مقدمة: التطور والتحديات الحالية والآفاق المستقبلية

لوحة جدارية بالقرب من ميدان التحرير في القاهرة رسمها فنانون مصريون على كتل خرسانية تمنع الطريق إلى مقر وزارة الداخلية ، مارس/آذار 2012.© جونتان رشاد

مقدمة: التطور والتحديات الحالية والآفاق المستقبلية

بعدما صعدوا بفرح وترقب إلى قمم شاهقة عقب احتجاجات الربيع العربي في أوائل 2011 وباتوا يتطلعون إلى أفق مفعم بآمال عريضة، انحدر معظم دعاة العدل الاجتماعي والحرية وحقوق الانسان في هذه المنطقة، وجلهم من الشباب، إلى وديان سحيقة من اليأس في سنوات تالية ولم يرفعوا رؤوسهم منها ربما حتى 2019 مع اندلاع موجات جديدة من الاحتجاجات الضخمة في عديد من عواصم المنطقة لتثبت أن تلك الرغبات التي اضطرمت في بداية العقد لم تزل محتدمة. وشهدت المنطقة في هذا العقد تفكك دول، واندلاع حروب أهلية في بعضها، ومساعي دول أخرى من اجل إعادة تأسيس نظمها السلطوي، بينما خاضت دولة أو اثنتان - أسعد حظاً - غمار غابة من خيارات السياسات المعقدة والمقيدة بهياكل سياسية واقتصادية محلية ودولية تجعل مهام التعامل الناجع المرضي للشعوب مع اختلالات شديدة ومتزايدة في الدخول والثروات وفقر مدقع يضرب شرائح أكبر من المجتمع، مهام صعبة للغاية ولا طرق واضحة لتحقيقها. وينسجم هذا الانتقال المقبض والمضطرب في المنطقة مع تحول عالمي انفجرت فيه موجات الغضب والاحتجاج الاجتماعي من نيويورك إلى هونج كونج.

وفي وجه هذه الموجات المتلاحقة ترتفع الأسوار وتتضاعف مساحات الاسلاك الشائكة التي تفصل بين الدول وبعضها وبين من يملكون ومن لا يملكون داخل هذه الدول، ويصير اعتلاء هذه الحواجز أو حتى المرور من خلال بواباتها المحروسة جيداً، سوى لقلة قليلة، مغامرة خطرة وغير مأمونة العواقب بسبب تدابير أمنية متشددة لعرقلة حركة معظم البشر. ويتعاظم الخوف بين الناس رغم تزايد الاجراءات الأمنية في نفس الوقت، أو بالأحرى بسبب هذه الاجراءات ذاتها حيث أنها تغذي مشاعر القلق والخوف دون علاج لأسبابها. وتظهر تفاصيل هذا الواقع البائس لأي شخص ذو عينين مفتوحتين يتجول في مدن العالم الكبرى حيث تعلو الجدران حول أحياء جديدة سكنية أو تزيد التحصينات الأمنية حول وداخل مبان وشوارع بعينها. وتتفاقم هذه التحولات في مدن عربية عديدة حيث تتردى الخدمات العامة وترتفع أسعارها بشدة في مدن مثل القاهرة وبيروت أو تتحصن المدن ذاتها – أو مناطق معينة فيها - لتصير واحات يمكن اللجوء إليها من اقتتال مدمر دائر في انحاء البلاد مثلما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن.

وبالرغم من هذا الواقع المخيف، تدفقت جموع من الناس على شوارع وميادين عدة عواصم عربية في شتاء 2018- 2019 تصرخ من اجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحق في التجمع والتعبير، الخ. وتكشف هذه الاحتجاجات الشعبية التي هزت المنطقة طوال هذا العقد عن شقوق عميقة في البنى الاجتماعية وعن فشل هيكلي في مؤسسات هذه الدول. وليست المنطقة العربية فحسب هي من تعاني دوناً عن بقية العالم اقتصاديا وسياسيا، فهناك بوضوح اعراض مشاكل هيكلية عميقة تنذر بأزمة اقتصادية عالمية واضطرابات في مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وحلف شمال الأطلسي وتآكل في قيم الديمقراطية وحقوق الانسان، وهي كلها ترتيبات اعتقد كثيرون أنها رسخت وخاصة منذ انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي وهيمنة الليبرالية الجديدة، في مطلع التسعينيات.

***

وفي عقد التسعينيات استقرت ونمت حركة حقوق الإنسان التي وُلدت معظم منظماتها في المنطقة في العقدين السابقين، حيث تأسست أول هذه المنظمات في السبعينيات بعد سنوات معدودة من نشأة تنظيمات مماثلة في الغرب.1كانت منظمة العفو الدولية من أوائل هذه الجماعات حيث تأسست في عام 1961. وتلت ذلك منظمات أخرى في السبعينيات في انحاء العالم بما فيها المنطقة العربية ومنها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان في عام 1972 والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان في عام 1977. وجمعت معظم هذه المنظمات في دول المنطقة نشطاء سياسيين، وخاصة من خلفيات قومية ويسارية وأقليات، فضلاً عن محامين مهتمين بتعزيز سيادة القانون وبالشأن العام، حيث اغتنموا فرصة خلقها خطاب عالمي مهيمن حول حقوق الإنسان من اجل الانخراط في مجال فوق سياسي في منطقة كان المجال السياسي المباشر فيها شبه مغلق.

وصاحبت هذه النشأة، وأثر في تطورها، ثلاثة تحولات رئيسية مهمة ومتقاطعة:

أولاً، بروز أهمية اللجوء الى القانون واستدعاء منظومة حقوق الانسان من أجل الدفاع عن نشطاء سياسيين واجتماعيين زادت وتيرة وشراسة انتهاك حقوقهم على يد أجهزة أمن الدولة. وكان التنظيم السياسي مقيدًا إلى حد كبير في معظم دول المنطقة مع موجات هائلة من القمع من منتصف الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات.2على سبيل المثال، اعتقل النظام الناصري في مصر بصفة منتظمة كل من الشيوعيين والإسلاميين بأعداد هائلة من نحو منتصف الخمسينيات إلى أواخر الستينيات في سجون مروعة تعرض فيها النشطاء للتعذيب والاحتجاز لسنوات دون محاكمة أو بعد إجراءات قضائية جائرة. وعاش المغرب ثلاثة عقود من العنف السياسي على يد أجهزة الدولة الأمنية اعتبارًا من أوائل الستينيات، حيث قتل رجال الأمن وعذبوا بوحشية المعارضين والمشتبه فيهم واخفت عديدين منهم دون أثر. واستندت الانظمة الحاكمة في سوريا وليبيا والعراق على أجهزة امن مفرطة في الوحشية وغير خاضعة لأي محاسبة مما نشر مناخاً من الخوف التام لعقود متتالية وصلت فيها هذه الاجهزة الى حد قصف تجمعات مدنية جواً واستخدام الأسلحة الكيميائية ضد مواطنيها. وتصاعدت الشراسة مع تآكل شرعية النظم القائمة منذ نهاية الاستعمار واضمحلال القدرة على الدفاع عن اساليبها القمعية تحت ستار ضرورات بناء الدولة المستقلة وحمايتها من "المؤامرات" الحقيقية والوهمية.

