:لاجئو مخيَّم اليرموك الفلسطينيّون في لبنان آفاق العودة إلى سوريا، مشكلات وعوائق

فاقمَ النزوح من مخيّم اليرموك في سوريا إلى لبنان من هشاشة وَضعِ اللاجئين الفلسطينيّين، ومن افتقارِهم إلى الحماية والمساعدة. تدفعهم الظروفُ المعيشيّة السيِّئة في مخيّمات اللاجئين في لبنان للبحثِ عن طرق لمغادرة البلاد، لكنّ معظمَهم متردِّدٌ في العودة إلى سوريا لأسبابِ أهمُّها أمنيّة. فدون تغييرٍ سياسيّ حقيقيّ في سوريا، لن يكونَ لصفقات المصالحة أيّة مصداقيَّة، وسيظلُّ الحديث عن عودة اللاجئين، سوريّين كانوا أو “فلطسينيين من سوريا”، أجوَف

لاجئو مخيَّم اليرموك الفلسطينيّون في لبنان: آفاق العودة إلى سوريا، مشكلات وعوائق
© EPA - Nabil Mounzer

يوم 22 أيلول/سبتمبر2018، غرق مركب للهجرة غير الشرعية كان قد انطلق من السواحل اللبنانية باتِّجاه قبرص، حاملاً على متنه، بالإضافة إلى اللاجئين السوريين، وقلّة من المواطنين اللبنانيين؛ عدداً من اللاجئين الفلسطينيّين السوريّين من سكّان مخيَّم شاتيلا، بحسب شهادات متقاطِعة. انتهى الحادث بغرَق الطفل الفلسطينيّ السوري خالد نجمة ذي الخمسة أعوام. حادثة مريرة تسلّط الضوء على فئة من سكّان سوريا الذين لجؤوا إلى لبنان، وهم اللاجئون الفلسطينيون. فما هي حال هؤلاء؟ وبماذا يتميّزون عن غيرهم من لاجئي سوريا من جهة، وعن غيرهم من اللاجئين الفلسطينيّين الذين يعيشون في لبنان منذ نكبة 1948 من جهة أخرى؟ ما هو مصيرهم في حال عودتهم؟ وما هي رؤيتهم للعودة إلى سوريا بعد تسوية الصراع فيها؟

تُحاول هذه الورقة الوقوف على رؤية الفلسطينيّين السوريين من سكّان مخيم اليرموكفي سوريا، والذين لجؤوا إلى مخيّمي شاتيلا وعين الحلوة في لبنان، لمسألة العودة إلى سوريا وإلى مخيّم اليرموك بالتحديد. وذلك بعد أن سيطرت قوّات النظام السوري وحلفاؤه على مخيّم اليرموك، وفي ضوء تزايُد الدعوات الدوليّة والتصريحات الداخليّة اللبنانية بشأن "العودة الطوعيّة للّاجئين السوريّين إلى سوريا". فما الذي يشجّعهم على هذه العودة؟ وما هي الأمور التي تحول دونَها؟

للإجابة عن تلك الأسئلة، قُمنا بمجموعة مقابلات في مخيّم شاتيلا، في الفترة ما بين 26 حزيران/يونيو و16 أيلول/سبتمبر 2018.1قمنا بمقابلة 12 شخصاً، 6 في مخيم شاتيلا و6 في مخيم عين الحلوة، 10 منهم معيلين لأسرهم، من بينهم 4 نساء. تراوحت أعمارهم من 26 إلى 67 سنة.وحاولنا في تلك المقابلات أن نعطي حيّزاً وافياً لتعدد المواقف السياسية، والأوضاع الاجتماعية، والتوجّهات الفكرية والفئات العمرية.

