خرج العراق من انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 من دون مفاجآت انتخابية كبرى، لكنه ثبّت صعود نخبة سياسية محددة تواجه أسئلة سياسية أعمق من نتائج الصناديق، وأعاد تدوير مراكز القوة ضمن الإطار نفسه. فكما في الدورات السابقة، لم يكن يوم الاقتراع اللحظة الفاصلة، بل ما سبقه بشأن المنافسة على السلطة، وما أعقبه من سجال حول تشكيل الحكومة وحدود سلطتها، ووظيفة البرلمان، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تعيد طرح أسئلة السيادة والسلاح والدولة.
هذه الانتخابات هي الاستحقاق الدستوري السادس منذ عام 2005. ورغم أن نظام العراق المتأسس ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003 يواجه أسئلة مركزية وأساسية، إلا أن تصميم العملية الانتخابية ومخرجاتها أظهرتا أن الاقتراع، مرّة أخرى، أعاد إنتاج القوى التقليدية. فالنظام السياسي أُسس على قاعدة التوافق والمحاصصة وإدارة التوازنات بين قوى متنافسة، ولم يدخل منذ ذلك الحين مرحلة استقرار مؤسسي حقيقي، لكنه في المقابل طوّر قدرة عالية على المرونة للتكيّف مع الضغوط المحلية والدولية.
جرت الانتخابات بمشاركة أكثر من 12 مليون ناخب عراقي من أصل نحو 20 مليوناً، في ظل جملة متغيرات بنيوية: مقاطعة التيار الصدري، وهو الفاعل العراقي الأكثر قدرة على خلط الأوراق السياسية؛ تعديل قانون الانتخابات بالعودة إلى دائرة واحدة وفق نظام سانت ليغو المعدَّل ، بما أعاد ترجيح كفّة القوائم الكبيرة على حساب المستقلين والأحزاب العلمانية الصغيرة؛ و تصاعد الضغوط الأمريكية على الفصائل المسلحة وشكل الحكومة المقبلة. ويحوم فوق ذلك كله غيمة مؤشرات اقتصادية تتعلق بتضخم الجهاز الوظيفي، وتراجع القدرة المالية للدولة، وانخفاض أسعار النفط، وارتفاع كلفة إدارة النظام نفسه.
تقارب هذه الورقة انتخابات 2025 بوصفها آلية لإدارة الصراع داخل النظام السياسي، عبر تفكيك تصميمها القانوني، وقراءة نتائجها من حيث إعادة تشكُّل موازين القوى، ثم تحليل ما بعد الاقتراع باعتباره تحدياً لاستعداد النظام لمعالجة ضغوط اقتصادية وأمنية وإقليمية متراكمة.
الانتخابات السادسة: تدوير المُدَوّر
جرت الانتخابات البرلمانية العراقية في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بهدف انتخاب 329 عضواً لمجلس النواب، وهو المجلس المسؤول دستورياً في العراق عن انتخاب رئيس الجمهورية والمصادقة على تشكيل الحكومة، ومن ثم مراقبتها ومساءلتها.
وتختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها من حيث السياق السياسي الذي أُجريت فيه، إذ جاءت ضمن درجة واضحة من الضبط المسبق لمساراتها ونتائجها المحتملة. فإذا كانت انتخابات 2005 و2010 قد أُجريتا في ظل إعادة تأسيس النظام السياسي، وانتخابات 2014 و2018 في ظل أزمات أمنية واحتجاجية، وانتخابات 2021 بوصفها استجابة مباشرة لاهتزاز النظام بعد انتفاضة تشرين، فإن انتخابات 2025 بدت كخطوة لإعادة حصر النظام السياسي في فاعليه الأساسيين ضمن الطوائف وإغلاق المسار الاستثنائي الذي فُتح عام 2021 أمام قوى سياسية ناشئة وأفراد مستقلين.
جرت الانتخابات بمقاطعة التيار الصدري الذي شكّلت كتلته السياسية في الدورات السابقة عامل اضطراب داخل النظام، بحكم حجمها وانضباطها النسبي. تراوح تمثيل الصدريين النيابي في السابق بعشرات المقاعد، وكان آخرها فوزهم بـ73 مقعداً في انتخابات 2021. وقد أسهمت مقاطعة الصدر في إعادة تشكيل البيئة الانتخابية، سواء على صعيد خفض مستوى التنافس، أو من عبر إعادة توزيع جزء من الكتلة التصويتية الصدرية داخل الفضاء الشيعي نفسه، ولا سيما لصالح قوى "الإطار التنسيقي"، وهو مجلس تنسيقي للأحزاب الشيعية العراقية الرئيسية المعارضة للتيار الصدري.
منح غياب الصدر الفرصة لخصومه الشيعة (القِوى الراديكالية الموالية لإيران) بتوسيع نفوذها في مؤسسات الدولة والسيطرة على القرار التشريعي والرقابي في مجلس النواب. كما أثّر غيابه كذلك على القِوى المدنية التي كانت تتوافق معه، وتؤيده أحياناً، في القضايا الأساسية مثل سن قانون انتخابي منصف للأحزاب الناشئة والعلمانية أو ما تُعرف في العراق بالقوى المدنية.