ثانيا، استمرار وزيادة المعاناة الاقتصادية بسب فشل سياسات الدولة سواء كانت شبه اشتراكية في الستينيات والسبعينيات أو ليبرالية جديدة فيما بعد.3تبنّت معظم الحكومات العربية، ملكية وجمهورية، سياسات الليبرالية الجديدة على الصعيد الاقتصادي منذ الثمانينيات وبينما خفف ارتفاع متوسط الدخل من أثر هذه السياسات السلبي في الدول الريعية، تأثر سكان الريف وفقراء الحضر بشدة في باقي الدول وخاصة الفقيرة منها مثل مصر وسوريا والسودان. وانتهك هذا الفشل المستمر عقدا اجتماعيا مفترضا في معظم الاقتصاديات العربية غير النفطية، وهذا هو العقد الذي قايضت فيه الشعوب حرياتها السياسية مقابل شبكات أمان وخدمات عامة ووعد بحراك اجتماعي لأعلى. ولم تتبلور مقاومة مستندة إلى إطار حقوقي لهذا الفشل الذريع حتى أوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين عندما أصبح التفاوت الاجتماعي/الاقتصادي صارخا والفقر المدقع متفشيا والتهميش واضحاً، وزادت هذه التحولات الاقتصادية عما يمكن ان تتقبله اغلبية المجتمع. لنتذكر أن العقد الاجتماعي غير المكتوب وغير المتفاوض عليه ولكن المتعارف عليه ضمنيًا في المنطقة قد سمح للأنظمة الحاكمة بالتصرف بسلطوية قمعية طالما أنها توفر فرص العمل وحداً أدنى من الخدمات الاجتماعية في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والسكن وبعض الخدمات الترفيهية والثقافية. وزاد من فداحة فشل الدولة في الالتزام بجانبها التعاقدي استيلاء مسؤولين سياسيين وأمنيين كبار ومحاسيبهم على مفاصل الدولة الرئيسية من اجل الاثراء الفاحش والسيطرة.

ومع تآكل الايدولوجيات الوطنية وتهاوي القومية العربية التي كانت تضمن امتثال، إن لم يكن تعاون، قطاعات شعبية واسعة للدولة صار ضمان الانصياع الاجتماعي لنظام فاسد صارخ الظلم يستلزم المزيد من الرقابة والممارسات القمعية وخاصة ضد المعارضين السياسيين من الاجنحة اليسارية المنكمشة والتجمعات الإسلامية المتمددة. وكان انهيار هذه الايدولوجيات، مصحوبا بضعف ثم انهيار المعسكر الاشتراكي، حافزا عزز جاذبية خطاب حقوق الإنسان بعد أن دقت الهزيمة النكراء للنظم العربية القائدة على يد إسرائيل في عام 1967 أول مسمار في نعش القومية العربية ثم تزايدت علامات الاحتضار المديد مع تواصل فشل تلك الانظمة – وخاصة غير النفطية – في مجال التنمية الاقتصادية وتلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها. ودٌقت مسامير إضافية في هذا النعش ولكنه لم يذهب إلى القبر حتى أوائل التسعينيات في أعقاب الغزو العراقي للكويت حينما انهار النظام الإقليمي حقا. وهكذا منحت ايدولوجيا حقوق الانسان اطارا مرجعيا لقوميين ويساريين سابقين لم يتحولوا مثل البعض الى اعتناق ايدولوجية إسلامية. وكان هذا هو التحول الثالث الكبير الذي صاحب مولد حركة حقوق الانسان في المنطقة.

***

وركز المدافعون عن حقوق الانسان في بداية الأمر على الحقوق السياسية والمدنية وبالتحديد على توثيق الانتهاكات وفضحها والسعي لإيقافها مع تقديم الدعم القانوني لضحايا التعذيب والاضطهاد والملاحقة خارج نطاق القانون. ومع تصاعد تأثير السياسات الليبرالية الجديدة على السكان، زاد النشاط الحقوقي المعني بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية. ومن ناحيتها تحاشت الحركة الإسلامية الأكثر شعبية بكثير أي مقاربة حقوقية للتحديات السياسية والمجتمعية بصفتها مقاربة اجنبية وخاصة في مجال الحقوق الشخصية، ولكن على الرغم من ذلك، استخدم الإسلاميون الخطاب الحقوقي انتقائيا وخاصة في مجال الحقوق السياسية.

ولهذا كان من المنطقي أن اعلى الهتافات في مظاهرات الربيع العربي على مدى العقد الحالي نادت بالكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية، وترددت أصداؤها عبر الشوارع والميادين وفي الفضاءات الافتراضية على شبكة الانترنت بعد عقود من السياسات القمعية والفاشلة للدولة. طالب المتظاهرون بالحريات التي حرموا منها أو الحقوق التي لم يتمكنوا من ضمان حدها الأدنى مع التأكيد على أن الشرعية هي امتياز يمنحه الشعب كونه هو مصدر للسيادة، وتبلور هذا من خلال نداء تردد من تونس إلى دمشق وصنعاء: "الشعب يريد إسقاط النظام." وبين موجتي الاحتجاجات في 2011 2019، تدفقت مياه كثيرة حيث تحولت الثورات الشعبية الى حروب أهلية في ليبيا واليمن وسوريا، وعادت بعض البلدان وبمقدمتها مصر للخضوع لسيطرة الاجهزة الأمنية وبيروقراطية الدولة، وخاضت دول مثل تونس مسار التحول والخيارات السياسية المعقدة. وفي كل هذه المسارات لا يعتقد أي مراقب منصف ان هناك إمكانية كبيرة للعودة الى ركود سنوات ما قبل الربيع العربي رغم شعور ما بالحنين الى ذلك العهد من الاستقرار الوهمي، وهو  حنين تغذيه قلاقل واضطرابات عانت منها هذه الدول في السنوات التالية للموجة الاولى من الاحتجاجات واستغلتها شبكات مرتبطة بالأنظمة القديمة تضم أجهزة امنية ومجموعات رجال اعمال وتشكيلات اجتماعية ودينية تقليدية وأجهزة اعلام تدعمها قوى إقليمية محافظة خاصة من دول عربية غنية بالنفط في الخليج ، وتدخل أو إهمال مراكز النفوذ العالمية في واشنطن وموسكو وبكين.

ومهما كانت المحصلة النهائية لحالة السيولة والهشاشة السياسية الحالية فقد آذنت موجات الربيع العربي بنهاية اللعبة السياسية السائدة بالنسبة لغالبية نظم المنطقة التي استقرت في السلطة في الستينيات ثم بدأت في التحلل ببطء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في العقدين السابقين على انفجار احتجاجات هذا العقد.

وترنحت الدول الثلاث التي نتناولها في هذا الكتاب، وهي مصر وتونس والمغرب، فوق رمال متحركة وهي تحاول الوصول لأرضية ثابتة بين رغبات متعارضة وحرائق متتابعة. وطالما غلّبت النظم السائدة في هذه الدول، كما تقول اندرسون، تفضيلات "الجهات الخارجية المتميزة على المصالح المحلية" مما يعني أن النخب الحاكمة كانت أكثر حساسية للمساءلة أمام حلفاء أجانب من شعورها بالمسؤولية إزاء شعوبها. وباتت هذه الشعوب تدافع عن مصالحها، المتعارضة أحيانا، من خلال اشكال تقليدية استمرت تلعب دورا مهما في الاقتصاد والتمثيل السياسي مثل الطوائف والعشائر والعائلات الممتدة والجماعات العرقية والدينية، ومن ناحيتها كانت الدول هذه ونخبها المسيطرة تنظر لأفراد الشعب وجماعاته كلها بصفتهم رعايا يتعين السيطرة عليهم وليسوا مواطنين تجب خدمتهم.4Lisa Anderson, “’Creative Destruction’: States, identities and legitimacy in the Arab world”, Philosophy and Social Criticism, 2014, Vol. 40 (4-5) 369-379

وهكذا لم يكن مفاجئا ان تتبنى شرائح واسعة من هذه المجتمعات وخاصة في صفوف الشباب من المغرب إلى اليمن ومن تونس إلى سوريا أفكار ومبادئ حقوق الإنسان بقوة أكبر في العقدين الأولين من هذه الألفية. وأكد المتظاهرون في موجتي الربيع العربي من الشرائح المتوسطة والعليا من الطبقة الوسطى على أهمية الحقوق المدنية والسياسية في حين التفتت الفئات الأدنى اقتصاديا واجتماعيا إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية. واشترك الجميع في طلب الكرامة.

وذهبت تونس إلى أبعد مدى في القطيعة مع النظام السياسي السابق بينما نجا النظام المغربي من التهديد بفضل بعض الإصلاحات الدستورية والتخفيف النسبي لقبضة القصر على الموارد السياسية والاقتصادية. وعاشت مصر عامين مضطربين تخللتهما فترات من الديمقراطية الإجرائية المهتزة حتى استعادت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية السيطرة ودعمتها في هذا مؤسسات ونخب محافظة مع تأييد لم يكن مهما من اطياف ليبرالية ويسارية معادية لقوى الإسلام السياسي التي سيطرت شكليا على البرلمان ومؤسسة الرئاسة في عامي 2012 2013.

