إعادة ربط الطاقة والمشاركة: العدالة في مجال الطاقة في الجزائر

Reconnecting Power and Participation: Energy Justice in Algeria
محطة وقود نفطال في سطيف، الجزائر - أكتوبر 2023. © حمدي بندلي

1. مقدمة وإطار تحليلي 

تقف الجزائر عند مفترق طرق حاسم في مسارها في مجال الطاقة والتنمية. فقد اعتمدت طويلاً على الهيدروكربونات كدعامة للنمو الاقتصادي وعائدات التصدير والنفوذ الجيوسياسيلكنها تواجه الآن مطلباً مزدوجاً وملحاً بشكلٍ متزايد: الحد من الاعتماد الهيكلي على الوقود الأحفوري مع ضمان الوصول العادل إلى الطاقة لسكانها. وفي هذا السياق، فإن السعي إلى تحقيق انتقال عادل في مجال الطاقة – انتقال يكون شاملاً اجتماعياً ومتوازناً إقليمياً وممكّناً اقتصادياً لا يظهر فقط كخيارٍ سياسي، بل كضرورةٍ وطنيةٍ ملحة. 

يسعى هذا التقرير إلى المساهمة في النقاش الوطني حول الطاقة من خلال دراسة مسارات الانتقال العادل للطاقة في الجزائر، الذي لا يُفهم مجرد تحول تقني نحو مصادر الطاقة المتجددة، بل كتحول مجتمعي أوسع نطاقاً يرتكز على المساواة والمشاركة والاعتراف. في هذه الدراسة، يُعرَّف الانتقال العادل للطاقة بأنه عملية تضمن التوزيع العادل للمنافع والأعباء المتعلقة بالطاقة، وتضمن المشاركة الفعالة في صنع القرار، وتعترف رسمياً بالفئات والمناطق المهمشة تاريخياً في حوكمة الطاقة. يتمحور التحليل حول ثلاثة أبعاد عملية مترابطة للعدالة في مجال الطاقة: العدالة التوزيعية، التي تدرس كيفية توزيع التكاليف والفوائد والفرص؛ والعدالة الإجرائية، التي تقيّم الوصول إلى عمليات صنع القرار والحوكمة؛ والعدالة الاعترافية، التي تركز على الأصوات والهويات والواقع الإقليمي المعترف بها أو المستبعدة. استنادًا إلى السياقات الاجتماعية والقانونية والإقليمية والمؤسسية الخاصة بالجزائر، يهدف التقرير إلى إطلاع صانعي السياسات وأصحاب المصلحة على الإصلاحات اللازمة لضمان أن يصبح تحول الطاقة وسيلةً حقيقيةً لتحقيق العدالة. 

تمحور النقاش حول تحول الطاقة في الجزائر بشكلٍ كبير حول أهداف القدرة الكهربائية (الميغاواط)، وتوسيع البنية التحتية، ومتطلبات الاستثمار. وبينما تُعتبر هذه الأبعاد ضرورية، إلا أنها تميل غالباً إلى إخفاء مسائل اجتماعية ومؤسسية أكثر جوهريةمن يستفيد من التحول، ومن يتحمل تكاليفه، ومن يبقى غير مرئي في عمليات التخطيط واتخاذ القرار. يوسع هذا التقرير عمداً نطاق التحليل ليُبرز الأبعاد التوزيعية والإجرائية والاعترافية للعدالة في مجال الطاقة، مع إيلاء اهتمام خاص للعدالة بين الأجيال، واللامركزية، ومشاركة المجتمع المدني، والتفاوتات المستمرة والإقليمية. 

تستند الدراسة إلى حجة مفادها أن تحول الطاقة في الجزائر لن يحقق الاستدامة طويلة الأمد أو الشرعية على نطاقٍ واسع إلا إذا أُصلحت أطر الحوكمة من أجل لامركزية صنع القرار، وتمكين الجهات الفاعلة المحلية من التخطيط والتنفيذ، ومواءمة الطموحات الوطنية في مجال الطاقة بشكلٍ صريح مع أهداف التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعيةويُفترض أنه من دون هذه التحولات الهيكلية، يواجه الانتقال خطر تعزيز التفاوتات القائمة والعقبات المؤسسية بدلاً من تجاوزها. 