وبالتالي، دخلت القوى المدنية انتخابات 2025 وهي تعاني ضعفاً واضحاً في التنظيم والانتشار والقدرة على تكديس الأصوات، رغم أنها كانت قد حصدت في انتخابات 2021 نحو 12 بالمئة من مقاعد البرلمان. ولا يمكن تفسير خسارتها هذه المرة بعزوف ناخبيها وحده، بل بحصيلة تراكب عوامل بنيوية، أبرزها تصميم قانون انتخابي يرجّح الكتل الكبيرة، وغياب تحالفات جامعة داخل الفضاء المدني، إضافة إلى الفارق الهائل في الموارد والتنظيم بينها وبين القوى التقليدية.
العودة إلى سانت ليغو المُعدَّل
شكّل تعديل آلية احتساب الأصوات في الانتخابات التشريعية السادسة أحد أكثر العناصر حسماً في تحديد شكل المنافسة الانتخابية ومخرجاتها، ولا سيما بالنسبة للقوى المدنية والمستقلة، وذلك مع العودة إلى صيغة سانت ليغو المعدَّلة (1.7) لاحتساب أصوات الناخبين.
تُكافئ صيغة سانت ليغو المعدَّلة، في جوهرها، القوائم الكبيرة القادرة على تكديس الأصوات داخل دائرة واحدة واسعة، وتُعاقب القوائم التي تدخل السباق بأصوات موزعة على الدوائر، بحيث يصبح الفوز في الانتخابات مكلف إلى حدّ الاستحالة لمن لا يمتلك بنية مالية أو شبكة تعبئة محلية واسعة.
تُظهر نتائج بغداد والبصرة ونينوى بوضوح هذا الأثر. ففي بغداد، على سبيل المثال، تحوّلت مئات الآلاف من الأصوات التي حصلت عليها القوائم الكبرى إلى كتل نيابية واضحة، بينما تفتّتت أصوات القوائم المدنية – رغم أنها في مجموعها لم تكن هامشية – بين دوائر متعددة، من دون أن تُنتج مقعداً واحداً مؤثراً.
وقد دفع هذا التحوّل في شكل المنافسة الانتخابية مجموعة من النواب الذين وصلوا إلى البرلمان عام 2021 بصفة "مستقلين"، مستندين إلى خطاب حقوقي برز خلال احتجاجات تشرين 2019 وما بعدها، إلى إعادة تموضعهم سياسياً في انتخابات 2025. فمع الانتقال من نظام يفضّل التصويت للمرشّح الفرد داخل الدوائر الصغيرة إلى نظام الدائرة الواحدة المعتمد على القوائم وبطريقة سانت ليغو، أصبحت فرص الفوز الفردي محدودة، ما شجّع هؤلاء النواب على الانضمام إلى قوى تقليدية أو كتل منظّمة تقلّل من مخاطر الخسارة الانتخابية. إلا أن هذا التحوّل أدى إلى إحباط شريحة من مؤيدي القوى المدنية والعلمانية، الذين رأوا أن النظام الجديد يعيد ترجيح كفّة الأحزاب الكبرى، فانعكس ذلك عزوفاً عن المشاركة، وانتهى بعدم تمكّن أي مرشّح مدني أو علماني مستقل حزبياً من الوصول إلى البرلمان السادس.
المال السياسي والغرامات
لم تشهد الانتخابات السادسة في العراق، خلافا لسابقاتها، اعتداءات أو خروقات كبيرة في يوم الاقتراع، لكنها كانت انتخابات بذخ مالي كبير. لعب المال السياسي دوراً كبيراً في إيصال شخصيات بلا تاريخ سياسي أو نشاط مدني أو حقوقي إلى مجلس النواب. ضمنت هذه الشخصيات فوزها بما صرفته من مال عبر ما يُعرف بالركائز، وهم وسطاء يضمنون أصوات الناخبين للمرشّحين عبر صفقات وحوافز ووعود مقابل التصويت. وقد اشترى الركائز لبعض المرشحين أصواتاً تجاوزت تكلفة الصوت الواحد بين 100 و150 دولاراً ، وسجّلت المؤسسات الرقابية بالفعل عشرات الحالات المماثلة.
حددت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات سقفاً للإنفاق الانتخابي يبلغ 250 ديناراً (0.19 دولاراً أمريكياً) عن كل ناخب في الدائرة الانتخابية، ويُحتسب نظرياً على مستوى المرشح الفردي، ما يؤدي في معظم الدوائر إلى مبالغ إجمالية محدودة نسبياً. غير أن تقديرات غير رسمية لإجمالي الإنفاق الانتخابي تراوحت بين نحو 1.5 و3 مليارات دولار. وهو ما يعكس مجموع المبالغ المرتفعة التي أنفقتها القوائم والأحزاب والمرشحون مجتمعين، لا سيما مع وجود أكثر من 7 آلاف مرشح، وتنوّع قنوات الصرف بين الدعاية الإعلامية، والتنظيم الميداني، والخدمات اللوجستية، والحملات الرقمية، فضلاً عن إنفاق باهظ لا يمرّ عبر القنوات الرسمية للإنفاق الانتخابي.
وقد تصاعد حجم المخالفات المسجلة بالانتخابات طردياً مع زيادة كمية الأموال المنفقة. إذ أقرت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بتسجيل أكثر من 540 مخالفة دعائية، وفرض مئات الغرامات بحق نحو 100 مرشح وتحالف بسبب خرق ضوابط الحملات والصمت الانتخابي. غير أن هذه الإجراءات اقتصرت على الجوانب الإدارية والمالية، ولم تمتد إلى قرارات تمس أهلية القوائم أو المرشحين الفائزين، وفق ما أعلنته المفوضية.
