لبنان: خطة التعافي التي أقرّتها الحكومة ترهق المواطنين اللبنانيين العاديين، ولا تطلب القدر الكافي من الطبقة العليا

أمام اقتصادٍ في حالة “سقوط حر”، قررت الحكومة اللبنانية أخيراً تبني خطةَ تعافٍ ماليّ أرسلتها إلى صندوق النقد الدولي والمانحين الدوليين. ترى هذه الورقة أن الخطة أخفقت في اتخاذ تدابير قوية للمساءلة من شأنها مواجهة الفساد وسوء الإدارة المستشريَين، وتجد أنها لا تعالج اللامساواة المتفشّية التي يمكن القضاء عليها من خلال توزيع الخسائر بصورة أفضل وفرض ضرائب أكثر تصاعدية. وعلى الرغم من وعد الحكومة المعلَن “بحماية أفقر الشرائح السكانية من العواقب الوخيمة المترتبة على الأزمة”، تتوقع الورقة أن الخطة لا مفرّ ستُلحِق أضراراً بأفقر طبقات المجتمع اللبناني وبالطبقة الوسطى أيضاً.

lebanon-government-recovery-plan-asks-too-much-of-ordinary-lebanese-and-not-enough-from-elites
رئيس الوزراء اللبناني حسن دياب يلتقي ممثلين عن صندوق النقد الدولي - شباط/فبراير 2020.  © EPA-EFE/وائل حمزة

في أواخر نيسان/أبريل الماضي، أثنى الرئيس اللبناني ميشال عون على خطة التعافي المالي1نسخة خطة التعافي المالي متاحة بالكامل بالإنجليزي على هذا الرابط: https://bit.ly/2yXHML2 التي أقرتها الحكومة بوصفها أولى حزم الإصلاح الاقتصادي في البلاد منذ استقلالها عام 1943. يأتي هذا الانتصار المخيب للآمال نوعاً ما في وقتٍ غير مستغرب، فقد أصبح الوضع المالي اللبناني مزرياً بحق.

عند قراءة خطة التعافي المالي تلك بتمعنٍ، يشعر المرء بانهزامية عميقة وساحقة. إذ تعزز الخطة في جوهرها الفكرة القائلة إنه "ليس هناك أيّ بديل" عن اتخاذ تدابير تقشف قاسية تستمر عقوداً، وتؤدي بدورها إلى انكماش الاقتصاد اللبناني إلى النصف (عند تقييمه بالدولار)، وتَحُول دون العودة إلى مستويات نمو الناتج المحلي الإجمالي التي شهدها عام 2018 لمدة تصل إلى عشرين عاماً ونيف على الأقل.2عامر بساط، "الخطة الحكومية الاقتصادية: المقايضات السياساتية ومتاهاتها المعقّدة"، المركز اللبناني للدراسات الرابط هنا يعني هذا فعلياً أن الحكومة تنتظر من جميع اللبنانيين أن يخفضوا مستويات معيشتهم دون توقع أيّ نمو قريب، تكفيراً عن سوء الإدارة المالية من جانب الطبقة الحاكمة وعن التملص من إجراء إصلاح قانوني جاد. تطلب الحكومة هذه التضحيات من الشعب دون بذل أي جهد حقيقي لإقرار المساءلة والتوزيع العادل للخسائر، خلافاً للخطب الرنانة حول استرداد الأموال التي هُرِّبت إلى خارج البلاد. وعليه فلا ينبغي للبنانيين تقبل هذا الإجحاف بخنوع.

ينبغي وضع تدابير قوية ضمن خطة التعافي لضمان تحقيق المساءلة وإرساء أسس مجتمع أكثر عدلاً من خلال توزيع الخسائر بصورة أفضل وفرض ضرائب أكثر تصاعدية. وعلى الرغم من وعد الحكومة المعلن "بحماية أفقر الشرائح السكانية من العواقب الوخيمة المترتّبة على الأزمة"، فإن خططتها تتمحور في الأساس حول تقليص وخفض الخدمات الحكومية. ولا ريب أنّ ذلك سيُلحِق الضرر بأفقر طبقات المجتمع اللبناني، وبالطبقة الوسطى أيضاً، وهي طبقات تعاني بالفعل جرّاء الأزمة الاقتصادية الحالية.3تراينغل، "الطريق إلى المجاعة: أطباق وجيوب اللبنانيين الفارغة" أيار/مايو 2020، متاح على هذا الرابط: http://www.thinktriangle.net/going-hungry-the-empty-plates-pockets-of-lebanon/

