نحو مقاربة نقديّة "أخرى" للواقع التربوي المأزوم في لبنان

تضرر التعليم في لبنان بشدة من الأزمة المالية والاقتصادية ووباء كوفيد-19، وطفحت إلى السطح نقاط ضعفه الهيكلية عندما تحول إلى التدريس عبر الإنترنت والتدريس عن بعد. وتُرك المعلمون والآباء والمتعلّمون على حد سواء بمفردهم لشق طريقهم خلال عام دراسي صعب. وقد أثّر هذا سلباً بشكل خاص على شرائح المجتمع الأشد فقراً، فضلا عن الآباء والمعلمين الذين يفتقدون المهارات التقنية لتعليم الأطفال. تحلل هذه الورقة التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال العام الماضي وتعرض التدابير الفورية وبعض الخيارات الاستراتيجية المستقبلية للمضيّ قدماً.

arab-reform-initiaive-the-deteriorated-educational-reality-in-lebanon-towards-another-critical-approach
متظاهرون مناهضون للحكومة وأعضاء لجان الأهل وأولياء الأمور من المدارس الخاصة والعامة في اعتصام أمام وزارة التربية والتعليم العالي، بيروت – مايو/أيار 2020. © EPA/نبيل منظر

يشهد لبنان منذ فترة أزمات متفاقمة سياسياً واقتصادياً ومالياً ونقدياً وصحياً، وما زاد الطين بلّة إلا الانفجار الكارثي لمرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، والذي نتجت عنه خسائر بشريّة وماديّة فادحة. أمّا القطاعات المتضرّرة من هذا الوضع، فيبرز ضمنها القطاع التربوي بمختلف مكوّناته وأفرقائه: التعليم العالي، التعليم العام والتعليم المهني. سوف تتناول هذه المقالة بشكل خاص الواقع التربوي المأزوم ضمن التعليم العام ما قبل الجامعي، من الروضة الأولى حتى الثالث ثانوي، معيرةً اهتماماً خاصّاً بمعاناة الفرقاء التربويين وحاجاتهم، وصولاً الى استنباط بدائل تعاين واقع الناس وتنحاز لهم.

من هنا، تطرح المقالة السؤال التالي: هل الأزمة التربويّة في التعليم العام هي نتيجة لجائحة كورونا وما رافقها أو تلاها من مشاكل، أم أن الأزمة كانت كامنة وظهّرتها وفاقمتها الأزمات المتلاحقة الآنفة الذكر؟

بناء عليه، تميل الباحثتان إلى الافتراض أنّ أزمة التعليم العام هي أزمة بنيويّة طفت على السطح عندما تغيّر براديغم التعليم من حضوريّ إلى تعليم عن بعد أو تعليم مدمج. وهذا ما ستحاولان توصيف نتائجه واقتراح أطر للمعالجة تذهب إلى عمق المشاكل المتجذرة.

بالنسبة إلى منهجيّة الدراسة، فقد تم اعتماد المقاربة النوعيّة لتناول واقع الأطراف التربويين، فأجريت سلسلة من المقابلات مع عيّنة من الأهل (14) من مستويات علميّة متعدّدة وأوضاع عائليّة متباينة (من اللاجئة السوريّة العاملة في المنازل والحقول إلى العائلة الميسورة القاطنة في العاصمة أو غيرها من المناطق، وصولاً إلى تلك المتوسّطة أو الفقيرة من سكان المدن أو الأرياف...). وينسحب الأمر نفسه على المتعلّمين، إذ تمّ اختيار 13 شخصاً من مختلف المراحل التعليميّة ومن مدارس متنوّعة لجهة موقعها الجغرافي ومكانتها وتوزّعها بين العام والخاص والخاص المجّانيّ. وكان بعض المتعلّمين من أبناء أهالي العيّنة. وقد تمّ تسجيل المقابلات وتحليل مضامينها.

