قنبلة موقوتة في المرفأ: كيف ساهم الفشل المؤسَّسيّ والتشاحُن السياسيّ والجشع في تهيئة المجال أمام انفجار بيروت

تعد البنية المؤسسية لمرفأ بيروت رمز الفساد والمحسوبية والطائفية في لبنان ما بعد الحرب. وأي تحقيق في انفجار 4 آب/أغسطس يجب أن يأخذ في الاعتبار السجل المؤسسي المزري للميناء وكيف أن الطبقة السياسية الحالية ضمنت أن تظل إدارته غامضة وفوضوية. تقدم هذه الورقة رؤى نقدية للإطار المؤسَّسيّ للميناء على مدى 30 سنة الماضية وتسلط الضوء على النظام السياسي الفاشل، والطبقة السياسية الجشعة، وسوء الإدارة والفساد. كما تبيّن كيف أن المشاحنات بين الجهات الفاعلة الرئيسية للسيطرة على الميناء والفشل المؤسسي للميناء ساهما في تهيئة الطريق للانفجار، مشيرة إلى الحاجة الملحة لبناء سلطة ميناء تخضع للمساءلة كجزء من أي جهد لإصلاح.

arab-reform-initiative-timebomb-at-the-port-how-institutional-failure-political-squabbling-and-greed-set-the-stage-for-blowing-up-beirut.jpg
مرفأ بيروت أعقاب تفجيرات 4 آب/أغسطس 2020، لبنان. © AA/حسام شبارو

في العام الماضي، تجمَّع عشرات المحتجّين أمام مرفأ بيروت بعد ظهيرة أحد أيام السبت من شهر كانون الأوّل/ديسمبر.1The Daily Star, 21 December 2019, https://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2019/Dec-21/497903-road-blocks-in-the-north-in-protest-against-diab.ashx. اختار المحتجّون المرفأ لأنّه في رأيهم تجسيد لآفة الفساد التي تضرب بجذورها عميقاً في البلاد، والتي أدانوها بشدّة، مثلما فعل عشرات الآلاف من قبلهم منذ اندلاع "ثورة تشرين الأوّل/أكتوبر" عام 2019. طالب المحتجّون بإجراء تغييرات جذريّة ورحيل الطبقة السياسيّة الحاكمة ذات الاختلال الوظيفيّ الملحوظ، وذلك بعدما سئموا من الجشع وحالة الجمود السياسيّ التي تسود البلاد. ردّد المحتجّون: "كلّن يعني كلّن"، كما لو أنّهم توقّعوا إمكانيّة أنْ يتظاهر مؤسِّسو ودعاة تلك الطبقة مرّة أخرى بأنّهم "إصلاحيّون" وينتهي المطاف خلال تلك العمليّة باستنساخ نفس النظام السياسيّ الفاسد.

وهذا بالضبط ما حدث. فقد انهار الاقتصاد اللبنانيّ، وتشكّلت حكومة جديدة يُفترَض أنّها إصلاحيّة، بقيادة حسّان دياب، مع وعودٍ بإجراء إصلاحات؛ لكنّ شيئاً لم يتحقّق، وكان كلّ ما رأيناه هو انزلاق الاقتصاد نحو الإفلاس بوتيرة أسرع. غير أنّه بينما ترتفع معدّلات الفقر بصورة مذهلة، وفيما يواصل المحتجّون مطالبتهم برحيل الطبقة السياسيّة، حدَث ما لا يخطر على بال في 4 آب/أغسطس: انفجار هائل في مرفأ بيروت نتيجة اشتعال النيران في جزء ما يزال مجهولاً من حمولة/موادّ متفجّرة تحتوي على كمّيّة تصل إلى 2750 طنّاً متريّاً من نترات الأمونيوم التي خُزّنت وتُرِكت دون حراسة في عنبر رقم 12 طيلة 6 سنوات على الأقل، ممّا أودى بحياة أكثر من 200 شخصٍ وجرح 6500 آخرين مع خسائر مادّيّة نتيجة الدمار الهائل الذي عمّ جميع أنحاء المدينة تتراوح تكلفتها من 3.8 إلى 4.6 مليار دولار.2World Bank, Beirut Rapid Damage and Needs Assessment, (World Bank in cooperation with the European Union and the United Nations, August 2020), http://documents1.worldbank.org/curated/en/650091598854062180/Beirut-Rapid-Damage-and-Needs-Assessment.pdf; Reuters, 30 August 2020, https://www.reuters.com/article/us-lebanon-crisis-blast-casualties-idUSKBN25Q08H. قدَّمت حكومة دياب استقالتها عقب الانفجار، ورُشِّح رئيس وزراء جديد لمحاولة تشكيل حكومة أخرى جديدة في ظلّ وعود جديدة بالإصلاح.

منذ ذلك الحين كَشفت معلومات قليلة بعضَ التفاصيل عن كيفيّة وصول المتفجّرات إلى المرفأ، وعن مالكها المحتمَل، وكيف أخفق كبار الساسة والمسؤولين والقضاة في حماية الأمن العامّ خلال استجابتهم لتلك الكارثة. لكنْ لم يتبيَّن بعد كيف -أو حتّى ما إذا كانت- ستُسهِم كلّ هذه الخيوط في تكوين قصّة حاسمة حول ما ومَن -تحديداً- قد تسبّب في الانفجار. لكنْ، بغضّ النظر عن ماهيّة التفاصيل التي ستتكشّف، ينبغي من أجل تحديد مجرى الأحداث الحقيقيّ أنْ نأخذ في الحسبان سجلَّ المرفأ المؤسَّسيّ المزري والأسبابَ الهيكليّة الجذريّة التي تتضمّن 30 عاماً في ظلّ نظام سياسيّ فاشل وطبقة سياسيّة جشعة تفتقد للكفاءة. في الحقيقة، كانت المعلومات التي كُشِف عنها مؤخّراً حول عدم الكفاءة والمشاحنات وتملّص الساسة والمسؤولين من مسؤوليّتهم عن القنبلة الموقوتة التي كانت في المرفأ تتردَّد كثيراً ومعروفة للغاية خلال تلك السنوات الماضية؛ ولكنّ المخاطر أصبحت بعد الانفجار أعظم من أيّ وقتٍ مضى. صحيح أنّ الفساد ظلّ يسحق كرامة المواطنين اللبنانيّين طيلة سنوات وساهم في إفلاس البلاد وانهيارها اقتصاديّاً، لكنّه على ما يبدو وصل الآن إلى مرحلة يقوم فيها بقتل الناس وتسوية أحياء كاملة بالأرض. ومع هذا، أصبح "الإصلاح" مرادفاً دقيقاً لتجاهُل الإخفاقات المؤسَّسيّة والسياسيّة المزمنة التي تقوم عليها مؤسَّسات الدولة اللبنانيّة الفاسدة. في هذا السياق، تجسِّد قصّة مرفأ بيروت معضلةَ البلاد الأشمل، ودليلاً قويّاً على الحاجة الملحّة إلى إجراء تغيير جذريّ واسع النطاق.

ما الذي (لا) نعرفه حتّى الآن

مرّ الآن أكثر من شهر على الانفجار، وتبدو الرواية التي كُشِف عنها حول أسبابه شديدةَ الالتباس وغيرَ مقنعة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر عام 2013، وصلت السفينة روسوس -التي ترفع العلم المولدوفيّ، والتي يفترض أنّها كانت تحمل شحنة ضخمة من نترات الأمونيوم من جورجيا إلى مشترٍ في موزمبيق- إلى مرفأ بيروت لتحميل شحنة إضافيّة من أجل تأمين رسوم المرور عبر قناة السويس.3حسب ما أفادت التقارير، فإنّ الشحنة الإضافيّة كانت عبارة عن معدّات ثقيلة للمسح السيزميّ (seismic reflection)، وكانت ستُنقل إلى الأردن، وهي مملوكة لشركة "سبيكتروم" البريطانيّة التي تعاقدت معها وزارة الطاقة اللبنانيّة برئاسة جبران باسيل في ذلك الوقت. انظر:Asia Times, 28 August 2020, https://asiatimes.com/2020/08/lebanon-probes-procurement-of-death-ship-rhosus. ومع أنّ سلطات الموانئ في لبنان وعدّة موانئ أخرى في البحر المتوسط قد وجدت أنّها لا تصلح للإبحار،4OCCRP, A Hidden Tycoon, African Explosives, and a Loan from a Notorious Bank: Questionable Connections Surround Beirut Explosion Shipment, 21 August 2020, https://www.occrp.org/en/investigations/a-hidden-tycoon-african-explosives-and-a-loan-from-a-notorious-bank-questionable-connections-surround-beirut-explosion-shipment; Le Commerce du Levant, 31 August 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/30024-transport-et-stockage-de-matieres-dangereuses-que-dit-la-reglementation-internationale-. ذكرت التقارير أيضاً أنّ ميناء صيدا وجد أوجه قصور كثيرة في السفينة روسوس عندما دخلت المرفأ اللبنانيّ الجنوبيّ في صيف عام 2013. انظر: Asia Times, 28 August 2020. فقد سُمِح للسفينة بالرسوّ في مرفأ بيروت، ولم تغادره مطلَقاً. وبعد أنْ تخلّى عنها مالكوها، لم تستطع السفينة دفع رسوم الرسوّ في المرفأ، واحتُجِزت بموجب أمر قضائيّ إثر مطالبات بديون مستحقّة قُدِّمت من شركتين. تُرِك أفراد الطاقم الأوكرانيّين والروس الذين كانوا على متن السفينة ليتدبّروا أمورهم بأنفسهم طيلة 10 أشهر. أمّا الحمولة -التي تزِن 2750 طنّاً متريّاً من نترات الأمونيوم- فقد أُلقيت في عنبر المرفأ رقم 12، الذي يبدو أنّه كان يُستخدم بالفعل لتخزين الموادّ الخطرة والقابلة للاشتعال.5The Washington Post, 11 August 2020, https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/un-sending-wheat-flour-to-lebanon-to-stabilize-food-supply-destroyed-by-blasts/2020/08/11/7c550498-db24-11ea-b4f1-25b762cdbbf4_story.html. تبع ذلك 6 سنوات من البلادة والجمود السياسيّ والمؤسَّسيّ والإهمال الذي تتحمّل مسؤوليّته سلطات المرفأ ومصلحة الجمارك والأجهزة الأمنيّة والقضاة وكبار الزعماء السياسيّين.