لكن بدلاً من ذلك، ينبغي على المذنبين الذين تسببوا بهذه الفوضى في لبنان – الخبراء الماليين وذوي النفوذ المحظوظين سياسياً – أن يخففوا من وطأة الأزمة على جموع اللبنانيين، على الأقل من خلال تحمُّل حصّتهم العادلة. تتطلب هذا المساءلة قوانينَ وآلياتِ إنفاذٍ صارمة لتتمّ على المدى البعيد استعادة أي أموال ناتجة عن الإثراء غير المشروع؛ لكن – كإجراء عاجل – ينبغي على السلطات استرداد الأرباح الهائلة التي جُنيت من خلال الهندسة المالية المشبوهة (بالدرجة الأولى من خلال "اقتصاص" بعض الودائع التي تزيد عن حد معين)، وعليها أيضاً فرض ضرائب تصاعدية والتأكد من إنفاذها، والقضاء على الفساد. فإنّ أيّ شيء أقل من ذلك لن يُقنِع المقرِضين الخارجيين – ناهيك عن اللبنانيين أنفسهم، الذين ما زالوا يحتجّون بغضبٍ منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي – بوجوب تقديم المزيد من المساعدات المالية للنظام الحكومي اللبناني الغامض والمنهار.

لائحة طويلة انتقائية بدلاً من خطة عادلة

من الصعب انتقاد خطة التعافي المالي التي تشبه صرخة استغاثة. إذ تعرض الخطة في الأساس تقريباً جميع الإصلاحات التي طالبت مؤسسات التمويل الدولية (بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) لبنانَ بها منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل 30 عاماً. يُعتبَر الإقدام على هذه التغييرات الكبيرة –التي تكملها بيانات وعروض براقة للوكالات الدولية خلال اجتماعات في مبانٍ فاخرة مطلعَ أيار/مايو – بمثابة التماس من الحكومة للحصول على المساعدة من أيّ ممولٍ على استعداد لضخّ العملة الأجنبية وإنقاذ لبنان من الانهيار الوشيك.

أصبح هذا السرد حول المستجدي المطيع الخنوع مألوفاً للغاية في ممارسات إدارة الدولة بلبنان في العصر الحديث. وقد تزايَد إدمانُ البلاد المساعداتِ الخارجية منذ حرب تمّوز/يوليو 2006، وهو اتجاه ساهمت أزمة اللاجئين السوريين في ترسيخه. فقد استمر تدفق التبرعات الطارئة، على الرغم من أن الدولة ما زالت تفتقر لأيّ إصلاح هيكلي جاد، بغض النظر عن الوعود الجوفاء التي تبشر بخلاف ذلك. وتُعَد خطة التعافي المالي آخر فصول هذا التقليد المشين؛ لاشتمالها على لائحة طويلة من الإصلاحات التي يعلم تماماً أيّ متابع أنها غير قابلة للتنفيذ في الإطار الزمني المقترح والمحدد بثلاث سنوات فقط.

ومن باب الإنصاف، تتمتع خطة التعافي المالي بعدة مزايا لا ينبغي التغافل عنها. فللمرّة الأولى تشخص السلطات اللبنانية أركان المشاكل الاقتصادية في البلاد علناً، لا سيما الاعتراف أن ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي لم يعد قابلاً للاستمرار. إذ توافق الخطة على خفض السعر الرسمي الحالي لقيمة الليرة أمام الدولار (1507.5 ليرة لبنانية مقابل الدولار الأميركي الواحد) لسعر أكثر واقعية (يتراوح من 3500 إلى 4297 ليرة لبنانية) خلال السنوات الأربع المقبلة (راجع المخطط البياني). لا شكَّ أن فكّ ارتباط الليرة بالدولار سيؤدي إلى تهاوي مدخرات كثير من اللبنانيين الذين حوّلوا ودائعهم لتكون بالليرة، بعد أن أغرتهم مستويات أسعار الفائدة العالية التي كانت تقترب من 15% و20% قبل أن تتداعى. أقل ما يمكن قوله هو أن هذا أمرٌ مؤسف، لكن ينبغي القول أيضاً أن هذه الأسعار كانت تنطوي على تزييف.