سكّان مخيم اليرموك من نكبة فلسطين إلى الثورة السورية

لا يتناول الفلسطينيون السوريون المعنيّون بهذه الورقة أمرَ عودتهم إلى مخيم اليرموك أو سوريا دون أن يركّزوا على معاناة اللاجئ الفلسطيني الأساس المتمثّلة في فقدانه وطنِه، فيُشيرون إلى ظروف مَعيشتهم الجيِّدة في سوريا قبل الثورة، إذ كان يتمّ التعامل معهم كالمواطنين السوريّين من حيث الحقوق والواجبات في أغلب الحالات، إلّا أنَّهم في النهاية لا يَحملون جوازَ سفر "حقيقيّ" على حدّ تعبير بعضهم. وتقول امرأة مُعِيلة لعائلتِها في مخيّم عين الحلوة: "تعبنا من حالة اللّا استقرار التي يُعانيها الفلسطينيّ، حُلمنا هو العودة إلى فلسطين، نعم، وحتى ذلك الحيننريدأن نحمل جنسيّة دولة محترَمة تمنحنا حقوقاً إنسانيّة حيث يُمكننا أن نستقرّ وأن نربّي أطفالنا كما يستحقّون"، على هذا الأساس يوجّه هؤلاء اللاجئون أنظارهم -ولو دون أمل كبير- صوب الانتقال إلى دولة من الدوَل الغربيّة التي استقبلت أعداداً من اللاجئين السوريين، حيث يُمكنهم بناءَ حياة جديدة.

وتفيد الأونروا أن عدد الفلسطينيّين في سوريا يتجاوز 526.744 لاجئاً، يَحظون بالحقوق نفسها التي يتمتّع بها المواطنون السوريون ما عدا المواطنة. وقد لجؤوا إلى سوريا سنة 1948 قادمين من شمالي فلسطين، ثمَّ التحق بهم جزءٌ فرّ من مُرتفَعات الجولان عام 1967، أمّا القسم الأخير فقد أتى من لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانيّة التي اندلعت سنة 1975. وعاش اللاجئون الفلسطينيون في سوريا في 9 مخيمات رسميَّة و3 أخرى غير رسميّة. تقع على أطرافِ المدن الرئيسيّة التي سرعان ما تداخلت معها، في الجزء الغربيّ من سوريا، وبالتحديد خطّ درعا - دمشق - حمص - حماة - حلب، باستثناء مخيّم ساحليّ واحد في اللاذقية.

وبحسب الأونروا، فإنّ مخيَّم اليرموك -موضوع هذه الورقة- واحدٌ من المخيمات غير الرسمية التي تشكّلت مع مرور الوقت، وأقرّت الحكومات المُضيفة بوجودِها من أجلِ توفير مكانٍ لإقامة اللاجئين الفلسطينيّين.ويشكّل اليرموك التجمّع الأكبرَ للفلسطينيّين في سوريا، إذ يُلقَّب بعاصمة الشتات الفلسطيني. أنشئ بين سنوات 1954 و1957 بجهود الهيئة العامّة للاجئين الفلسطينيين التابعة لوزارة الداخليّة السورية. والتي قامت باستئجار الأرض (2.1 كم2) في ملكيّة آل الحكيم، ووزّعتها على اللاجئين. وأطلق السكّان الجدد أسماء مناطق فلسطينية على أحياءِ المخيم وشوارعِه. وسنة 1964، تشكّلت بلديّةُ لإدارة أمور المخيَّم وتقديم الخدمات اللازمة للّاجئين، وذلك بالتعاون مع الأونروا والهيئات الرسمية السوريّة.

وعلى اعتبار أنَّ اليرموك ليس مخيّماً رسميّاً، وبسبب موقعِه القريب من مركز العاصمة، لم يقتصِرْ سكّانُه على اللاجئين الفلسطينيين. فالسوريّون يقيمون أيضاً في المخيّم، ليرتفع عدد السكّان بالمجمَل إلى ما يقارب 400.000 نسمة، بحسب مصادر فلسطينيّة، منهم 220.000 فلسطيني وفقاً لمصادر غير رسمية. وتُعتبر الظروف المعيشيّة في اليرموك -على علّاتها- أفضلَ بكثير من الظروف التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيّون الآخرون في باقي المخيَّمات السورية، وتلك المُتوزِّعة في لبنان المجاور.