أفادت التقارير أنّ موظّفي المرفأ طلبوا من قاضٍ ستَّ مرات إصدارَ تصريح لنقل الموادّ المتفجّرة من المرفأ، مع أنّ مثل هذا التصريح ليس ضروريّاً من الناحية الرسميّة عندما يتعلّق الأمر بموادّ خطرة. مع ذلك، لم يتّخذوا أيّ إجراء. وقد حذّرت شركة محاماة -كانت تمثّل شركتين تقاضيان مُلّاك السفينة من أجل سداد المتأخّرات- وزارةَ النقل مراراً من الحمولة القاتلة الموجودة على متن السفينة.6Le Commerce du Levant, 4 September 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/30030-de-larrivee-du-rhosus-a-lexplosion-du-port-chronique-dune-catastrophe-annoncee. نظر عدّة قضاة في المسألة عندما تبيَّن أنّ الحمولة المتفجّرة أصبحت في وضع متدهور، فقد تمزّقت بعضُ أكياسها وبدأت محتوياتها في الانسكاب على الأرض.7المصدر نفسه. وفي الفترة بين عامَي 2016 و2017، ذكرت التقارير أنّ مصلحة الجمارك حاولت إعادة تصدير الموادّ المتفجّرة أو بيعها؛8Reuters, 5 August 2020, https://www.reuters.com/article/us-lebanon-security-blast-warehouse/initial-investigations-point-to-negligence-as-cause-of-beirut-blast-source-idUSKCN2511G7. إذ طلبت من الجيش اللبنانيّ وإحدى شركات التصنيع المحلّيّة أخْذ حمولة نترات الأمونيوم، لكنّ أيّاً منهما لم يُبدِ اهتماماً بها. واقترح الجيش إعادتها إلى جورجيا،9OCCRP, 21 August 2020. لكنّ هذا لم يحدث قطّ. لم يرغب أحد على الأرجح في تحمُّل تكلفة إعادة تصدير الحمولة أو تدميرها. مع ذلك، ظلّ بدري ضاهر -المدير العامّ للجمارك- يطلب إذنَ القضاة لنقل الحمولة المتفجّرة، وكان ردّهم أنّه لا يحتاج إلى موافقتهم لأنّه هو نفسه يتمتّع بالسلطة التي تمكّنه من فعل ذلك. وتمّ إنذار وزارة العدل، لكنّها لم تتّخذ أيَّ إجراء.

في كانون الثاني/يناير من عام 2020، أصدرت المديريّة العامّة لأمن الدولة، وهي واحدة من الهيئات الأمنيّة الكثيرة المتواجدة في المرفأ، تقريراً ذكرت فيه أنّ تخزين الحمولة المتفجّرة بجانب موادّ قابلة للاشتعال في العنبر رقم 12 يهدِّد باندلاع حريق "سيُسبِّب انفجاراً ضخماً وستكون نتائجه شبه مدمِّرة لمرفأ بيروت".10Le Commerce du Levant, 4 September 2020. وبعد مُضيّ بضعة أشهر، أرسلت المديريّة العامّة لأمن الدولة في 20 تموز/يوليو رسالةً إلى الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء حسّان دياب محذّرةً إيّاهم مجدّداً من مخاطر تخزين الموادّ المتفجّرة في المرفأ.11Reuters, 10 August 2020, https://www.reuters.com/article/us-lebanon-security-blast-documents-excl/exclusive-lebanons-leaders-were-warned-in-july-about-explosives-at-port-documents-idUSKCN2562L7.

ادّعى عون بعد الانفجار أنّه أمر المجلس الأعلى للدفاع (وهو هيئة تنسيقيّة لأجهزة الأمن والدفاع في البلاد ويرأسه رئيس الجمهوريّة) بضرورة "إجراء اللازم". وقال لاحقاً، في معرض دفاعه عن نفسه، إنّه لم يكن على علم بالحمولة ومدى خطورتها، وإنّ "صلاحياتي لا تسمح لي بالتعاطي المباشر مع المرفأ".12المصدر نفسه. وفي تغيير جديد لروايته، ادّعى عون أنّه كان على علمٍ بوُجود الموادّ المتفجّرة والخطر الذي تمثّله، ولكنْ كان الوقت حينها قد فات بالنسبة له للقيام بشيء حيالها.13National News Agency, 31 August 2020, http://nna-leb.gov.lb/en/show-news/119518/nna-leb.gov.lb/en.

فيما بعد، ظهرت معلومات تفيد أنّه قُبَيل الانفجار بأيّام كان القاضي غسّان عويدات قد أمر بتأمين أبواب العنبر استجابةً لطلبٍ من المديريّة العامّة لأمن الدولة، مشيراً إلى مخاوف من احتماليّة سرقة كمّيّة من نترات الأمونيوم أو اختفاء جزء منها بالفعل؛14The Washington Post, 31 August 2020, https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/beirut-blasts-probe-ammonium-nitrate/2020/08/30/d3c20ad0-e3cd-11ea-82d8-5e55d47e90ca_story.html. فقد اكتُشِفت فتحة في أحد جدران العنبر. تجاهل عويدات تحذيرات المديريّة العامّة لأمن الدولة بشأن المخاطر الكبيرة لتلك الحمولة المتفجّرة على المرفأ -التي كان ينبغي أنْ يحثّ على نقلها من المرفأ- وانصبّ اهتمامه بدلاً من ذلك على مخاطر سرقة المادّة واستخدامها لصناعة متفجّرات. لذا فقد أُرسِل عمّالٌ لإصلاح حائط العنبر، وربّما تسبَّبوا في إشعال حريق دون قصد. ويبدو أنّ هذا قد أشعل النيران في مادّة قابلة للاشتعال، ربّما تكون ألعاب ناريّة، وهو ما تسبَّب بدوره في انفجار نترات الأمونيوم.

يجري حاليّاً تحقيق رسميّ لمعرفة ما أدّى تحديداً إلى الانفجار، برئاسة القاضي اللبنانيّ فادي صوان وبالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدراليّ وخبراء جنائيّين فرنسيّين. ومن المرجّح أنْ يتبَع ذلك مزيدٌ من التدقيق، حيث يجري إعداد دعاوى قضائيّة محلّيّة وأجنبيّة بسبب الضرر الهائل والخسائر في الأرواح التي نجمت عن الانفجار. تطول قائمة الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة؛15لمن تعود ملكيّة السفينة روسوس وحمولتها الخطيرة من نترات الأمونيوم؟ هل كانت حمولتها متّجهة فعلاً إلى موزمبيق أمْ أنّها كانت في طريقها إلى عملاء آخرين؟ أيّة روابط، إنْ كان ثَمّة روابط بالفعل، تجمع بين السفينة وحمولتها وبين الشركات ومؤسَّسات الدولة والمسؤولين وربّما حتّى الجهات السياسيّة الفاعلة في لبنان؟ لماذا لم يتمّ التخلّص من الحمولة بأمان؟ كيف يمكن التوفيق بين التقارير التي تتحدّث عن نشوب حريق أدّى إلى الانفجار الأوّل في عنبر رقم 9 وبين الادّعاءات اللاحقة بأنّ الحريق نشب نتيجة التخزين غير المسؤول لنترات الأمونيوم مع موادّ قابلة للاشتعال في عنبر رقم 12؟ ما الذي كانت تعرفه قوّات حفظ السلام التابعة للأمم المتّحدة عن نترات الأمونيوم المخزّنة في المرفأ، بما أنّها تتواجد في لبنان لمراقبة الحظر الدوليّ المفروض على الأسلحة وتقوم بتفتيش المرفأ لهذا الغرض؟ وما هو الدور الذي ربّما لعبه تنظيم "حزب الله" نظراً لوجوده في منطقة المرفأ؟ لمزيد من المناقشات انظر:  Mayssoun Sukarieh, “Beirut Explosion: The Missing Lebanese Link,” Middle East Eye, 3 September 2020, https://www.middleeasteye.net/opinion/beirut-explosion-how-much-responsibility-lies-world-global-shipping. لكنّ أغلبها يتعلّق بمسألة جوهريّة واحدة، أو سوف يتمحور حولها، ألا وهي: لماذا لم يتحرّك أيّ شخص على مدار 6 سنوات لمنع وقوع كارثة يبدو أنّ حدوثَها كان متوقّعاً؟ ما سيَكشف عنه التحقيق ليس مؤكَّداً على الإطلاق، وليس مؤكَّداً أيضاً ما إذا كان سيَصدر بالفعل تقرير بنتائج التحقيق كاملةً؛ إذ يسود ارتيابٌ حول نزاهة التحقيق وقدرته على التمحيص في مسؤوليّة الجهات الفاعلة السياسيّة وحول مدى تناولِه الشكوك التي ما زالت تساور شرائحَ من السكّان بأنّ الانفجار الأصليّ ربّما نجم عن عملٍ عدائيّ.16رفضت الحكومة اللبنانيّة إجراءَ تحقيق دوليّ محايد (مع أنّ هذا في حدّ ذاته لم يكن ليشكّل ضمانة لنزاهة التحقيق). ونشب خلاف سياسيّ حادّ حول مَن سيقود التحقيق اللبنانيّ، انتهى بتعيين المرشَّح الرابع في القائمة، القاضي فادي صوان. وحتّى الآن لم يتمّ استدعاء أيّ من كبار المسؤولين لاستجوابه في التحقيق. وقد أمر صوان بإلقاء القبض على المدير العامّ للجمارك بدري ضاهر، ولكنّه سمح "باحتجازه" في مقرّ عمله الرئيسيّ الذي لا يوجد به مركز احتجاز أصلاً. ولم يوقّع الرئيس ميشال عون على مرسوم صادر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب يقضي بإعفاء ضاهر من مهامّ منصبه. وفي 10 أيلول/سبتمبر الجاري، اندلع حريق ضخم في المرفأ يُقال أنّه دمَّر سجلّات مصلحة الجمارك، وربّما الأدلّة أيضاً.

