نزار صاغية - لا مجتمع يزول بفعل الإفلاس المالي: حيوية المجتمع وحدها الكفيلة بتحقيق المحاسبة

تتطرق هذه المقابلة مع المحامي والمدير التنفيذي لـ”المفكرة القانونية” نزار صاغية إلى أهم أبعاد المحاسبة في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي الذي يشهده لبنان وترهّل مفهوم العدالة وغياب الثقة بالقضاء والفساد المستشري، وتحاول استنباط الأمل من خلال تسليط الضوء على حيوية المجتمع التي أعادتها إلى الواجهة “انتفاضة 17 تشرين”، بصفتها ثورة لإحياء المجتمع وإعادة بنائه وليست فقط انتفاضة ضد السلطة.

مظاهر يحمل لافتة مكتوب عليها باللغة العربية "بدنا العدالة علقوا المشانق" خلال مظاهرة بعد الانفجار، بيروت، لبنان، 8 آب/أغسطس 2020. اجتمع بعض الشعب لـ"سبت تعليق المشانق" احتجاجا ضد القادة السياسيين ودعيا لمحاسبة مسؤولي الانفجار. أعلنت وزارة الصحة اللبنانية يوم 7 آب/أغسطس بموت 154 شخصا على الأدنى وإصابة أكثر من 5،000 شخصا نتيجة انفجار بيروت الذي دمر المرفأ ويعتبر مصدره 2750 تون من نترات الأمونيوم كان مخزنا في أحد عنابر المرفأ.  © EPA-EFE/NABIL MOUNZER

بعد ما يقارب الشهرين على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، وبعد سنة على انتفاضة "17 تشرين 2019"، لا يزال اللبنانيون واللبنانيات ينتظرون المحاسبة في ملفات الفساد وهدر المال العام وخسارتهم لمدخراتهم الشخصية، وتحقيق العدالة من خلال محاسبة المسؤولين عن تفجير بيروت.

تتطرق هذه المقابلة مع المحامي والمدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية" نزار صاغية إلى أهم أبعاد المحاسبة في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي الذي يشهده لبنان وترهّل مفهوم العدالة وغياب الثقة بالقضاء والفساد المستشري. كما تحاول المقابلة استنباط الأمل من خلال تسليط الضوء على حيوية المجتمع التي أعادتها "انتفاضة 17 تشرين" إلى الواجهة، بصفتها ثورة لإحياء المجتمع وإعادة بنائه، وليست ضد السلطة فحسب.

شكّل مطلب القضاء المستقلّ أحد أهم المطالب الأساسية لحظة انتفاضة "17 تشرين 2019". بعد انفجار بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، رُفِعت المشانق في بيروت. كيف تفسّر هذا الانتقال من مطلب مؤسساتي إصلاحي إلى مطلب شعبي أشبه بالعدالة الخاصة؟

لا بدّ من وضع حراك "17 تشرين 2019" وانفجار بيروت في الإطار العام للفساد المستشري في الدولة والانهيار المالي، حيث بدأ المواطن يشعر تدريجياً بنتائجهما على حياته جراء غلاء المعيشة وخسارة الليرة اللبنانية لقيمتها، وصولاً إلى تدمير بيروت نتيجة الانفجار الكبير الذي حلّ.

قبل ذلك، كان المواطن يعتبر أن الفساد يطال الدولة التي ليست ملكاً لأحد، ولا تترتب عليه آثاراً مباشرة إلا في حالات استثنائية أو بسيطة بإمكانه التأقلم معها. وكأن ثمة معادلة غير معلنة قوامها أنه بإمكان الطبقة الحاكمة أن تستبيح أموال وموارد الدولة، مقابل الوهم بأن حقوق المواطن العادي وتحديداً الخاصة منها، أي الملكية الفردية والأموال والمدخرات، محفوظة وبإمكانه تطويرها، بما في ذلك من خلال نشاطات مخالِفة للقانون أحياناً.

لكن مع الانهيار المالي وانفجار بيروت، اكتشف المواطن بأنه خسر ملكيته الخاصة هذه. فالمدخرات تحوّلت إلى ودائع في مصرف لبنان، أي أنها تحولت من مال خاص إلى مال عام تم التصرف به بشكل لم يستفِدْ منه المواطن. والمنزل، أي الملكية الخاصة، قد دُمّر جراء الانفجار، وهو كان بالنسبة للعديد من الناس آخر ما تبقى لهم من مساحة خاصة يشعرون فيها بالأمان في ظل الانهيار الكبير.