حصارُ اليرموك، والنزوحُ إلى لبنان

بطبيعة الحال لا يُجمِع فلسطينيّو مخيم اليرموك على مَوقف واحد من الثورة السوريّة، ولا على رواية واحدة بشأن تطوُّر الأمور إبّانها. إلّا أنّ رواية شائعة تفيدُ بأنّ النظام السوري كلّف جيشَ التحرير الفلسطيني وبعضَ التنظيمات الفلسطينيّة الموالِيَة له بمهامّ أمنيّة واستخباراتيّة ضدّ قوى المعارضة وناشطيها ومسلَّحيها، ممّا كسر حالة الحياد الفلسطينيّ في سوريا تجاه الحَراك الذي انطلق في آذار/مارس 2011.

وقد تطوَّرت الأمور في اليرموك، إذ نزح إليه سكّان المناطق المجاورة، مع تصاعد الاشتِباكات فيها. وتطوّرت الأمور فأسفرت عن اشتباكات مسلّحة. ثم أتت "ضربة الميغ" في 16 كانون الأول/ديسمبر 2012، حين قام النظام بقصف المخيّم مُستخدِماً طائرات الميغ. وشكّلت هذه الضربة حدثاً فاصلاً بالنسبة لسكّان المخيّم، و"نكبةً" جديدة دفعت بالكثيرين إلى النزوح من اليرموك.

لاحقاً، سَيْطرت فصائل من الجيش السوريّ الحرّ على المخيم، فحاصرَته قوّاتُ النظام، مُستعينة بالميليشيات الموالِيَة له بما فيها الفلسطينيّة. في تموز/يوليو 2013، كان الحصار جزئيّاً، وسرعان ما أصبح كاملاً، ممّا أدى إلى كارثة إنسانيّة شملت كلّ المدنيّين من سكّان المخيّم. وفي نيسان/إبريل 2015، أحكَم تنظيمُ داعش سيطرتَه على المخيّم، ودام الوضعُ على هذه الحال إلى أن استعادت قوّات النظام السيطرة عليه سنة 2018، بعد أن قامت بحملة عسكريّة دمّرت أجزاءً واسعة من المخيّم وهجّرت من تبقّى من سكّانه، في حين نهبَ مقاتلو النظام بقيّة موجوداته.

قُبَيل الحصار عام 2013، نزح الكثير من أهل المخيم. توجّه عشرات الآلاف من سكّانه الفلسطينيين إلى لبنان وتركّزت نسبةٌ كبيرة منهم في مخيَّمَيْ شاتيلا قرب بيروت، وعين الحلوة قرب صيدا جنوباً، بينما تابع آخرون طريق اللجوء إلى دول غربية بطرق شرعِيّة وغير شرعِيّة. ثم توالَت الانتِصارات العسكرية لقوّات النظام السوريّ وحلفائه على الأراضي السوريّة وبسط النظام سيطرتَه على الكثير من المناطق المتمرِّدة والخارجة عن سلطته. فازدادَ الحديث عن موضوع عودة اللاجئين السوريّين من دوَل الجوار بمن فيهم "الفلسطينيّون السوريّون" الذين باتوا يَطرحون على أنفسهم أسئلة العودة والمستقبل والمصير.

مخيَّمات لبنان،منفى آخر

أجمع الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم في مخيَّمَي شاتيلا وعين الحلوة على أنهم كانوا يعيشون في مخيَّم اليرموك تحت ظروف معيشيّة واجتماعيّة واقتصاديّة أفضل بكثير من تلك التي اختبَروها ويختبرونها في المخيّمات الفلسطينية في لبنان. ذلك أن غالبيَّة الفلسطينيّين السوريّين في لبنان لا يحملون أوراقَ إقامة صالحة. وفي حين يُعَدّ تجديدُ أوراق الإقامة للّاجئين السوريّين في لبنان أمراً صعباً ومُكلِفاً على الصعيد المادي، يغدو الأمرُ أكثر صعوبةً في حال الفلسطينيّين السوريّين، ممّا يحدّ من حرية حركتهم وتنقّلهم ويُؤثِّر بالتالي على سبل تأمين العيش.

