من "إسقاط النظام" إلى "كلّن يعني كلّن": قراءة في "لبننة" شعار الربيع العربي

بعد ساعات قليلة من انطلاق احتجاجات 17 اكتوبر/تشرين الأول في لبنان هتف المتظاهرون بإسقاط النظام القائم تحت شعار “كلّن يعني كلّن”. ماذا يعني هذا الشعار اليوم في لبنان بعد سنوات من بروزه، وكيف تطور خطاب “إسقاط النظام” منذ احتجاجات عام 2011؟

arab-reform-initiative-2019-12-From-overthrowing-the-regime-to-all-means-all-reading-in-Lebanonizing-the-slogan-of-the-Arab-Spring
طرابلس، لبنان، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 © خاص

لم تمر إلا ساعات قليلة بعد انطلاق احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول في لبنان حتى بدء المتظاهرون بالمطالبة بإسقاط النظام القائم تحت شعار "كلّن يعني كلّن" (كلهم يعني كلهم). ولكن ماذا يعني هذا الشعار اليوم في لبنان بعد سنوات من بروزه، وكيف تطور خطاب "إسقاط النظام" منذ احتجاجات عام 2011؟

كنت طالبا جامعيا عام 2011 وشاركت في أكثر من مظاهرة منادياً بإسقاط النظام، لكنني شعرت سريعا أننا بعيدين عن متطلبات الشارع الآنية آنذاك وبدى وقتها الشعار غير ملائم، وكأنّه نُقل من بلدان أخرى دون تكييفه بشكل كاف مع الواقع في لبنان. أريد في هذه الورقة أن أعود لحملة 2011 وتفنيدها والاشارة إلى أسباب فشلها لأنها مرتبطة بشكل أساسي بما نشهده في لبنان منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول. تناقشت خلال الأسابيع الفائتة مع ستة أشخاص1ستة من الناشطين الذين عرفتهم في الساحات والحركات المطلبية منذ سنة 2011 كانوا من بين الفاعلين في حملة 2011 وهم اليوم ناشطون في الثورة، لمعرفة نظرتهم حول تطور المشهد السياسي اللبناني بين 2011 و2019 والتراكمات التي دفعت باللبنانيين للثورة على النظام القائم في حراك واسع مستمر منذ ستة أسابيع وكيف تطور شعار إسقاط النظام لصيغته الحالية "كلن يعني كلن" ولاقى صدى واسعا.

حملة "إسقاط النظام الطائفي" في 2011

تأثر لبنان بالربيع العربي وخاصة المظاهرات التي خرجت مطالبةً بإسقاط الانظمة، فشهد حركة احتجاج ضمت الآلاف من المواطنين في شتاء 2011. وخلافاً لمصر وسوريا وليبيا وتونس، حيث اسقاط النظام كان يعني إسقاط نظام الرئيس وفلوله، جاءت المطالبة بإسقاط النظام في لبنان عنواناً للإطاحة بالطبقة السياسية الحاكمة التي سيطرت على البلد منذ انتهاء الحرب الأهلية في 1990 بعد أن كانت سببا وشريكة فيها. ونظر المتظاهرون إلى النظام في لبنان بتشعّباته - من نظام طائفي إلى نظام محاصصة وإلى نظام زعامات - واعتبروا الطائفية العامل الأول الذي يعيق أي إصلاح فعلي، فالزعامات قائمة على أساس طائفي والمحاصصة قائمة على تقاسم المغانم بين الطوائف، لذلك أجمعوا آنذاك على شعار: "الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي".2مقابلة أجريتها مع موقع فرانس 24 عام 2011 حول حملة اسقاط النظام الطائف

على خلاف ثورات الربيع العربي، لم تعمّر الاحتجاجات طويلا فبقيت التحركات لحوالي ثلاثة أشهر بأعداد تراوحت بين المئات وبعض الآلاف، وفشل الحراك في استقطاب عدد أكبر من المحتجين وبقي محصورا في بيروت مع بعض التحركات في المناطق، كما أنه لم يحض بأي تفاعل يذكر من اللبنانيين في دول الاغتراب.