وعليه، ستعالج المقالة واقع المعلّمين في التعليم العام ما قبل الجامعي، مع محاولة شرح الإطار العام للسياسة التربويّة المعتمدة، ثمّ أوضاع المتعلّمين فالأهل، بالاضافة إلى أحوال المدارس، مع تحليل الأسباب الكامنة خلف هذه الوقائع، وطرح البدائل الآنيّة للمعالجة والبدائل المستقبليّة الاستراتيجيّة.

معلّمون وحيدون و"تحت المجهر"

انطلق العام الدراسي 2020-2021 على وقع الصراعات بين لجان الأهل وإدارات المدارس الخاصّة، نظراً لعدم قدرة عدد متزايد من الأهل على تسديد الأقساط المدرسيّة نتيجة الأوضاع المعيشيّة المترديّة، وحجز المصارف لأموال المودعين. وسرعان ما أخذت عدّة مدارس خاصّة أساتذتها رهينة، فخفّضت معاشاتهم، أو أوقفتها كلياً، أو صرفت بعضهم، ولا يزال العديد منها مستمراً في هذا النهج لغاية تاريخه. ويشير زياد بارود، بصفته محامي نقابة معلمي المدارس الخاصة، ضمن مقالة في جريدة "النهار" بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 2020، أن ما لا يقل عن 3 آلاف معلّم صرفوا من عملهم، ونحو 10 آلاف أصبحوا بنصف أو بلا راتب، كما أن بعض المدارس فاوضت معلّميها وتوافقت معهم على تخفيض أجورهم. لقد تفرّدت الإدارات المدرسيّة بالقرار واعتمدت ممارسات تعسّفيّة، في ظل صمت النقابات، وذلك في خضمّ أزمة فادحة، ما يعكس التلازم والتماهي بين منطق العديد من السلطات التربويّة ومنطق السلطة السياسيّة، البعيدة عن معاناة الناس واللصيقة بمصالحها الضيّقة فوق كل اعتبار.

أمّا معلّمو التعليم الرسمي، فإن أجورهم لم تحسم لكن قيمتها تدهورت نظراً للأزمة الاقتصاديّة والماليّة.

ومع اغلاق المدارس في 29 شباط/فبراير 2020، اضطرت العديد من المدارس الخاصّة إلى وضع خطط تعليم بديلة طارئة، مستعينةً بما تملكه من وسائل وموارد تكنولوجيّة في مجال التعليم عن بعد. بالمقابل، قامت مبادرات متفرّقة ضمن التعليم الرسميّ أطلقها بعض المدراء والمعلّمين الرياديّين لإيجاد حلول تتناسب مع أوضاع مدارسهم. فأيقنت عندها وزارة التربية والتعليم العالي ضرورة طرح بدائل للمدارس الرسميّة، فصمّمت بالتعاون مع المركز التربويّ للبحوث والإنماء سيناريوهات عدّة من أبرزها التلفزيون التربوي للجميع، والتعليم عن بعد عبر منصّات محدّدة يلتزم بها معلّمو التعليم الرسمي.

ولتنفيذ خطّة التعليم عن بعد، تطوّع العديد من المعلمين في القطاعين الرسميّ والخاص لتحضير دروس وتصوير حلقات تلفزيونية مخصّصة لصفوف الشهادات الرسميّة. وتعكس مبادرة المعلّمين هذه، حسّ التضامن وحماساً للعطاء التربويّ. وقد أضاءت الحلقات التلفزيونية على تنوّع المهارات التعليميّة واللّغويّة تارةً، والتباين فيما بينها طوراً. ففي حين تمتّع بعض المعلّمين بكفاءة واضحة في تنظيم المحتوى وعرضه بما يتلاءم مع الخصائص العمريّة للمتعلّمين المراهقين ضمن الوقت المتاح (30 دقيقة)، اكتفى البعض الآخر بتلاوة محتوى الدرس على مسامع جمهوره، دون أن يسعى حتى إلى شرحها، مع قصور لافت في اللغة، سواءً كانت لغة المادّة هي العربيّة أم الأجنبيّة.