إذن، نتج عن التلاقي بين الانهيار المالي والانفجار شعور ملموس ومتزايد لدى الفرد بأنه قد تمّ السطو على ممتلكاته التي انتُهِكَت بشكل صارخ. عملياً، دُمّر المنزل، وطارت الأموال والمدخرات ساد شعور لدى المواطن بأنّ لا حماية له في ظل دولة فاشلة أو غائبة أو فاسدة. نتج عن ذلك توجّهان يعكسان رغم تناقضهما محورية الدولة: الهجرة، أي البحث عن دولة ما، ولو كانت دولة أخرى؛ أو الانخراط في الشأن العام دفاعاً عما تبقى من الدولة اللبنانية، من خلال المشاركة في العديد من المبادرات التي تعكس حالياً استعادة المجتمع اللبناني لجزء من حيويته. وهما اتجاهان تُؤثر فيهما عوامل عدّة منها سبل الهجرة والأمل والوعي ومشاعر المسؤولية الوطنية والقدرة على الفعل.

فعلياً، أسقطت هذه التحولات الجذرية والسريعة فكرة محورية لطالما قام عليها مجتمع ما بعد الحرب الأهلية وهي لامبالاة الأفراد إزاء الشؤون العامة. فاتّضح أنه لا يمكن حماية أي شيء فردي أو شخصي بغياب العام. فالدولة هي الجسم الوحيد الكفيل بصيانة الحقوق الشخصية.

وبالعودة إلى سؤالك عن المحاسبة والمشانق، فإن الإجابة تأتي مما تقدّم. فحلم "17 تشرين 2019" قام بشكل خاصّ على الإحساس بالقدرة على الفعل أي استعادة المؤسسات وإصلاحها. وعليه، عبّرت الثورة عن رغبة جامحة في التأسيس لبناء الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها تحقيق استقلال القضاء. ففي حين حمل أمل الثورة والقدرة على التغيير شعارات ذات أبعاد مؤسساتية، منها مشروع استقلالية القضاء، فإن انفجار المرفأ ولّد مزيجاً من مشاعر الغضب والعجز أخذت أشكالاً ثأرية أكثر منها مؤسساتية: عندما يصبح من العسير استعادة المؤسسات وإعمال المحاسبة من خلال المؤسسات، يتزايد المَيل إلى أشكال المحاسبة الأخرى. ومن هنا، يكتسي شعار تعليق المشانق (مشانق السياسيين) أو القفز إلى العدالة الدولية رمزية فائقة. يبقى أن هذه المواقف الثأرية تعكس مزاجاً عابراً فرضه تراكم الخسائر والانهيارات وانسداد الأفق.

يبقى أنه رغم اختلاف المزاجين، فإن كلاهما عكس رغبة واضحة للتحرر من نظام الزعماء: رغبة تجلّت في شتم الزعماء في الفضاء العام في الأسابيع الأولى من "17 تشرين" وبلغت أقصاها مع تعليق المشانق في 8 آب/أغسطس 2020. وهذا سلوك هام يؤسس لإخراج أصنام الزعماء من هيكل الدولة ونسف مشروعيتهم.

لكن، إلى جانب المشانق، طالب البعض بتحقيق دولي. كيف تقرأ هذا المطلب؟

حصل الانفجار في 4 آب/أغسطس، قبل أيام من موعد صدور الحكم عن المحكمة الخاصة لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 8 آب/أغسطس. وقد تمّ إرجاء إصدار الحكم حتى 28 من نفس الشهر. لماذا نربط بين الانفجار وقضية الحريري؟

لحظة اغتيال الحريري والتي وصفت بـ"الزلزال" (وهي من منظور حقوقي صرف أقل خطورة من جريمة انفجار المرفأ)، علت أصوات تطالب بقوة بالتحقيق الدولي. وكان أول من طالب بالتحقيق الدولي آنذاك، بذريعة أن القضاء اللبناني عاجز بفعل تبعيته عن إجراء تحقيق نزيه ومستقل، هو الفريق نفسه الذي كان يرفض سابقاً أي انتقاد يوَجَّه للقضاء، لدرجة أنه قدم عدداً من مقترحات القوانين التي تعاقب أيّ نيل من هيبة القضاء.