وهكذا تمتع المدافعون عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية بتأثير غير مسبوق في البلدان الثلاثة لفترة قصيرة من الزمن، قبل ان يعود معظمهم وخاصة في مصر والمغرب الى موقع المدافع عن وجوده هو ذاته وهدفاً لحملات الشيطنة إن لم يكن القمع المباشر، وحتى في تونس الذي انفتح فيها المجال السياسي لأقصى حد نسبيا، ضعف تأثير الحركة الحقوقية لأسباب اخرى.

مجالات تركيز الدراسة:

يحتوي هذا الكتاب على 18ورقة بحثية تركز على ستة مواضيع في كل من الدول الثلاث قيد الدراسة، مصر وتونس والمغرب. وعمل الباحثون مع منظمات حقوقية مهمة ورئيسية في هذه البلدان من اجل تحليل السياق المعاصر وبدائل العمل المتاحة في منطقة تمر بانقلابات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة. واستفادت هذه الأبحاث من مراجعة شاملة لمسار العمل الحقوقي في البلدان الثلاثة منذ نشأته.

وتتناول المواضيع البحثية الستة تطور العمل الحقوقي ومنظمات حقوق الإنسان، والعلاقات بين نشطاء حقوق الإنسان والدولة، وابعاد العلاقة المعقدة بين الإسلاميين وخطاب حقوق الإنسان؛ وحقوق الإنسان وبقية المجتمع المدني (النقابات العمالية، الحركة الاجتماعية، الأحزاب السياسية، إلخ)؛ والحوكمة الداخلية لمنظمات حقوق الإنسان؛ وأخيراً، تأثير العمل الحقوقي على الواقع الاجتماعي.

ويعمل المدافعون الحقوقيون في ميدان مزدحم تتفاعل فيه منظمات مجتمع مدني وحركات اجتماعية وأحزاب سياسية ومؤسسات الدولة إضافة الى منظمات دولية. ويعمل المدافعون ضمن هياكل مختلفة تتراوح من منظمات المناصرة التي توظف مهنيين متفرغين في المدن الكبرى وصولاً إلى مجموعات قاعدية تناضل من أجل حقوق السكن، مثلاً، في مجتمعات محلية صغيرة؛ وهم ينخرطون في منظمات عضوية كبيرة أو يعملون في مراكز بحثية صغيرة أو مكاتب محاماة لتقديم المساعدة القانونية أو التقاضي الاستراتيجي. وأخيراً، يعمل هؤلاء المدافعون في هياكل تنظيمية بيروقراطية أو ينشطون في مجموعات بلا هيكل هرمي واضح عن طريق منصات التواصل الاجتماعي.

وبالنسبة لهذا المشروع البحثي، اخترنا التركيز على مجموعة متماثلة من الجهات الفاعلة في كل من البلدان الثلاثة؛ وكلها منظمات غير ربحية لها هيكل تنظيمي واضح، وسابقة اعمال منتظمة، ومستوى أدنى من الاعتراف في المجال، وتعمل انطلاقاً من تصور واضح للمصلحة العامة، وترتكن تحركاتها عموماً على الشرعة الدولية لحقوق الانسان.

ماذا وجدنا!

الاوراق ا الـ 18 لهذا الكتاب وصفية وتحليلية وفي بعض الحالات تقدم النصائح وتستعرض خيارات العمل المستقبلي. وسنلخص في الأقسام التالية النتائج الرئيسية لفصول الكتاب بترتيب موضوعاته الستة.

·         تطور العمل من أجل حقوق الإنسان:

في الاوراق ا الثلاثة الأولى تتبع محمد قديري، وياسمين شاش، وأسماء نويرة، نشأة وتطور منظمات حقوق الإنسان في المغرب ومصر وتونس على الترتيب. وليس هناك مثيل سابق لهذه الدراسات المسحية وستكون مرجعاً مهما للباحثين في المستقبل.

في "تطور حركة حقوق الانسان في المغرب من الاستقلال حتى 2016"، يستعرض قديري كيف زادت أهمية التخصص والاحتراف في مجال حقوق الإنسان، منذ بدايتها عندما كانت تركز بصفة أساسية على الدفاع عن الحقوق السياسية وذلك كرد فعل على الانتهاكات الجسيمة في العقود الأولى بعد الاستقلال وحتى أوائل التسعينيات، وبعدها يستعرض توسع الحركة لتشمل الدعوة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ثم بروز دور الجمعيات الخدمية، وزيادة الاهتمام بالحقوق الثقافية والشخصية بعد جهود مضنية من قبل منظمات نسائية وأمازيغية.

ونشأت أول منظمة رسمية للدفاع عن حقوق الانسان في المغرب في أوائل السبعينيات، ولكن الناشطية الحقوقية صارت أكثر تأثيراً مع نهاية عقود القمع الدموية او ما يسمى بسنوات الرصاص في المغرب في بدايات التسعينيات. ويشرح قديري كيف تعاملت الدولة مع المدافعين عن حقوق الإنسان من خلال مزيج من استراتيجيات القمع والاحتواء. وبعد حراك 2011، بدأ عدد أكبر من الناشطين والمنظمات في العمل على مجالات أكثر تنوعا شملت الحقوق الشخصية، وإصلاح قطاع العدالة، وحرية العقيدة، والحقوق الجنسية، وكذلك حقوق الجماعات العرقية والجماعات المهمشة اجتماعيًا واقتصاديًا.

وفي ورقتها والمعنونة "مولد وتطور وتحديات الحركة الحقوقية في مصر" توضح شاش كيف نما مجتمع حقوق الإنسان في أواخر الثمانينيات، ثم ازدهر بقوة في أوائل القرن 21 حتى وصل إلى ذروة أهميته في عام 2011-2012 ولكنه وقع مجددا تحت ضغوط امنية وحكومية تصاعدت حتى صارت غير مسبوقة اعتبارا من أواخر عام 2014 بعد وصول تجربة مصر الديمقراطية إلى نهاية سريعة على يد الجيش عقب احتجاجات شعبية واسعة. وتحلل هذه الورقة تطور حركة حقوق الإنسان في مصر منذ نشأتها حتى عام 2012 وتتناول التحديات الرئيسية الأربعة التي تواجه العمل في هذا المجال، وهي العلاقة بين المدافعين عن حقوق الانسان ومختلف الفاعلين السياسيين بما فيهم الإسلاميون، والحوكمة الداخلية لمنظمات حقوق الإنسان وكيفية إضفاء الطابع المؤسسي عليها والالتزام بمعايير مهنية فيها وأيضا ضمان ان المنظمات تمثل أصحاب المصلحة الفعليين في عملها، ومسألة التمويل الأجنبي ومن يملك حق مسائلة المنظمات، وأخيراً، أبعاد العلاقة الصراعية مع الدولة.

ومثل المغرب، نشأت الحركة الحقوقية التونسية المنظمة في السبعينيات. وتبدأ نويرة ورقتها، "نشأة وتطور وتحديات الحركة الحقوقية في تونس" في عام 1977 عندما تأسست الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان للعمل على الانتهاكات المنهجية للحقوق المدنية والسياسية. وكما هو الحال مع منظمات حقوق الإنسان الأولى في مصر والمغرب، كان نشطاء سياسيون و/أو محامون هم من أنشأوا الرابطة. ومنذ أواخر الثمانينيات، ظهرت منظمات أخرى لحقوق الإنسان في تونس، سواء نتيجة جهود محلية أو كفروع لمنظمات دولية. ونظرت الطبقة الحاكمة عادة لنشطاء حقوق الانسان بصفتهم جزء من المعارضة السياسية وأوكلت التعامل معهم إلى أجهزة أمن الدولة. وكان لسقوط نظام بن علي الديكتاتوري وما أعقب ذلك من انتقال لديمقراطية انتخابية أثر قوي في إعادة هيكلة منظمات المجتمع المدني وضمنها المنظمات الحقوقية ومنحها دورا متميزا في هذا الانتقال. وتركز منظمات حقوق الإنسان الجديدة بشكل أكبر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجنسية والعرقية.