ولا تقتصر الإشكالية على حجم الإنفاق بحد ذاته، بل تمتد إلى طبيعة مساراته. فبحسب مؤسسة عراق المستقبل (مؤسسة خاصة معنية بالأرقام الاقتصادية)، لا تتوفر بيانات دقيقة حول مصادر التمويل وآليات الصرف، في ظل اعتماد قنوات غير مصرفية في كثير من الأحيان في التعاملات المالية السياسية، ما يحدّ من قدرة الجهات المختصة على تتبّع وتدقيق المال المتعلق بالانتخابات. كما أن حجم الإنفاق خارج القنوات الرسمية، مع ضعف الشفافية، لا يمس النتائج فقط بل يضعف من شرعية العملية الانتخابية لدى الجمهور.
الفوز لمن في الدولة
أسفرت نتائج انتخابات 2025 عن برلمان مُجزَّأ من حيث القوائم، لكنه واضح من حيث استمرار هيمنة القوى التقليدية داخل كلّ مكوّن. داخل القوى الشيعية، حلّ ائتلاف "الإعمار والتنمية" بقيادة محمد شياع السوداني رئيس الوزراء أولاً، بحصده 46 مقعداً من أصل 329، تلاه ائتلاف "دولة القانون" بقيادة نوري المالكي بـ29 مقعداً، ثم حصول تحالف صادقون التابع لفصيل عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي على 28 مقعداً، لتتقاسم قوى "الإطار التنسيقي" والفصائل المسلحة المنضوية مقاعد المناطق ذات الأغلبية الشيعية، فضلاً عن أطراف أصغر ضمن الفضاء السياسي الشيعي مثل كتلة إشراقة كانون المقربة من العتبات الدينية.
غير أن إعادة إنتاج مراكز القوة لم تقتصر على البيت الشيعي وحده. ففي الجبهة السُنّية، لم تُفضِ الانتخابات إلى إعادة تشكيل القيادة أو صعود تيارات جديدة بقدر ما أعادت تثبيت اللاعبين التقليديين داخل مناطق نفوذهم. فقد حصل حزب "تقدّم" بزعامة محمد الحلبوسي على 27 مقعداً، بينما بقيّت قوى أخرى مثل تحالفات خميس الخنجر (14 مقعداً) جزءاً من التوازن السُنّي الذي أعيد تجميعه لاحقاً داخل "المجلس السياسي الوطني"، بما يقارب 74 مقعداً، ليصبح الفضاء التفاوضي السنّي محكوماً بالأسماء ذاتها.
أما في الإقليم الكردي، فقد حافظ الحزبان الرئيسيان على موقعهما بوصفهما القوتين المهيمنتين على التمثيل السياسي. إذ حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 26 مقعداً، فيما حصل الاتحاد الوطني الكردستاني على 15 مقعداً، من دون أن تسمح الانتخابات بصعود قوة كردية ثالثة قادرة على كسر الثنائية التاريخية بين أربيل والسليمانية.
بهذا المعنى، تُظهر النتائج الكلية استمرار التوازن الطائفي-السياسي التقليدي داخل البرلمان: نحو 187 مقعداً للقوى الشيعية، و77 للسُنّة، و56 للكُرد، و9 للأقليات. وهي أرقام لا تعكس تحوّلاً في بنية النظام بقدر ما تكشف عن إعادة توزيع محسوبة داخل مراكزه القديمة، حيث بقيت الطوائف ممثَّلة عبر القوى ذاتها، وبقيت الانتخابات وسيلة لترتيب النفوذ داخل المكوّنات، ومن ثم توزيع هذا النفوذ على الدولة وشكلها.
ارتبط حسم النتائج، في جوهره، بمزيج من عاملين مترابطين: تموضع القوى الفائزة داخل بنية السلطة، وقدرتها على توظيف هذا التموضع في إدارة الأصوات بفعالية داخل الدوائر الانتخابية.
يظهر العاملان بوضوح في كيفية إدارة القوائم الكبرى لأصواتها داخل الدوائر، ولا سيما في بغداد. فالفارق الحاسم في انتخابات 2025 لم يكن في حجم الكتلة التصويتية وحده، بل في القدرة على تركيز الصوت الانتخابي وتوجيهه نحو مرشحين محددين قادرين على تجاوز العتبة الحسابية للفوز داخل الدائرة.
ففي بغداد، حصل حزب "تقدّم" على نحو 277 ألف صوت، وركّز عملياً الجزء الأكبر من الأصوات على عدد محدود من الأسماء القادرة على الفوز، وعلى رأسهم زعيمها محمد الحلبوسي. في المقابل، بقي مرشّحون آخرون في الحزب يلعبون دوراً ثانوياً يقوم على تشتيت أصوات مرشّحي القوائم المنافسة ورفع كلفة المقعد الانتخابي مع ازدياد حجم التصويت. هذا الأسلوب في إدارة صوت الناخب مكّن الحزب من تحويل كتلته التصويتية إلى 10 مقاعد نيابية في العاصمة، بدل تبديدها على مرشحين واسعين غير مضمونين.
النمط ذاته تكرر في "ائتلاف دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق ومرشح "الإطار التنسيقي" بعد الانتخابات لرئاسة الحكومة المقبلة نوري المالكي، الذي تجاوزت أصوات كتلته في بغداد 228 ألف صوت، وفي حالة "ائتلاف الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، الذي تصدّر العاصمة بأكثر من 411 ألف صوت، ترجمت إلى 15 مقعداً في بغداد وحدها، مستفيداً أيضاً من موقعه في السلطة وقدرته على توجيه الناخبين داخل الدوائر.