إذا دلّ هذا التفاوت في أداء المعلّمين المتطوّعين على شيء، فهو إنما يدلّ على الاستنسابيّة في معايير توظيف المعلّمين عموماً، وعلى قصور لجهة متابعة من يعانون من تعسّر في أدائهم ودعمهم وتدريبهم بشكل متواصل، وذلك في القطاعين الرسميّ والخاص على حدٍّ سواء، ما يعتبر من أبرز الإخفاقات التي يعاني منها التعليم العام في لبنان.

في ظل هذا الشرخ، أتت الأزمة لتزيد من تعسّر بعض المعلّمين في تكييف استراتيجيّات التعليم والتعلّم مع الأوضاع الجديدة، وفي تأمين المتابعة والدعم للمتعلّمين عن بعد. وزاد من عزلتهم ضغط الاستحقاقات والمهارات الجديدة التي طُلب منهم اكتسابها، دون دعم فعّال. كما أنّ بعض إداراتهم ألقت عليهم اللّوم لتقصيرهم ولأدائهم غير المُرضي.

بالمقابل، تضمّ بعض المدارس، رسميةً كانت أم خاصّة، نسباً أعلى من المعلِّمين المتمهنين مما تضمّ سواها، نظراً لتأمينها بيئات مهنيّة محفّزة على التطوّر الوظيفي. وعليه، فإن تلامذة هذه المدارس يحظون بتعليم أفضل من رفاقهم في مدارس أخرى، سواءً كانت الوضعيّة التعليميّة "عن قرب" أو "عن بعد". غير أن نقص تبادل الخبرات وقلّة التشبيك بين المعلّمين بشكل ممنهج، ما خلا بعض التجمّعات المهنيّة التي كانت موجودة سابقاً مثل تجمّع أساتذة الفيزياء في لبنان، تضيّع فرصاً ثمينة لاستثمار الممارسات الفعّالة والبناء عليها للتطوير المهني والتربوي.

متعلّمون متنوّعو المواقف تجاه التعليم عن بُعد

بناءً على المقابلات مع عدد من المتعلّمين تبيّنت لديهم مواقف متنوّعة تجاه التعليم عن بعد:

  • استقلاليّة نسبيّة لدى بعض المتعلّمين الذين استفادوا من مهاراتهم الأكاديميّة والتكنولوجيّة أو طوّروا هذه المهارات شيئًا فشيئًا، وتابعوا التعليم عن بعد، مهما كانت نوعيّته، فكانت حصيلة المتابعة تمثّلًا لكفايات المنهج المطلوب وتجاوزاً لها في بعض الأحيان.
  • مثابرة لدى البعض الآخر، تحول دونها أحياناً الامكانيات الماديّة والمهارات التقنيّة المحدودة، بحيث يتوكؤون - بمساندة الأهل - على الحدّ الأدنى من الموارد المتوفرة ليكملوا سنتهم الدراسيّة المفترضة وقد اتّسمت رحلتهم هذه بالقلق والضياع، وازدادت ارتباكًا عند العائلات التي لا تمتلك الحدّ الأدنى من المقوّمات الأساسيّة للمساندة والدعم.
  • لامبالاة لدى بضعة متعلّمين، وقد وجدوها فرصة لتمرير العام الدراسيّ كيفما اتّفق، إيمانًا منهم أنّهم - إن كانوا في صفوف الشهادات الرسميّة - سوف ينالون إفادة قانونيّة تخوّلهم الحصول على الشهادة الرسميّة. فلم يبذلوا جهداً يُذكر، بل انقطعوا إمّا إلى هواياتهم في المنزل أو خارجه، وإمّا إلى العمل، خاصّة في العائلات الفقيرة الفلّاحيّة أو الحرفيّة أو غيرها من أصحاب المهن اليدويّة. أمّا المتعلّمون في الصفوف الأخرى، فقد قبعوا في البيوت أو في الحقول أو في الأزقّة لا يلوون على شيء، وقد ساهم جهل الأهل أو فقرهم في تفاقم الظاهرة.
  • تعثُّر لدى من هم متعثّرون أصلاً: لقد قضى بعض الأهل نهارات بكاملها يحاولون تلقّف مادّة التعليم والإصغاء إلى الشروحات الضئيلة المتوفرة ليعودوا بعدها إلى أولادهم، يمعنون في الشرح والتدريب وفق طاقاتهم وتصوّراتهم. ومن بين هؤلاء المتعثّرين لا بدّ من ذكر ذوي الاحتياجات الخاصّة، والذين غالباً ما كان التعليم عن بعد مشقّة عليهم وعلى أهلهم ومعلّميهم.
  • غربة شبه كاملة لدى المتعلّمين في الروضات وفي الحلقة الأولى وبعض الثانية، والذين اعتبرهم بعض الأهل "متعلّمين غير مستقلّين"، و"لا يمكن ضبطهم أمام لوح إلكتروني يصغون لشروحات أو يقرأون تعليمات على الواتس آب" أو "يعاينون باور بوينت ويوتيوب أرسله معلّموهم"، إلخ. هؤلاء حسيّون حركيّون يستمتعون بأن يتحسّسوا ما يقدّم لهم ويحرّكوا أجسامهم وأيديهم... تنمو قدراتهم بالاحتكاك بالأتراب... فهل الأهل مؤهّلون تربويًّا وتعلّميًّا لخلق الجو التربويّ والاجتماعي اللّازم للتعلّم والشروع في تنمية الكفايات في التعليم التأسيسي الذي عنه نتحدّث؟ فمن هو مؤهّل من أهلهم ويعي عمق المشكلة وخطورتها لجأ إلى خيارات متعدّدة من بينها إيكال أمر المتعلّمين إلى التعليم الخصوصيّ في فترة العطلة الصيفيّة.