بيد أنّه بغضّ النظر عمّا قد يحدث، فمن المرجَّح على ما يبدو أنّ وجود قدر هائل من انعدام الكفاءة، والشطط في استعمال السلطة المستشري بعمق، والتدخّل السياسيّ، وربّما الفساد المتفشّي على المستويات العليا، كان شرطاً ضروريّاً، وإنْ كان ذلك غير كاف تقريباً في ظلّ سلسلة الأحداث التي أدّت إلى الانفجار. وهذا من شأنه أنْ يضع البيئة المؤسَّسيّة المتهالكة والفاسدة في المرفأ، بجانب ثلاثة عقود من المشاحنات السياسيّة التي أدّت إلى ذلك، في محور كلتا المحاولتَين الراميتَين إلى كشف الحقيقة وضمان عدم حدوث مثل هذه الكوارث مرّة أخرى.

"الابن غير الشرعيّ للدولة" منذ 30 عاماً

يرجع الإطار المؤسَّسيّ الحاليّ للمرفأ إلى 30 عاماً، حين شهدت البلاد الجولات الأخيرة من حربها الأهليّة الشرسة. ومنذ عام 1960 وحتّى عام 1990، كان المرفأ يدار بموجب امتياز خاصّ مُنح لشركة مساهمة اسمها "شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت" (Compagnie d’Exploitation et de Gestion du Port du Beyrouth أو 17CEGPB . وكان من بين المساهمين فيها بعض أكثر رجال الأعمال والمصرفيّين ثراءً في البلاد، ومنهم هنري فرعون، وسامي مارون، والإخوة بدوي، وعائلة البلتاجي، وجميعهم ينتمون إلى الطائفة المسيحيّة المارونيّة، ويرتبطون ارتباطاً وثيقاً بزعمائها السياسيّين، ويدعمهم رأس المال الفرنسيّ.18فواز طرابلسي، "الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان"، دار الساقي، (مؤسسة هنرش بل الألمانية)، راجع الصفحات 33 و81، https://bit.ly/3mndSnz وفي أثناء الحرب، كانت "القوّات اللبنانيّة" بقيادة سمير جعجع تمارس سيطرتها الفعليّة على جزء كبير من المرفأ، وكانت تدير حوضه الخامس.19الصندوق الوطنيّ في المنطقة الشرقيّة، "المرافِئ غير الشرعيّة"، الأرشيف الصحفيّ لجريدة "النهار"، 25 آب/أغسطس 1993. وقد أمدَّ ذلك تلك المنظومة العسكريّة بمصدر قوّة بالغ الأهمّيّة في ظلّ اقتصاد حرب ازدهر اعتماداً على التهريب والاتجار بالأسلحة والترويج للمخدِّرات، ممّا ساعد على تمويل جهود الحرب وأسهم في ثراء مجموعة مختارة من أمراء الحرب.20إليزابيث بيكار، "الاقتصاد السياسي للحرب الأهلية في لبنان"، في: ستيفن هايديمان (محرر)، "الحرب والمؤسسات والتغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط"، (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2000)، راجع صفحات 292-324. Hélène Sallon and Laure Stephan, “Liban La Troisieme mort du port de Beyrouth,” Le Monde, 6-7 September 2020, https://www.lemonde.fr/international/article/2020/09/04/liban-la-troisieme-mort-du-port-de-beyrouth_6050972_3210.html. ومع امتداد أمَدِ الصراع، أقحم أمراء الحرب الذين ينتمون إلى طوائف أخرى، والذين انهمكوا بنفس القدر في اقتصاد الحرب في البلاد، رجالَهم في مجلس إدارة "شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت"، وشيّدوا 25 مرفأً غيرَ قانونيّ على طول سواحل لبنان التي يبلغ طولها 225 كيلومتراً، يُستخدم كلّ منها لإمدادات الأسلحة الخاصّة بهم والأنشطة التجاريّة غير المشروعة.21CIA, Lebanon’s Ports: Gateways for Instability and Terrorism, (CIA Declassified, February 1987), https://bit.ly/2RwsLFH. جوناثان مارشال، "الرابطة اللبنانية: الفساد والحرب الأهلية والاتجار الدولي بالمخدرات"، (مطبعة جامعة ستانفورد، 2012)، راجع الصفحات 81 و83-85 و90.

في أعقاب اتّفاق الطائف أواخر عام 1989 وبمساعدة قوى خارجيّة، من بينها سوريا، اجتمع نفس أمراء الحرب هؤلاء مع قادة العائلات السياسيّة التقليديّة في لبنان (الزعماء)، ونخبة جديدة صاعدة من رجال الأعمال اللبنانيّين (الذين أُطلق عليهم "المتعهّدين البرجوازيّين")22هانيس بومان، "رفيق الحريري المواطن: إعادة تشكيل النيوليبرالية في لبنان"، (هيرست أند كومباني، مطبعة جامعة أكسفورد، 2016)، راجع الصفحات 13 و23-24. ، للعمل على تنفيذ ترتيب سياسيّ من شأنه أنْ ينتشل البلاد من براثن الحرب. ومع أنّ اهتمامهم الرئيسيّ كان مُنصبّاً على الأمور السياسيّة رفيعة المستوى المتمثّلة في تعديل دستور البلاد، كانت واحدة من المهام العمليّة المطروحة ذات الأولويّة هي إيجاد خلفاً لـ"شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت" التي أوشكت مدّة امتيازها طيلة ثلاثين عاماً على الانتهاء في 31 كانون الأوّل/ديسمبر عام 1990. طالب المساهمون الرئيسيّون الأصليّون في الشركة بتجديد الامتياز، بوصفه شكلاً من أشكال التعويض عن الأضرار التي زعموا أنّهم تكبَّدوها أثناء الحرب.23ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 91. في البداية انضمّ جعجع إلى المساعي التي تبذلها الشركة لتجديد الامتياز، ولكنّه تصادَم مع منافسه إيلي حبيقة، وهو أيضاً أحد القادة السابقين في ميليشيا "القوّات اللبنانيّة" خلال الحرب الأهليّة، وقد أصبح آنذاك وزيراً في الحكومة، وبدأ بدعم سوريّ تقويض مساعي جعجع إلى السلطة في مرحلة ما بعد اتّفاق الطائف. أصر حبيقة على تنفيذ مخطّطه من خلال تعيين مندوب في "مجلس مؤقّت" أُنشِئ على عجل ليمثّل مجلس إدارة "شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت" الذي حُلَّ رسميّاً. ولكنْ حين اشتَبَه أمراء الحرب الآخرون في أنّ حبيقة يحاول السيطرة على المرفأ، طالبوا بوجوب إضفاء الصبغة القانونيّة الكاملة على موانئهم على أساس "تعزيز التنمية الإقليميّة" و"اللامركزيّة الاقتصاديّة"؛24المصدر نفسه، ص 189. وهي أهداف نبيلة بمثابة قناع رقيق لإخفاء جشعهم الممزوج بالمنافسة الطائفيّة.

شكّل ذلك عقبة أمام رئيس الوزراء آنذاك، عمر كرامي الذي أعلن مع الجيش اللبنانيّ والسوريّين أنّ حلّ جميع الميليشيات يُعَدّ أولويّة بالنسبة لحكومته، بالإضافة إلى إغلاق الموانئ غير القانونيّة التي تُسيطر عليها الميليشيات والتي تنتشر على طول الساحل. بالرغم من فشل محاولة حبيقة السيطرة على مرفأ بيروت، اصطفت آنذاك الطبقة السياسيّة التجاريّة بأكملها في مرحلة ما بعد اتّفاق الطائف للمطالبة بنصيبها من مرفأ بيروت. ونتيجة لهذا، كان من المفترض أنْ يصبح مرفأ بيروت مثار خلاف كبير في ظلّ صراع حثيث دام لعقود من الزمان على موارد البلاد والإيرادات العامّة وفرص الاستثمار، من خلال تقسيم هذه الموارد بين الطبقة التجاريّة السياسيّة في البلاد. إذ يرجع الفضل للمصطلحات السياسيّة اللبنانيّة لصياغتها تعبير "المُحاصَصَة" (التخصيص الطائفيّ).

مع عودة مرفأ بيروت فعليّاً إلى الدولة، تحوّلت المشاحنات السياسيّة إلى التساؤل حول الكيفيّة التي يتعيَّن بها دمج إدارته في القطاع العامّ، وبالتالي ما هي الوزارة التي يجب منحها السلطة أو المخولة بـ"الإشراف" على المرفأ. وبينما تنافس العديد من الوزراء، المتحالفين مع زعماء سياسيّين رئيسيّين وأمراء حرب سابقين، على المطالبة بالسلطة المطلقة، لم يكن من الممكن التوصل إلى اتّفاق. وحين وصل الراحل رفيق الحريري إلى منصب رئيس الوزراء عام 1993، أضيف إلى المزيج عنصرٌ فاعل رئيسيّ آخر، الأمر الذي أدّى إلى المزيد من التأخير في تسوية وضع المرفأ. إذ لم يكن سرّاً أنّ الحريري كان لديه طموحاته الخاصّة بشأن المرفأ، الذي عدَّه مصدر قوّة أساسيّ في رؤيته للبنان بوصفها ملاذاً للمؤسَّسات والتجارة الخاصّة. ونظراً لثروته الهائلة، فقد توفّرت لديه أيضاً الموارد اللازمة لمواجهة التحدّي المتمثّل في خصخصة المرفأ. بيد أنّه كان من المتوقّع أنْ يُبدي أعضاء الطبقة السياسيّة الآخرون الأقلّ ثراءً مقاومة للخصخصة بشروط الحريري لأنّها تُهدِّد بإقصائهم. وحتّى ذلك الوقت، اتّفقت حكومة الحريري ببساطة على ألّا تتّفق حين يتعلّق الأمر بوضع المرفأ وإدارته. وفي آذار/مارس عام 1993 أُنشِئت هيئة مؤقّتة، وهي "اللجنة المؤقّتة"، لإدارة المرفأ قبل تحديد وضعه النهائيّ، سواء هيئة تابعة للقطاع العامّ أو إدارة تابعة للقطاع الخاصّ. وللتأكيد على أنّ كافّة الخيارات ما تزال متاحة، مُنح جميع المتنافسين وحلفائهم السياسيّين مقاعد في "اللجنة المؤقّتة". وقد ظلّ هذا الحلّ المؤّقت قائماً حتّى اليوم، وكان له عواقب وخيمة على كيفيّة إدارة المرفأ لعقود من الزمان.