تشير هذه الأرقام – أكثر مما تعكس حجم التأييد الشعبي – إلى امتلاك هذه القوى أدوات تنظيمية ومالية وخدمية فاعلة، أتاحت لها إدارة سلوك التصويت داخل قواعدها وتوجيهه نحو مرشحين بعينهم. وهو ما يميّز القوى المنخرطة في السلطة، التي تتجاوز الاعتماد على الخطاب السياسي إلى توظيف شبكات النفاذ إلى الدولة والعلاقات الزبائنية، بما يسمح بربط التصويت بأنماط مختلفة من المنفعة المباشرة (مثل خدمات تعبيد الطرق وافتتاح مدارس) أو المؤجلة (وعود بالتوظيف أو بتحويل أراضي زراعية إلى سكنية أو زيادة الرواتب).
الفوز كرصيد تفاوض
أفرغت نتائج الانتخابات مفهوم الفوز من مضمونه التفويضي، وحوّلته إلى رصيد تفاوضي داخل النظام السياسي القائم. فالقوى التي تصدّرت النتائج لم تحصل على أغلبية تتيح لها فرض مسار سياسي منفرد، كما أن عدد المقاعد الذي حصدته لا يمنحها تفويضاً لتشكيل تحالفات عابرة للانقسامات الطائفية. في السياق العراقي، لا يُعدّ هذا القيد تفصيلاً إجرائياً، إذ أظهرت تجربة انتخابات عام 2021 أن أي محاولة لتجاوز الأطر الطائفية المتعارف عليها في تشكيل الأغلبية قد تفتح الباب أمام صدام سياسي وأمني واسعين.
يتحول فوز القوى السياسية في الانتخابات، والحال هذه، إلى وسيلة لتثبيت الموقع السياسي داخل أحد الفضاءين التفاوضيين الرئيسيين "الإطار التنسيقي" الشيعي و"المجلس السياسي الوطني" السني، ومن ثم التفاوض من داخلهما على حجم التمثيل في الحكومة المقبلة.
"الإطار التنسيقي" الشيعي
يُعدّ "الإطار التنسيقي" تجمعاً لأحزاب وقوى شيعية عراقية، تشكّل في آذار/مارس 2021، كإطار برلماني غير رسمي يهدف إلى تنسيق مواقف القوى الشيعية الرئيسية المعارضة للتيار الصدري الصاعد داخل مجلس النواب آنذاك، لكنه توسّع بعد ذلك إلى ما يشبه مجلس شورى للقوى الشيعية، ويسعى قيادات في الإطار إلى تحويله إلى "مجلس إدارة" لأي حكومة تتشكل في العراق.
يضمّ الإطار اليوم معظم القوى الشيعية المنخرطة في العملية السياسية، بما في ذلك فصائل مسلّحة ذات أجنحة سياسية، مثل حركة "حقوق" المرتبطة بكتائب حزب الله. وقد حصدت هذه القوى مجتمعة على نحو 80 مقعداً من أصل قرابة 180 مقعداً نُسبت إلى قوى "الإطار التنسيقي" في الانتخابات، ما يعكس الوزن الداخلي للفصائل والأحزاب المنضوية فيه مقارنة ببقية مكوّناته.
يستثمر "الإطار التنسيقي" غياب التيار الصدري وسيطرته على مفاصل الدولة لبناء مشروع يتجاوز تشكيل الحكومة ويهدف إلى إعادة صياغة هوية النظام السياسي بما يضمن ديمومته ومنع أي تهديد مستقبلي من الشارع أو الخصوم. ورغم تماسكه الظاهري، يعاني الإطار صراع أجنحة بين محور نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون الساعي لاستعادة الزعامة، ومحور الفصائل، الذي يركز على تثبيت نفوذه العسكري والأمني، ومحور ما يسمى بـ “الاعتدال" الذي يقوده محمد شياع السوداني (الإعمار والتنمية) وعمار الحكيم (الحكمة) وحيدر العبادي (النصر) لتقديم صورة مقبولة دولياً وتجنب الصدام مع واشنطن .
يمتلك الإطار مشروعاً تشريعياً لإعادة تشكيل بنية الدولة، يتقدمه قانون الحشد الشعبي الذي يهدف لتحويله إلى قوة موازية للجيش بامتيازات وصلاحيات واسعة وحصانة قانونية، بما يقارب نموذج "الحرس الثوري". كما يسعى إلى تمرير أو تعديل حزمة من القوانين ذات الطابع الضابط للمجال العام، من بينها مشروع قانون حرية التعبير والتجمع السلمي، الذي يحتوي عبارات فضفاضة تمنح السلطات صلاحيات واسعة لتقييد التظاهر بدعوى الحفاظ على النظام العام؛ ومشروع قانون الجرائم المعلوماتية، الذي أُثيرت بشأنه مخاوف من تعريفات عامة وعقوبات مشددة قد تُستخدم لتجريم التعبير الرقمي؛ فضلاً عن حملات مثل حملة "مكافحة المحتوى الهابط" التي تستند إلى توصيفات غير محددة قانوناً وتُنفَّذ بإجراءات أمنية مباشرة ضد فئات متنوعة وواسعة.