ويرد فشل الحملة في الانتشار لتشمل عددا أكبر من اللبنانيين إلى أكثر من عامل يمكن تلخيصها كما يلي:

1- الشباب الذين اشتركوا بحملة إسقاط النظام الطائفي كانوا في أغلبيتهم يلتقون لأول مرة ويفتقدون خبرة العمل في الميدان الإعتراضي ولم تكن قد تعززت بعد الثقة بينهم. وقد ساهم الوجود القوي لأحزاب 8 مارس/آذار3الحلف الذي تشكل من حزب الله والتيار الوطني الحر (ميشال عون) والتيارات الحزبية الحليفة. في ابتعاد الكثير من الشباب الذين يؤيدون مطلب إسقاط النظام ولكنهم يعارضون محور 8 مارس/آذار. كما افتقرت الساحة في وقتها لمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

2- كان لبنان مقسوماً سياسياً بين معسكرين معروفين بـ 8 و14، وزاد هذا الانقسام في التوتر السني - الشيعي الذي كان في أوجه اقليمياً ومحلياً، وكانت الاغتيالات حاضرة في الساحة اللبنانية مما جعل الاحتماء بالطائفة والمدافعة عنها يأخذ حيزاً كبيراً في الشارع اللبناني ويحدّ من اي دعوات لإسقاط النظام الطائفي.

3- كان لبنان بالنسبة لكثير من الشباب - وخاصّة الذين عاشوا تغيرات 2005 وخروج الجيش السوري - يعيش مرحلة جديدة، لذلك رأوا أنه ما زال من الممكن اصلاح النظام. فتحديداً الشباب المسيحي كان يرى أن الأحزاب المسيحية لم تأخذ بعد وقتها في السلطة ويمكن أن تساهم في تقديم حلول.

4- بقيت الحملة محصورة في بيروت دون أن تتوسع إلى باقي المناطق اللبنانية، مما ساهم في زيادة الضغط على الشباب الفاعل في بيروت لعدم قدرته على الاستقطاب.

5- كان شعار "اسقاط النظام الطائفي" فضفاضا وذو سقف سياسي عالي بالنظر إلى عدد المشاركين بالحملة ومستوردا إلى حد ما من الثورات العربية وغير متناسب مع الوضع اللبناني؛ كما أنه لم يأت استجابة لردّ فعل الشارع وبالتالي لم يأخذه الشعب - وربّما ايضا عدد من المتظاهرين - على محمل الجد.

6- في حين شارك العنصر النسائي في الحملة، لكن لم تكن هنالك أي فعاليات لمجموعات نسائية كالتي نشهدها اليوم في ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول، على سبيل المثال.

وتبقى من ايجابيات هذه الحملة، إلى جانب نشر مطلب إسقاط النظام، هي التشبيك بين جماعات وأفراد من خلفيّات متعددة من خلال حلقات الحوار والنشاطات المختلفة وتشكيل مجموعات صغيرة بقيت ناشطة لفترة من الزمن بعد 2011.

حراك "لا للتمديد" في 2013

بقي عدد من اللبنانيين يحمل خطاب أو شعار اسقاط النظام الطائفي للتعبير عن آرائهم سواء من خلال وسائل الاعلام أو في مظاهرات أو تحركات احتجاجية. وبعد أن قرر المجلس النيابي السابق التمديد لنفسه عام 2013 وبالتالي عدم احترام الدستور والوكالة المعطاة من قبل الشعب للنواب، قررت مجموعات عدة بالقيام بتحركات احتجاجية في وسط مدينة بيروت، وهي المرة الأولى التي يستعمل فيها اسم حراك، وأطلقت حملة اعلامية تحت اسم #لا_للتمديد بهدف الضغط على النواب لإلغاء التمديد.  وكان المطلب الأهم المطروح في حراك "لا للتمديد" هو اجراء الانتخابات النيابية في موعدها على اساس نسبي؛ لكن هذا لم يمنع من ترديد شعار إسقاط النظام رغم وعينا بأن امكانية تأثيرنا على اجراء الانتخابات في وقتها كان موضع شكّ، فما بالك تأثيرنا على إسقاط النظام!