القيمة المتوقّعة لليرة اللبنانيّة، وَفق خطّة التعافي الماليّة

تقرّ الخطّة أيضاً –وإن يكُن من خلال الإغفال– أنّ القطاعات غير الإنتاجيّة، مثل قطاع العقارات، لا يُمكنها إدارة محرّك الاقتصاد اللبنانيّ كما فعلَت منذ مطلع العقد الأوّل من الألفيّة. تتّضح هذه النقلة في التفكير من خلال تركيز الخطّة الجديد على المجالات الإنتاجيّة، مثل الزراعة والتصنيع والسياحة؛ وإنْ بدَت هذه القطاعات نسخةً كربونيّة من الوعود السابقة للمانحين. وهي نقلة تعكس أيضاً الواقع الجديد في الأسواق الذي يقوِّض قطاع العقارات. فبَينما قد تصبح بعض قروض الرهن العقاريّ يسيرة السداد ومعقولة بعد خفض قيمة العملة،4لا يُعرَف حجم قروض الإسكان، بسبب الافتقار إلى الشفافيّة حيال كيفيّة تمويل الحزم التحفيزيّة. انظر (بالإنجليزيّة) http://www.thinktriangle.net/wp-)content/uploads/2018/12/20181217_A_New_Deal_For_Lebanon_300dpi.pdf.pdf ستفقد أغلب الأسر من الطبقة الوسطى معظم مدّخراتهم (بالليرة اللبنانيّة)، التي كانت ستستخدم – لولا هذا الخفض – في سداد قروض الرهن العقاريّ. غير أنّ هذا الابتعاد عن قطاع العقارات – الذي طالَما اكتنزَ تدفّقات رأس المال وكان يوظّف عمالَة سوريّة منخفضة المهارات، وليست لبنانيّة – هو أمرٌ جدير بالإشادة والثناء. من المرجّح أيضاً أن يكون هذا الدعم الجديد للقطاعات الإنتاجيّة هو أقوى ميزة تقدِّمها الحكومة في خطّة التعافي الماليّة، لأنّه يتحتّم على لبنان اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أن يعيد التفكير في نموذجه الاقتصاديّ، بدلاً من الاعتماد على القطاعات غير الإنتاجيّة التي حققت ذات مرّة ”مكاسب سهلة“.

إلّا أنّ خطّة التعافي الماليّة يشوبها القصور، بسبب تجاهلها كيفيّة تطوّر تلك القطاعات الاستراتيجيّة الجديدة في بلدٍ مكتظّ بمظاهر الفساد. يفتقر لبنان اليوم إلى أيّ تشريع لمكافحة الاحتكار، ناهيك عن وجود هيئة تنظيمية للمنافسة، لضمان قدرة الصناعات النامية على الإفلات من الاحتكار العابث. في العام 2003 كان ثلث الأسواق اللبنانيّة محتكَراً من قِبَل القلّة؛ أمّا اليوم فربّما صار الأمر أسوأ.5  Le Borgne, E., & Jacobs, T., Promoting Poverty Reduction and Shared Prosperity: Systematic Country Diagnostic. Washington DC: World Bank Group, 2016. Available at: http://documents.worldbank.org/curated/en/951911467995104328/pdf/103201-REPLACEMNT-PUBLIC-Lebanon-SCD-Le-Borgne-and-Jacobs-2016.pdf وتشمل هذه المجالات المعرَّضة للخطر صناعات محلّيّة مربِحة، من قبيل الصناعات الدوائيّة والمنتجات البتروليّة والغاز والأسمنت.6  Traboulsi, F. Social Classes and Political Power in Lebanon. Beirut: Heinrich Böll Stiftung, 2016. Available at: https://lb.boell.org/sites/default/files/fawaz_english_draft.pdf بالنسبة إلى المنتجات الأجنبيّة المطلوبة لحفز تلك الصناعات، سيظلّ بإمكان وكالات الاستيراد تسجيل اتّفاقيّات التمثيل التجاريّ الحصريّة وأن تصبح المستورِد الحصريّ لسلع معيّنة7الإعلان التشريعيّ رقم 34، في 5 آب/أغسطس 1967. . إضافةً إلى هذا، فإنّ لدى الوزراء وأعضاء البرلمان من مختلف الأطياف السياسية حصص تجاريّة في كثير من تلك الصناعات المذكورة آنفاً. في هذا السياق، ليس من العجيب ألّا تظهر تشريعات بشأن تضارُب المصالح في القائمة الانتقائيّة للإصلاحات التي تضعها خطّة التعافي الماليّة. إلّا أنّه دون تشريعٍ ملائم، فإنّ القطاعات الإنتاجية المستهدَفة ستصبح ضحيّة تركيز الأسواق وتضارُب المصالح والأسعار المضخَّمة بشكلٍ مصطنَع؛ وسيستمرّ نظام الحكم الفاسد.