وفي دراسة قامت بها منظّمة Save the Children مع 137 شابةً وشاباً بين عمر 12 و24 سنة، تظهر أيضاً مواقف المشاركين المتحفّظة إجمالاً تجاه التعليم عن بعد والتحدّيات التي يواجهونها مع أسرهم، والتي اعتبر 40% ممن عمرهم بين 15 و18 سنة أنّها تهدّد صحّتهم العقليّة. كما كشفت دراسة أجراها المركز اللبناني للدراسات مع معلّمين ومتعلّمين وأهل حول التعليم عن بعد في لبنان والأردن وفلسطين أن التلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصّة كانوا، وفقاً للمعلّمين، الأكثر تضرراً من حيث الاستبعاد والانسحاب أثناء التعلّم عن بعد. كما أن الأطفال اللاجئين المسجّلين في دوام بعد الظهر لم يتوفّر لهم أي تعليم عن بعد.

أهل مرتبكون ومنكوبون اقتصادياً

تمزّق الأهل بين هواجس ثلاثة: هاجس مستقبل أولادهم الدراسيّ وهاجس تأمين الأقساط المدرسيّة والتجهيزات الإلكترونيّة (لوحات الكترونية- كومبيوتر- هاتف محمول...)، ناهيك عن الهاجس الصحيّ بعد تفشّي فيروس كوفيد 19. غير أن اللوحة هذه متعدّدة الألوان ولكلّ عائلة قصّتها الخاصّة: فثمّة أهل ميسورين، لم تكن الأقساط تقلقهم بالرغم من الضيق الاقتصادي والتضييق النقديّ. فقد انتابتهم مشاعر القلق على مصير العام الدراسيّ والشهادات الرسميّة، وعلى مسألة الترفيع في الصفوف الأخرى وآليّاته. ولم يحظ بعضهم بالوقت الكافي لمتابعة تعليم أولادهم بسبب ارتباطاتهم العمليّة أو الوظيفيّة، فأوكلوا أمورهم للجدات أو للتعليم الخصوصيّ.

وثمّة أهل في المدارس الخاصّة على أنواعها، أوقعتهم الأزمة الاقتصاديّة في محنة تأمين القسط المدرسي ومستلزمات الدراسة عن بعد. لذا نشطت الحركات المطلبيّة داخل اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان، وتصعّدت المطالب، وصولًا إلى إثارة مسألة ميزانيّات المدارس الخاصة في علاقتها بوزارة التربية، وكثرت الصدامات بينها وبين إدارات المدارس والتي رفع بعضها الأقساط المدرسيّة، فلجأ الطرفان إلى الاستشارات القانونيّة وإلى حملات إعلاميّة متبادلة.