·         الدولة: العدو الحليف؟

من منظور حقوق الانسان فان أهم دور للدولة هو وضع الإرادة العامة موضع التنفيذ من حيث السياسات والقوانين حيث يستلزم الأمر آليات قسرية لضمان احترام القوانين وضبط الاحترام العام لحقوق الجماعات والأفراد ومعاقبة المخالفين في كل الأحوال. وبمعنى أخر، لا بديل عن وجود دولة فعالة حتى يمكن فرض معايير متفق عليها للعدالة لمنع انتهاكات الحقوق السلبية (الحماية من التعذيب مثلا) ولدعم سياسات وتدابير تضمن احترام الحقوق الإيجابية (مثل الحق في رعاية صحية ملائمة او السكن). وهذا هو السبب في أن المدافعين عن حقوق الانسان ومنظماتها تتعامل مع الدولة كحليف وعدو في آن واحد، حيث يقومون بتوثيق وفضح انتهاكات أجهزة الدولة والمسؤولين فيها ولكنهم أيضا يعملون للتأثير على مؤسسات الدولة (ولا سيما التشريعية والسلطة التنفيذية) لتغيير القوانين والسياسات والممارسات لضمان، حتى لو بشكل تدريجي، الالتزام بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، فالدولة هي المنتهك الأكبر من ناحية للحقوق السياسية والمدنية والضامن الأكبر في نفس الوقت للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وترتكب معظم الانتهاكات التي يوثقها الحقوقيون وكالات إنفاذ القانون التي تديرها الدولة وبدرجة أقل بكثير منظمات وجماعات غير تابعة للدولة (مثل الجماعات الجهادية العنيفة)، بينما الدولة هي أيضا المحاور الرئيسي عندما يتعلق الأمر بالعمل من اجل الحقوق الإيجابية أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال، على سبيل المثال، تغيير القوانين والسياسات والممارسات بحيث تكفل، مبدئيا، الحد الأدنى من الخدمات في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والتوظيف.

من جانبها، غالبًا ما نظرت الدولة إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات ذات الصلة على أنها مصدر إزعاج يتعين السيطرة عليه وحرمانه من الدعم العام محليًا ودولياً. وهذه علاقة عدائية للغاية في مصر، وعلاقة خصومة في المغرب بينما تستمر بحذر في تونس.

ويسعى حاتم شقرون في ورقته، "علاقة المنظمات الحقوقية بالدولة في تونس"، لرسم تطور هذه العلاقة المشحونة بين الحقوقيين والدولة. ومن جانب الدولة كان الهاجس الرئيسي للطبقة السياسية الحاكمة في السنوات الاولى بعد الاستقلال هو تأسيس وتوطيد مؤسسات وطنية، مما ساهم في خلق موقف عدائي تجاه التعددية والحريات السياسية. ونجح نظام الرئيس الحبيب بورقيبة في فرض سلطوية حزب حاكم واحد تستند شرعيته على تاريخ نضالي ضد الاستعمار، ثم استمرت الدولة الاستبدادية مع خليفته زين العابدين بن علي منذ توليه السلطة في ١٩٨٧ وإن كان قد حدّث أدوات النظام وطوّر مؤسساته.  وعانى مجتمع حقوق الإنسان في العهدين من ضغوط متنوعة مع استمرار محاولات الدولة إجباره على تبني رؤية معينة لحقوق الإنسان تتوافق مع منطق الديكتاتورية.

وبعد سقوط بن علي، بدأت علاقة جديدة تتشكل على أسس إيجابية للغاية مع لعب مدافعين مخضرمين عن حقوق الإنسان دوراً رئيسياً في وضع رؤية جديدة لجمهورية قائمة على احترام حقوق الإنسان. وبالتوازي، تصاعد الضغط العام من اجل مطالب اقتصادية لم يلبها النظام الجديد ومن اجل اجراء إصلاحات حقيقية للنظم والسياسات الفاشلة. وهمّش هذا الضغط تدريجياً منظمات حقوق الإنسان القديمة المعنية أكثر بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي مصر، طالما نظرت الدولة ومؤسساتها إلى المجتمع المدني بصفته مجال خاضع لاعتبارات واحتياجات الدولة القادرة على تكليف منظمات المجتمع المدني بلعب دور مقدم للخدمات الاجتماعية ضمن خطة مركزية تضعها الحكومة. وفي بعض الأحيان، طُلب من المجتمع المدني أيضًا القيام بمهام تعبئة وحشد ثانوية في المجال السياسي وفقًا لمتطلبات الحكومة. ويحلل محمد العجاتي في "العلاقة بين الدولة والمنظمات الحقوقية في مصر، إشكالية في الثقافة السياسية أم أزمة بنيوية؟" كيف أنتهى الأمر بالنظام المصري السلطوي هكذا إلى خنق مبادرات المجتمع المدني واضعاف استقلاليته عبر إخضاعه لشبكة قوانين وإجراءات أمنية فضفاضة ومقيدة. ومن ناحية أخرى، نادراً ما كانت منظمات المجتمع المدني، ولا سيما منظمات حقوق الإنسان، قادرة أو راغبة ربما في التغلب على انعدام ثقتها العميق في الدولة.

وفي "حركة حقوق الانسان والدولة في المغرب: تأثير حراك ٢٠ فبراير" يعزو رشيد الشناني اعتراف الدولة التدريجي بسجل انتهاكاتها المفزع إلى النضال المستمر للمدافعين عن حقوق الإنسان. وأدى هذا النضال بالتوازي مع تحولات جيوستراتيجية دولية الى عدة مسارات عدالة انتقالية في المغرب في مناخ انفتاح سياسي نسبي في أواخر التسعينيات وبدايات القرن الحالي.  ونشط حراك فبراير 2011 المقاربة الحقوقية للمشاكل السياسية والاجتماعية وتوج العديد من عقود من النضال من أجل انجاز تحول سلمي وتدريجي نحو خلق تعاقد قائم على حقوق المواطنين مع الدولة.  ولا يبدو وضعا كهذا حلما بعيد المنال بعد حراك 2011 وفقا للشناني.

·          المصالحة الصعبة: الإسلاميون وحقوق الإنسان

تتعدد ايدولوجيات الإسلام السياسي وتتداخل فكريا وتنظيميا منذ نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من السلفية الجهادية وحتى مختلف تجليات الاخوان المسلمين وما بينهما من أطياف متنوعة.  ويتحقق فهم أفضل لتيارات الإسلام السياسي في ضوء أنها لحد كبير رد فعل على الحداثة بما صاحبها من تشكيل للدولة والاستعمار ثم الصراع على شكل الاجتماع في تلك الوحدات السياسية بعد الاستعمار وخاصة السلطة السياسية وتوزيع الموارد الاقتصادية في العديد من دول المنطقة.

وعلى عكس المدافعين عن حقوق إنسان كونية الذين يستندون في الأغلب على قواعد النزعة الانسانية العلمانية، يعزو الإسلاميون نظرتهم الى أي حقوق واجبة للإنسان على تفسير معين للنصوص والوقائع المقدسة والمتوارثة وعلى تطور التاريخ الإسلامي.