للأسف انحسر الحراك مبكراً دون أي تأثير فعلي، لا على المستوى السياسي ولا الشعبي، وبالتالي لم يكن لشعار اسقاط النظام اي أثر يذكر فيما قام النواب ذاتهم بالتمديد لفترتين ولم تتم الانتخابات إلا في مايو/أيار 2018. وكان أحد أسباب الفشل هو الانقسام الحادّ بين اللبنانيين بشأن الاوضاع في سوريا وتدخل حزب الله العسكري والمباشر في الحرب السورية، فكانت اللحظة غير مواتية لاستقطاب الشعب وحثه على النزول إلى الشوارع والساحات للمطالبة بإجراء الانتخابات النيابية في وقتها. فالقطبين الأساسيين يومها -- حزب الله وتيار المستقبل -- كانا مع تأجيل الانتخابات ولم ير المواطن الأمر سوى أنه معركة سياسية للوصول إلى قانون انتخابات يفضله كل طرف من الأطراف السياسية الموجودة أو تأجيل لمعركة انتخابية ستجري.

ويبدو مشهد منع انعقاد جلسة مجلس النواب على مدى أسبوعين متتالين في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 تطوراً مهما على صعيد الارادة الشعبية التي ترفض تمرير قوانين غير دستورية، بعد فشل المحاولات في يونيو/حزيران 2013 لمنع النواب من الدخول إلى المجلس لتمديد ولايتهم بسبب قلة عدد المشاركين وعدم الاهتمام الشعبي بموضوع التمديد.

حراك 2015

عاد شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" إلى شوارع بيروت في يوليو/تموز 2015 في اليوم الثاني من بدء حراك "طلعت ريحتكم" والذي جاء رداً على فشل الحكومة برئاسة سعد الحريري في إدارة أزمة النفايات في بيروت وضواحيها. ومن المطالبة بحل هذه الازمة انتقل الشارع أحياناً إلى المطالبة بإسقاط النظام على أنه بات من الواضح فشلُ هذا النظام وانعدام أي احتمالية للإصلاح فيه. سُجل في صيف 2015 حراكاً واسعاً للمستقلين والمعارضين للطبقة السياسية الحاكمة في لبنان رافقه تطور في الشارع وفي المجموعات المنظمة.

ومن أبرز معالم هذا الحراك:

1- لم يكن موضوع النفايات موضوعاً سياسياً بحتاً بل طال كل فئات المجتمع على تعدد خلفياتهم السياسية والاقتصادية، وبالتالي كان الاحتجاج فعلياً ضد الأداء الإداري والحكومي.

2- اكتسبت المجموعات التي أطلقت الحراك والمجموعات التي نشطت به خبرة وتجربة أكثر مكّنتها من مفاجأة السلطة واستقطاب الشعب وخاصة الطبقة الوسطى.

3- لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً عبر وجود أشخاص مؤثرين في الفضاء السياسي والاجتماعي ولديهم أعداد لا بأس بها من المتابعين.

4- ساهمت عملية التمديد للمجلس النيابي إلى حد كبير في تأجيج الغضب لدى المواطنين وارتفاع سقف المطالب من إصلاح حكومي وإداري إلى إسقاط النظام.

5- برز شعار "كلن يعني كلن" الذي توجه به اللبنانيون إلى كل الطبقة السياسية بدون استثناء (بما فيهم الزعماء) وهي المرة الاولى التي يلاقي فيها هذا الشعار ترحيبا واسعا من اللبنانيين، و"كلن يعني كلن" تعني انهم كلهم، دون استثناء، مشتركين في الفساد (او التغطية عليه) وسوء الإدارة.