"المجلس السياسي الوطني" السني
في المقابل، يضمّ "المجلس السياسي الوطني" خمس قوى سنّية، ويمتلك نحو 74 مقعداً في مجلس النواب، ما يجعله الفضاء التفاوضي الوحيد داخل المكوّن السني.
جاء تأسيس "المجلس السياسي الوطني" كمحاولة للقوى السنية لإعادة توحيد الصف بعد سنوات من الخلافات العميقة بينها، مستفيدة من دعم إقليمي، تقدمه تركيا وقطر، بمستويات وتنسيق علاقات متفاوتان.
يهدف المجلس إلى امتلاك كتلة تفاوضية وازنة تفرض شروط الشراكة في حكومة 2026، وتحقيق التوازن الطائفي في الوزارات والمؤسسات الأمنية على وجه الخصوص. ويمكن ملاحظة أن عدداً من أعضاء المجلس السُنّي يميلون، في سلوكهم السياسي العملي، إلى الاقتراب من "الإطار التنسيقي" الشيعي أكثر من تموضعهم ضمن المعسكر السياسي السني أو المعسكر المستقل، وذلك بحكم شبكة علاقاتهم مع قوى شيعيّة سياسية ومسلّحة صارت نافذة في مناطق شمال وغرب العراق بعد معارك تنظيم "داعش". وهؤلاء لا يُقدَّمون بوصفهم حلفاء معلنين للإطار، لكنهم يتحرّكون ضمن هوامشه السياسية.
الكورد والشيعة في انتظار الحسم
جرت مفاوضات تشكيل السلطات الثلاث بعد انتخابات 2025 ضمن إطار تفاوضي مغلق، قائم على منطق "السلة الواحدة" وتسويات تقاسم النفوذ بين القوى السياسية، أكثر من كونه مساراً سياسياً مفتوحاً يعالج الأزمات البنيوية التي تواجه البلاد. انعكس ذلك في اختيار شاغلي المناصب السيادية، حيث تقدّمت اعتبارات التوازنات الحزبية وقدرة المرشحين على إدارة الاصطفافات البرلمانية على أي معيار يرتبط بالكفاءة أو البرنامج الحكومي.
جاء انتخاب رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ثمرة تسوية داخل المكوّن السني، بدعم من "الإطار التنسيقي" وبموافقة القوى الكردية، بعد تعذّر التوافق على مرشح جامع، ورفض شديد لعودة محمد الحلبوسي إلى المنصب بعد أن أُبعد عنه سابقاً بحكم قضائي. وكان الهدف العملي من هذه التسوية ضمان عدم وصول شخصية تمتلك ثقلاً سياسياً أو كتلة وازنة داخل البرلمان، بما يتيح لها فرض شروط تفاوضية أو تعطيل مسارات تشريعية حساسة؛ علاوة على أن اختيار رئيسٍ برلمان بوزنٍ محدود نسبياً يقلّص احتمالات استخدام موقع رئاسة المجلس كورقة ضغط، ويُسهِّل تمرير أولويات "الإطار التنسيقي"، لا سيما في القوانين الجدلية مثل قانون الحشد الشعبي، الذي سبق وأن ساهم محمد الحلبوسي في تعطيله.
في المقابل، انحصر النقاش داخل البيت الشيعي حول هوية المرشح القادر على ضبط توازنات الإطار أكثر من تركيزه على برنامج لمعالجة الأزمات. انسحب محمد شياع السوداني، رغم تصدّره النتائج بـ 46 مقعداً، بعد تصاعد تحفظات داخل الإطار بشأن قدرته على إدارة الخلافات البينية، ليَطرح نوري المالكي بديلاً لكونه، داخل القوى الشيعية، شخصية تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات الشيعية وشبكة تنظيمية واسعة، وذلك في ظل غياب التيار الصدري.
تزامن ترشيح المالكي مع رسائل أميركية ضاغطة تضمنت مطالب بإعادة تنظيم القطاع المصرفي، وضبط عمل البنك المركزي، ودمج الحشد الشعبي ضمن وزارة الدفاع، ونزع سلاح الفصائل، والتشديد، أكثر من مرّة، على رفض المالكي كمرشح لرئاسة الحكومة. تعامل الإطار مع هذه الضغوط عبر تصريحات عامة عن "الإصلاح" و"حصر السلاح بيد الدولة"، من دون تقديم التزامات تنفيذية واضحة، مع الإبقاء عملياً على معادلة التوازن القائمة.
إلا أن هذا الخيار لم يستقر طويلاً. فقد أعلن رئيس الكتلة النيابية للإعمار والتنمية، بهاء الأعرجي، انسحاب ائتلاف السوداني من دعم ترشيح المالكي، موضحاً أن الدعم السابق جاء بهدف الدفع نحو إنهاء الانسداد السياسي، الذي لم يعد قائماً في المرحلة الحالية، وأشار إلى اعتراضات إقليمية ودولية، ما يستدعي إعادة تقييم الأدوات والآليات لضمان تجاوز العقبات وحماية الاستقرار السياسي.