وفي " الإسلاميون والمسألة الحقوقية في المغرب"، يجادل محمد وزيف بأن الاحتجاجات السياسية في المغرب في عام 2011 أدت إلى صعود سياسي مذهل للقوى الإسلامية مما تسبب في قلق عميق في أوساط الجهات الفاعلة المدنية والسياسية العلمانية حول تقاسم السلطة ومستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتغذى هذا القلق على تاريخ صراع بين الإسلاميين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

ومن منظور مختلف جذريًا، تتبعت هبة رؤوف عزت في "إسلاميون وحقوقيون: مسارات التفرق والتقاطع" جذور وديناميكيات "العداء" بين الإسلاميين والمدافعين عن حقوق الإنسان. وترى عزت أن الإسلاميين تجاهلوا العديد من الانتهاكات التي ارتكبها النظام والأجهزة الأمنية التابعة له بين يناير 2011 ومنتصف 2013. وتضع في المقابل مشاركة بعض الحقوقيين في تعبئة حركة المعارضة التي أدت إلى مظاهرات 2013 والنهاية المبتسرة لحكم أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر عقب انقلاب عسكري أرسله هو وعشرات الآلاف من مؤيديه من جماعة الاخوان المسلمين ودوائرها إلى السجن بتهم ملفقة في الاغلب. وعقب موجة من القتل والإعدام وانتهاكات حقوقية فظيعة ضد الإسلاميين الناشطين، بدأت ملاحقة الناشطين السياسيين الآخرين، ثم المدافعين عن حقوق الإنسان، امنياً وقضائيا. وسنّت الحكومة أيضًا قانوناً غير مسبوق في قيوده لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية. ورد المدافعون عن حقوق الإنسان بالتنديد بالنظام وتجددت جهود المراقبة والتوثيق والفضح بسبب هذه الانتهاكات الصارخة. وتتوقع عزت أن يتزايد توجه وسط الإسلاميين يتبني منظور حقوقي في العمل الدعائي مما قد يؤدي إلى مزيد من التعاون بين الجانبين المتخاصمين عن طريق مبادرات ومنظمات جديدة بدأت تظهر منذ أواخر ٢٠١٤، وقد يثمر هذا التعاون الوليد، في تحليلها، عن تجسير خلافات ايدولوجية عميقة بين الطرفين.

وفي " تونس: المنظمات الحقوقية والإسلام السياسي وتنظيماته" يجادل محمد الصحبي الخلفاوي أن نظرة الإسلاميين في تونس الى حقوق الانسان عانت في الاغلب من ازدواجية ممزقة بين عدائها للحقوق الشخصية ودعمها للحريات العامة. فبينما حاول الإسلاميون إدراج الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في أول دستور جرى وضعه بعد سقوط نظام بن علي، كانوا في نفس الوقت مستمرين في إعلان دعمهم لمبادئ حقوق الإنسان. ويقدم الخلفاوي عن طريق تحليل الصياغات المختلفة للنصوص الدستورية المقترحة في عام 2014 قراءة معمقة للموقف الإسلام السياسي من منظومة حقوق الانسان. ويشير الى هوة تفصل بين محللين متفائلين بشأن تحول فكري مفترض في ايدولوجية حركة النهضة في تونس من ناحية ومراقبين يركزون على ازدواجية الإسلاميين الذين يمارسون التقية وينتظرون الوقت المناسب حتى يتمكنوا بما يكفي لفرض مشروعهم المعادي بطبيعته لحقوق الإنسان.

·         حقوق الإنسان والحركات الاجتماعية:

وفي حين تواجه العلاقة الشائكة للأطر المرجعية الحقوقية والدينية تحديًا يتطلب التفاوض طوال الوقت وخاصة مع السيولة النسبية للجانبين، فان الفضاء المشترك الذي تتعايش وتتداخل فيه الحركات العمالية والنقابية ومناصري العدالة الاجتماعية ونشطاء حقوق الإنسان هو فضاء متوتر ولكنه يحمل في نفس الوقت امكانيات أكبر للتعاون.

وفي "الحركة الحقوقية والسياسة التنازعية في مصر (2004-2014)"، يشخص عمرو عادلي العلاقة المضطربة بين المدافعين عن حقوق الإنسان وحاملي المطالب الاجتماعية والاقتصادية، حيث يرى أن المدافعين عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية نجحوا جزئياً في العمل مع الحركات التنازعية من أجل تحدي السياسات والمؤسسات العامة في مصر ولكنهم لم يتمكنوا من خلق علاقة عضوية بين المجموعتين. فلم تتبنى الحركات التنازعية إطارا استراتيجياً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من شأنه أن يمكّنها من تجاوز خصائصها المحلية غير السياسية وغير المؤسسية إلى حد كبير لصالح عمل سياسي على صعيد قومي. وفي الوقت نفسه، لم تتمكن حركة حقوق الإنسان من إقامة روابط تنظيمية أو خطابية قوية ومستمرة مع الحركات التنازعية الأوسع نطاقًا لمواجهة الانتكاسات الاستبدادية المحتملة مثل تلك التي حدثت بعد يوليو 2013. وكان ثمن التركيز على خلق منظمات غير حكومية ومجتمع مدني منظم واحترافي قادر على حشد الموارد والحصول على الاعتراف باهظاً وتمثل في الاغتراب عن الدوائر الاجتماعية المتضررة التي يدعي تمثيلها والتي تقود الحراك التنازعي مما أعاق تطوير روابط عضوية بين الجانبين، ليظل الرأس مفصولاً عن الجسد الكبير المفتقر الى قيادة.

ويتعرض حاتم شقرون لقضايا مماثلة في "بين الحقوق والسياسة: منظمات حقوق الإنسان والنضال الاقتصادي والاجتماعي في تونس". ويخلص شقرون إلى ان هناك حاجة في صفوف المدافعين الحقوقيين لمراجعة ادوارهم وخياراتهم التكتيكية ليقرروا ما إذا كان في وسعهم (أو إذا كانت هناك حاجة فعلية) للعب وظائف الوساطة والتمثيل بين الحركات والدولة، أو ما إذا كان في وسعهم استكشاف طرق بديلة يمكن أن تعالج قضايا التوسط المعقدة بين أصحاب الحق من ناحية والمسؤولين عن تأديتها من ناحية أخرى. وركز شقرون على ثلاث حركات اجتماعية في مناطق مختلفة من تونس من أجل تسليط الضوء على ديناميات العلاقات بين النشطاء الحقوقيين والحركات الاحتجاجية، وكيف حاول النشطاء التوسط بين الحركات، التي تفتقر غالبا إلى بنية السياسية، من جهة، والنظام الحاكم القائم على توزيع الثروة والسلطة، من ناحية أخرى. ويوضح شقرون كيف ولماذا تمكن هؤلاء النشطاء في بعض الأحيان من لعب دور مفيد كوسطاء أو مدافعين عن هذه الحقوق.

وينظر يوسف منصف في "المقاربة الحقوقية والحركات الاجتماعية في المغرب" إلى تحول عميق وعريض على صعيد وطني ظهرت فيه جسور لعبور هوة واسعة بين النخبوية المزعومة لحركة حقوق الإنسان و"الجماهير" مما يفسر كيف اعادت المنظمات الحقوقية ترتيب أولوياتها بعد حراك 2011 لإبراز النضالات الاجتماعية والاقتصادية والمحلية مما جعلها تتصادم مع المصالح الخاصة المتنفذة وشبكات المحسوبية الراسخة. ويحلل منصف العلاقات بين المدافعين عن حقوق الإنسان من ناحية وبين حركة الطلاب، وتحركات العاطلين عن العمل، والنقابات العمالية والمهنية، من ناحية أخرى.

·         كيف تحكم منظمات حقوق الإنسان نفسها!

قوض تطور منظمات حقوق الإنسان في شمال إفريقيا في بيئة قانونية قمعية رعتها الدولة وفي مجتمعات محافظة أنظمة الحوكمة الداخلية الخاصة بها، فقد كان على منظمات المجتمع المدني عموماً حماية نفسها من المخاطر المحتملة إذا تصرفت بشفافية أكبر أو قبلت أعضاءً جددًا دون التأكد من أنهم ليسوا عملاء أمن وبالتالي متسللين محتملين. ويعد فهم قضايا التمثيل والمساءلة والحوكمة الداخلية لمنظمات حقوق الإنسان أمرًا مهمًا للغاية من اجل مستقبل أكثر انتعاشاً للحركة الحقوقية.