وبمعزل عن أداء المحكمة الدولية في قضية الحريري، فإنها أخلّت بأحد أهدافها الرئيسية بحيث أنها تشكل رافعة للقضاء اللبناني، وهو الهدف الذي ما كان أعلن عنه الأمين العام الراحل للأمم المتحدة كوفي أنان. فربما كان أداء المحكمة في النظر في قضية اغتيال الحريري ممتازاً (هذا ليس محور بحثنا هنا)، لكن الأكيد أن مجرياتها دارت بمعزل عن النظام القضائي اللبناني ولم يكن لها أي أثر إيجابي عليه. وهكذا، بدا من الطبيعي أن كثيرين عادوا مع حصول زلزال الانفجار إلى المطالبة بتحقيق دولي في انفجار بيروت. إلّا أن هذه المرة، لم يلقَ الطلب نفس الاستجابة على الصعيد الدولي.

بالنسبة لي، ليس مثالياً أن نقفز مع كل جريمة كبيرة للمطالبة بتدويل التحقيق والمحاكمة. المثالي هو أن نحوّل كل الزخم الناشئ عن هذه القضية ليكون مدمِكاً لإصلاح القضاء الوطني وتطويره. يبدأ ذلك من خلال تأمين زخم حقوقي حول هذه القضية أو من خلال ما أسميناه "مأسسة الوجع"، أي تكريس هوية الضحية بوجه التطييف والتسييس للانفجار. وهنا، لا بد من التحذير من مساعي بعض القوى السياسية إلى تطييف الضحية. هذا، مثلاً، ما نقرأه في ادعاء النائب نقولا صحناوي بأن انفجار مرفأ بيروت أدى إلى قتل مسيحيين تماماً كتفجيري "هيروشيما" و"ناغازاكي". فعلياً، هذه محاولة صريحة من طرف مسؤول للتنصل من المسؤولية عن الجريمة من خلال لبس ثياب الضحية بعد تطييفها، والقول بشكل مباشر أو غير مباشر: نحن كمسيحيين، جميعنا ضحايا.

تطبيقياً، النموذج الأمثل الذي نحاول اعتماده هو نموذج "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" وهم من نعتبرهم "المقاومة الأصيلة" إذ أنهم بقوا شهوداً على بشاعة نظام الزعماء، أكان خلال الحرب الأهلية أو مرحلة السلم الأهلي التي تلتها. نحث ونشجع حالياً الضحايا على إنشاء جمعية لهم تكون عابرة للطوائف بهدف تكريس البعد الحقوقي للقضية. ليس هدف المحكمة، أيُّ محكمة، إنصاف المتضررين فقط وإنما أيضاً – وخصوصاً في بلد ترهّلت فيه العدالة مثل لبنان – يكون الهدف من عملية المحاسبة هو تعزيز الثقة وإرساء أسس متينة للمستقبل تحفظ حق الضحية، أي ضحية كانت.

لكن الناس لا تثق بالضرورة بالقضاء اللبناني.

أولاً، القضاء متشعّب ومتعدّد، وبالتالي ليس من الصواب القول بأن القضاء فاسد بشكل مطلق. المسألة ليست مسألة ثقة مطلقة من عدمها. يمكن القول بأن بعض القضاة فاسدين. مثلاً لـ"نادي القضاة" دور كبير في نفي مقولة أن القضاء فاسد. فهو كان سبّاقاً في دعم "ثورة 17 تشرين"، وأصدر حينها أوّل بيان من مرجع رسمي طالب فيه "بتجميد احترازي لحسابات كل السياسيين والموظفين الكبار والقُضاة وكلّ من يتعاطى الشأن العام"، كما وطالب غداة انفجار بيروت باستقالة مجلس القضاء الأعلى. هذا دليل قاطع على أن القضاء ليس جسماً واحداً متجانساً.

وهناك تجارب عربية ذات دلالة. فبعد سقوط نظام بن علي في تونس، تيقّن العديد من التونسيين بأن غالبية القضاة لم ينخرطوا في الفساد كما كان يشاع وأنهم قادرون على الاستجابة لمتطلبات الديمقراطية.