غياب المساءَلة والمحاسَبة

على نفس المنوال، لا تبذل خطّة التعافي الماليّة أيّ جهود حقيقيّة لمحاسبة مَن تسبّبوا في الانهيار الاقتصاديّ اللبنانيّ على أفعالهم تلك. فالوثيقة تتظاهر بالحديث عن ”الهندسة الماليّة“ الخاطئة لمصرف لبنان والبنوك التجاريّة، ولكنّها لا تدينهم أو تحاسبهم على بناء مخطط بونزي المنظّم الذي تسبّب في شلّ الاقتصاد اللبنانيّ. لمدّة سنوات قبل الانهيار، أدار مصرف لبنان خطط تحفيز (بالليرة اللبنانيّة بما يعادل مليار دولار أميركيّ)، كانت تساند وتدعم مَحافظ القروض لدى البنوك التجاريّة؛ و90٪ منها معرَّضة للقطاع العقاريّ.8  International Monetary Fund. “Lebanon: Financial System Stability Assessment”, 23 November 2016. Available at: https://www.imf.org/~/media/Files/Publications/CR/2017/cr1721.ashx استخدم مصرف لبنان والبنوك التجاريّة عوائدَ هذا الحافز للتضحية بالنظام المصرفيّ اللبنانيّ لمَن قد يقومون بضخّ العملات الأجنبيّة في مخطّطات ”الهندسة الماليّة“ لمصرف لبنان، التي بموجبها حظي كبار المستثمرون بأسعار فائدة سخيفة بالدولار الأميركيّ. وبعد ذلك، اشترى مصرف لبنان تلك الدولارات بأكثر من قيمتها الحقيقيّة، قبل أن يقوم بإقراضها للدولة وإثقال الدين العامّ. انهارت هذه الخدعة، كجميع مخططات بونزي، بمجرّد توقّف المستثمرين عن ضخّ أموال جديدة.

تتجاهل خطّة التعافي الماليّة تلك الأهداف الواضحة للتعويض. بل إنّها تؤكد على نحو صارخ على أنّ جميع الودائع تعتبر متساوية بهدف إعادة رسملة المصارف؛ إذ تنصّ على أنّه ”لا ينبغي أن يتأثّر المواطنون الملتزمون بالقانون، ما لم تُستنزَف جميع أشكال العلاج والإصلاح المحتمَلة“. الواقع أن مقاربة الخطّة تفتقر إلى العدالة الأخلاقيّة؛ لأنّها تحديداً لا تفرِّق بين المُودِعين العاديّين وأولئك الذين يربحون من مخطط بونزي اللبنانيّ.

تصرف الخطّة الانتباه، ببراعة، عن هذا الواقع، بتركيزها على إشارة مضلّلة نسبيّاً؛ وهي هروب رأس المال. وتدعو الخطّة إلى استعادة ”المبالغ الماليّة التي غادرت البلاد بشكلٍ غير قانونيّ، وإلى [توظيف] تلك المبالغ في خسائر البنوك“. يتجاهل هذا المقترَح، بسهولة، حقيقةَ أنّه لم تكن هناك –وما زال لا توجد– قاعدة قانونيّة لفرض قيود على رأس المال في لبنان. فقد كانت جمعيّة مصارف لبنان وهي جمعيّة خاصّة للكيانات التجاريّة، هي الوحيدة التي فرضت قيوداً على التعامل مع الودائع البنكيّة؛ ولكن ليست لديها سلطة تشريعيّة لتنفيذ هذا. من جانبها، رفض القضاء الحكم بشرعيّة تلك القيود غير الرسميّة على رأس المال، مشيراً إلى ”الظروف الاستثنائيّة“.9لبنان 24، "ما مصير الدعاوى والإنذارات القضائية بحق مصارف؟" متاح على هذا الرابط: https://bit.ly/2BnYDYd وعبر تركيزها على الخروج غير القانونيّ المزعوم لرأس المال منذ أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، تحاول خطّة التعافي الماليّة اختلاق الذرائع لتبرئة مسؤولي الهندسة الماليّة اللبنانيّين (وهم غير موهوبين إطلاقاً) من مسؤوليّاتهم.