وفي "إشكاليات حوكمة حركة حقوق الانسان في تونس" تعرض حفيظة شقير كيف أثر المناخ القانوني للعمل الأهلي في تونس على نظم الحوكمة الداخلية في تنظيمات المجتمع المدني. ومع سن قانون جديد لتنظيم الجمعيات في سبتمبر 2011 ارتفع عدد منظمات المجتمع المدني في تونس إلى ٢١ ألف جمعية في العقد الجاري منهم ٣٥٠ جمعية حقوقية. واكتسبت منظمات المجتمع المدني التونسية مكانة وطنية ودولية مرموقة وخاصة بعد أن نالت أربع منها سوياً جائزة نوبل للسلام في عام 2014.  وتحلل شقير عدداً من قضايا الحوكمة الداخلية مع التركيز على مسائل الإدارة والتمويل، مستخدمة أمثلة من المنظمات التي نشطت في مجال حقوق الإنسان لفترة طويلة، فضلا عن تلك التي تم تأسيسها بعد الثورة. وتستعرض شقير عدة عقبات هيكلية ومالية تمنع جمعيات حقوق الانسان التونسية من مزاولة أنشطتها بسبل ديمقراطية وشفافة وخاضعة للمساءلة.

وتشير يارا شاهين إلى تحديات مشابهة في "معضلات مستعصية: قضايا الحوكمة الداخلية في المنظمات الحقوقية المصرية". وتحلل الكاتبة بدقة الهياكل الداخلية وعمليات صنع القرار داخل بعض هذه المنظمات بما فيها مجالس الحوكمة (إدارة او استشارية او تنفيذية)، وطرق الإدارة، والتمويل والعلاقات مع المانحين، والمساءلة، والتمثيل. وبينما تعوق البيئة القانونية العامة المقيدة للعمل الأهلي في مصر تطوير فعالية آليات الحوكمة الداخلية في هذه الجمعيات فان ضعف هذه الاليات يعود أيضا الى ملابسات داخلية في هذه المنظمات. وتشمل المعضلات التي استمرت عبر اجيال مختلفة من منظمات حقوق الإنسان المصرية الوصول لتوازن نسبي بين النشاط العام والالتفات الى التنظيم الداخلي وإضفاء الطابع الاحترافي على المنظمات القائمة بهذا النشاط، وصعوبة ومقاومة مؤسسي ومديري هذه المنظمات لترك وظائفهم المؤثرة، وتطوير آليات تشاركية أفضل للمساءلة من جانب الفئات التي تدعي هذه المنظمات تمثيلها، ومعالجة "وصمة" التمويل الأجنبي.

وتظهر بعض هذه المعضلات أيضا في "حوكمة حركة حقوق الانسان في المغرب" حيث يخلص محمد طارق إلى ان منظمات المجتمع المدني تواجه عدة تحديات خاصة في مجال الحوكمة المالية لأنها تفتقر أساساً إلى موارد ثابتة ومستدامة. وبسبب هذا الوضع المالي غير المستقر، تناضل منظمات المجتمع المدني المغربية طوال الوقت للحفاظ على استقلالها عن كل من الدولة والأحزاب السياسية. ولا يتعين على هذه المنظمات أن تتعامل مع ضغوط المانحين والداعمين فحسب بل أن تتعايش أيضا مع مناخ قانوني يعاني من الغموض والعواقب غير الواضحة لبعض القرارات وخاصة في مجالات التمويل والمحاسبة العامة للمنظمات غير الحكومية. ويوضح طارق كيف حولت الدولة منذ فترة طويلة آليات المراقبة وبروتوكولات المساءلة إلى أدوات سيطرة على المنظمات الحقوقية.

·         عمل شاق ولكن ما النتيجة!

من الصعب للغاية ان نقيس بدقة أثر ما تقوم به منظمات المجتمع المدني أو أي فاعل اجتماعي حصرياً نظراً للاستحالة الفعلية لارجاع التغييرات الاجتماعية والقانونية أو السياسة المركبة لجهود فاعل بعينه او مجموعة محددة وصغيرة من الفاعلين فقط أو حتى تحديد وزنهم السببي النسبي. ويمكن أن يساهم التحليل الكمي في تسليط بعض الضوء على الإسهامات الإجمالية لمنظمات الضغط والدعوة في قطاع معين ولكن هذا يستلزم اجراء مسح أساسي وجمع بيانات ضخمة وهو امر مكلف للغاية. ولكن حتى بدون هذه المقاربة يمكن عن طريق تحليل بعض البيانات الكمية وخطابات وممارسات عدة جهات فاعله ومقابلات مهيكلة مع عدد من الفاعلين الرئيسيين في المجال الوصول الى فهم أفضل لمدى تأثير الناشطين في مجال حقوق الإنسان في أحداث تغير اجتماعي بعينه. وهذا ما يركز عليه القسم الأخير من هذا الكتاب.

وفي "استغلال الحركة الثورية: تأثير المنظمات الحقوقية في مصر ما بعد الثورة (2011-2013)" ترى سهى عبد العاطي ان التعبئة الجماهيرية غير المسبوقة في 2011 خلقت فرصة مثالية للنهوض بحقوق الإنسان، حيث اتسع الفضاء العام لحدود لم تكن متاحة خلال العقود الثلاثة من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، وتمكن أصحاب المصلحة من المشاركة بحرية في وسائل الإعلام، والأحزاب السياسية، والسلطة القضائية، ومنظمات حقوق الإنسان، وذلك في غياب مؤسسات أمن الدولة الساعية دائما للسيطرة. وفي عامي الثورة صار النظام أكثر مرونة وحريصًا على الترضية، وعلى استعداد للاستماع، ومنفتح للإصلاح والحوار، بغض النظر عن نواياه الحقيقية. وحققت هذه المنظمات بعض الانتصارات في مجالات حقوقية ولكن مكاسب عديدة تلاشت بسبب انقلاب عسكري أعقب مظاهرات حاشدة ضد حكومة الإخوان المسلمين في صيف 2013.

واتبع محمد اوطاهر منهجية مختلفة في دراسة تأثير منظمات حقوق الإنسان في المغرب في الفصل المعنون "الحركة الحقوقية في المغرب: جدلية التأثير والتأثر قبل الحراك العربي وبعده". ويرى اوطاهر ان الحراك وسّع نطاق المطالب الاجتماعية في المغرب ونقلها إلى مستوى قاعدي وتفصيلي حتى أصبحت أكثر تركيزًا على الاحتياجات اليومية، مما وطد قاعدة المدافعين عن حقوق الإنسان وزاد من الدعم الشعبي لهم من اجل الدفاع عن الحقوق الأساسية بطرق سلمية وعملية.  

وفي "تأثير الحركة الحقوقية في تونس بين التشريع والممارسة" توضح عفيفة المنّاعي كيف انتقلت حركة حقوق الإنسان من مراقبة وفضح الانتهاكات إلى المشاركة النشطة في صياغة مشاريع القوانين والضغط من أجل إصلاح السياسات. وتوضح الكاتبة مدى نجاح الأدوات والآليات المستخدمة في ظل ظروف متغيرة من اجل التعبئة الجماهيرية والضغط من اجل إصلاحات قانونية وفي السياسات في مسائل محددة منها حقوق المرأة، ومكافحة التعذيب، وضمانات المحاكمة العادلة، وإلغاء عقوبة الإعدام. وترى المنّاعي أنه من الأسهل تقييم مدى نجاح حركة حقوق الإنسان في تغيير تشريعات وسياسات بعينها ولكن من الصعب قياس تأثيرها على الممارسات الفعلية المجتمعية أو من جانب أجهزة الدولة حيث ان التغيير في هاتين الحالتين يكون نتيجة عوامل كثيرة متضافرة.  