لا بد لنا، إذن، من تفكيك القضاء عند مقاربته. فثمة قضاة منخرطون في النظام بشكل تام وهم الذين يحظون عموماً بأعلى المناصب وهم الأكثر تأثيراً. وثمة قضاة حافظوا على استقلاليتهم وهم مستبعدون عموماً عن مراكز القرار، ولا مراكز وازنة لهم وقوَّتهم على التأثير ضعيفة جداً. أما الفئة الثالثة، وهي الغالبة، فهي الفئة التي تقرّبت من بعض القوى السياسية للترقي في الوظائف من دون أن تنخرط فيها. الإصلاح المنشود يؤدي إلى محاسبة الفئة الأولى تمهيداً لإخراجها من القضاء وإنصاف الفئة الثانية المستبعدة والأهم إعادة دمج الفئة الثالثة في مقتضيات الديمقراطية. وما يزيد من الحوافز على ذلك هو تطوّر الخطاب الحقوقي في ثورة 17 تشرين وإدراج استقلال القضاء في رأس قائمة أولوياتها.

ماذا عن المحاسبة السياسية؟

أهم ما كشفه الانفجار هو مرحلة ما قبل الانفجار - بمعنى أن العديد من المؤسسات الرسمية والمسؤولين الرسميين كانوا على علم بخطورة وجود هذه المواد القابلة للانفجار (نترات الأمونيوم) في مرفأ بيروت (الجيش، القوى الأمنية، القضاء، الوزراء...)، ولم يتحرّك أحد. ما معنى ذلك؟

الانفجار ليس فقط انعكاساً أو نتيجة لترهّل الإدارة العامة، لكنه قصور وتقصير سياسي بالدرجة الأولى. وعليه، فإن المسؤولية السياسية تكون ربّما أهم من المسؤولية الجنائية (التي يمكن أن تؤدي إلى محاسبة بعض الموظفين بشكل مباشر). وبالتالي، كل متمسّك بالمحاصصة (التي أدت إلى تقسيم وظائف الدولة على الزعماء، وبالتالي عرقلت القرارات الأساسية) هو بشكل أو بآخر مسؤول عن ما آلت إليه الأمور. وهكذا هو الأمر بالنسبة إلى الوضع المالي. الجميع كان على علم بالتفليسة، لكن لم يتحرك أحد لتفاديها.

هذا الوضع هو انعكاس لترسيخ ثقافة "تسفيه المخاطر"، تيمّناً بما وصفته حنه آرندت بـ "تسفيه الشر" - بمعنى أن مرتكب الشرّ هو شخص تافه وعادي ومألوف لنا، يمكن له أي يفعل أي شيء يضر بالمجتمع. وهذا ما صار ينطبق على لبنان، بحيث طغت فكرة تسفيه المخاطر الكبرى والتي تم حجبها تماماً بأولويات أخرى (المحاصصة) وبمصالح الزعماء. فعلياً، تحوّل لبنان إلى مناطق موت، ونحن في المفكرة القانونية خصّصنا عدداً خاصاً لتسليط الضوء على هذه الموضوعات (الليطاني، الكسارات، النفايات السامة، معامل الإسمنت والكهرباء، الخ). خطر المواد في المرفأ كان مستتراً بالنسبة للرأي العام لكن ليس للسياسيين.

المحاسبة السياسية شيء والمحاسبة القضائية شيء آخر. كل واحدة لديها دينامية خاصة بها، ولا يجب أن نخلط بين الأمرين. بشكل عام، إن المحاسبة السياسية هي التي تؤسس للنظام السياسي المنشود. وهنا تكمن أهميتها. كنا نقول الفساد يقتل واليوم نقول النظام السياسي يدمر ويقتل ويفلس الناس.

في 17 تشرين 2019، شكّل مطلب "مكافحة الفساد" والمطالبة بالمحاسبة حجراً أساساً للحراك الشعبي، أين أصبح موضوع مكافحة الفساد؟

من الواضح بأن الشارع ركّز على موضوع الفساد، فظهر شعار "كلن يعني كلن"، وقبله "طلعت ريحتكم" (أزمة النفايات 2015). في مقابل ذلك، عادةً ما تحاول السلطة السياسية أن توحي بأنها استجابت لمطالب الشارع من خلال اعطاء الأولوية لمشاريع سياسات مكافحة الفساد. مثلاً، تضمنت الورقة الإصلاحية للحريري (تشرين الأول 2019)، وخطابات رئيس الجمهورية المتتالية، مشاريع وخطوات في هذا الاتجاه. فأصبح شعار مكافحة الفساد قاسماً مشتركاً لدى جميع أفراد الطبقة السياسية. فعلياً، هدفت هذه الطبقة إلى تحويل خطاب الشارع إلى خطاب سلطة، بمحاولة منهم لأخذ ثقة جديدة من الناس، فرفع بعضهم على سبيل المثال مطلب استرداد الأموال المنهوبة وكأن لا علاقة لهم بهذه الأموال. كان الأجدر بهم القول: ردّ الأموال وليس استردادها، لو كانت هنالك نية حقيقة في رد الأموال.