ولكن لا تقلقوا! فالخطّة تعِد بأنّ ”مصادر التمويل والأصول التي تم الحصول عليها بشكلٍ غير شرعيّ، ...، وتحديداً الأشخاص المكشوفين سياسيّاً، ستُستخدَم لتعويض الخسائر“؛ دون أن تقدّم الخطّة مزيداً من التفاصيل حيال ذلك سوى أنّ ”السلطات تعتزم استرداد الأموال التي جرى تهريبها بصورة غير قانونيّة خارج البلاد، وتوظيف تلك الأموال في خسائر البنوك“. وبصيغةٍ أخرى، فإنّ النخبة السياسيّة اللبنانيّة قد تجعل المجتمع الدوليّ –ناهيك عن الشعب اللبنانيّ الذي عانَى طويلاً– يعتقد أنّ الحكومة ستُلاحِق أولئك الذي أثْرَوا بشكلٍ غير عادل، وتُحاكِمهم في نظام المحاكم اللبنانيّة العاجز، ثم تنخرط في عمليّة متابعة طويلة ومكلِّفة لتلك الأموال المختلَسة.10  Riwa Zoghaib, "How feasible is the recovery of stolen Lebanese assets?" Executive Magazine, 30 March 2020. Available at: https://www.executive-magazine.com/economics-policy/how-feasible-is-the-recovery-of-lebanese-stolen-assets ووَفقاً لمنطق خطّة التعافي الماليّة، فإنّ هذه الاستعادة ”للأصول المسروقة“ ستُعيد ”10 مليارات دولار على الأقلّ على مدار السنوات الخمس القادمة“. قد يُغتفَر للبنانيّين رفضهم تصديق ذلك؛ فلم يواجِه مسؤول حكوميّ أيّ ملاحقة قضائيّة بموجب قانون ’الإثراء غير المشروع‘ منذ سنّه في عام 1999، وذلك لأسباب ليس أقلّها أنّ أيّ مدَّعٍ تُرفَض دعواه سيواجه غرامة [تُدفَع بالليرة اللبنانيّة]، قيمتها تساوي 13 ألف دولار (بأسعار الصرف الرسميّة) مع احتماليّة السجن.11مجلّة الشهريّة، "قانون الإثراء غير المشروع يحمي الفساد"، 16 أيار/مايو 2017. متاح على هذا الرابط: https://monthlymagazine.com/ar-article-desc_4368_ ولذا لا يجب أن نأمل كثيراً.

ثمّة حل بديل: فقد حان الوقت لإعادة النظر في العقد الاجتماعي

يتعين على اللبنانيين أن لا ينخدعوا بالذرائع التي تختلقها خطة التعافي المالية والوعود الخيالية التي لا يُمكن الإيفاء بها، وأن يروا الخطة على حقيقتها: فهي استسلام مطلق وصريح لصندوق النقد الدولي، ومن هذا المنطلق يُمكن الشروع في المفاوضات. ستتمثل مِنَح الحكومة في قروض السيولة الطارئة من صندوق النقد الدولي، وهو ما من شأنه أن يُمهد الطريق أمام البنك الدولي وغيره من الجهات الدولية المانحة لتمويل خطة الإصلاح التي تبلغ قيمتها 11 مليار دولار أميركي وفقاً للتعهدات المُعلنة في "مؤتمر سيدر" الدولي الذي انعقد في نيسان/ أبريل 2018. لا شك أن اتفاقيات التمويل الطارئة يصاحبها دوماً شروط ضمنية تحكمها، بما في ذلك فرض الضرائب التنازلية، وتقليص حجم القطاع العام، والخصخصة. وتقضي الخطة الحكومية باتخاذ تدابير تقشفية صارمة متوقعةً انخفاض الإنفاق على الخدمات العامة من 21% من الناتج المحلي الإجمالي الحالي إلى 17.1% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024.12 عامر بساط، "الخطة الحكومية الاقتصادية: المقايضات السياساتية ومتاهاتها المعقّدة" ومن المؤكد أن مساهمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ستكون في هيئة قروض –وإن كانت بأسعار فائدة أقل من أسعار السوق– ولا يزال يتعين على الحكومة المثقلة بالديون أن تسددها.