أما فيما يخصُّ معاملات الولادة والوفاة، يسلكُ اللاجئون الفلسطينيون السوريون القنوات عينَها التي يسلكُها اللاجئون السوريون، إذ تُنقَلالمعاملة الرسميّةبعد المستشفى والجانب الطبّيّ إلى وزارة الخارجيّة اللبنانيّة والسفارة السورية في لبنان.

وكما في حال اللاجئين السوريين، ليس في الدولة اللبنانية من جهةٍ واضحة مُخوَّلة بالتعامل مع اللاجئين. بل إنّ استحداث وزارة دولة لشؤون المُهجَّرين تسلّمها الوزير معين المرعبي لم يغيِّر الكثير. فالوزارة لا تبدو واضحةَ الصلاحيّات. وما عدا تجديد الإقامة المُخوَّل بها الأمن العام، تُعنَى أجهزة أمنيّة مختلِفة ومؤسّسات مدنيّة مختلِفة بما فيها البلديّات بشؤون اللاجئين السوريين، كلّ جهة حسب توجُّهاتِها الخاصّة ، وهي توجُّهات لا تجمعها سياسةٌ وطنيّة واحدة تجاهَ هذه المسألة.

ويَشتكي عموم سكّان المخيَّمَين من انتِشار المخدّرات على أنواعها، وتفلّت السلاح، والتحرُّش الجنسيّ بما في ذلك الذي يطال الأطفال، والاستِقواء على بعض اللاجئين من قِبل مسلَّحي بعض الفصائل الفلسطينية المُلقَّبين أيضاً بـ "الشبّيحة". إلاّ أنه لم يَرِدْ في المقابلات ما يفيد بتضييق غيرِ اعتيادي على الفلسطينيّين السوريّين من قِبل سكّان المخيم الأصليّين، دون إخفاء استِياء هؤلاء السكّان من مَوجات اللجوء، بذريعة المنافسة على فُرَص العمل والاستِحواذ على الحصّة الأكبر من المساعدات.

العودة، ولكن إلى أين؟

تتصاعد وتيرة النداءات والتصريحات اللبنانيّة من قِبل سياسيّين ورسميّين بشأن إعادة اللاجئين السوريّين من لبنان إلى سوريا، وقد أمسَت مألوفةً خلال السنة الماضيَة، وبحسب "هيومن رايتس ووتش" فقد صدرت هذه التصريحات عن جهات مختلفة كرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب ووزير الخارجية.2لا مجال للبحث في حقوق اللاجئين في لبنان، بسام خوجا، هيومن رايتس ووتش. تموز/يوليو 2018. متوفّر على الرابط: hrw.org

ومؤخّراً، دعا وزيرُ الخارجية السوريّ وليد المعلّم اللاجئين للعودة مُعتبِراً أن "عودة كلّ سوري تشكّل أولوية بالنسبة للدولة السورية، وأنّ الأبواب مفتوحة أمام جميع السوريين في الخارج للعودة الطوعية والآمنة".3من كلمة وليد المعلمأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، موقع وزارة الخارجية والمغتربين السورية، أيلول/سبتمبر 2018. متوفّر على الرابط: goo.glوتبع ذلك تصريحٌ لنائب وزير الخارجيّة فيصل المقداد4المقداد: دمشق تقرر عودة اللاجئين الفلسطينيين لمخيم اليرموك، روسيا اليوم. تشرين الثاني/نوفمبر 2018. متوفّر على الرابط: goo.glأبلغ فيه فصائلَ العمل الوطنيّ الفلسطينيّ، بصدور قرار رسميّ بعودة لاجئي مخيّم اليرموك إليه، وهذا أمر لم يُنفَّذ حتى اليوم، إذ يَنقل لاجئون فلسطينيون سوريّون في مخيم شاتيلا عن أقربائهم في دمشق أن عائلات طُرِدَت من مخيّم اليرموك بعد ذلك التصريح، بحجّة استِجلاب التمويل وتهدئة الفلسطينيّين بعد الحديث عن مخطّط تنظيمي جديد لمخيّم اليرموك.