في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أنّ العديد من الأهل لا يمتلك القدرة على مساندة أولاده في الوضع الطبيعيّ العاديّ - في المواد الدراسيّة كلّها - فكيف السبيل إلى المتابعة والدعم في زمن التعليم عن بعد؟ لذا شهدنا نشوء مراكز يتولّى العاملون فيها أمر المتعلّمين (دروس خصوصيّة ممأسسة)، فازداد العبء الماديّ على الأهل ودفعوا قسطا موازيًا للأقساط المدرسيّة السابقة. كما شهدنا لجوء بعض الأهل المحموم أحيانًا إلى الأخوة الأكبر سناً، أو إلى أحد المعارف من الجيران... أو ترك الأمور على همّة المتعلّمين.

بين الأهل، ثمّة معلّمين عانوا الأمرّين لتلبية متطلّبات المدرسة الرسميّة أو الخاصّة فمارسوا التعليم عن بعد، لكن لم يتسنّ لهم الوقت لمتابعة مسارات أولادهم وبخاصة في العائلات المتعدّدة الأولاد. لذا ازدادت عليهم الضغوطات وتشتّتت أفكارهم. بعضهم حاول ما استطاع والبعض الآخر ساند مساندة جزئيّة أو ترك الأمر "للصدف".

وعليه، وبعد إجراء المقابلات مع أولياء أمور متنوّعي الخلفيّة الاجتماعيّة والثقافيّة، يمكن استخلاص ما يأتي:

  • "ضياع"، "غضب"، "قلق" هي مفردات مشتركة نطق بها الأهل على تنوّعهم: ضياع لغياب استراتيجيّات تعليميّة يجب أن تجترحها المؤسّسة الرسميّة (وزارة التربية، المركز التربويّ للبحوث والإنماء) أو المؤسّسات الخاصّة (إدارات المدارس الخاصّة)، والضياع هذا ما زال سمة طاغية في بدء العام الدراسيّ 2020-2021؛ غضب ازداد تفاقمًا مع تفاقم الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والنقديّة والصحيّة والأمنيّة العامّة تَتَوَّج بانفجار مروّع دمّر ما دمّره من العاصمة بيروت، بشرًا وحجرًا)؛ أمّا القلق فهو مثلّث الاتّجاهات: من الماضي (الأقساط التي لم تسدّد-الكفايات التي لم تكتسب)، من الحاضر (جدوى التعليم عن بعد)، ومن المستقبل (الوباء المنتشر بشكل أوسع وأخطر، الأقساط المدرسيّة، نوع التعليم المدمج المقترح بين حضوريّ وعن بعد، نوعيّة التعليم وجدواه، الأزمة العامّة وغياب الإمكانات والتكنولوجيا المطلوبة عند الكل).
  • إحساس ضمنيّ أنّ التعليم عن بعد لا يعدو كونه "تمريراً للوقت" وطريقة غير مجدية لاحتواء الأولاد وضبطهم. أما المخرجات التربويّة فمشكوك بفعاليتها، لذلك تسمع العديدين منهم يردّدون عبارات "شو عملوا ما عملوا شي"، " ما فهمانين شي"... فالتعليم عن بعد إنّما هو هذا الجديد المجهول المقلق في ظلّ تاريخ من الممارسات التقليديّة الحضوريّة.
  • الإحساس بالمظلوميّة (المتعلّمون، الأهل، المعلّمون) وكلّ طرف له روايته الخاصّة: المتعلّمون حرموا من حريّة نسبيّة بالخروج من المنازل ولقاء الرفيقات والرفاق، كما حرموا من حقّهم في تعليم ذي جودة؛ المعلّمون وقد اضطروا - دونما تحضير- إلى خوض تجربة التعليم عن بعد في سياقات متنوّعة الموارد والطاقات؛ الأهل وقد سبق وذكرنا ما يعانونه من ضغوط على صعد متعّددة.
  • توزّع الأهل بين حضور فاعل (متابعة، مساندة، شرح، دعم، تذكير...) وحضور صوريّ اكتفى بالمراقبة والتنبيه والتأنيب والثرثرة.