كان مرفأ بيروت أوّل مؤسَّسة خضعت لنظام المحاصصة بموجب الهيئة الثلاثيّة في أعقاب اتّفاق الطائف "الترويكا" (أنْ يتولّى الرئاسة مسيحيّ مارونيّ، مقابل أنْ يكون رئيس الوزراء مسلماً سنّيّاً، ورئيس البرلمان مسلماً شيعيّاً)؛ تمهيداً لتقسيم أجهزة ومؤسَّسات الدولة بالكامل تقريباً منذ منتصف التسعينيّات فصاعداً. وهذا يعني ضمناً أنّ إدارة المرفأ أصبحت معتمدة على صراعات السلطة المتواصلة داخل الهيئة الثلاثيّة، الأمر الذي أدّى إلى إعاقة عمليّة اتّخاذ القرار الاعتياديّة والحكم الرشيد. وبما أنّ إدارة المرفأ لم تُحدَّد بعد، فقد أصبحت عمليّاً جزءاً من الدولة ولكنْ لم يُوضع إطارٌ مؤسَّسيّ لإضفاء طابعاً رسميّاً على وضعها. ولقد أفضى ذلك فعليّاً إلى حدوث فراغ في الأمور المتعلّقة بالسلطة والتدقيق والتفتيش والشفافيّة والمساءلة، في الوقت الذي أصبح فيه المرفأ جزءاً أساسيّاً من البنية التحتيّة للدولة وعنصراً رئيسيّاً في اقتصاد البلاد. وبحلول عام 2019، كان المرفأ يستقبل سنويّاً أكثر من 70% من واردات البلاد، ويجمع ما يقرب من 1.2 إلى 1.4 مليار دولار أميركيّ من الرسوم الجمركيّة (أو نحو 10% من إجمالي إيرادات الدولة)، وما بين 200 إلى 230 مليون دولار أميركيّ من عائدات رسوم المناوَلة.25Le Commerce du Levant, 12 August 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/30004-la-vie-reprend-timidement-ses-droits-au-port-de-beyrouth; Le Monde, 6-7 September 2020. بالإضافة إلى ذلك، وظّف المرفأ 450 شخصاً يعملون في "اللجنة المؤقّتة"، واستضاف أكثر من 600 شركة خاصّة يعمل بها آلاف آخرون. ولقد دفع هذا الوضع صحيفة "الديار" اللبنانيّة إلى وصف مرفأ بيروت بحقّ بأنّه "الابن غير الشرعيّ للدولة"،26ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 95. لأنّ الطبقة السياسيّة فشلت باستمرار في تسوية وضعه.27للاطلاع على مناقشة أكثر تفصيلاً، انظر: المصدر نفسه، ص 90-95.

من عجيب المفارقات أنّ القوّة الاقتصاديّة والماليّة التي يتمتّع بها المرفأ سمحت لوزراء الأشغال العامّة والنقل المتعاقبين ورؤساء "اللجنة المؤقّتة" التي تُدير المرفأ بتجاهل المخاوف بشأن وضع المرفأ الفوضويّ، بل وحتّى تصوير ذلك بوصفه سبباً لنجاحه. ففي عام 2013، قال غازي العريضي، وزير الأشغال العامّة والنقل السابق وعضو الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ الذي يتزعّمه وليد جنبلاط: "إنّ نجاح المرفأ يُعزَى إلى الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ، وهو ما يجعل العمل فيه يسير على أحسن وجه".28Le Commerce du Levant, 27 June 2013, https://www.lecommercedulevant.com/article/22219-la-gestion-du-port-de-beyrouth-du-provisoire-qui-dure وقبل ما يقرب من عقد من الزمان، علَّق حسن قريطم، رئيس "اللجنة المؤقّتة" لإدارة المرفأ، وهو أحد المقرَّبين من الحريري، قائلاً: "من موقعي هذا، أسعى إلى تعظيم فرص الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ: فأنا أحاول أنْ أفكّر في المرفأ بوصفه شركة خاصّة تابعة للدولة".29ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 195. وقد صار يستهان بدرجة كبيرة بضرورة حلّ الفوضى المؤسَّسيّة التي يُعاني منها المرفأ مع استمرار نموّ إيراداته وأهمّيّته الاقتصاديّة، ولا سِيَّما أنّ الحرب في سوريا المجاورة التي اندلعت منذ عام 2012 تعني المزيد من الأعمال التجاريّة لمرفأ بيروت،30The World Bank, Lebanon Economic Monitor, Spring 2015, p. 24, https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/21761/958590WP00PUBL0431B0LEM0Spring02015.pdf; Le Commerce du Levant, 27 June 2013. وبالتبعيّة المزيد من المكاسب للطبقة السياسيّة التجاريّة في لبنان. وقد كان ذلك الشعور بالرضا عن الذات سبباً في تعزيز الرغبة في ترك الأمور في المرفأ على ما هي عليه. ففي النهاية، لماذا قد تُقدِم على إصلاح الشيء إنْ لم يكن مكسوراً.

فوضَى وفساد إداريَّان

غير أنّ إدارة المرفأ قد انهارَت، وذلك لكونها ليست جهة حكوميّة تابعة للدولة ولا هي شركة خاصّة. وقد خلقَت بنيتها الإداريّة المضطربة بيئةً ازدهرت فيها التدخّلات السياسيّة وتفكّك السلطة والعجز السياسيّ والفساد، مدّةَ ثلاثين عاماً. طوال معظم سنوات التسعينيّات من القرن الماضي، احتفظَت "اللجنة المؤقّتة" للمرفأ بحسابها المصرفيّ الخاصّ، رغم كونها جزءاً جوهريّاً من الدولة، ولم يكن متاحاً لأحدٍ سوى أعضاء "اللجنة" الوصولُ إلى ذلك الحساب. استمرّت عائداتُها الضخمة في التدفّق بشكلٍ جزئيّ فقط إلى خزانة الدولة التي كانت تعاني ضائقةً ماليّة، ومرّت سنوات لم يتمّ خلالها إيداعُ أيٍّ من دخلها فيها.31وَفقاً لآلان بيفاني، المدير العامّ السابق لوزارة الماليّة، كما وَرَد في عددَي 6-7 أيلول/سبتمبر من صحيفة لوموند Le Monde الفرنسيّة. ومّما فاقَمَ افتقارها إلى الشفافيّة أنّ هيئات الرقابة في الدولة -ديوان المحاسبة، وهيئة التفتيش المركزيّ، ومجلس الخدمة المدنيّة- تغاضَت عن المرفأ، لمجرّد أنّه لم يُدرَج في قائمة جرد أجهزة الدولة لفحصها وإخضاعها للرقابة.

ظلّ موظّفو المرفأ خاضعين للقانون الخاصّ، حتّى وهم يتلقّون رواتبهم من الموارد العامّة. جرَت، من حينٍ لآخَر، عمليّات تدقيق لسجلّات "اللجنة المؤقّتة" من قِبَل شركة خاصّة، ولكنّ نتائج التدقيق لم تكشف إلّا لأعضاء "اللجنة".32المصدر نفسه. في المداولات الداخليّة "للجنة"، كان يتمّ -وبشكلٍ منهجيّ- تجاهُل العديد من الشكاوى المتعلّقة بالاختلاس والمخالَفات الإداريّة. وواصَل بعضُ أعضاء "اللجنة" وموظّفي المرفأ أنشطتَهم في القطاع الخاصّ المتّصلة بالشؤون البحريّة، علانيَةً، في انتهاكِ لقانون الخدمة العامّة اللبنانيّ. فقد تغاضى رؤساؤهم السياسيّون عن تلك الممارسات، وكانوا بالفعل حريصين على إدراج "رجالِهم" ضمن قائمة أعضاء "اللجنة"، لا سِيَّما بسبب حصصهم في عالم الشحن. وقد وجدت دراسة نُشِرت في العام 2019 أنّ 17 شركة من أصل 21 شركة خطوط ملاحيّة كبرى في لبنان كانت لها "ارتباطات سياسيّة".33يُعرَّف مفهوم "الارتباط السياسيّ" بأنْ تكون لدى الشركات صلة واضحة وصريحة (من خلال أعضاء مجلس إدارتها أو مديريها أو المساهمين فيها) بمَن هم في السلطة السياسيّة. انظر: Ishac Diwan and Jamal Ibrahim Haidar, “Clientelism, Cronyism and Job Creation in Lebanon,” in: Adeel Malik, Adeel Malik and Izak Atiyas (eds), Crony Capitalism in the Middle East: Business and Politics from Liberalization to the Arab Spring, (Oxford University Press, 2019), p. 134. في هذا السياق من تضارُب المصالح والمحسوبيّة عميقَي الجذور، كان يجري تعيين أو فصل أعضاء "اللجنة المؤقّتة" وموظّفي المرفأ تبعاً للأهواء والرغبات، اعتماداً على مناوَرات ومقايَضات متواصلة على أعلى المستويات السياسيّة.