لا شك أن لبنان يحتاج إلى ضخ فوريّ للسيولة، والتي لابد وأن تأتي من الجهات المانِحة الدولية. ولكن خلافاً لهذه الدفعة الأولية، تستطيع الحكومة أن تجد قدراً كبيراً من التمويل من داخل البلاد. ولكي يستفيد لبنان من هذه الإمكانية، يتعين عليه أن يُقدم نهجاً تقدمياً أكثر إنصافاً في التعامل مع الأموال العامة وإعادة هيكلة الأعباء التي تسبب فيها القطاع المصرفي المُتهالك. وكخُطوة أولى، يتعين على الحكومة أن تطبيق خفضاً تدريجياً للأرباح الناشئة عن ملحمة الهندسة الماليّة، عند الحد الأدنى. من شأن هذا أن يجنبنا السيناريو الظالم الذي يتحمل بموجبه الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة في لبنان حصة ضخمة من أعباء سداد الديون المستحقة على النخبة الفاسدة.

فضلاً عن التعويضات، ينبغي للحكومة أن تضع خطة جادة لتقديم سياسات ضريبية أكثر إنصافاً وتكافئاً، وليس مجرد عدداً من النقاط الرئيسية غير القابلة للتطبيق في خطة التعافي المالية. ورغم أن الخطة الحكومية تشتمل على تحسن عملية تحصيل الضرائب والإصلاحات الضريبية، ففي الواقع العملي، يُشير الافتقار إلى التفاصيل مُقترناً بالزيادات الطفيفة في الضريبة التصاعدية إلى أن الحكومة لا يُمكن أن تكون جادة بشأن "الإصلاح الضريبي الرامي إلى استهداف قطاعات السكان من أصحاب الدخل المرتفع للحد من عدم المساواة". فعلى سبيل المثال، ثمّة مجموعة كبيرة من الضرائب التنازلية التي تُفرض على أشد شرائح السكان فقراً وتظهر بشكل بارز في خطة التعافي المالية. ويشمل ذلك تحديد الحد الأدنى لأسعار البنزين (المستخدم في وسائل النقل) والسولار (المستخدم للمولدات) في بلد لا يوجد فيه وسائل نقل أو كهرباء يعول عليها، لا سيما للفقراء.

ومما يُحسب لها، لا تقترح خطة التعافي المالية زيادة شاملة طاحنة في ضريبة القيمة المضافة، وكذلك تقترح بعض التدابير الضريبية المُهمة، بما في ذلك "هيكل/إطار" الدخل الإجمالي، والذي من المفترض أن يفرض ضريبة على جميع مصادر الدخل أياً كانت طبيعتها. ورغم أن الخطة تُركز بصفة خاصة على إخضاع إيرادات الفوائد والأرباح الرأسمالية للزيادات (والتي تُقر خطة التعافي المالية أنها ستتعثر بسبب الأزمة)، فإن عدم الإشارة إلى الكيفية التي ستتعامل بها مع مصادر الدخل الأجنبية أو الاختباء خلف قوانين السرية المصرفية اللبنانية القديمة التي تكاد تكون مقدسة، يعني أن الاقتراح لن يكون أكثر من مجرد كلام عديم الأثر.13See D.Wood, O.Abdullah, “Coming clean: time to open Lebanon’s chamber of banking secrets”, Triangle. 2019Accessible at: http://www.thinktriangle.net/coming-clean-time-to-open-lebanons-chamber-of-banking-secrets/