وانطلاقاً من تلك الملاحظات، تَحكم جوانبُ عدّةٌ التفكيرَ بالعودة من مخيَّمي شاتيلا وعين الحلوة إلى مخيّم اليرموك أو سوريا، وأهمُّها الجانب الأمنيّ والمعيشيّ.

فالنظر إلى المسألة من جانبها الأمنيّ يَحكمه الخوف من التجنيد الإجباري والاعتِقال من قبل السلطات السوريّة. وهو تخوُّف يَطال جميع فلسطينييّ سوريا، بما فيهم من يُؤيّد النظام السوري. ويشير هؤلاء إلى اعتِقال أقرباء لهم بذرائع أقلّها تشابهُ أسماء مع مطلوبين، من أجل طلبِ فديات ورشاوى. كما ينوِّه آخرون بحالةِ الانفِلات الأمنيّ السائدة في ظلّ سيطرة ميليشيات استعان بهم النظام فباتت تتحكَّم بحياة الناس اليومية.

بالإضافة إلى ذلك، تشكِّل الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية عاملاً مُهمّاً يتوقّف عنده اللاجئ الفلسطينيّ خلال تفكيرِه بالعودة إلى سوريا، فهو محكوم بأداء هذه الخدمة والالتزام بشروطها، شأنُه في ذلك شأنُ المواطن السوري. وقد كانت هذه الخدمة حملاً ثقيلاً قبلَ سنة 2011، وأمست بعدها مشروعَ موت أو إصابة أو أسر. ناهيك عن أنّها خدمةٌ طويلة تمتدّ لسنوات لا يعلم أحدٌ متى تنتهي، فبعضُهم عالقٌ في الخدمة العسكريّة منذ أكثرَ من 7 سنوات "أي 10% من مُجمَل متوسّط عمر الإنسان المفترض"، وفقاً لإحدى الشهادات. أمّا بالنسبة لمعارضي النظام من فلسطينيّي سوريا، فالخدمة العسكريّة هي المشارَكة في القتال ولكنها لا تحمل صفة الإلزام، علماً أنّ النظام يَعمل على تسويَة أوضاع المطلوبين مقابلَ الخدمة العسكرية لتعويضِ خساراته العسكريّة البشريّة على مدى السنوات الماضيَة.

على أنَّ الخوف من الاعتقال والتنكيل يرافقه لدى الفلسطينيّين السوريّين المعارضين للنظام السوري رفضٌ قاطع لمنطق المصالحات والتسويات التي سادت في مناطقَ سوريّة عديدةٍ استعادها النظام، إذ يقولون: إنّها "غير حقيقية وخطرة"، مُستشهِدين بحالات كثيرة لم تُحترَم فيها الوعود التي قطعها النظام وحليفُته روسيا، فوجد الكثيرون أنفسهم مُعتقَلين أو مُنقادين إلى الخدمة العسكريّة على خطوط الجبهات الأولى في وجه من كانوا رفاق الثورة قبلاً.

كما أقرّ بعض مؤيّدي النظام من الذين تمّت مقابلتُهم بصعوبة الوثوق بعمليّات المصالحات وتسويَة الأوضاع. وذهب بعضُهم إلى الحديث عن مَوقف أخلاقي وإنسانيّ يحكم العودة التي لا يمكن أن تتمَّ دون "تحقيق العدالة وحصول تغيير سياسيّ جذريّ في سوريا"، وتلك العبارة أتَت على لسان رجل ثلاثينيٍّ عاش أحداث المخيّم مع انطلاقِ الثورة حتى ما بعد ضربة الميغ.

وتبقى المسألة الأهمّ هي حال الدمار في المخيم: إلى أين يعود اللاجئون وأحياء مخيم اليرموك أضحت ركاماً؟ إذ إنّ تدمير البنى التحتيّة تمّ على نطاق واسع في عملية عدَّها الكثيرون مقصودة "بغرض منع عودة سكّانه إليه والتصرُّف بالأراضي"، فاستعادة السيطرة على المخيم في نظرهم لم تكن تتطلّب كلَّ هذا التدمير الذي قدّرته مصادر محسوبة على النظام السوري بأكثر من 60%560% من مخيم اليرموك طاله الدمار ورفض مشاركة المنظمات الدولية في إعماره، وكالة سبوتنيك الروسية، أيار/مايو 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl، بينما قال المتحدّث باسم الأونروا إنه "لا يكاد يسلم منزل من الدمار في مخيم اليرموك".6ما مصير مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق؟ روسيا اليوم، أيار/مايو 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl

من جهة أخرى، هناك القانون رقم 107نص القانون رقم 10، موقع رئاسة مجلس الوزراء في سوريا، نيسان/إبريل 2018. متوفّر على الرابط: goo.glالمثير للجدل، والذي قالت عنه "هيومن رايتس ووتش" إنه يسمح للحكومة السورية بـ "مصادرة ممتلكات السكان وإعادة الإعمار من دون اتِّباع الإجراءات القانونية الواجِبة أو التعويض بموجب قانون الملكيّة الجديد، القانون رقم 10 لعام 2018. سيَخلق القانون، الذي تروِّج له الحكومة كقانون للتنظيم العمراني، عقبةً رئيسيّة أمام عودة النازحين إلى ديارهم".8قانون الملكية الجديد في سوريا، هيومن رايتس ووتش، أيار/مايو 2018. متوفّر على الرابط:  hrw.orgفالمعلومات مُتضاربة هل يَشمل القانون مخيّمَ اليرموك أم لا، فمن جهة ثمَّة تكليف رسميّ لإنجاز مخطّط تنظيميّ جديد للمخيم،9 تكليف وزارة الأشغال العامّة والإسكان بإنجاز مخطّطات تنظيمية، موقع وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية.تموز/يوليو 2018. متوفّر على الرابط: mopwh.gov.syومن جهة أخرى تتناقل مصادرُ فلسطينيّةٌ تصريحاتٍ لشخصيّات فلسطينيّة محليّة مُقرَّبة من النظام تُفيد بأنّ الكلامَ عن "مخطّط تنظيمي جديد عارٍ عن الصحّة".10 رسميّاً.. مخيم اليرموك ضمن المخطط التنظيمي لدمشق وتخوّفات بشأنه، بوابة اللاجئين الفلسطينيين، تموز/يوليو 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl

أمّا فيما يخصُّ الجانبَ المعيشيّ في مخيّمِ اليرموك ومحيطِه القريب،  يُسمَح للسكّان السابقين، حتى تاريخ كتابة هذه الورقة، بزيارة بيوتهم أو ما تبقّى منها مع بعض الصعوبات، إلا أنّه غير مسموح لهم أن يستقرّوا فيها أو يعيدوا إصلاحَها أو بناءها، تارةً بحجج أمنيّة كالتخوّف من عبوات وذخائر غير مُنفجِرة، وتارةً أخرى بطلب أُذونات دخول بيروقراطيّة وأمنيّة، وأحياناً بدون أيّ سبب أو حجّة واضحة. وفي هذا السياق، يُفيد ربّ عائلة لاجئ في مخيم شاتيلا: "كنّا نقول إنه يمكن لنا أن نعود يوماً ما، إذا استقرّت الأحوال، إذ لنا هناك بَيت يأوينا ويُمكن أن نتدبّر تكاليف عيشنا بالحدّ الأدنى بطريقة أو بأخرى، ولكن العودة تبدو أبعدَ منالاً بكثير مع عدمِ واقعيّة هذا الخيار اليوم ".

يُجري ربّ عائلة في مخيم عين الحلوة حساباً بسيطاً، مُستعيناً بأقاربه الذين يعيشون في مدينة دمشق ومحيطها: تَحتاج عائلة مُكوّنة من 4-5 أشخاص للعيش في دمشق ومحيطها قرابة 280 ألف ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادلُ 620 دولاراً أميركياً تقريباً ، بما في ذلك إيجار المسكن. إلا أنّ واقعَ سوق العمل في دمشق لن يُؤمِّن أكثرَ من ثلث ذلك المبلغ لسدِّ تكاليف المعيشة، ثلثٌّ يُؤمِّنه ثلاثة أفراد في الأسرة مجتمعين، أي الأب والأم والابن الأكبر، وذلك في حال اقتناص إحدى فرص العمل النادرة أصلاً.