لكن كل هذه المحاولات ليس صادقة أو جدية. وفي تحليلٍ لاستراتيجية الطبقة الحاكمة من تبنيها لهذا الخطاب، نستنتج بأنه يهدف إلى تحقيق هدف مزدوج: استرضاء الرأي العام وربما خداعه بجديتها في محاربة الفساد، واسترضاء الدول المانحة التي باتت تربط دعمها للبنان بتحقيق إصلاحات. ومن دون محاكمة النوايا، فإن مجمل الخطوات التي اتخذتها السلطة الحاكمة تحت هذا الشعار تميزت بترويجٍ واسع من دون أن تقابلها خطوات فعلية على أرض الواقع. وهذا ما يسمح لنا بالقول أن هذه الخطوات تندرج ضمن استراتيجية تواصلية وإعلامية للسلطة الحاكمة، تهدف إلى الإيحاء بجديتها في مكافحة الفساد، وبكلمة أخرى ضمن خطابها، أكثر مما تندرج ضمن استراتيجية جدية لمكافحة الفساد على أرض الواقع. وهذا الأمر يحصل ليس فقط من خلال وضع تشريعات جميلة يفاخرون بها من دون أي إرادة سياسية في تطبيقها، ولكنه يحصل أيضاً في مسار التشريع نفسه والذي غالباً ما يتم تجويفه تحت عناوين برّاقة.

من أبرز الأمثلة على ذلك، اقتراحات قانون السرية المصرفية. فقد فاخرت القوى السياسية بتقديم اقتراحات لرفع السرية المصرفية عن القيمين على الخدمة العامة. وفيما شكّلت هذه الاقتراحات مادة رئيسية في بيانات وتصريحات أعيان السلطة، كما شكل درسها في اللجان النيابية سبباً لمفاخرة مجلس النواب وبخاصة في الأسابيع الأولى بعد ثورة 17 تشرين، فإنّه يمكن القول أن جلّ ما حصل في هذا الشأن هي ضوضاء بقيت مجردة عن أي نتيجة عملية.

ففي مستهل مناقشة الصيغة النهائية للاقتراح في الهيئة العامة، تساءل النائب بلال عبد الله عن مدى ملاءمة النص الذي يسمح للقضاء برفع السرية المصرفية عن القيمين على الخدمة العامة، وبخاصة في ظل تبعية القضاء والتأخُّر في إقرار اقتراح قانون استقلال القضاء. وكانت كلمة عبد الله بمثابة دعوة لسائر النواب لمزيد من المداخلات، ذهبت كلها في اتجاه تحقير القضاء تمهيداً لتجريده من صلاحية رفع السرية المصرفية عملياً عن حساباتهم. وبالفعل، هذا الذي حصل حيث انتهت الصيغة النهائية التي تم إقرارها إلى حصر صلاحية رفع السرية لمصرفية بهيئة التحقيق الخاصة بمصرف لبنان (وهي الهيئة التي لها حالياً حق حصري في رفع السرية المصرفية في حال شبهة تبييض أموال، وقد رفضت ممارستها في مجمل التحويلات الحاصلة بعد 17 تشرين إلى الخارج رافضةً بذلك الاستجابة لطلب مصرف لبنان بحجة أن لا شبهة تبييض أموال على أي من هذه التحويلات)، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (وهي هيئة لم تنشأ بعد). علماً أن كل الهيئتين تتشكلان في غالبيتهما الكبرى من أعضاء معينين من قبل الحكومة.

في الحقيقة، ما حدث هو ترسيخ غير مباشر لمبدأ السرية المصرفية تحت حجة رفع السرية المصرفية، في حين أن المبرر الأساسي للسرية المصرفية (جذب الرساميل من الخارج) لا وجود له أبداً، وبالتالي هم حافظوا عليها خدمةً للفساد. وهذا ما مكّن مصرف لبنان لاحقاً من رفض إعطاء العديد من المعلومات لشركة التدقيق المالي المُعيَّنة من مجلس الوزراء متذرعاً بقانون السرية المصرفية.