على الضفة الكردية، تحوّل منصب رئاسة الجمهورية إلى ورقة تفاوض مركزية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. تراجع الديمقراطي عن التفاهم التقليدي القاضي بإسناد الرئاسة الاتحادية للاتحاد الوطني، وربط المنصب بملفات النفط والغاز ورواتب موظفي الإقليم وصلاحيات الحكومة الاتحادية. في المقابل، دخل الاتحاد الوطني هذا الاستحقاق وهو يواجه ضغوطاً سياسية داخلية، تمثّل بعضها، باعتقال زعيم حركة "الجيل الجديد" شاسوار عبد الواحد ومصادرة جزء من ممتلكاته على قضايا استثمارية، في خطوة بدت ابتزازاً سياسياً يهدف إلى تحجيم المعارضة في السليمانية قبل إعادة ترتيب التحالفات. ولم تمضِ فترة طويلة حتى انضمّ "الجيل الجديد" إلى تحالف يقوده الاتحاد الوطني داخل الإقليم.
على مستوى البرلمان الاتحادي، يمتلك "الاتحاد الوطني" 15 مقعداً، فيما يمتلك الحزب الديمقراطي الكردستاني 26 مقعداً، ويضيف "الجيل الجديد" 3 مقاعد فقط، ما يرفع رصيد معسكر السليمانية إلى 18 مقعداً. هذه الزيادة لا تقلب ميزان القوة داخل الكتلة الكردية في بغداد، لكنها تمنح الاتحاد الوطني هامشاً تفاوضياً أوسع في معركة رئاسة الجمهورية وفي ملفات التفاهم مع "الإطار التنسيقي"، من دون أن تسلب الديمقراطي موقعه بوصفه الكتلة الكردية الأكبر عدداً داخل مجلس النواب.
وكعادتها، ضربت القِوى السياسية العراقية التوقيتات الدستورية بشأن اختيار الرئاسات الثلاث، وتجاوزت في عملية اختيار رئيس الجمهورية المدة الدستورية التي بدأت في 29 كانون الأول/ديسمبر 2025 وانتهت في 29 كانون الثاني/يناير 2026، بسبب خلافات كبيرة بين الغريمين التقليديين في كردستان العراق، الحزب الديموقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين. هذا التأخير، ألقي بأثره على عملية تشكيل الحكومة واختيار رئيسها، مما يطيل من أمد الأزمة. وذلك رغم تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، مبكراً، من أي تأخير قد يؤثر على "الاستقرار السياسي" في البلاد.
سُلطات تُكبلها التوازنات في ظل تراجع آليات الرقابة
تنتج مفاوضات الرئاسات الثلاث في العراق سلطة محكومة بتوازنات داخلية مغلقة، تُدار عبر تسويات تمنح الاستقرار السياسي أولوية على حساب توسيع الإصلاح والتحول المؤسسيين. هذه الصيغة في الحكم لا تتوقف آثارها عند توزيع المناصب، بل تمتد إلى طبيعة الدور الذي ستلعبه السلطة التنفيذية إلى جانب البرلمان في المرحلة التالية، ولا سيما مع دخول البلاد مساراً مالياً أكثر تضييقاً، تُصبح فيه القرارات الاقتصادية والاجتماعية أكثر حساسية وأعلى كلفة.
تثير هذه الصيغة في توزيع السلطة أسئلةً أساسية، إذ سيحتاج النظام السياسي في مرحلة ما بعد انتخابات 2025 إلى الانتقال من إدارة الاستقرار عبر التوسّع المالي، إلى إدارة أكثر تقشّفاً للموارد من دون امتلاك بدائل اقتصادية واضحة. ففي حين حافظت القوى الحاكمة على مواقعها المؤسسية، إلا أن قدرتها على استخدام الإنفاق العام بوصفه أداة رئيسية لاحتواء التوترات الاجتماعية بات على المحك.
تكمن الإشكالية في هذه الدورة البرلمانية في فقدان البرلمان لعناصر "الممانعة الحقوقية" التي مثّلتها في الدورات السابقة مبادرات فردية لنواب مستقلين، لعبوا دوراً رقابياً في ملفات الحريات، والانتهاكات، واستخدام السلطات القوة والعنف ضد الأفراد والجماعات والمجتمع المدني. وغياب هؤلاء يُنتج فراغاً وظيفيّاً داخل المؤسسة التشريعية، ويحد من الرقابة ضد تمرير نصوص في القوانين قد تُستخدم لاحقاً لتجريم النقد السياسي، أو ملاحقة الناشطين، أو ضبط المجال العام بأدوات قمعية.
ولا ينفصل هذا التحوّل عن سياق أوسع يتمثّل في تراجع أدوات الرقابة الدولية، خصوصاً مع انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). هذا التزامن بين غياب الظهير الدولي وتآكل أدوات الضغط الداخلي داخل البرلمان يؤدي إلى فراغ رقابيًّ مزدوج، ويحصر، وسط هذا، ملف حقوق الإنسان داخل دوائر التوافق السياسي، ويعزلها عن المعايير والالتزامات الدولية التي التزم بها العراق رسمياً خلال السنوات الماضية.
من الناحية الإجرائية، يُنبئ التركيب الحالي لبرلمان 2025 بمرحلة تشريعية تُصبح فيها تمرير القوانين أقل كلفة سياسية. هذا الواقع يهيّئ لطرح وتمرير تشريعات مقيّدة للحريات، مثل قانون حرية التعبير عن الرأي وقانون الجرائم المعلوماتية، من دون معارضة برلمانية منظّمة قادرة على التعديل أو التعطيل، كما جرى في الدورات السابقة.