6- حظي حراك 2015 بتغطية إعلامية واسعة بشكل مختلف عن الحراكات السابقة.

7- برز مصطلح "المجتمع المدني" بشكل أكثر جدية في الساحة السياسية اللبنانية وبات أعضاؤه يمثلون الخط المستقل عن جماعة الأحزاب والسلطة بالمبدأ، وكانت كثير من الجمعيات التي تعمل على مواضيع مختلفة (انتخابات، حوكمة، شفافية، حقوق انسان وبيئة…) نشطت في تلك الفترة ولاقت تفاعلا شعبيا.

8- ظهور جيل من الشباب لا يشبه سابقه من حيث تحرره من ظل "الزعيم" وبالتالي شكّل هذا الأمر مفصلا لبداية تحرر سياسي.

بقي مطلب اسقاط النظام غير واقعي بالنسبة للأغلبية العظمى من المتظاهرين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الكثير منهم ظلوا يعبّرون عن هذا المطلب في الشعارات والهتافات. وابتعاده عن الواقع كان سببه اهتمام المشاركين بحلّ مشكلة النفايات أكثر من غيرها، وتفضيل الشارع تجنيب لبنان لأي خلل أمني (في ظلّ الحرب القائمة في سوريا وتزعزع أمني في عدد من دول العربية)، وبالتالي بقي السقف السياسي محدودا بالمطالبة بحل أزمة النفايات ومن ثم اسقاط وزير البيئة أو الحكومة.

بعد انتهاء الحراك، كانت هناك شبه موافقة في نقاشات وجلسات حوار مع المتظاهرين أنه كان من الافضل الارتكان إلى سقف غير عالي في السياسة من أجل الحصول على انتصارات أو تحقيق بعض الانجازات. وبالتالي اعتبرنا، ولو ضمنياً، أن مسار اسقاط النظام – عملياً - طويل نسبياً وان الشعب اللبناني ما زال يحطّ أماله على امكانية اصلاح هذا النظام أو تحسين أدائه.

بين حراك 2015 وثورة 2019

استمرت الطبقة الحاكمة في نهجها القائم على المحاصصة وعدم قيامها بأي أعمال إصلاحية. بل على العكس، تضاعفت المشاكل والآفات في البلد. ولم يساهم انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية بعد أكثر من سنتين من الفراغ الرئاسي في تحسين الوضع القائم أو تقديم أي من الحلول التي كان يحتاجها الجسم الإداري، والاقتصادي والقضائي. كما أن انتخابات مايو/أيار 2018 النيابية لم تشكل الانعطاف المفصلي الذي كان ينتظره الشعب اللبناني لتحسين أوضاعه المعيشية والاقتصادية. على العكس، أعادت الانتخابات النيابية إنتاج الطبقة السياسية ذاتها تقريباً مع الأخذ بعين الاعتبار سيطرة حلف حزب الله - التيار الوطني الحر على الأكثرية وتشكيل حكومة ائتلافية من جميع الأقطاب لم تساهم في معالجة أي من الأزمات وخاصة الاقتصادية.

أ) 17 أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها

في حين أن ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول كانت نتيجة لتراكمات عديدة، ولم تأت من لا شيء، إلا أنها في لحظة اندلاعها كانت مفاجئة.

سأسرد بعضاً من الساعات الأولى في ليلة 17 أكتوبر/ تشرين الأول وأبني عليها.

"كنت على علم بالدعوة إلى التظاهر عند الساعة السابعة مساءً ولكن كنت مدعوا لجلسة نقاش حول الوضع في شمال سوريا والتدخل التركي والتي عقدت في الجامعة الاميركية في بيروت، وفضلت البقاء في الجلسة حتى النهاية على أن انضم عند الساعة السابعة الى الاصدقاء والناشطين الذين دعوا إلى التظاهر في وسط بيروت رداً على فرض ضرائب جديدة من الحكومة اللبنانية. وبالفعل، انضممت إلى المسيرة التي سارت من ساحة رياض الصلح إلى الحمرا ومن ثم عدنا إلى الوسط.

