أزمة كوفيد-19 وعدم المساواة الصحية: تأثير تفاقمي متبادل في المنطقة العربية

نُشِرَت هذه الورقة أولا كجزء من تقرير الراصد العربي الخاص بشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية حول الحق في الصحة. لقراءة الورقة كاملة، يرجى تحميل ملف الPDF الموجود على يسار الصفحة.

المقدمة:

في أعقاب تفشي جائحة كوفيد-19، شهدت المنطقة العربية ازديادًا هائلاً في التفاوت في الحصائل الصحية. وقد ساهمت التفاوتات القائمة في الأمراض المزمنة وعدم المساواة في المحددات الاجتماعية للصحة بتفاقم خطورة جائحة كوفيد-19.

 

تسبّب تفشّي جائحة كوفيد-19 في العام 2019 في تراجعٍ حادٍ في التوظيف والرعاية الصحية والتعليم والنشاط الاقتصادي وخطط الرعاية الاجتماعية في المنطقة العربية، وأثّر بشكلٍ غير متناسبٍ على الفئات الاجتماعية الأكثر فقراً والأكثر ضعفاً (Kamurase & Willenborg 2021). ولأنّها تُعدّ أزمة صحيّة إلى حد كبير، فقد كان تأثير الجائحة واضحًا في المقام الأول على النظم الصحية، وأدّى بشكلٍ خاص إلى تعميق عدم المساواة الصحية وتسريعها. وقد ظهر ذلك في تفاوت معدّلات الإصابة والوفيات، وعدم المساواة في الوصول إلى المرافق الطبيّة وأسرّة المستشفيات مراكز الاختبار والتلقيح، فضلاً عن تفاوت جودة العلاج وكفاءة الطاقم الطبي، وعبء التكلفة الذي تتحمله الفئات الاجتماعية المختلفة، مع تأثيرٍ مباشرٍ على الحق في الصحة (Filip et al. 2022).

 

وقد تعزّز الرابط بين التفاوت في الدخل والتفاوت في الصحة بسبب جائحة كوفيد-19. فغالبًا ما يواجه الأفراد ذوو الدخل المنخفض عوائق أمام الوصول إلى الرعاية الصحية الجيدة، مثل صعوبات التنقل والقيود المالية، مما يؤدي إلى تفاوت في الحصائل الصحية (Kawachi & Kennedy 1999). في خلال الجائحة، اشتدّت هذه التفاوتات؛ فكان الأفراد ذوو الدخل المنخفض، على سبيل لمثال لا الحصر، أكثر عرضة لخطر التعرّض للفيروس بسبب المهن أو الظروف المعيشية المرتبطة، وكان لديهم وصول محدود إلى الرعاية الصحية والموارد اللازمة للوقاية والعلاج. وأدّى الوباء بدوره إلى تفاقم عدم المساواة في الدخل، إذ تسبّب في فقدان الوظائف على نطاق واسع، وإغلاق الشركات، والانكماش الاقتصادي، مما أثّر بشكلٍ غير متناسب على الفقراء. وبالفعل، أدى الوباء إلى فقدان ما يقرب من 8.8 مليون شخص لوظائفهم في المنطقة العربية، فاتّسعت الفجوة الاقتصادية أكثر. علاوة على ذلك، أدى الوباء إلى زيادة غير مسبوقة بنسبة 1.3% في معدل البطالة في الدول العربية خارج مجلس التعاون الخليجي، وأصبح أكثر من 39 مليون فرد في المنطقة يعملون في القطاعات المتضرّرة بشدّة (Dewan et al. 2022; Abu-Ismail et al. 2021). ومن الجدير بالذكر أن أغنى 10% من السكان يمتلكون الآن 81% من إجمالي ثروة المنطقة، مقارنة بـ 75% من الثروة قبل تفشّي الوباء (ESCWA 2022a). وفي العام 2020، انضمت البحرين والإمارات العربية المتحدة واليمن والمملكة العربية السعودية وعمان والكويت إلى قائمة البلدان العشرين الأكثر عدم مساواة في العالم التي شملت لبنان والمملكة العربية السعودية فحسب في العام السابق (ESCWA 2022b).

 

وقفز التضخم أيضًا إلى مستويات عالية في عددٍ كبيرٍ من البلدان مثل السودان (269.3%)، ولبنان (150.4%)، واليمن (45.0%)، وليبيا (22.3%)، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الوباء (Dabrowski & Domínguez-Jiménez 2021). ولكنّ الوباء تداخل مع عددٍ من الأزمات طويلة الأمد والمتفاقمة في السياقات العربية المختلفة، مثل الأزمة الاقتصادية والمالية وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس في لبنان، و"التراجع" السياسي في أعقاب الانقلاب الذاتي الذي قام به قيس سعيد في تمّوز/يوليو 2021، ونشوء المشكلة النقدية في تونس، والأزمة الاقتصادية وأزمة العملة في مصر، وأزمة المياه وما تلاها من تقلبات اقتصادية في العراق، فضلاً عن تجدّد الصراع في النقاط الساخنة الإقليمية. وترافقت هذه التطورات مع تقلّبات اقتصادية ذات تداعيات اجتماعية واقتصادية حادّة، خاصةً وأنها ترافقت بارتفاع في تكاليف المعيشة وموجة رفع الدعم، ما أثّر على أسعار الوقود والغذاء والأدوية بسبب استنفاد الموازنات العامّة واستنزاف الاحتياطات الأجنبية. أدّى ذلك الوضع إلى تفاقم التضخم وتدهور القدرة الشرائية للناس، وسط فقدان الوظائف وفرص العيش (نعمةNehmeh/ 2021). وفي حين يصعّب ذلك تقييم تأثير الوباء على العدالة الاجتماعية وعدم المساواة، يعزّز فكرة زيادة عدم المساواة في أعقاب جائحة كوفيد-19، وخاصّة زيادة عدم المساواة في الصحّة نظرًا لعلاقتها غير المباشرة مع عدم المساواة في الثروة والدخل.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.