في بلد يسيطر فيه أغنى 10% من السكان على نحو 70% من ثروات البلاد، لا بد وأن تحظى عملية إعادة التوزيع –وليس إجراءات التقشف الشامل– بالأولوية.14IMF Article IV Paper; Assouad, Lydia. “Rethinking the Lebanese economic miracle”, 2018. وقد استخدم مركز الأبحاث والسياسات والإعلام اللبناني "تراينغل" (المكاشفة الكاملة: مملوك جزئياً للمؤلف) تقديرات متحفظة لحساب أن مجرد الوصول إلى متوسط الإمكانات الضريبية للدول المماثلة متوسطة الدخل يُمكن أن يُدر 3.5 مليار دولار أميركي إضافية سنوياً.15J. Oswald, D. Wood and S. Halabi, “Shake On It A Fair IMF Package for Lebanon”, Triangle, March 2020. Available at http://www.thinktriangle.net/wp-content/uploads/2020/03/Triangle-Shake-On-It-A-Fair-IMF-Package-For-Lebanon.pdf علاوةً على ذلك، بدلاً من زيادة الحد الأقصى لمعدل الضريبة الحديّة من 25% إلى 30% التي تقترحها خطة التعافي المالية، فإن زيادة المعدل على أصحاب الدخول العليا إلى معيار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يقدر بنحو 40% من شأنه أن يُدر 6.82 مليار دولار أميركي إضافية سنوياً، وفقاً لنفس الدراسة.

وهذا يعني أن الإيرادات العامة، بالإضافة إلى تحصيل الضرائب القائمة، قد تتمكن من جمع 10.3 مليار دولار أميركي إضافية سنوياً. وإذا كانت هناك حاجة إلى مزيدٍ من الأموال، فإن فرض ضريبة ثروة بنسبة 1% على الأفراد ذوي الثروات الصافية الكبيرة (أكثر من 10 ملايين دولار أميركي) من شأنه أن يوفر ملياري دولار أميركي إضافية سنوياً. وللإيضاح، فإن هذه الأرقام تُعد تقديرات متحفظة تستند جزئياً إلى بيانات تعود إلى بضع سنوات مضت، ولا أحد يدري إلى أي مدى قد تؤدي الأزمة الحالية إلى تقليص الدخول وخفض العائدات الضريبية. ولكن حتى لو أمكن الحصول على نصف العائدات الضريبية فقط، فإن هذه الإيرادات الجديدة ستظل كل عام تُشكل أكثر من نصف القرض الذي يطلبه لبنان من صندوق النقد الدولي، أو نصف القيمة الإجمالية للبرنامج الذي تعهد به "مؤتمر سيدر" للاستثمار بالبنية التحتية – وكلاهما من المفترض أن يمتد على مدى عدة سنوات. وفي ظل ما يشبه الفسحة المالية، قد يتساءل المرء كيف قد يحتاج لبنان إلى أي شيء سوى سيولة فورية لإعادة رسملة المصارف وسداد هذه الأموال بمجرد جمع العائدات الضريبية.

إذا كان المجتمع الدولي جاداً بالفعل بشأن تمويل خطة نزيهة للتعافي الاقتصادي، فسوف يضع شروط إقراض صارمة مرتبطة باتخاذ إجراءات نزيهة وحقيقة لمكافحة الفساد والقيام بإصلاحات قضائية، وليس النقاط الرئيسية غير القابلة للتطبيق التي اقترحتها الحكومة باعتبارها ركيزة ثانوية لتمويل القطاعات والبنية التحتية. ومن أهم هذه الشروط هي سن القوانين ووضع آليات الإنفاذ، بما في ذلك مشروع قانون الاستقلال القضائي، والتعديلات على قانون الإثراء غير المشروع، فضلاً عن تشريعات مكافحة الاحتكار وتضارب المصالح، للسماح للسوق المتعافية بتقديم الخدمات لعامة الجمهور، وليس خدمة المصالح الخاصة المحدودة.