بعد مرور بعض الوقت بدأت انظر للوجوه الموجودة التي بلغت الآلاف؛ تفحصتها جيداً وتبين لي مباشرة: (1) أن هناك الكثير من الوجوه الجديدة في الاعتصام وخاصة من الفئة الشابة ومن الطلبة الجامعيين؛ و(2) كمية الغضب الموجود التي لم أر مثله في النفوس والوجوه في أي من المظاهرات والاحتجاجات السابقة."

لم تشتعل ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول رداً على فرض ضرائب على خدمة تطبيق الواتساب فقط كما اشيع أو صوّر، بل اتت بسبب سلة كاملة من التراكمات في الفشل في الادارة وتفشي الفساد وانعدام الخدمات وارتفاع معدلات البطالة، علاوة على وضع اقتصادي ومالي صعب تعيشه البلاد واستهتار وقلة مسؤولية السياسيين اللبنانيين في إدارة أي أزمة. (قبلها ب48 ساعة كانت النيران تشتعل من شمال لبنان الى جنوبه دفعت البلاد إلى الاستنجاد بقبرص واليونان لإخمادها).

انتشرت التظاهرات في كل المناطق اللبنانية وتوحّدت حول المطالب بتلقائية دون أي اتفاق أو تنسيق مسبق وبات رحيل الحكومة (قبل الاستقالة) وتشكيل حكومة من مستقلين واجراء انتخابات مبكرة هي أهداف الثورة.

ب) اسقاط النظام عبر "كلن يعني كلن"

كانت المطالبة بإسقاط النظام التي تجسدت في عبارة "كلن يعني كلن" هي الاختلاف الجذري الذي حدث هذه المرة. ومنذ الليلة الأولى صدحت شوارع بيروت متبوعة بجميع المدن والمناطق التي انضمت الى التظاهرات بهتافات المطالبة بإسقاط النظام. "كلن يعني كلن" هي صحيح امتداد للشعار الذي انطلق في 2015، ولكن المفارقة هذه المرّة هي أن من يطالب بإسقاط النظام يعني النظام بكامله، أي إسقاط النظام اللبناني القائم على أساس المحاصصة والزبائنية والذي يتمثل في علاقة الطبقة السياسية بالشعب وعلاقة الشعب بالدولة؛ وإسقاط نظام الزعامات التي ملّ منها اللبنانيون ولا يروا فيها الّا رموز فساد وسرقة؛ وإسقاط النظام الطائفي من أجل إرساء نظام مدني - علماني يهتم بإعطاء الحقوق الفردية للمواطن قبل حقوق الطائفة حيث تكون فيه علاقة المواطن مباشرة مع الدولة دون أن تكون من خلال الطائفة؛ وأخيراً إسقاط نظام الاقتصاد الريعي الذي أوصل البلد إلى هذه الازمة وإرساء اقتصاد منتج بديل.

لا يوجد عند المتظاهرين إجماع حول طرح بديل عن النظام أو خارطة طريق متفق عليها من الجميع. ولكن من الواضح أن الحراك قد كسّر آخر خيط في العلاقة مع النظام القائم؛ وظهر ذلك عبر انتشار الاعتصامات في كل المناطق، وإن اختلفت حدتها من منطقة لأخرى. في حوارات أجريتها مع عدد من الشباب الذين يشاركون لأول مرّة في مظاهرات مشابهة ويهتفون بـ "كلن يعني كلن" وضد النظام ويطالبون بإسقاطه، كان هناك تقريباً إجماع على انّه لا امكانية لإصلاح هذا النظام، وبالتالي على أي سلطة تنبثق من جديد أن تعيد إنتاج قواعد ترعى وتؤسس لنظام مغاير للنظام القائم.