تكتسب هذه التحوّلات أهمية إضافية كذلك عند ربطها بالمسار الاقتصادي المقبل. فالسلطة التي تستعد لإدارة مرحلة تقشّف نسبي، وضغوط مالية، وإجراءات ضريبية، تفعل ذلك في ظل برلمان متماه مع السياسات التي تحد من الحقوق والحريات. ومع تضييق الفضاء الرقابي، تصبح القرارات الاقتصادية أكثر قابلية للتمرير من دون نقاش عام واسع، وتتحول إدارة الاعتراض الاجتماعي المتصاعدة مسألة أمنية أو إجرائية، أكثر من كونها موضوعاً سياسياً داخل البرلمان.
الضرائب والأزمات
مع تقلّب أسعار النفط، وارتفاع معدلات الكلف التشغيلية، وتضخم الدولة، أخذ النموذج الاقتصادي العراقي الزبائني بين السلطة العراقية ومجتمعها يُظهر حدودَه بوضوح، فلم يعد بالإمكان التعامل مع الإيرادات النفطية بوصفها مورداً مضموناً طويل الأمد.
وفق تقييمات صندوق النقد الدولي، يواجه العراق مخاطر مالية على المدى المتوسط نتيجة اعتماد الموازنة بشكل شبه كامل على إيرادات النفط وارتفاع الإنفاق الجاري، ما يمكن أن يؤدي إلى اتساع العجز المالي في حال انخفاض أسعار النفط أو حدوث صدمة خارجية. وقد دعا الصندوق إلى إجراءات تصحيحية عاجلة تشمل تقليص فاتورة الرواتب وتوسيع الإيرادات غير النفطية لتفادي تفاقم العجز أو ضغوط على الاحتياطيات السيادية.
الخيارات المتاحة أمام الحكومة المقبلة محدودة ومكلفة سياسياً. فإمّا الاستمرار في سياسة الإنفاق نفسها، مع ما يعنيه ذلك من تعميق العجز واستنزاف الاحتياطيات، وإمّا الانتقال إلى مسار إصلاحي يقوم على زيادة الإيرادات غير النفطية عبر الضرائب والرسوم، وتقليص بعض أشكال الدعم، وضبط التوظيف الحكومي. لكن هذا الخيار الأخير يصطدم مباشرة ببنية اجتماعية هشّة، وبغياب شبه كامل لمفهوم العدالة الضريبية.
فالضرائب في العراق، بخلاف الدول ذات الاقتصاد المنتج، لا تُفرض على قاعدة اجتماعية متوازنة، وإنما تتحمّلها الطبقات الوسطى والدنيا، خصوصاً الموظفين الذين يشكلون أكثر من 4 ملايين موظف. وهذا ما يجعل أي توجّه حكومي لفرض ضرائب أو رسوم إضافية محفوفاً بمخاطر تحركات اجتماعية واحتجاجات، لا سيما في المحافظات ذات معدلات الفقر المرتفعة، غالبها ذات أغلبية سكانية من الشيعة.
السلاح خارج إطار الدولة: الكلفة المؤجَّلة
إلى جانب التحديات الداخلية، تتحرك الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2025 ضمن سياق خارجي ضاغط يزداد ثقلاً مع التحولات الإقليمية المتسارعة. فملف السلاح خارج إطار الدولة لم يعد شأناً عراقياً صرفاً، بل صار جزءاً من موقع العراق داخل معادلة إقليمية مضطربة، تتزايد فيها الاستهدافات المتبادلة وتتوسع فيها احتمالات انتقال الأزمات بين الساحات.
في السنوات الماضية، ظل هذا الملف يُدار داخل العراق بوصفه جزءاً من تسويات النظام السياسي نفسه، عبر توازنات تمنع الصدام الكامل وتسمح باستمرار الدولة ضمن حدودها التشغيلية. غير أن انتخابات 2025 جاءت في لحظة أخذت فيها كلفة هذا التوازن تتصاعد خارجياً، مع ارتفاع مستوى القلق الدولي من أن يتحول العراق إلى ساحة احتكاك ممتدة، قادرة على إنتاج توترات أمنية تتجاوز الحدود، وتفرض انعكاساتها على الاقتصاد وعلى علاقات العراق المالية والدبلوماسية.
تتصل حساسية هذا الملف بطبيعة الاقتصاد العراقي ذاته. فالدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط بوصفه المورد المركزي، وتعتمد على انتظام القنوات المالية الخارجية من أجل ضمان استقرار العملة وتمويل الإنفاق الجاري. لذلك يصبح أي تصعيد مرتبط بالفصائل أو أي انكشاف أمني واسع قابلاً لأن يتحول إلى عبء إضافي على بيئة مالية هشة، تواجه أصلاً تضخم الجهاز الوظيفي وارتفاع الكلف التشغيلية للدولة.
والحال هذه، تحوّل ملف السلاح في العراق إلى عامل مخاطرة لا يمكن فصله عن الاستقرار السياسي والاقتصادي، خاصة بعد أن ربطت الإدارة الأمريكية، قبل الانتخابات وبعدها، بين مستقبل العلاقة مع بغداد وملف الفصائل المسلحة، ما يجعل الأمر أكثر من ملف أمني داخلي بحت، بل كعنصر ضمن معادلة أوسع تتعلق بالعقوبات، والقطاع المالي، والتعامل مع البنك المركزي، وهو ما يضع الحكومة المقبلة أمام ملف يتجاوز قدرتها التقليدية على المناورة.