بعضهم غاب بحكم واقع الأميّة على مستويين: المستوى الأوّلي أي الجهل بالقراءة والكتابة والمستوى الثاني إنما هو الأميّة الإلكترونيّة. ولكن هل يعني هذا أنّ الفئات الأخرى من الأهل كانت في وضع يؤهّلها أن تعوّض نظام "اللا مدرسة" على الصعد النفسيّة والعلائقيّة والتعليميّة-التربويّة؟ نحن ميّالون إلى الإجابة بالنفي نظرًا لعمق التحدّيات كافةً، ومن أبرزها الصعوبات الماليّة والاقتصاديّة وعدم جهوزيّة الأهل لمواجهتها، بالإضافة إلى الخلل المستدام في البنى التحتيّة من كهرباء وانترنت، وغياب الخطط الرسميّة لدعم الأهل النفسي والمادّي والتقني.

وزارة متخبّطة ومدارس تدير ذاتها "كما تعرف"

خلال صيف 2020، ترقّب المجتمع اللبناني صدور خطّة تربويّة وطنيّة لإدارة الأزمات التربويّة المتوقّعة خلال العام الدراسي 2020-2021، خصوصاً بعد انفجار المرفأ وتضرّر 241 منشأة تعليميّة في بيروت وجبل لبنان، مع تقدير الخسائر والأضرار الماديّة بما يفوق 100 مليون دولار أميركي، وبعد انتقال حوالي 60 ألف تلميذ من القطاع الخاص الى الرسمي. غير أن جُلّ ما صدر كان مجموعة مبادرات رسميّة أطلقها كل من المركز التربوي للبحوث والانماء ووزارة التربية والتعليم العالي، لا ترقى لمستوى الرؤية الاستراتيجيّة المتكاملة. وقد شملت هذه الإجراءات تدريب عدد من الفرقاء التربويين في المؤسّستين المذكورتين، بالإضافة الى عدد من مديري ومعلّمي القطاع الرسمي، على استخدام منصّات وموارد تكنولوجيّة وعلى الإجراءات الوقائيّة من الأمراض الوبائيّة، وإطلاق منصّة التعلّم الرقمي DLI التي "تتضمّن دروساً وموارد رقميّة تفاعليّة وتوفّر بيئة متطوّرة للتعلّم الرقمي اللا متزامن"، وإصدار الدليل الصحي للمؤسّسات التعليميّة حول الإجراءات الوقائيّة لمنع انتقال وانتشار فيروس سارس-كوف-2. بالمقابل، لم تنشر وزارة التربية أي تقرير يتضمّن مسحاً مفصّلاً لأضرار القطاع التربوي جرّاء انفجار بيروت، أو خطّة عمل لإعادة إعمار وترميم المدارس من جهة، ولدعم المديرين والمعلّمين والمتعلّمين والأهل لمواجهة العام الدراسي الصعب من جهة أخرى. ويتّضح أن السلطات اللبنانيّة تعتمد كلياً في هذا المجال على مبادرات البنك الدولي والأمم المتحدّة واليونيسف، بالإضافة الى جهود الجمعيّات المحليّة غير الحكوميّة. كما أنه من الملفت غياب أي خطّة تدريب وطنيّة للمديرين وللمعلّمين على التعليم في زمن الأزمات، وافتقار الوزارة لأي منصّة تعلّم متاحة للجميع، قد تساعد في توفير تعليم وتعلّم ذي جودة. وقد قامت عدّة مدارس خاصّة بتصميم وتنفيذ دوراتها في هذا المجال، وفقاً لحاجاتها وإمكاناتها، كما قدّم العديد من الخبراء والتربويين دورات تدريبيّة مجانيّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من باب التعاضد الاجتماعي، كل ذلك بموازاة غربة السلطة المركزيّة عن هذه الديناميكيّة الناشطة. وعليه، يكون قد ساهم التفاوت البنيوي بين القطاعين الرسمي والخاص في تعميق الفجوة بين المدارس والمتعلّمين في زمن التعليم عن بعد.