قد تكون أوقات الأزمات هي أيضاً أوقات الفرص، ويُمكن القول إنه لم تكن هناك لحظة منذ الاستقلال لم يجب على اللبنانيين إعادة النظر في عقدهم الاجتماعي على هذا النحو الجذري مثل هذه اللحظة الراهنة. وهذا يعني، ولو لمرة واحدة، عدم الاكتفاء بوعود الإصلاح المخادعة المعتادة، ورفض التقشف والاعتماد على الديون التي فرضتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة على اللبنانيين، والتي ورد آخرها في خطة التعافي المالية. ولا ينبغي للبنانيين أن يكتفوا بطريقة العمل التي سادت طيلة العقود الثلاثة الماضية، والتي بموجبها تستجدي الدولة المانحين وأصحاب المصالح الأجانب وتقترض منهم، بدلاً من أن تضع أعباء الأموال العامة تدريجياً على كاهل القادرين على تحمل تكاليفها. بل ثمة ضرورة مُلحة لوضع عقد اجتماعي جديد وإجراء انتقال سياسي من أجل إخراج لبنان من المأزق الاقتصادي الذي تشهده البلاد، ولو بمساعدة (أقل كثيراً) من أصدقائه.

Footnotes   [ + ]

1. نسخة خطة التعافي المالي متاحة بالكامل بالإنجليزي على هذا الرابط: https://bit.ly/2yXHML2
2. عامر بساط، "الخطة الحكومية الاقتصادية: المقايضات السياساتية ومتاهاتها المعقّدة"، المركز اللبناني للدراسات الرابط هنا
3. تراينغل، "الطريق إلى المجاعة: أطباق وجيوب اللبنانيين الفارغة" أيار/مايو 2020، متاح على هذا الرابط: http://www.thinktriangle.net/going-hungry-the-empty-plates-pockets-of-lebanon/
4. لا يُعرَف حجم قروض الإسكان، بسبب الافتقار إلى الشفافيّة حيال كيفيّة تمويل الحزم التحفيزيّة. انظر (بالإنجليزيّة) http://www.thinktriangle.net/wp-)content/uploads/2018/12/20181217_A_New_Deal_For_Lebanon_300dpi.pdf.pdf
5.   Le Borgne, E., & Jacobs, T., Promoting Poverty Reduction and Shared Prosperity: Systematic Country Diagnostic. Washington DC: World Bank Group, 2016. Available at: http://documents.worldbank.org/curated/en/951911467995104328/pdf/103201-REPLACEMNT-PUBLIC-Lebanon-SCD-Le-Borgne-and-Jacobs-2016.pdf
6.   Traboulsi, F. Social Classes and Political Power in Lebanon. Beirut: Heinrich Böll Stiftung, 2016. Available at: https://lb.boell.org/sites/default/files/fawaz_english_draft.pdf
7. الإعلان التشريعيّ رقم 34، في 5 آب/أغسطس 1967.
8.   International Monetary Fund. “Lebanon: Financial System Stability Assessment”, 23 November 2016. Available at: https://www.imf.org/~/media/Files/Publications/CR/2017/cr1721.ashx
9. لبنان 24، "ما مصير الدعاوى والإنذارات القضائية بحق مصارف؟" متاح على هذا الرابط: https://bit.ly/2BnYDYd
10.   Riwa Zoghaib, "How feasible is the recovery of stolen Lebanese assets?" Executive Magazine, 30 March 2020. Available at: https://www.executive-magazine.com/economics-policy/how-feasible-is-the-recovery-of-lebanese-stolen-assets
11. مجلّة الشهريّة، "قانون الإثراء غير المشروع يحمي الفساد"، 16 أيار/مايو 2017. متاح على هذا الرابط: https://monthlymagazine.com/ar-article-desc_4368_
12.  عامر بساط، "الخطة الحكومية الاقتصادية: المقايضات السياساتية ومتاهاتها المعقّدة"
13. See D.Wood, O.Abdullah, “Coming clean: time to open Lebanon’s chamber of banking secrets”, Triangle. 2019Accessible at: http://www.thinktriangle.net/coming-clean-time-to-open-lebanons-chamber-of-banking-secrets/
14. IMF Article IV Paper; Assouad, Lydia. “Rethinking the Lebanese economic miracle”, 2018.
15. J. Oswald, D. Wood and S. Halabi, “Shake On It A Fair IMF Package for Lebanon”, Triangle, March 2020. Available at http://www.thinktriangle.net/wp-content/uploads/2020/03/Triangle-Shake-On-It-A-Fair-IMF-Package-For-Lebanon.pdf