ت) بروز وعي جماعي وجيل الشباب الجديد

مع الأخذ بعين الاعتبار أن النقاش الجدي حول ماهية عملية إسقاط نظام وبناء نظام آخر لا يزال في أوله لكن مما لا شك فيه أن وعياً جماعياً تكوّن حول ضرورة إسقاط النظام. إلى جانب بيروت التي بقيت فيها من أول يوم للثورة، زرت منطقة عاليه والشوف وطرابلس في الأسابيع الماضية ووجدت أن مشهد المطالبة بإسقاط النظام لا يختلف من منطقة إلى أخرى، والملفت إلى الانتباه هو انّك لو سألت اكثرية المتظاهرين قبل أسبوع واحد من بدء الثورة عن أي إمكانية لإسقاط النظام في لبنان كان جوابهم سيكون بالنفي المطلق مع التعبير عن صعوبة ذلك. لكن اللحظة التاريخية التي تمثلت بـ 17 أكتوبر/ تشرين الأول كانت بالنسبة لأولئك كفيلة بأمرين، أولاً تجسدت بالثقة في المطالب الشعبية التي برزت في الثورة؛ وثانيا، أدت إلى بروز وعي جماعي لدى الفئات المجتمعية المختلفة، وخاصة الشابة منها. فالوعي الجماعي، لو لُخص، هو عبارة عن مجموعة القواعد السياسية التي تحيط بالثورة ومجموع المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي تطالب بها أغلبية الشعب اللبناني.

لعب العنصر الشبابي دوراً رئيسياً في انتشار هذا الوعي. إن جيل الشباب الذي يشارك في الثورة اليوم ويعد عصب الثورة اذ يشكل أكثرية المتظاهرين (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 25) لم يعش فترة الانقسام الحاد في المنظومة السياسية التي عاشها الجيل السابق فترة ال 2005 وما تلاها،  ولا هو جيل لديه ارتباط بذاكرة الحرب. فهو جيل شاب عاش فترة من الفساد غير مسبوقة في الدولة اللبنانية وفشل معظم الأحزاب في تقديم طروحات جدية بديلة وفترات حكومات ائتلافية تتفق فيها كل المنظومة السياسية. وبالتالي هذه الفئة الشابة لا تملك أي ارتباط بالنظام القائم وهي مستعدة ومتحمسة لإسقاطه والذهاب الى إرساء نظام جديد يتجاوب مع تطلعاتهم.

ولاحظت في جلسات حوارية عديدة تجري في بيروت (اللعازارية - قريب من ساحة الشهداء) حضرتُها في الايام الماضية أمراً يتعلق بجيل المتقدمين في العمر (أكثر من 45 - 50 سنة). لقد كان هناك نوع من الموافقة الضمنية بينهم انّ هذه ثورة الشباب، فلنتركهم يمارسوا دورهم ويأخذوا مساحتهم لانّ جيل الحرب هو المسؤول بشكل أو بآخر عن الفترة السابقة وهو الجيل الذي لم يتصد للزعماء والفاسدين بل صفّق لهم وأعاد انتخابهم في كثير من الأحيان.

وهذا الجيل الشاب وعي كل الوعي أن المسؤولية الآن تقع على عاتقه. فعلى سبيل المثال غالباً ما يكون معدل الأعمار في الاجتماعات الدورية (يومية واسبوعية) التي نقوم بها للتحضير للنشاطات يقارب ال30. الامر الذي يعكس انّ الشباب هم من يمسكوا زمام المبادرة في أغلبية الأوقات، سواء في تحركات الشارع أو على صعيد الخطاب السياسي والتوعية.