كما أن الوزارة، رغم الوعود التي قطعتها، لم تؤمّن حداً أدنى من التجهيزات أو الدعم المادّي للمتعلّمين الأقل يسراً، مثل تأمين انترنت مجّاني أو أجهزة كمبيوتر، ممّا عمّق الهوّة الاجتماعيّة-الاقتصاديّة على صعيد إتاحة التعلّم عن بعد كحقّ من حقوق المتعلّم اللبناني، أياً كان، لا سيما في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون منذ أكثر من سنة.

أمّا لجهة الآليّات الإجرائيّة التي اعتمدتها المدارس، فإنها تباينت من حيث طبيعتها وشموليّتها وفعاليّتها، ما يرتبط بعدّة عوامل:

  • المهارات القياديّة للمديرين، وقدرتهم على التعامل الايجابي مع الأزمات، إذ إنّ الإدارات الناجحة هي تلك التي تمكّنت من رسم أهداف واقعيّة للتعليم والتعلّم في ظل هذه الأزمة، والتي وفّرت التدريب والدعم والتنسيق اللازم للمعلّمين والمتعلّمين لتحقيقها. هل ثمّة مديرين من هذا الصنف؟ ضمن أيّة نسبة من المدارس؟ هذا ما يعود للدراسات الوصفيّة أن تحدّده.
  • مستوى تمهين المعلّمين، والذي يتجّسد من خلال قدرتهم على تصميم سيناريوهات تعليميّة وتعلّميّة، واستخدام وسائل تربويّة تصبّ في خدمة أهدافهم، مراعيةً خصائص تلامذتهم وأوضاعهم من جهة، وظروف عمليّة التعليم والتعلّم من جهة أخرى. ان هؤلاء المعلّمين المتمهّنين هم أنفسهم الذين يتركون أثراً تربوياً حميدًا لدى تلامذتهم ويساهمون في تحفيزهم على التعلّم وبناء ذواتهم. وفي الواقع، ثمّة ثغرات عضويّة ضمن حوكمة نظامنا التعليمي تحدّ من نسبة هؤلاء المعلّمين:
    • عدم الاستناد الى إطار مرجعي وطني موحّد، ضمن آليّات اختيار الطلاب-المعلّمين واعدادهم، وتوظيفهم ومتابعتهم وتدريبهم المستمر. هذا مع العلم بأن وزارة التربيّة والتعليم العالي قد أطلقت هذا الإطار عام 2018، لكنها لم تجعله ملزماً، حتى أنه لم يعد متاحاً على الانترنت، ما يعكس مرّة جديدة عدم استدامة المشاريع التطويريّة وضعف أثرها، نظراً للفساد ولسوء الحوكمة؛
    • تباين في آليّات تقييم أداء المعلّمين ضمن القطاع الخاص، وضمورها في القطاع الرسمي؛
    • ضعف آليّات التحفيز والترقّي المهني، وعدم ارتباطها تشريعياً بالأداء الوظيفي؛
    • الانتشار الواسع لبدعة التعاقد الوظيفي الذي يحكمه منطق المحسوبيّات ويهمّش بسببه منطق الكفاءة والاستحقاق.