في حال لم تُشكَّل الحكومة ويتم تبني خطة للإنقاذ، "نحن ذاهبون إلى الجحيم" كما قال رئيس الجمهورية ميشال عون. في ظل تعميم اليأس، كيف للمجتمع أي يواجه السلطة؟

نعم اليأس حالة موجودة وهي تعكس انسداد الأفق. لكن مقابل هذا اليأس تبقى 17 تشرين، وما شهدته من انتفاضة واسعة كادت تطيح بالحكم، ذاكرة تؤكد أن التغيير يبقى ممكناً. طبعاً التحديات صعبة جداً. والبعد الاقليمي والدولي، مثلاً، يعقُّد الأمور بطبيعة الحال. لكن لا طريق غير طريق مشروع الدولة وتحريرها من طغيان الزعماء. أي شيء نطالب فيه يجب أن يصب بخدمة الدولة، وأي غضب يجب تجييره في هذا الاتجاه. فعلياً، هذا ما أنتجته ثورة 17 تشرين بشكل عام. ولو بقيت الثورة غير قادرة على تغيير السلطة، فإنها تميزت رغم ذلك بطابع تحرري هائل، تغيرت بفعله ومن خلاله مقاربة المجتمع والمواطنين لفكرة الزعيم وتالياً نظام الزعامات وصولاً إلى نزع مشروعية هذا النظام برمّته. طبعاً، موازين القوى لم تنقلب بعد لكنها تتغير بشكل مطّرد بنتيجة النفحة التغييرية لثورة 17 تشرين وتراجع شعبية الزعماء. النتيجة: النظام غير مشروع ومأزوم ولكنه لا يزال يحتفظ بأدواته، أي بمفاصل الدولة ومؤسساتها.

الأمل هو أن يستمر تراجع شعبية الزعماء في ظلّ تجلي فشل نظامهم وعجزه، وأن يستمر المجتمع في استعادة حريته وقوته وعملياً في استعادة مؤسساته وإرساء بنى جديدة تزيد من مناعته وقدرته على الدفاع عن ذاته.

هذا الأمل يتجلّى اليوم في العديد من المفاصل الأساسية. أحدها مشهد التضامن الاجتماعي الحاصل تبعاً للانفجار، حيث رأينا آلاف الشبان والشابات يتعاضدون مع السكان المنكوبين وكذلك مع أصحاب المهن من محامين ومهندسين وأطباء، كل منهم يعرض خدماته بما يعكس إعادة إحياء المجتمع. كما يتجلى في بدء نمو عدد من الأحزاب الديمقراطية وعودة الحركة الطلابية، وبخاصة في الجامعة اللبنانية بعد طول غياب.

هذه كلها قوى حية في المجتمع ولهُ. هذه بنى اجتماعية جديدة في طور التشكل يتوحد حولها المواطنون والمواطنات. وكلما اتسعت رقعة المواطنين للخوض بالسياسة من دون محورية الزعيم، كلما ستتسع رقعة التغيير.

ومقابل هذا الأمل، هناك خوف من لجوء هذا النظام المأزوم إلى العنف لإثبات أنه ما يزال ممسكاً بالسلطة الفعلية وأدواتها، رغم تراجع شعبيته، مما يؤذن بانتقالنا من نظام السلطة الناعمة soft power إلى نظام لا يجد حَرَجاً في استخدام العنف كأداة لضمان بقائه. وقد تجلى ذلك في كيفية تعامل القوى الأمنية مع متظاهري 8 آب، وهي تظاهرة تعليق المشانق حين استُخدِم العنف المفرط، وهذا ما أكده تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش". وقد تحدث كثيرون في هذا اليوم عن "ميليشيات حرس مجلس النواب" التي استخدمت العنف لقمع المتظاهرين. كما أن إعلان حالة الطوارئ في بيروت وتمديدها حتى آخر سنة 2020 في موازاة حصر جهود الإغاثة بالجيش كلها تذكرنا بالديكتاتوريات العربية وبالتطبيع الحاصل فيها مع فكرة الطوارئ وحكم العسكر.