ملاحظات ختامية:

"أين تبدأ حقوق الإنسان العالمية في الأساس؟ إنها تبدأ في أماكن صغيرة، قريبة للغاية منكم. إنها أماكن قريبة للغاية وصغيرة للغاية لدرجة أنها لا تظهر على أي خريطة من خرائط العالم. ولكن هذه الأماكن الصغيرة جداً والقريبة جداً هي العالم الذي نعيش فيه، إنها الأحياء التي تضم مساكننا، والمدارس والكليات التي يتعلم فيها أبناؤنا، المزارع التي نفلح فيها الأرض والمصانع والمكاتب التي نعمل فيها. وما لم تكن لحقوق الإنسان معانٍ في تلك الأماكن في المقام الأول فلن يكون لها أي معنى -أو معنى ضئيل للغاية- في أي مكان آخر. وما لم يقم كل منا بمجهود لدعم تلك الحقوق والدعوة إليها من خلال عمل منسق تتكامل فيه جهودنا مع الآخرين في كل تلك الأماكن، فإننا سنظل نتطلع طويلاً إلى تحققها في العالم الأوسع قبل أن ندرك أن انتظارنا سيطول ربما إلى ما لا نهاية." -- إليانور روزفلت في كلمة غير معدة مسبقاً عام 1958.

 

صارت المنظمات العربية لحقوق الإنسان أكثر احترافًا وتركيباً على مدار العقود الأربعة الماضية على الرغم من النظام القمعي الاستبدادي المسيطر في كل بلدان المنطقة. واستنسخ المدافعون المحليون عن حقوق الانسان ما فعله نظراء غربيون وانشأوا منظمات خبيرة في مجالاتها تشبه مؤسسات الأبحاث ومجموعات الضغط التي تراقب وتوثق وتنشر وترفع دعاوى قضائية وتشارك في المناصرة السياسية عندما يكون ذلك ممكنًا. لكن هذا النموذج ذاته بات مهددا بالتهميش في الغرب مثلما هو الحال في المنطقة ولكن بأساليب مختلفة، حيث يجري تحدي الأسس الكونية لخطاب حقوق الإنسان على المستويات السياسية والقانونية والأخلاقية بينما تتزايد شعبية وانتشار نظم حكم استبدادية في عالم مفرط في نظمه واجراءاته الأمنية وغارق في حرب عالمية لا نهاية لها على الإرهاب وضد الهجرة غير النظامية.

ويحتاج المجتمع الحقوقي أن يفكر ملياً وربما ان يقوم بتغيير بعض الاستراتيجيات والتكتيكات المركزية من اجل النجاح في مساهمة أكثر فعالية من اجل احراز تقدم بالتعاون مع نطاق واسع من الحلفاء على المدى الطويل في المنطقة. وهذه حاجة ملحة في ضوء تمدد القومية والشعبوية إقليميا وعالميا لفرض استحقاقات ضيقة عوضاً عن حقوق كونية يتمتع بها كافة البشر.  وتضيّق هذه الحركات وتزيد من جمود تعريف معنى "من نكون نحن" في مقابل "من يكونون هم" أو "نحن" ضد بقية البشرية.5Cesar Rodriguez-Garavito, “Reimagining Human Rights,” Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p.13 ولا ينبثق التحدي فقط من مثل هذه الشعوبية اليمينية اليائسة ولكن من اليسار أيضًا. ويرتكز الجانبان على نظام أخلاقي معاد للكونية كما قال السياسي واستاذ التاريخ الكندي مايكل اجناتيف الذي يصف هيمنة نظام أخلاقي يركز على الفضائل العادية اليومية، وهو نظام "يميّز المحلي في مرتبة أعلى من الكوني، والمواطن اعلى من الأجنبي الغريب والمجتمع المحلي أعلى من المجتمع الدولي/الكوني.6Michael Ignatieff, “Human Rights, Global Ethics, and the Ordinary Virtues”, Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p. 5. وانظر ابضا التعليقات التالية لهذا المقال الهام من صمويل موين وجوديث ليشتنبرج وجيل جولدنتزيل ودوايت نيومان. ويواجه ذلك النظام منطق الحقوق الكونية بمنطق سيادة الديمقراطية المحلية؛ أو بعبارة أخرى فهو نظام يمكّن الأشخاص داخل المجتمع أو الدولة من تحديد كم من "الغرباء" وكيف يمكن لهم أن يتمتعوا بنفس حقوق المحليين/المواطنين.

وسيحتاج المدافعون عن حقوق الانسان في انحاء العالم ان يتعاملوا بجدية على صعيد الضغط السياسي والخطاب العام مع هذا النظام الأخلاقي التفاضلي الذي لا يمنح كل البشر نفس الميّزات لأنه ببساطة يعارض أسس كونية وعالمية الحقوق المتساوية لكل البشر. ويجب أيضا السعي لكشف نقاط ضعف وتناقضات وعواقب مثل هكذا نظام أخلاقي لانه مع استمراره سيقسم البشر حتى داخل الدولة والنطاق القانوني الواحد الى "هم" و "نحن". وهذه الانقسامات يمكن أن تذهب نظريًا إلى ما لا نهاية وهي مدمرة بشكل مروع عندما تعمل أيضاً على المستويات الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية كما صار الحال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.  فمثل هكذا شعبوية ونظام أخلاقي نسبي هو تطور خطير ومؤثر ليس فقط "بالنسبة للغرباء" كما يقول صمويل موين "حيث سيواجهون معاملة قاسية مختلفة عن معاملة أهل البلد او أعضاء الجماعة ولكنه سيكون أيضا تطورا خطيرا حتى بالنسبة للمواطنين او الأهل إذا قررت اغلبية المجموعة في أي وقت انتزاع السلطة من النخب السياسية التي يعتقدون انها خانتهم والتعامل مباشرة مع الأقليات التي ساعتها ستصبح في عداد الغرباء.7Samuel Moyn, “Human Rights in the Absence of Virtue”, Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p.28

سيحتاج مجتمع حقوق الإنسان في نهاية المطاف إلى إعادة توطيد قواعد حقوق الانسان بصفتها مبادئ كونية لكل الناس ولكن هذا الجهد سيتعين ان يتعامل مع الواقع الصعب تدريجيا من خلال نقاشات عامة وضغوط على صانعي السياسة واستمالة الجمهور ببدائل مقنعة بشأن التحديات الحالية والآفاق المستقبلية للقضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمساواة. لم يعد من الممكن او المقبول الاحتجاج بنصوص قانونية دولية ومحلية تكرس حقوق الانسان ووصم السياسيين المخالفين بانتهاكها لان هذه القوانين تتغير تدريجيا ويجري انتهاكها أحيانا بدعم شعبي كما يحدث حيال اللاجئين في المجر او حيال المدنيين في سوريا وليبيا او حيال المعارضين في مصر والسعودية او حيال المشتبه في كونهم جهاديين مسلحين على يد القوات والطائرات الامريكية دون طيار، وبالطبع لكل الفلسطينيين في معازلهم المسوّرة تحت اعين جنود الاحتلال الإسرائيلي او وكلائهم من مسؤولي الامن الفلسطينيين. في كل هذه الأحوال لم تعد القوة القانونية للمعاهدات الدولية أو القوانين المحلية تجدي كثيرا ويجب التفكير في سبل ضغط وعمل أخرى من اجل استنقاذ القوة الأخلاقية والجبرية لحقوق الانسان. ولن يمكن تحقيق ذلك دون العمل بشكل وثيق مع الحركات الاجتماعية التي تتمتع بدعم شعبي واسع وقدرة أكبر على التعبئة والضغط.

وعلى الرغم من استناد حقوق الإنسان، ولا سيما السياسية والمدنية منها، على قوانين واجبة النفاذ ومعاهدات دولية ودساتير وطنية، فإنها تقوم قبل كل شيء على أسس أخلاقية توجب المساواة بين جميع البشر الذين تربطهم جميعا مشاعر التعاطفempathy ويخضعون جميعهم هكذا بمعنى اخر لما وصفه الفيلسوف ايمانويل كانط بالواجب القطعي الأخلاقي. وفي الواقع العملي، تتشكل الطموحات والمطالب الأخلاقية ويُعاد تشكيلها بفعل تغير الهياكل السياسية والاقتصادية السائدة. وكما يقول جولدنتزيل فلن "يمكن ضمان حقوق الانسان سوى بعد ان يُنظر إليها في كل انحاء العالم على انها الحق الذي يجب اتباعه بغض النظر عما تنص عليه القوانين. وسيظل القانون ضرورياً من اجل ضبط السلوك البشري عندما يحيد عن هذا الطريق الحق ولا يحترم هذه الفضيلة، ولذا فان قانون حقوق الانسان والفضائل العادية يجب ان يدعما بعضهما البعض من اجل ان يصبح كل منهما مستداماً وسارياً."8Jill Goldenziel, “Virtues are not Enough”, Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p. 17.   ومن اجل تحقيق هذا الهدف سيتعين على دعاة حقوق الانسان نشر دعوتهم لحقوق الانسان عن طريق إصلاحات قانونية والتزامات أخلاقية وهي دعوة لن يُكتب لها النجاح دون عمل شاق على مستويات متعددة يتوجه الى جماهير متنوعة الفئات باستعمال طيف واسع من الخطابات وساعتها ستكون منظومة حقوق الانسان مفهومة بشكل افضل وعمل المدافعين عنها استراتيجيا ومدعوما واكثر فعالية.