خلاصة القول أنّ عدم الركون إلى استراتيجيّة وطنيّة لتأمين رقابة تربويّة ودعم مهني في القطاعين الرسمي والخاص قد ساهم في تردّي الوضع التربوي بهذا الشكل، وإلى تشرذم المبادرات والجهود، مهما كانت لافتة. كما أن غياب رؤية تربويّة واضحة المعالم، والتي من شأنها تأمين التكامل ضمن التعدّديّة المدرسيّة وتوجيهها نحو بناء المجتمع والإنسان الذي يطمح إليه لبنان، فضحت الى العلن خلال الأزمة تفاوتاً وعدم تكافؤ متجذّرين في صلب النظام التربوي. ويتجسّد نقص العدالة هذا، على صعيد جودة التعليم ومخرجاته، بحيث استحال نظام التعليم الى فئات متلازمة وغير متجانسة، وذلك بين القطاعين الرسمي والخاص من جهة، وضمن كل قطاع من جهة أخرى: للمدارس فيه مراتب، وللمعلمين مراتب، ولمناهج التعليم مراتب، تتماشى مع مراتب الأهل المُسندة إليهم وفقاً لخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية. وعليه، يرتسم مسار المتعلم تحت تأثير واضح لخلفيته الأسرية التي تهيئه تلقائياً إلى التوجه نحو مدارس محدّدة (عبد الرضا أبو رجيلي، 2003)، يتواجد فيها معلمون تطغى لدى عدد منهم سمات مهنيّة ومؤهلات تعليمية مشتركة، فتضحي المدرسة وسيلة لتعميق الانقسامات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، بدلاً من ردمها. ثمّ أن هدر المال ضمن "وزارة التربية المنهوبة"، وفقاً لما صرّح به وزير التربية والتعليم العالي طارق مجذوب في مقابلة تلفزيونيّة بتاريخ 26-9-2020، معطوفاً على سوء الحوكمة، أسديا ضربة قاسية إلى القطاع التربوي وأهله، إذ تحوّلت الهبات والقروض المخصّصة لدعمهم إلى جيوب المسؤولين وأزلامهم.

بدائل عمليّة علميّة منحازة للناس

وعليه، بات من الضروري اعتماد مقاربة "أخرى" للملفّ التربوي، تستند الى المدرسة والمتعلّم، تعالج الأزمة الحاليّة من جذورها، وتتبلور ضمن آليّات تشاور اجتماعي بين السلطة السياسيّة والفرقاء التربويين، فتساهم في إعادة رسم العقد الاجتماعي التربوي الجديد بشكل مستدام. وكي يتمّ ذلك، من المهم إقصاء ومحاسبة المسؤولين والموظّفين الفاسدين في وزارة التربية والتعليم العالي وفي المركز التربوي للبحوث والانماء، وتعيين مسؤولين يتّسمون بالنزاهة والمعرفة والخبرة في إدارة الشأن العام، مع تفعيل وتطوير مهام المفتّشين التربويين، والركون الى فريق متجانس ومستقلّ من الأخصائيين التربويين، يكون بمثابة مرجعيّة علميّة تربويّة تتكفّل بدعم صانعي القرار الجدد في:

  • بناء استراتيجيّة وطنيّة 2020-2022 للتعليم في زمن الأزمات على أسس تشاركيّة واسعة النطاق.
  • وضع خطّة عادلة وداعمة تدير الأزمة التربويّة خلال العام الدراسي 2020- 2021، فتؤمّن منصّات تعلّم مجّانيّة
  • وضع آليّة تربويّة تضمن جودة التلفزيون التربوي من حيث كفاءة المعلّمين وطرائق التعليم المعتمدة.
  • الإشراف على تصميم وتنفيذ الخطط التطويريّة وعلى بناء شبكات تعلّم مهني Professional Learning Communities ضمن مختلف المدارس وبين الفرقاء التربويين.
  • تمكين الفرق الاداريّة في المدارس الرسميّة والخاصّة والاضاءة على الممارسات الفعّالة وقصص النجاح، تعزيزاً لمبدأ "القيادة من الوسط" Leading from the Middle (Hargreaves، 2020) الذي يؤمّن استجابة فضلى مع الأولويّات والمقدّرات المحليّة، والاضطلاع بمسؤوليّة تربويّة جماعيّة.
  • تنسيق التعاون مع المجتمع المحلّي والأهل والمنظّمات على ضوء الاستراتيجيّة الآنفة الذكر، على سبيل المثال مبادرة تخطّط لها الهيئة اللبنانية للعلوم التربويّة لمساندة المدارس المتضرّرة ادارةً ومعلّمين ومتعلّمين.
  • تقييم الخطط وتصويب مساراتها بما يتلاءم مع واقع وحاجات المتعلّم والمدارس من جهة، ومع الاتجاهات البحثيّة المعاصرة من جهة أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار الإمكانات المختلفة بين العائلات وقدرات الأهل المتفاوتة والمقيدة في بعض الأحيان – لا سيما في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والصحية الراهنة.