وتحديداً بسبب المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها الأمر، ظلّت السلطة السياسيّة، أو "الرقابة" الوزاريّة الرسميّة، على المرفأ وعمليّاته موضعَ خِلافٍ ونزاع. فقد "أشرفت" وزارة الأشغال العامّة والنقل على المرفأ، ولكنّها لم تمتلك السلطة الحقيقيّة اللازمة لفرض سيطرة فعّالة عليه. واجهت تعامُلات المرفأ مع القطاع الخاصّ مشكلاتٍ قانونيّة، وذلك لافتقارها إلى سلطات قانونيّة واضحة لا تمتلك حقّ ممارستها سوى هيئة حكوميّة كاملة الأهليّة. ولأنّ المرفأ لم يظهر في أيّ مخطَّط تنظيميّ ينصّ على السلطات السياسيّة والإداريّة المنوط بها الإشراف عليه، فإنّ تعامُلاته مع الكيانات الأخرى في الدولة -كمصلحة الجمارك والأجهزة الأمنيّة والوزارات- قد تُرِكَت لتقديرات وأهواء السياسيّين والمسؤولين المعنيّين به. أدّى غموض وضع المرفأ قانونيّاً إلى إرباك القضاة المكلَّفين بالتدخّل في النزاعات القانونيّة المتّصلة به، وقد دفعهم هذا في كثير من الأحيان إلى إعلان افتقارِهم إلى السلطة القضائيّة أو إلى تمرير قضايا المرفأ المعقّدة، دونما نهاية، إلى فروع قضائيّة أخرى أو إلى أجهزة أخرى في الدولة. حتّى في بعض القضايا التي اتّخذ القضاة موقفاً فيها (وكانوا غالباً من القضاة في "قضاء الأمور المستعجلة" المسؤولين عن التنفيذ العاجل لقرارات المحاكم)، تجاهل مسؤولو المرفأ المدعومون سياسيّاً الحكم أو قاموا بنقضه.34ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 39-40.

نظراً لتفكّك بيئته المؤسَّسيّة وإثارتها للجدل وغموضها، انتشرت فضائح الفساد في أرجاء المرفأ، فقد جعلت تلك البيئة الفرصةَ سانحةً أمام الاستغلال وسوء الإدارة، مع انتشار الغموض للتستّر على ذلك الفساد. تعرَّضت للاحتيال شركةٌ بريطانيّة خاصّة تُدعى "سار-موليم" (Sar-Mowlem)، كانت قد تعاقدت مع المرفأ لرفع حطام السفن في تسعينيّات القرن الماضي؛ إذ حصلَت شركة لبنانيّة منافسة، لها صلات بمسؤولي المرفأ، على المال مقابل أعمال قامت بها الشركة الأجنبيّة بالفعل، وذلك بعد استخدام الشركة الأجنبيّة معدّات ثقيلة باهظة الثمن جلبتها إلى المرفأ.35المصدر نفسه، ص 37-40. وهناك مزاعم بتلقّي عمّال المرفأ رِشىً من الشركات، لا لمجرّد تسريع تفريغ حمولاتهم، ولكنْ أيضاً لتعمّد إبطاء تفريغ حمولات وبضائع الشركات المنافسة.36المصدر نفسه، ص 40. في عام 1993 زعَم وزير النقل عمر مسقاوي أنّ 3 ملايين دولار من أموال المرفأ قد "اختفت" وجرَى تبديدها.37المصدر نفسه، ص 41. وبعد ثلاثة أعوام، اتّهم مسقاوي "اللجنة المؤقّتة" بتعمّد ترك معدّات المرفأ وموظّفيه عاطلين عن العمل، مع استمرارها في تأجير الرافعات والقوى العاملة من الشركات الخاصّة، ودفع ملايين الدولات لهم في المقابل.38المصدر نفسه، ص 41. في العام 2003 جرى التعاقُد مع شركة أجنبيّة أخرى، هي هيئة موانئ دبيّ DPA، لتشغيل محطّة حاويات حديثة البناء. لكنْ سرعان ما انسحبت الشركة، إذ قِيل إنّها واجهت محاولات ابتزاز من قِبَل شركات لبنانيّة ذات ارتباطات بسياسيّين ومدعومة من أعضاء في "اللجنة المؤقّتة".39المصدر نفسه، ص 41-42. ووَفقاً لأركان السبلاني، مدير المشروع الإقليميّ في برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ، فإنّ الشركات ذات الارتباطات السياسيّة التي جرَى التعاقد معها من أجل أعمال الصيانة، يتمّ محاسبتها بسخاء مفرِط أو يُدفَع لها أموال نظير مشاريع وهميّة تماماً.40Le Monde, 6-7 September 2020. وفي العام 2013، زعم وزير الأشغال العامّة والنقل غازي العريضي -في تصريحٍ يناقض فيه تقييمه المتفائل لكفاءة المرفأ- أنّ حجمَ الفساد في المرفأ يصل إلى "مليار دولار" سنويّاً.41مع ذلك، يبدو أنّ زعم العريضي يشمل الاحتيالات الضريبيّة في الجمارك، وهي احتيالات لا تلعب "اللجنة المؤقّتة" دوراً مباشراً فيها. انظر: Le Commerce du Levant, 27 June 2013, https://www.lecommercedulevant.com/article/22217-corruption-une-pratique-qui-perdure. غير أنّ ما كشفَ عنه العريضي شكّك فيه حسن الجارودي، رئيس نقابة الوكلاء البحريّين في لبنان، الذي يرى أنّ حجمَ الفساد في تقديره لا يمكن أنْ يتجاوز 300 مليون دولار أميركيّ.42المصدر نفسه. فيما يُعتقَد أنّ هيئات أخرى في الدولة لها حضور في المرفأ وتعامُلات مع "اللجنة المؤقّتة" ينخرها الفساد بشكلٍ منفصل، ومنها مصلحة الجمارك والقوّات الأمنيّة والقضاء.

نزاع حول خصخصة المرفأ

ربّما لم يكن أحدٌ يقصد ابتداءً تركُ المرفأ في حالةٍ من الإهمال والفراغ المؤسَّسيّ والقانونيّ. إلّا أنّه على مدار 30 عاماً لم تنجح الطبقة السياسيّة الممزّقة بشكلٍ سيّئٍ للغاية في التوافق على توضيح وضع المرفأ [قانونيّاً]، ممّا جعل وضعه يتسبّب في فوضى وتشويش لدى إدارة المرفأ "المؤقّتة" والمختلّة. تمركز الخلاف السياسيّ الحادّ بشكلٍ أساسيّ حول العديد من مقترحات ومحاولات خصخصة المرفأ. فقد عقدَ رفيق الحريري آمالاً كبيرة على أنّ الأمر لم يكن سوى مسألة وقت حتّى تسود رؤيته حول الاقتصاد الليبراليّ؛ وذلك تماماً مثلما نجح في نقل ملكيّة وسط مدينة بيروت إلى شركة "سوليدير" Solidere، وهي شركة مساهمة خاصّة أسّسها الحريري. غير أنّه واجه مقاومةً شرسة في المرفأ من طرف خصومه السياسيّين الذين لم يكن لديهم النفوذ الماليّ الكافي لتلبية متطلّبات رأس المال من أجل المشاركة في عمليّة الخصخصة، أو الذين كانوا عازمين على حرمان الحريري من الحصول على مشروع آخر ذي ربح غير متوقّع. كان لدى الآخرين صلات قويّة بعددٍ من الشركات المستفيدة من الاستعانة بمصادر خارجيّة في المرفأ (تعاقُد من الباطن outsourcing) من أجل مهامّ النقل والدعم اللوجيستيّ؛ ومن ثَمّ لم يرحّبوا بأيّ تغييرات يمكنها المساس بتدفّق أرباحهم الثابت. واجهَت مقترحات الخصخصة، مراراً وتكراراً، رفضاً قاطعاً في الحكومات الائتلافيّة صعبة المراس التي قادها رفيق الحريري.

ردّاً على هذا، اتّبع الحريري نهجاً تدريجيّاً، وبدأ في خطط خصخصة جزئيّة، من قبيل الاستعانة بمصادر خارجيّة مؤقّتة في محطّة الحاويات الرئيسيّة للمرفأ في العام 2002. بعد مناقصة عُقِدت في 2004، تمّ التعاقُد مع شركة محاصّة أجنبيّة، لكنّها واجهت تحدّيات هائلة أثارتها شركات لبنانيّة منافِسة طعنَت في عدالة المناقصة، وطالبَت بتعويضات عن خسارة تلك الأعمال التي زعموا أنّها كانت من حقّهم.43ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 193-195. بعد مفاوضاتٍ عسيرة كما يبدو مع "اللجنة المؤقّتة"، وافقت شركة المحاصّة الأجنبيّة على تسجيل اتّحاد شراكة جديد للعقد الذي حصلت عليه بالفعل، وكان الاتّحاد باسم "اتّحاد محطّة حاويات بيروت" (Beirut Container Terminal Consortium). في هذه المرّة كان من المؤكّد أنّ الاتّحاد سيضمّ "مستثمرين لبنانيّين".44Hassan Kraytem, “Presentation at the EU-Sponsored Euromed Transport Project,” Marseilles, 7-8 July 2005. ووَفقاً لتقارير، فإنّ كبير محاميّي الاتّحاد هو ريمون عريجي (أو روني، اختصاراً)، وهو وزير سابق وعضو في "تيّار المَرَدَة" برئاسة سليمان فرنجيّة ومن أصدقاء طفولته.45في عام 2006، تحوّلت ميليشيا المَرَدَة إلى حزبٍ سياسيّ. وفرنجيّة هو سياسيّ مارونيّ مؤيّد لتنظيم "حزب الله" والنظام السوريّ، من مدينة زغرتا في الشمال اللبنانيّ. انظر: Sunniva Rose, “‘Exactly Like the Mafia’: Tangled Inner Workings of Beirut Port could trip up rebuilding Effort,” The National, 6 September 2020, https://bit.ly/2RvQR3t. بعد تأسيس "اتّحاد محطّة حاويات بيروت"، تمّ إسقاط دعاوى التعويضات للشركات اللبنانيّة، وتوقّف فجأةً اتّحاد عمّال المرفأ، الذي تغلغلت فيه الطبقة السياسيّة بصورة متساوية، عن الحشد لهذه القضيّة. مع ذلك، ظلّت "اللجنة المؤقّتة" في تلك الأثناء في مكانها، مثلما ظلّ البناء المؤسَّسيّ المتهالِك للمرفأ.

