القدرة على الإنفاذ، وتجزئة الرقابة، والاعتماد الهيكلي الكبير للأسر على المولدات الخاصة، مما جعل الإنفاذ الصارم أمراً صعباً على المستوى السياسي والاجتماعي.

ومن الآن فصاعداً، سيتطلب تحسين التنظيم اتباع نهج أكثر شمولاً، بما يجمع بين المراقبة الأكثر صرامة وتقليل الاعتماد على المولدات الخاصة. وينبغي أن يشمل ذلك تكثيف عمليات التفتيش الميدانية وإنشاء آليات أكثر فعالية للتعامل مع الشكاوى، إلى جانب مجموعة متطلبات محددة بدقة أكبر لضمان الشفافية في التسعير والفوترة. وسيكون تعزيز الإنفاذ على المستوى البلدي ضرورياً لتحقيق هذه الأهداف. والأهم من ذلك، سيتطلب هذا إرادة سياسية على مستوى السلطة التنفيذية للتغلب على شبكات المحسوبية المحلية التي قد تعرقل تنفيذ هذه التدابير.

وينبغي تنفيذ هذه الخطوات بالتوازي مع السياسات اللازمة للحفاظ على إمدادات الكهرباء التي توفرها مؤسّسة كهرباء لبنان، وتوسيع نطاقها، من أجل تقليل درجة الاعتماد على المولدات الخاصة إلى أقصى حد ممكن. ولا تتطلب الإصلاحات الفعالة تنظيم الأسعار فحسب، بل تتطلب أيضاً مراقبة أكثر رسمية، مع الاستعاضة التدريجية عن شبكات المولّدات الخاصّة ببدائل أقل كلفة من الناحية الهيكلية، وأكثر شفافية.

ما هي التوصيات التي يمكنك تقديمها لمستقبل سيادة الطاقة في لبنان؟

لقد فتحت الحرب المستمرة الباب أمام مناقشات أكثر جوهرية حول البنية التحتية الإقليمية للنفط والغاز ومشاريع ربط خطوط الأنابيب، بهدف تنويع سلاسل إمدادات الطاقة. وهذا بدوره سيخلق فرصاً محتملة للبنان في فترة ما بعد الحرب، ليضع نفسه ضمن شبكات النقل والإمداد الإقليمية الناشئة. وقد تشمل هذه الفرص إعادة تفعيل منشآت النفط في طرابلس والزهراني، بالإضافة إلى إحياء خطوط الأنابيب التي تربطهما بالعراق أو المملكة العربية السعودية.

وفي الوقت نفسه، أبرزت تداعيات الحرب الإقليمية المستمرة أهمية تنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك الحاجة إلى تعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة، بهدف استيعاب الصدمات الخارجية غير المتوقعة والتخفيف من تأثيرها. وقد تشكل مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب فرصة مناسبة لإعادة النظر في استراتيجية شاملة تعطي الأولوية لمشاريع الطاقة المتجددة، بما في ذلك التوليد اللامركزي، مع الاستفادة من الإطار القانوني الذي أنشأه القانون رقم 318-23.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.