ث) النساء اللبنانيات

قد يكون انطلاق الثورة من أهم المرّات التي تمارس فيها المرأة اللبنانية دورها في الحياة السياسية في لبنان، بحيث ان اللبنانيات برزن في الخطوط الأمامية أمام القوى الأمنية والجيش للتأكيد على سلمية الثورة ومنعاً لأي احتكاك بين المتظاهرين والأمن، وبرزن كناشطات ومحاضرات في المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكوجه أساسي في المجموعات الفاعلة على الأرض.

لا يعني هذا أن المرأة اللبنانية كانت مغيبة من قبل؛ لكن مما لا شكّ فيه أن الاهمية التي اكتسبتها في هذه الثورة والدور الذي لعبته مختلف عن المرات السابقة.  وهذا بفضل جهود التنظيمات والمجموعات النسائية في السنوات الأخيرة التي طالبت بحقوق المرأة اللبنانية ودافعت عنها مما دفع البعض الى القول بأن الثورة اللبنانية وجهها نسوي. وقد يشّكل العنصر النسوي العنصر الاكثر ثوريا فهو يتحدّى ايضا الذكورية المتفشيّة في المجتمع.

ومثالا على أهمية هذا الدور، بعد محاولات عدّة من أحزاب السلطة4حزب الله وحركة أمل لإرجاع الخطاب المذهبي والتفرقة بين المناطق عبر التحريض والتحريض المضاد نجحت النساء في جمع أمهات من الشياح وعين الرمانة5منطقة في بيروت تجمع أحياء مسيحية ومسلمة ودعت الى نبذ لغة الحرب والتحريض الطائفي ونددت بمحاولات لجرّ الشباب إلى العنف وإرجاع لغة الحرب الأهلية.  وفي الجنوب في النبطية وصور مثلاً جمعت أغلب المسيرات النسائية بين مطالب الثورة ومطالب المرأة اللبنانية وكذلك فعلت النساء في الشمال في طرابلس وفي أكثر من منطقة.

مسار الثورة وعقد اجتماعي جديد

قد يكون فشلنا في تحدي السلطة سابقاً قد أسس لحظة مثل هذه اللحظة التي يكون فيها الشعب اللبناني من أقصى شماله إلى جنوبه في تحدي للطبقة الحاكمة وبالتالي تحدي للنظام.

لا أحد يعلم كيف سيكون مسار الثورة اللبنانية وإن كانت ستحقق أهدافها أم لا في ظل مماطلة الطبقة الحاكمة وعدم الجدية في التعاطي معها أو استيعاب ما يجري. لكن الواضح أن شريحة كبيرة من الشعب باتت تسير باتجاه انتاج طبقة سياسية جديدة تدير البلد، والأهم من ذلك اسقطت هذه الشريحة أو على الأقل تعدّت المفاهيم القديمة في الحكم.

والسؤال يبقى هنا، هل يكفينا في لبنان رزمة اصلاحات اقتصادية وسياسية جديدة كي نتخلص من أزماتنا ام نحن بحاجة لإرساء نظام جديد بعقد اجتماعي جديد وشكل حديث للدولة على اعتاب المئة سنة من دولة لبنان؟ وهلّ ستكون حملة "كلن يعني كلن" الضربة القاضية هذه المرّة أم أنّ ما يجري في بيروت والمناطق الأخرى الآن هو جولة من الجولات مع الطبقة الحاكمة والنظام وبالتالي سيتجدد الصراع في المستقبل في حال لم تقدر الثورة على تحقيق كافّة أهدافها في المدى المنظور؟

Footnotes   [ + ]

1. ستة من الناشطين الذين عرفتهم في الساحات والحركات المطلبية منذ سنة 2011
2. مقابلة أجريتها مع موقع فرانس 24 عام 2011 حول حملة اسقاط النظام الطائف
3. الحلف الذي تشكل من حزب الله والتيار الوطني الحر (ميشال عون) والتيارات الحزبية الحليفة.
4. حزب الله وحركة أمل
5. منطقة في بيروت تجمع أحياء مسيحية ومسلمة