هذا وتفيد نتائجُ دراسة مستقلّة11309 ألف ليرة تكاليف معيشة أسرة - أيلول 2018، موقع قاسيون، أيلول/سبتمبر 2018. متوفّر على الرابط: kassiounpaper.comأن المبلغ المتوسِّط المطلوب لعائلة من خمسة أشخاص هو 310 آلاف ليرة سورية أي 685 دولاراً أمريكياً تقريباً، علماً أن تقرير UNOCHAعن شهر آب/أغسطس 201812 Humanitarian Response Plan2018 (January- December 2018). Available at: goo.glيُفيد بأن نسبة البطالة بين الشباب في سوريا تبلغ 78%، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم، وأن كثيراً من الأُسر خسرت مُعيلها الأساسيّ التقليدي (الأب) بسبب الموت أو الإعاقة أو الاعتقال، وأن نسبة كبيرة منها يزيد عدد أفرادها عن خمسة أفراد.

والمفارقة المُؤثِّرة أنّ إيجارات المنازل أخذت بالارتفاع في سوريا مع بدء الحديث عن عودة اللاجئين. فالبيوتُ ذات الإيجارات المعقولة، تتواجد في مناطق متطرِّفة وبعيدة عن سوق العمل، فلا يتّجه نحوَها أولئك الذين يبحثون عن عمل حيويّ لهم، إذ تُطيح كلفة المواصلات اليومية بما يمكن أن يُوفِّره المرء من استئجار منزل خارج المدينة.

من جهة أخرى، ورغم الغموض الذي يَعتري تمويل عملية إعادة الإعمار في سوريا، فإنّ توفّر تمويلات خاصّة محدودة قد يُسهم إيجابياً في عودةِ جزء من اللاجئين، إذ تتوفّر فرصُ عمل في قطّاعات معينة يعوّل عليها بعض اللاجئين لتوفير مداخيل تَكفل لهم العودة والاستقرار.

وتبقى التحويلات الماليّة من المغتربين والمهاجرين واللاجئين في الدول الغربية ودول الخليج، إحدى السبل الكفيلة بتذليل العوائق الماديّة أمام عودة اللاجئين. إذ إن أعداداً كبيرة من العائلات في سوريا تعتمد على تحويلات أقاربهم المالية لتأمين أساسيّاتهم المعيشية. ويبدو أن بعض اللاجئين بحسب المقابلات التي أُجرِيت يُخطِّطون مستقبلهم على هذا الأساس، أي بالاعتماد على الدعم المالي الدوري والمنتظم الآتي من أقاربهم في الدول الأوروبية بشكل خاصّ، فـ "100 أو 200 يورو ليس مبلغاً كبيراً في أوروبا، بينما في سوريا يمكن أن يكون له أكبر التأثير على حياة عائلتنا".

ومقارنةً مع واقع  الريف، فقد يُتاح لبعض أبناء الريف السوري ممّن لم تتضرّر منازلهم بشكل كبير، وممّن يملكون بعض الأراضي الزراعية أن يعودوا ويوفِّروا لأنفسهم شيئاً من الاكتفاء المادّي من خلال الزراعة وبعض الدواجن والمواشي، إلا أنّ ذلك لا ينطبقُ على اللاجئين الفلسطينيين الذين يَسكنون في غالبيتهم العظمى المدنَ وضواحيها، وليس في المناطق الزراعية التي تتطلّب خبرات خاصّة يفتقدون إليها.

على ضوء هذَيْن الجانبين، الأمنيّ والمعيشيّ، تُفيد المقابلات التي قمنا بها أن سيناريو العودة المقبول، إن توفّر حدٌّ أدنى من الاستِقرار الأمنيّ في دمشق وجوارها، هو أن تعود الأمّ والإناث والأطفال في الأسرة إلى سوريّا، ليبقى في لبنان الأبُ والأولادُ الذكور البالغون، فيعيشون في سكنٍ مشترك مع عمّال سوريّين آخرين بهدف ضغطِ نفقاتِهم إلى الحدّ الأقصى، وتوفير كلّ ما يمكن توفيرُه لتحويلِه إلى بقيّة أفراد الأسرة التي عادت إلى سوريا.