تتعقّد المعادلة أكثر بفعل تشابك العلاقة مع إيران، حيث تشكّلت خلال العقدين الماضيين توازنات سياسية وأمنية تجعل القوى المرتبطة بطهران جزءاً من بنية الحكم نفسها. لذلك، فإن أي حكومة مقبلة ستتعامل مع هذا الملف من موقع إدارة التوازنات لا من موقع الحسم، في دولة لا تملك هامش صدام داخلي مفتوح ولا قدرة عملية على تفكيك البنية التي أنتجت هذا السلاح.
وقد برزت هذه الحقيقة بوضوح بعد الانتخابات، مع ظهور تباينات علنية داخل الفضاء المسلح نفسه. فبعض الفصائل، مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، تحدثت عن استعدادها للالتزام بمسار "تنظيم السلاح" أو إدخاله ضمن ترتيبات قانونية، وذلك في سياق ترتيبات غير معلنة التفاصيل، تدخل فيها المؤسسة القضائية بوصفها إطاراً تنظيمياً محتملاً لإعادة ترتيب هذا الملف من دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة.
إلا أن هذا الاتجاه لم يتحول إلى موقف جامع داخل المنظومة المسلحة، بل قوبل برفض صريح من قوى أخرى أكثر تشدداً، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، اللتين أعلنتا تمسكهما بالسلاح ورفض أي تصور يؤدي إلى نزعه أو تقليص دوره.
الأكثر دلالة أن كتائب حزب الله لوّحت، بعد ترشيح "الإطار التنسيقي" لنوري المالكي بيوم واحد، بإمكانية الانخراط في أي مواجهة تخوضها إيران في حال اتساع الصراع الإقليمي، وأعقب ذلك صدور بيانات تؤكد استعدادها للقتال إذا تعرضت طهران لأي قصف. وتزامن كل هذا مع انقسام داخل الفصائل نفسها، إذ تبادلت أطرافها اتهامات غير مباشرة بشأن الخضوع للضغوط الأمريكية أو المغامرة بالوضع الداخلي.
بالإضافة إلى ذلك، تتداخل في ملف الفصائل حسابات إقليمية ودولية مع مصالح داخلية راسخة. فهذه الفصائل لا ترتبط فقط بمحور إقليمي، بل تمتلك شبكات نفوذ إدارية وأمنية واقتصادية داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمعات، وبعضها توغل في شبكات ابتزاز مالي، ولم يُطرح حتى الآن تصور واضح لكيفية إعادة تنظيم هذه الشبكات أو دمجها ضمن أطر قانونية جديدة مع تجريدها من السلاح، الذي يعد رأسمالها الأساسي في إدارة الصراع على الهيمنة داخل العراق.
خاتمة
الانتخابات السادسة في العراق لم تكن لحظة انتقالٍ سياسي بقدر ما كانت لحظة إعادة ضبطٍ للنظام على صورته المألوفة. فقد أُعيد إنتاج مراكز القوة داخل كلّ مكوّن، وأُغلق المسار الذي فُتح عام 2021 أمام قوى ناشئة ومستقلين، عبر قانون انتخابي رجّح الكتل الكبرى، وبيئة مالية وتنظيمية حوّلت المنافسة إلى سباق موارد أكثر منه صراع برامج.
تشكل برلمان أقلّ تنوّعاً، وأكثر انضباطاً لمنطق التوازنات السياسية المغلقة، فيما تحوّل "الفوز" من تفويضٍ شعبي للممثلين إلى رصيد تفاوضي داخل فضاءات محدّدة سلفاً، تُدار فيها الحكومة بوصفها تسوية بين مراكز نفوذ أكثر منها مشروعاً سياسياً جامعاً.
تُنتج هذه الصيغة، في التجربة العراقية، استقراراً قصير الأمد، لكنها لا تُنتج ترسيخاً مؤسسياً. فبرلمان 2025، في تركيبته الحالية أكثر قابلية لتمرير تشريعات تضبط المجال العام وتوسّع صلاحيات السلطة، في وقتٍ يتراجع فيه الظهير الدولي الرقابي وتنكمش مساحات الضغط الداخلي.
غير أن التحدي الأعمق لا يكمن في السياسة وحدها، بل في الاقتصاد الذي يضيق هامشه. فالنموذج الريعي الذي سمح لسنوات بامتصاص التوتر عبر التوسّع المالي يواجه ضغوطاً متزايدة للانتقال نحو ضرائب ورسوم وإجراءات تصحيحية تمسّ الطبقات الوسطى والدنيا. ويخوض النظام قدرته على إدارة تقشّفٍ محتمل من دون أن يمتلك عقداً ضريبياً عادلاً أو اقتصاداً منتجاً يخفّف الصدمة. وكلما ضاق الهامش المالي، ارتفعت كلفة الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الذي طالما استند إلى الإنفاق على حساب الإصلاح.
ووسط هذا، يقف ملف السلاح خارج إطار الدولة بوصفه المحدِّد الأكثر حساسية في معادلة المرحلة المقبلة. فأي محاولة للحسم تصطدم بخطر الصدام الداخلي، وأي استمرار للوضع القائم يضاعف كلفة الضغوط الخارجية، ما يجعل الحكومة المقبلة تتحرك ضمن هامش أضيق من سابقاتها.
رسّخت انتخابات 2025 نظاماً أثبت مرةً أخرى قدرته على إعادة إنتاج نفسه انتخابياً، لكنه أبقى الأزمات البنيوية تتراكم ككرة ثلج.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.