وللأسف فمنذ اكتمال الأبحاث الاولية لهذا الكتاب في 2017 انقلبت آيات كثيرة وباتت منظمات حقوق الانسان في أحوال كثيرة اقل شعبية وانخفض اهتمام الناس بهذا النوع من المقاربة لمشاكلهم عموما. واضافة لهذا النزيف في شعبيتها، تعاني هذه المنظمات في العديد من البلدان من ضغوط هائلة من قبل الأجهزة الأمنية والأنظمة القمعية.

وكما بات واضحا فان الدعوة لسيادة القانون فقط هي سلاح ذو حدّين إذ يمكن ان تتحول مثل هذه السيادة بسهولة في ظل أنظمة استبدادية من أداة في أيدي دعاة حقوق الإنسان إلى سلاح في أيدي هيئات قضائية فاسدة وأجهزة إنفاذ قانون قاسية لا تخضع لحساب. وطالما أُستخدم القانون والممارسات القضائية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية، مع التركيز في كثير من الأحيان على مسألة التمويل وخاصة الأجنبي. وتستمد معظم منظمات حقوق الانسان العربية الدعم المطلوب لها من مؤسسات ووقفيات أمريكية وأوروبية خاصة والى حد اقل من حكومات اجنبية وفي أحوال اقل بكثير من تمويل خاص أو عام محلي. وقد حاولت هذه المنظمات، أحيانا بدافع حماية نفسها من ضغط حكوماتها، الابتعاد عن المشاركة بالرأي والدعم في المجال السياسي مباشرة وفضلت التركيز على توثيق الانتهاكات ونشر التقارير والتوصيات بشأنها. وأدى هذا في بعض الأحيان إلى أن تصبح هذه المنظمات غير الحكومية أكثر نخبوية، وخاضعة أكثر لأولويات المانحين المحليين والخارجيين، ونشر الأبحاث، وليس على القيام بدعوة عامة جماهيرية وتعبئة الرأي العام والتقاضي الاستراتيجي.

وفي نهاية المطاف، سيعتمد تأثير النضال الحقوقي في الدول الثلاث التي يركز عليها هذا الكتاب على تغير في فلسفة الدول القائمة وبالتالي تحول اصيل في سياسات وممارسات الحكومات وذلك في وجه مطالب وضغوط اجتماعية كبيرة وواضحة تمارسها جماعات منظمة لفترات طويلة. ولا يحدث هذا التغير والتحول تجاوبا مع مطالب معقولة ومدعومة بالمعلومات من منظمات غير حكومية لأن التغيير الاجتماعي/السياسي لا يحدث في دولة ما لأن النظام الحاكم يصير مثل القديس بولس ويرى النور في الطريق الى دمشق او يدرك فوائد الديمقراطية والحكم الرشيد لعموم الناس ولكن النظم والدول تتغير في عمليات ولأسباب معقدة منها ضغوط شعبية تأتي عادة على يد حركات اجتماعية اثرت على روافع سياسية بعد اغتنام فرص هيكلية من اجل إحداث التغيير. ومن هذا المنطلق فان تعزيز قواعد حقوق الإنسان وبناها التحتية سيكون نتيجة نهائية لنضالات طويلة ومنظمة على الأصعدة المحلية والوطنية والدولية وليس بسبب حسن نية من نخب حاكمة قررت أن تستجيب لمطالب عقلانية وقانونية من منظمات حقوقية.

لا شك ان موجات احتجاجات الربيع العربي المتلاحقة قد هزت القلب الصلب للأنظمة الحاكمة لكنها كشفت أيضًا عن نقاط ضعف هيكلية في قدرات وعمل وتأثير الافراد والجهات الناشطة في مجال حقوق الانسان. فعندما اهتزت المؤسسات السلطوية بشدة في عامي 2011 2012 ومرة أخرى في 2019 تحرك الحقوقيون بحرية وتمتعوا بنفوذ أكبر في تشكيل السياسات والتشريعات وتغيير الممارسات العامة. وفي البلدان التي استعادت فيها الأجهزة الأمنية مواقعها المهيمنة مثل مصر أو نسبيًا كما في المغرب، تواجه هذه المنظمات واقعاً أكثر تقييداً وتعقيداً. ومع هذا فقد تغلغل خطاب حقوق الإنسان ومُثُله العليا بعمق داخل الخطاب العام وفي قلب التطلعات الشعبية في جميع بلدان المنطقة تقريبًا بينما تستمر الأسباب الهيكلية التي فجرت موجات احتجاج الربيع العربي في أوائل العقد قائمة ويبدو ان المواسم قد دارت دورة كاملة بعد مرور هذه السنوات.

 

 

Footnotes   [ + ]

1. كانت منظمة العفو الدولية من أوائل هذه الجماعات حيث تأسست في عام 1961. وتلت ذلك منظمات أخرى في السبعينيات في انحاء العالم بما فيها المنطقة العربية ومنها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان في عام 1972 والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان في عام 1977.
2. على سبيل المثال، اعتقل النظام الناصري في مصر بصفة منتظمة كل من الشيوعيين والإسلاميين بأعداد هائلة من نحو منتصف الخمسينيات إلى أواخر الستينيات في سجون مروعة تعرض فيها النشطاء للتعذيب والاحتجاز لسنوات دون محاكمة أو بعد إجراءات قضائية جائرة. وعاش المغرب ثلاثة عقود من العنف السياسي على يد أجهزة الدولة الأمنية اعتبارًا من أوائل الستينيات، حيث قتل رجال الأمن وعذبوا بوحشية المعارضين والمشتبه فيهم واخفت عديدين منهم دون أثر. واستندت الانظمة الحاكمة في سوريا وليبيا والعراق على أجهزة امن مفرطة في الوحشية وغير خاضعة لأي محاسبة مما نشر مناخاً من الخوف التام لعقود متتالية وصلت فيها هذه الاجهزة الى حد قصف تجمعات مدنية جواً واستخدام الأسلحة الكيميائية ضد مواطنيها.
3. تبنّت معظم الحكومات العربية، ملكية وجمهورية، سياسات الليبرالية الجديدة على الصعيد الاقتصادي منذ الثمانينيات وبينما خفف ارتفاع متوسط الدخل من أثر هذه السياسات السلبي في الدول الريعية، تأثر سكان الريف وفقراء الحضر بشدة في باقي الدول وخاصة الفقيرة منها مثل مصر وسوريا والسودان.
4. Lisa Anderson, “’Creative Destruction’: States, identities and legitimacy in the Arab world”, Philosophy and Social Criticism, 2014, Vol. 40 (4-5) 369-379
5. Cesar Rodriguez-Garavito, “Reimagining Human Rights,” Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p.13
6. Michael Ignatieff, “Human Rights, Global Ethics, and the Ordinary Virtues”, Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p. 5. وانظر ابضا التعليقات التالية لهذا المقال الهام من صمويل موين وجوديث ليشتنبرج وجيل جولدنتزيل ودوايت نيومان.
7. Samuel Moyn, “Human Rights in the Absence of Virtue”, Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p.28
8. Jill Goldenziel, “Virtues are not Enough”, Journal of International Law and International Relations, 2017, Vol. 13:1, p. 17.