يبدو أنّ الاتّفاق الذي ضمّ "اتّحاد محطّة حاويات بيروت" قد أعاد بعض الهدوء إلى المرفأ. غير أنّ الخصومات قد ثارت من جديد حين أطلَقت "اللجنة المؤقّتة" في العام 2015، في ظلّ رئاسة حسن قريطم، خطّة لتوسيع محطّة حاويات المرفأ. كانت الخطّة تتيح سعةً أكبر لتفريغ وتخزين البضائع المشحونة بالحاويات لتحلّ مَحلّ البضائع العامّة التي يتمّ الآن تداولها يدويّاً وتُنقَل إلى وجهاتِها بواسطة شاحنات البضائع التقليديّة.46Jeremy Arbid, “Lebanon’s Christians are opposing the expansion of Beirut Port – for unclear reasons,” Executive, 12 May 2015, https://www.executive-magazine.com/economics-policy/beirut-port-holy-waters. واجهَت الخطّة معارَضة شرسة من التجّار الذين كان معظمهم مسيحيّين موارنة، ومن مفرِّغي الحاويات وسائقي الشاحنات الذين كانوا على وشك فقدان أعمالهم لصالح شركات الحاويات. بدأ العمّال الإضراب، مدعومين من قِبَل الأحزاب السياسيّة المارونيّة، ومنها "التيّار الوطنيّ الحرّ" بزعامة ميشال عون وجبران باسيل. بل إنّ البطريركيّة المارونيّة في "بكركي" تدخّلت لإيقاف تنفيذ الخطّة على أرض الواقع؛47Jeremy Arbid, “The Growing Battle over the Port of Beirut’s Future,” Executive, 23 July 2015, https://www.executive-magazine.com/economics-policy/church-and-state. وكانت إحدى حججها ضدّ الخطّة أنّ "اللجنة المؤقّتة" لم تكن كياناً قانونيّاً، وأنّها بهذا الشكل ليست لديها السلطة لتوسيع مرافق المرفأ. ومِن ثَمّ لم ينتج عن الخطّة شيء. وانتهى عقد محطّة الحاويات نفسه رسميّاً في نيسان/أبريل من العام الجاري، ليتأكّد انطلاق جولة جديدة في الصراع اللانهائيّ على المرفأ وأصوله.48Le Commerce du Levant, 28 February 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/29677-appel-doffres-sur-la-gestion-du-terminal-du-port-de-beyrouth. وقد تمّ تأجيل الدعوة إلى تقديم مناقصات حتّى نهاية العام الجاري.

تنظيم "حزب الله" والمرفأ

لمّا كانت الفصائل السياسيّة للبنان تسير بخطى ثقيلة تمشّياً مع "اللجنة المؤقّتة"، انضمّت إليهم على نحو متزايد رفقةٌ من تنظيم "حزب الله". وثَمّة غموض حول التفاصيل المتعلّقة بكيفيّة انخراط التنظيم في المرفأ، وحول نطاق هذا الانخراط وأسبابه أيضاً. يمكن القول إنّ تنظيم "حزب الله" شقّ طريقه عنوةً نحو المرفأ؛ وتحديداً لأنّه لم يكن هناك أحدٌ قادراً أو عازماً على إيقافه، في ظلّ التشرذم السياسيّ وتفكّك سلطات "اللجنة المؤقّتة". المثير للاهتمام أنّ تنظيم "حزب الله" ليس لديه خبرة سابقة في الشؤون البحريّة. خلال الحرب الأهليّة، وصف تقرير رُفعت عنه السرّيّة لوكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة (CIA)، بأنّه "المجموعة الرئيسيّة الوحيدة من السكّان الأصليّين، التي ليس لديها منفذ إلى البحر".49وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة (CIA)، المصدر السالف الذكر، ص iv. غير أنّه منذ تسعينيّات القرن الماضي، نما الدور الذي يضطلع به تنظيم "حزب الله" في مرفأ بيروت عبر علاقاته مع القادة السياسيّين والأحزاب المُمثَّلة في "اللجنة المؤقّتة"، مثل "حركة أمل" التي يتزعّمها نبيه بِرّي، إضافة إلى "التيّار الوطنيّ الحرّ" بدءاً من عام 2005 وما تلاه. ولديه أيضاً روابط قويّة مع وزراء رئيسيّين ذوي نفوذ على المرفأ. شغل يوسف فينيانوس منصب وزير الأشغال العامّة والنقل في لبنان بين عام 2016 وكانون الثاني/يناير 2020، وقد فرضت عليه حكومة الولايات المتّحدة عقوبات في 8 أَيلول/سبتمبر لاتهامه بـ"تمكين (تنظيم) حزب الله" والزعم بأنّه استفاد من الفساد الذي يتورّط فيه التنظيم.50U.S. Department of the Treasury, “Treasury Targets Hizballah’s Enablers in Lebanon,” 8 September 2020, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm1116. Finyanus is from the Marada party. كان تنظيم "حزب الله" نشطاً للغاية في نقابات المرفأ، التي احتشدت في أكثر من مناسبة للتصدّي لخطط الخصخصة التي هدّدت المصالح التجاريّة لحلفاء التنظيم. وبحسب رياض القبيسي، وهو صحفيّ استقصائيّ لدى قناة "الجديد"، نجح التنظيم أيضاً في اختراق مصلحة الجمارك والقوّات الأمنيّة في المرفأ، ولا سِيَّما مع بداية العقد الثاني من القرن الحاليّ.51رياض قبيسي يفجّر قنبلة مدوّية: "حزب الله" وراء إدخال شحنة الأمونيوم إلى مرفأ بيروت https://www.facebook.com/watch/?v=305739497315913. أثار هذا شائعات بأنّ التنظيم استخدم المرفأ لتهريب الأسلحة والتجارة غير المشروعة للمساعدة في تمويل نفسه، مع أنّه يمكن افتراض أنّ عمل مفتّشي المرفأ من فرقة العمل البحريّة التابعة لليونيفيل يصعّب مثل هذه الاحتماليّة.52تُكلَّف قوّة اليونيفيل البحريّة بـ"منع دخول الأسلحة غير المصرّح بها أو الموادّ ذات الصلة إلى لبنان عن طريق البحر". وتقول على موقعها إنّها منذ بدئها في تشرين الأوّل/أكتوبر 2006، أحالت 14,381 سفينة إلى السلطات اللبنانيّة "لمزيد من التفتيش" في البحر أو البرّ. موقع قوّة اليونيفيل البحريّة، 8 أيلول/سبتمبر 2019. https://unifil.unmissions.org/ar/%D9%82%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%81%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9. صودرت في المرفأ كميات كبيرة من القنب، التي زرعت في مناطق يسيطر عليها تنظيم "حزب الله"، وكان أحدثها في أبريل/نيسان 2020.53The National, 10 April 2020, https://www.thenational.ae/world/lebanon-makes-largest-ever-cannabis-drug-seizure-1.1004345; Al Arabiyya News, 10 July 2014, https://english.alarabiya.net/en/News/middle-east/2014/07/10/Lebanon. يبدو أنّ هذه المصادرة أكّدت على الاستخدام المزعوم للمرفأ في التجارة غير المشروعة من جانب تنظيم "حزب الله". برغم أنّ حقيقة ضبط مخابئ المخدِّرات يمكن أنْ تشير على السواء إلى أنّ سيطرة التنظيم على المرفأ كانت محدودة، بافتراض أنّه كان مسؤولاً عن المخدِّرات في المقام الأوّل. وأيّما يكُن مدى الدور الذي يضطلع به في المرفأ وطبيعة تدخّله، فيمكن النظر إلى وجود التنظيم على أنّه إحدى عواقب السلطة المراوغة المسؤولة عن المرفأ، وأنّه فاقَم في الوقت ذاته التدخّلَ السياسيّ الكامن ورائها.

قافلة "الإصلاح" الدوليّة تجاوزت المرفأ

لم يُبالِ بدرجةٍ كبيرةٍ المانحون الأجانب والمنظّمات الدوليّة ووكالات الإغاثة بالفوضى المؤسَّسيّة المشهودة في المرفأ وأسبابها الجذريّة في المشاحنات السياسيّة والجشع. وبينما مرّ الاتّحاد الأوروبّيّ ووكالات الأمم المتّحدة والمانحون من الغرب عبر بيروت بلائحة طويلة من "الإصلاحات" من أجل الإفراج عن مساعداتهم الماليّة، ولا سِيَّما بداية من مطلع الألفيّة الجديدة، كان قليلون هم من كلّفوا أنفسهم عناء معالجة الهيكل المؤسَّسيّ المزري للمرفأ. إذ إنّ عدداً كبيراً من المؤتمرات الدوليّة المعنيّة بالمعونات لمساعدة لبنان -مؤتمر باريس 1 (عام 2000)، ومؤتمر باريس 2 (عام 2002)، ومؤتمر باريس 3 (عام 2007)، ومؤتمر سيدر (عام 2018)، واجتماعات مجموعة الدعم الدوليّة من أجل لبنان- اختصت بالذكر جميع المؤسَّسات الحكوميّة اللبنانيّة تقريباً بأنّها في حاجة إلى إصلاحات عاجلة. بيد أنّ أحداً لم يأتِ على ذِكر المرفأ. وفي مناسبة نادرة، طالب البنك الدوليّ في 2018 بـ"إصلاح الهيكل الحكوميّ للمرافئ الرئيسيّة"، ووصف إدارة مرفأ بيروت بأنّها "فريدة من نوعها".54Wissam Harake and Christos Kostopoulos, Strategic Assessment: A Capital Investment Plan for Lebanon, Investment Opportunities and Reforms, (The World Bank, 6 April 2018), p. 49, https://bit.ly/2RvxNCp وبعد عام، أوصى البنك الدوليّ بضم المرفأ إلى عمليّات الإصلاح لضمان "المحاسبة والتقارير الشفافة حول الإيرادات والتكاليف والاحتياجات الاستثماريّة".55The World Bank, Lebanon Economic Monitor, Fall 2019, p. 24, https://bit.ly/3kl5oLK. لم تُقدَّم أيّ تفاصيل أخرى ولم يُتّخذ أيّ إجراء. في تقييم أضرار الانفجار الذي تعرض له، كرَّر البنك الدوليّ نفس الخطاب مبهم الصياغة عن الإصلاحات، مضيفاً أنّ عمليّات المرفأ يجب أنْ تكون مفتوحة بدرجة أكبر للقطاع الخاصّ.56World Bank, Beirut Rapid Damage and Needs Assessment, p. 49. لا يبدو أنّ الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون أدرَج نوعاً من الإصلاح لهيئة المرفأ في "خارطة طريق الإصلاح" التي وضعها،57الأخبار 2 أيلول/سبتمبر 2020 https://al-akhbar.com/Politics/293330. حتّى عندما أعلن عن خارطة الطريق بينما كان يقف فوق ركام المرفأ خلال زيارته الثانية إلى البلاد منذ وقوع الانفجار، التي كانت في 1 أيلول/سبتمبر. ويظهر أنّه ليس هناك مطلب بإخضاع سجلّات "اللجنة المؤقّتة" لتدقيق دوليّ، مثلما هو الحال الآن مع مصرف لبنان المركزيّ.