هذا السيناريو المألوف لدى من اعتاد العمل في لبنان قبلَ الثورة السورية باتَ واقعاً لدى بعض الأسر، وهو سيناريو غيرُ حصريّ بفلسطينيي سوريا، بل يشمل السوريّين جميعاً.

خلاصة

للجانب الأمني دور كبير في قرار العودة الطوعيّة لدى اللاجئين، بما فيهم سكّان مخيم اليرموك، كما أنّه من الممكن تذليل المشكلات كالخدمة العسكرية والاعتِقالات من خلال قرار سياسيّ، إلا أنّ فقدان الثقة سيَحول دون ذلك القرار، إذ إنّه من الصعب أن يصدّق اللاجئون الوعودَ التي تُقدّم لهم.

أمّا الجانبُ المعيشيّ الاقتصاديّ،  فهو الأشدّ تعقيداً. وإنْ صحّت تصريحاتُ بعض المسؤولين اللبنانيّين بأنّ اللاجئ السوريّ اليوم هو لاجئ اقتصاديّ وليس لاجئاً سياسياً لأنه لا خطر أمني على حياته، فإنّها لا تغيّر في جوهر الموضوع.  وجود مناطق آمنة لن يموت فيها اللاجئ العائد بسبب قصف أو تفجير، لا يعني أنه سيجد سقفاً يأويه أو طعاماً يأكله أو دواءً لابنه.

إنّ حلّ مُشكلات سوق العمل وتضخّم الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة هو المدخل الرئيسيّ لموضوع عودة اللاجئين. كما أنّ العملَ على تغيير سياسيّ حقيقيّ يُضفي مصداقيَّة على وعود المصالحات والتسويات كلِّها معاً، ويجعل الكلام عن عودة طوعيّة للاجئين مطالبةً إنسانية ومُحقّة.

Footnotes   [ + ]

1. قمنا بمقابلة 12 شخصاً، 6 في مخيم شاتيلا و6 في مخيم عين الحلوة، 10 منهم معيلين لأسرهم، من بينهم 4 نساء. تراوحت أعمارهم من 26 إلى 67 سنة.
2. لا مجال للبحث في حقوق اللاجئين في لبنان، بسام خوجا، هيومن رايتس ووتش. تموز/يوليو 2018. متوفّر على الرابط: hrw.org
3. من كلمة وليد المعلمأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، موقع وزارة الخارجية والمغتربين السورية، أيلول/سبتمبر 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl
4. المقداد: دمشق تقرر عودة اللاجئين الفلسطينيين لمخيم اليرموك، روسيا اليوم. تشرين الثاني/نوفمبر 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl
5. 60% من مخيم اليرموك طاله الدمار ورفض مشاركة المنظمات الدولية في إعماره، وكالة سبوتنيك الروسية، أيار/مايو 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl
6. ما مصير مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق؟ روسيا اليوم، أيار/مايو 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl
7. نص القانون رقم 10، موقع رئاسة مجلس الوزراء في سوريا، نيسان/إبريل 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl
8. قانون الملكية الجديد في سوريا، هيومن رايتس ووتش، أيار/مايو 2018. متوفّر على الرابط:  hrw.org
9.  تكليف وزارة الأشغال العامّة والإسكان بإنجاز مخطّطات تنظيمية، موقع وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية.تموز/يوليو 2018. متوفّر على الرابط: mopwh.gov.sy
10.  رسميّاً.. مخيم اليرموك ضمن المخطط التنظيمي لدمشق وتخوّفات بشأنه، بوابة اللاجئين الفلسطينيين، تموز/يوليو 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl
11. 309 ألف ليرة تكاليف معيشة أسرة - أيلول 2018، موقع قاسيون، أيلول/سبتمبر 2018. متوفّر على الرابط: kassiounpaper.com
12.  Humanitarian Response Plan2018 (January- December 2018). Available at: goo.gl