1.1 الأسئلة الإطارية 

لتوجيه التحليل، أُعدّ التقرير على ثلاثة أسئلة أساسية: 

  • هل يمكن للجزائر أن تقوم بتحول طاقي عادل اجتماعياً ومتوازن إقليمياً مع الحفاظ على مكانتها كأحد أكبر مصدّري الهيدروكربونات؟  

يتناول هذا السؤال التوتر بين الاستمرارية والتحول، وإذا كان النموذج الحالي قادراً على التطور لدمج الطاقة المتجددة من دون الإخلال بالدور الاقتصادي والسياسي للهيدروكربونات. 

  • من هم المستبعدون حالياً من نظام الطاقة والعمليات السياسية في الجزائر؟ 

تسلط الدراسة الضوء على الاستبعاد الهيكلي للشباب والنساء والعاملين في القطاع غير الرسمي وسكان المناطق المهمشة من النظام البيئي للطاقة في الجزائر. استُشيرت هذه الفئات من خلال مجموعات نقاش، وتنعكس آراؤهم في جميع أنحاء التقرير، إذ تساعد تجاربهم في تحديد نقاط انطلاق عملية لتحول أكثر شمولاً. 

  • كيف تعزز الأطر القانونية وآليات الحوكمة العامة وأدوات التمويل العدالة في قطاع الطاقة أو تعوقها؟  

يستكشف هذا الخط من التحقيق القيود الهيكلية والمؤسسية والمالية التي تشكل مشهد الطاقة في الجزائر وتحدد مدى شمولية إصلاحاتها. 

1.2 المنهجية والنهج التحليلي 

يتبنى التقرير منهجية نوعية واستكشافية وتشاركية. وهو يجمع بين مصادر متعددة للأدلة ويستند إلى منظورات مؤسسية ومجتمعية.  وتضمنت عملية البحث ثلاث مكونات رئيسية: 

  • مراجعة مكتبية شاملة لوثائق سياسة الطاقة الجزائرية والنصوص القانونية والخطط الاستراتيجية والأطر الدولية ذات الصلة بالعدالة المناخية والتنمية المستدامة. 
  • سلسلة من المقابلات شبه المنظمة مع الجهات المعنية الرئيسية في مختلف القطاعات، من ضمنها ممثلو منظمات المجتمع المدني والمبادرات التي يقودها الشباب والمهنيون في مجال الطاقة والجهات الفاعلة الإقليمية. وصُممت هذه المقابلات لالتقاط التصورات والقيود والتوقعات المتعلقة بانتقال الطاقة على مختلف المستويات الإقليميةفي حين سعى التقرير إلى التمثيل الإقليمي المتوازن، ركز جمع البيانات الأولية على مناطق مختارة في المرتفعات والجنوب، وبالتالي قد لا يعكس التنوع الكامل للتجارب عبر جميع المقاطعات الجزائرية. 

أجريت مناقشتان جماعيتان مع فئات متميزة من المشاركين. جمعت المجموعة الأولى ممثلين عن المجتمع المدني، من ضمنهم باحثون أكاديميون وخبراء في الطاقة والمناخ ونشطاء في مجال العدالة المناخية يقودهم الشباب وأعضاء جمعيات علمية تعمل في قضايا الطاقة، ومهنيون سابقون من قطاع الطاقة الوطني. وتألفت المجموعة الثانية من أصحاب المصلحة من القطاع الخاص، ولا سيما المشغلين الاقتصاديين ورجال الأعمال المشاركين بنشاط في سلسلة قيمة الطاقة في الجزائر. ووفرت هذه المشاورات مجتمعةً رؤى نوعية حول تصورات الجمهور والتحديات التي تواجه الحوكمة والتباينات الإقليمية المتعلقة بانتقال الطاقة. وكان الهدف من تنوع المشاركات هو الحد من التحيز المحتمل المرتبط بتوافر أصحاب المصلحة المشاركين واستجابتهم ومواقفهم التي قد تؤثر على وجهات النظر التي جرى التوصل إليها.  

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.