ليست المسألة أنّ المانحين الأجانب ومنظّمات الإغاثة لم يكونوا على دراية بالفوضى التي سقطت فيها إدارة المرفأ. إذ إنّ شركتا "بورتيا بيل بورتس ليمتد" البريطانيّة (Portia Peel Ports Limited and Logistics) و"بورت مانيجمنت أمريكاز إل إل سي" الأميركيّة (Port Management Americas LLC) [وهما الشركتان اللتان تديران "الشركة المشغّلة لمحطّة الحاويات في مرفأ بيروت" (Beirut Container Terminal Consortium) التي ينبغي أنْ يكون لديها المعرفة الوثيقة بذلك] كانتا من الممكن أنْ تخبراهم، ولعلهما أخبرتاهم فعليّاً. وبالمثل، كان من الممكن للشركة البريطانيّة "سار-موليم" (Sar-Mowlem) أنْ تشارك بعضاً من خبراتها مع الفساد في المرفأ حتّى مطلع الألفيّة الجديدة. بالعودة إلى تاريخ سابق، وافق بنك الاستثمار الأوروبّيّ في عام 1993 على منح قرض للدولة اللبنانيّة لتنفيذ أعمال إصلاح في المرفأ. وفي إشارة إلى انعدام ثقة البنك في إدارة مرفأ بيروت نفسها، طالب بأنْ يتولّى "ميناء مرسيليا المستقلّ" الفرنسيّ إدارةَ أعمال الإصلاح والإشراف عليها.58Republic of Lebanon, Council for Development and Reconstruction Progress Report, January 1994, p. 23. كانت الشركات الاستشاريّة الدوليّة على دراية هي الأخرى بمشاكل الإدارة التي يعاني منها مرفأ بيروت. في عام 2000، دقّقت واحدة من هذه الشركات، وهي شركة "هاي بوينت-ريندل" (Highpoint-Rendel)، في أعمال إدارة المرفأ وسلّطت الضوء في تقريرها النهائيّ على أوجه القصور الخطيرة والشواغل المتعلّقة بإساءة استخدام السلطة، والمخالفات الرئيسيّة.59Highpoint-Rendel, Institutional Reform Study for the Port of Beirut: Final Report, (Highpoint-Rendel, 2000). من خلال اتّباع النهج النظريّ لحملة "الإصلاح" الدوليّة في العموم، أوصت بمجموعة من التغييرات الإداريّة والفنيّة، متجاهلةً الأسس السياسيّة لهذه التغييرات.

أقلّ ما يمكن أنْ يقال إنّه من المستغرب افتقار الاهتمام بالمرفأ من جانب المانحين والبنك الدوليّ. قد يتوقّع المرء على أقلّ تقدير أنّ شعار الإصلاح خاصّتهم كان سيطال إدارة المرفأ أيضاً، حتّى إنْ كان ذلك فقط بسبب الموارد الماليّة الهائلة التي يحتفظ بها في حسابه البنكيّ بينما تتعطّش جميع مؤسَّسات الدولة الأخرى بصورة منهجيّة إلى الإيرادات. ربّما يكمُن السبب المحدَّد في أنّ المرفأ موَّل عمليّاته ومشروعاته تمويلاً ذاتيّاً، ممّا جعل قافلة إصلاح منظّمات الإغاثة والمانحين تتجاوزه دون كثيرٍ من الاهتمام أو التأثير. تشير تقارير إلى أنّ المستثمرين الأجانب، ومن بينهم مجموعة فرنسيّة لبنانيّة لنقل الحاويات وشحنها، تُدعَى "سي إم إيه سي جي إم" (CMA CGM)، يتطلعون للحصول على عقد لتولّي عمليّات "الشركة المشغّلة لمحطّة الحاويات في مرفأ بيروت" (BCTC)، وربّما يريدون عدم تعرض فرصهم في هذه المساعي للخطر عن طريق تنفير "اللجنة المؤقّتة".60On CMA CGM, its Lebanese origins and current operations in the port of Beirut see: https://www.cma-cgm.com/local/lebanon. وبغضّ النظر عن السبب الكامن، من خلال تجاوز المرفأ في حملة الإصلاح التي يضطلعون بها، أتاح المانحون الدوليّون ومنظّمات الإغاثة عن غير قصد للطبقة السياسيّة-التجاريّة في لبنان بأنْ يتعاملوا مع المرفأ كما لو أنّه فناؤهم الخلفيّ، على حساب الإدارة القويّة والمسؤولة.61لعل المسؤولية الدولية تتجاوز حتى استبعاد الحوكمة السيئة للمرفأ كما وُصف هنا. فربما كانت حكومة الولايات المتحدة على علم بالكميات الكبيرة من نترات الأمونيوم التي كانت مُخزنة بإهمال في مستودع المرفأ، نظراً إلى أن أحد المتعهدين الأمريكيين العاملين مع الجيش الأمريكي عثر عليه خلال تفتيش على السلامة في المرفأ وأبلغ مسؤولي المرفأ بالأمر. صحيفة The New York Times، منشور بتاريخ 10 آب/أغسطس 2020 https://www.nytimes.com/2020/08/10/world/middleeast/beirut-explosion-us-contractor.html.

من الخراب المؤسَّسيّ والسياسيّ في المرفأ وصولاً إلى الانفجار

بكلّ تأكيد، لا يمكن لأحد أنْ يرسم خطّاً مستقيماً واحداً يربط بين الفشل المؤسَّسيّ للمرفأ والمشاحنات السياسيّة وبين الانفجار الذي وقع في 4 آب/أغسطس. بيد أنّ أيّ شيء أو أيّ شخص تسبّب في الانفجار تجاوز على الأرجح الخراب المؤسَّسيّ الذي جلبته إلى هناك 30 سنة من المشاحنات السياسيّة والغيرة والجشع. في هذه البيئة، سوف يجري تجاهل العوامل أو الأطراف الكامنون وراء الانفجار وتركها بلا تصحيح ولا اعتراض، بل وربّما استغلّت إدارة المرفأ المتداعية والمسيَّسة لتكون فرصة لها. ومن ثَمّ فإنّ وجود تحليلٍ للفشل المزمن من أجل بناء هيئة قويّة ومسؤولة وخاضعة للمساءلة لإدارة المرفأ، يتوافق مع جميع الفرضيّات والنظريّات التي اقتُرحت حتّى هذه اللحظة لتفسير السبب المحدَّد وراء الانفجار، ويكمّل هذه الفرضيّات والنظريّات بل وربّما يُعَدّ إضافة ضروريّة لها. فإذا كان انعدام الكفاءة والإهمال والجمود البيروقراطيّ هي وحسب ما سبَّبت الانفجار، فإنّ السجلّ المؤسَّسيّ المزري للمرفأ وفشل الرقابة السياسيّة والجشع ستكون هي التي هيّأت له المجال. وإذا كان اللوم يُلقى على الطبيعة الجامحة التي يقودها الجشع للقطاع البحريّ العالميّ وتجاهله لمعايير السياسة الأساسيّة، فما تزال هناك حاجة لتوضيح سبب عدم معالجة مثل هذا السلوك أو تصحيحه عن طريق إدارة المرفأ والمعينين فيه وقادتهم السياسيّين. وعلى كلّ حال، لا تعايش مرافئ العالم ومدنه الساحليّة انفجارات متكرّرة بهذا القدر، بغضّ النظر عن رأي أيّ شخص في "الشبكة العالميّة من رأس المال البحريّ والخداع القانونيّ".62Laleh Khalili, “Behind the explosion lies the lawless world of international shipping,” The Guardian, 8 August 2020, https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/aug/08/beirut-explosion-lawless-world-international-shipping-.

يتعيَّن على تحليل مماثل أنْ يكمّل مزيداً من الفرضيّات الشريرة، بما فيها فرضيّة أنْ يكون لتنظيم "حزب الله" يد في الحصول على نترات الأمونيوم أو الاحتفاظ بها في مستودع المرفأ، أو شروع إسرائيل في إحدى عمليّاتها السرّيّة للتسبُّب في تفجيرها، أو كلا الأمرين. ليس أيّ من هذه النظريّات مدعوماً بأدلّة راسخة حتّى الآن. غير أنّها إذا ظهرت، سوف تكون منطقيّة في سياق الفوضى المنتشرة في المرفأ وهياكل السلطة الفاشلة، ممّا يمنح فرصة كبيرة لمثل هذه المخطّطات المتهوِّرة وتقديم بيئة مثاليّة لها كي تمر دون ردع أو كشف. تكثر الأسئلة التي تطرأ، في ظلّ تنازع اللبنانيّين لفهم ماذا أو من على وجه التحديد كان المسؤول عن الكارثة. لكنّ الاحتمالات، في التحليل النهائيّ، تشير إلى أنّ الفشل المؤسَّسيّ للمرفأ ونزاع وجشع الطبقة السياسيّة-التجاريّة في لبنان، هي التي هيّأت المجال أمام تفجير بيروت. فلا بدّ من تعظيم المطالبات بمغادرة هذه الطبقة: "كلّن يعني كلّن".

*يودّ الكاتب أنْ يتقدّم بالشكر لنيكولاس نصّار وستيفين هايدمان ونديم حوري وجميل معوّض على اقتراحاتهم وتعليقاتهم.

Footnotes   [ + ]

1. The Daily Star, 21 December 2019, https://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2019/Dec-21/497903-road-blocks-in-the-north-in-protest-against-diab.ashx.
2. World Bank, Beirut Rapid Damage and Needs Assessment, (World Bank in cooperation with the European Union and the United Nations, August 2020), http://documents1.worldbank.org/curated/en/650091598854062180/Beirut-Rapid-Damage-and-Needs-Assessment.pdf; Reuters, 30 August 2020, https://www.reuters.com/article/us-lebanon-crisis-blast-casualties-idUSKBN25Q08H.
3. حسب ما أفادت التقارير، فإنّ الشحنة الإضافيّة كانت عبارة عن معدّات ثقيلة للمسح السيزميّ (seismic reflection)، وكانت ستُنقل إلى الأردن، وهي مملوكة لشركة "سبيكتروم" البريطانيّة التي تعاقدت معها وزارة الطاقة اللبنانيّة برئاسة جبران باسيل في ذلك الوقت. انظر:Asia Times, 28 August 2020, https://asiatimes.com/2020/08/lebanon-probes-procurement-of-death-ship-rhosus.
4. OCCRP, A Hidden Tycoon, African Explosives, and a Loan from a Notorious Bank: Questionable Connections Surround Beirut Explosion Shipment, 21 August 2020, https://www.occrp.org/en/investigations/a-hidden-tycoon-african-explosives-and-a-loan-from-a-notorious-bank-questionable-connections-surround-beirut-explosion-shipment; Le Commerce du Levant, 31 August 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/30024-transport-et-stockage-de-matieres-dangereuses-que-dit-la-reglementation-internationale-. ذكرت التقارير أيضاً أنّ ميناء صيدا وجد أوجه قصور كثيرة في السفينة روسوس عندما دخلت المرفأ اللبنانيّ الجنوبيّ في صيف عام 2013. انظر: Asia Times, 28 August 2020.
5. The Washington Post, 11 August 2020, https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/un-sending-wheat-flour-to-lebanon-to-stabilize-food-supply-destroyed-by-blasts/2020/08/11/7c550498-db24-11ea-b4f1-25b762cdbbf4_story.html.
6. Le Commerce du Levant, 4 September 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/30030-de-larrivee-du-rhosus-a-lexplosion-du-port-chronique-dune-catastrophe-annoncee.
7. المصدر نفسه.
8. Reuters, 5 August 2020, https://www.reuters.com/article/us-lebanon-security-blast-warehouse/initial-investigations-point-to-negligence-as-cause-of-beirut-blast-source-idUSKCN2511G7.
9. OCCRP, 21 August 2020.
10. Le Commerce du Levant, 4 September 2020.
11. Reuters, 10 August 2020, https://www.reuters.com/article/us-lebanon-security-blast-documents-excl/exclusive-lebanons-leaders-were-warned-in-july-about-explosives-at-port-documents-idUSKCN2562L7.
12. المصدر نفسه.
13. National News Agency, 31 August 2020, http://nna-leb.gov.lb/en/show-news/119518/nna-leb.gov.lb/en.
14. The Washington Post, 31 August 2020, https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/beirut-blasts-probe-ammonium-nitrate/2020/08/30/d3c20ad0-e3cd-11ea-82d8-5e55d47e90ca_story.html.
15. لمن تعود ملكيّة السفينة روسوس وحمولتها الخطيرة من نترات الأمونيوم؟ هل كانت حمولتها متّجهة فعلاً إلى موزمبيق أمْ أنّها كانت في طريقها إلى عملاء آخرين؟ أيّة روابط، إنْ كان ثَمّة روابط بالفعل، تجمع بين السفينة وحمولتها وبين الشركات ومؤسَّسات الدولة والمسؤولين وربّما حتّى الجهات السياسيّة الفاعلة في لبنان؟ لماذا لم يتمّ التخلّص من الحمولة بأمان؟ كيف يمكن التوفيق بين التقارير التي تتحدّث عن نشوب حريق أدّى إلى الانفجار الأوّل في عنبر رقم 9 وبين الادّعاءات اللاحقة بأنّ الحريق نشب نتيجة التخزين غير المسؤول لنترات الأمونيوم مع موادّ قابلة للاشتعال في عنبر رقم 12؟ ما الذي كانت تعرفه قوّات حفظ السلام التابعة للأمم المتّحدة عن نترات الأمونيوم المخزّنة في المرفأ، بما أنّها تتواجد في لبنان لمراقبة الحظر الدوليّ المفروض على الأسلحة وتقوم بتفتيش المرفأ لهذا الغرض؟ وما هو الدور الذي ربّما لعبه تنظيم "حزب الله" نظراً لوجوده في منطقة المرفأ؟ لمزيد من المناقشات انظر:  Mayssoun Sukarieh, “Beirut Explosion: The Missing Lebanese Link,” Middle East Eye, 3 September 2020, https://www.middleeasteye.net/opinion/beirut-explosion-how-much-responsibility-lies-world-global-shipping.
16. رفضت الحكومة اللبنانيّة إجراءَ تحقيق دوليّ محايد (مع أنّ هذا في حدّ ذاته لم يكن ليشكّل ضمانة لنزاهة التحقيق). ونشب خلاف سياسيّ حادّ حول مَن سيقود التحقيق اللبنانيّ، انتهى بتعيين المرشَّح الرابع في القائمة، القاضي فادي صوان. وحتّى الآن لم يتمّ استدعاء أيّ من كبار المسؤولين لاستجوابه في التحقيق. وقد أمر صوان بإلقاء القبض على المدير العامّ للجمارك بدري ضاهر، ولكنّه سمح "باحتجازه" في مقرّ عمله الرئيسيّ الذي لا يوجد به مركز احتجاز أصلاً. ولم يوقّع الرئيس ميشال عون على مرسوم صادر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب يقضي بإعفاء ضاهر من مهامّ منصبه. وفي 10 أيلول/سبتمبر الجاري، اندلع حريق ضخم في المرفأ يُقال أنّه دمَّر سجلّات مصلحة الجمارك، وربّما الأدلّة أيضاً.
17. CEGPB
18. فواز طرابلسي، "الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان"، دار الساقي، (مؤسسة هنرش بل الألمانية)، راجع الصفحات 33 و81، https://bit.ly/3mndSnz
19. الصندوق الوطنيّ في المنطقة الشرقيّة، "المرافِئ غير الشرعيّة"، الأرشيف الصحفيّ لجريدة "النهار"، 25 آب/أغسطس 1993.
20. إليزابيث بيكار، "الاقتصاد السياسي للحرب الأهلية في لبنان"، في: ستيفن هايديمان (محرر)، "الحرب والمؤسسات والتغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط"، (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2000)، راجع صفحات 292-324. Hélène Sallon and Laure Stephan, “Liban La Troisieme mort du port de Beyrouth,” Le Monde, 6-7 September 2020, https://www.lemonde.fr/international/article/2020/09/04/liban-la-troisieme-mort-du-port-de-beyrouth_6050972_3210.html.
21. CIA, Lebanon’s Ports: Gateways for Instability and Terrorism, (CIA Declassified, February 1987), https://bit.ly/2RwsLFH. جوناثان مارشال، "الرابطة اللبنانية: الفساد والحرب الأهلية والاتجار الدولي بالمخدرات"، (مطبعة جامعة ستانفورد، 2012)، راجع الصفحات 81 و83-85 و90.
22. هانيس بومان، "رفيق الحريري المواطن: إعادة تشكيل النيوليبرالية في لبنان"، (هيرست أند كومباني، مطبعة جامعة أكسفورد، 2016)، راجع الصفحات 13 و23-24.
23. ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 91.
24. المصدر نفسه، ص 189.
25. Le Commerce du Levant, 12 August 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/30004-la-vie-reprend-timidement-ses-droits-au-port-de-beyrouth; Le Monde, 6-7 September 2020.
26. ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 95.
27. للاطلاع على مناقشة أكثر تفصيلاً، انظر: المصدر نفسه، ص 90-95.
28. Le Commerce du Levant, 27 June 2013, https://www.lecommercedulevant.com/article/22219-la-gestion-du-port-de-beyrouth-du-provisoire-qui-dure
29. ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 195.
30. The World Bank, Lebanon Economic Monitor, Spring 2015, p. 24, https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/21761/958590WP00PUBL0431B0LEM0Spring02015.pdf; Le Commerce du Levant, 27 June 2013.
31. وَفقاً لآلان بيفاني، المدير العامّ السابق لوزارة الماليّة، كما وَرَد في عددَي 6-7 أيلول/سبتمبر من صحيفة لوموند Le Monde الفرنسيّة.
32. المصدر نفسه.
33. يُعرَّف مفهوم "الارتباط السياسيّ" بأنْ تكون لدى الشركات صلة واضحة وصريحة (من خلال أعضاء مجلس إدارتها أو مديريها أو المساهمين فيها) بمَن هم في السلطة السياسيّة. انظر: Ishac Diwan and Jamal Ibrahim Haidar, “Clientelism, Cronyism and Job Creation in Lebanon,” in: Adeel Malik, Adeel Malik and Izak Atiyas (eds), Crony Capitalism in the Middle East: Business and Politics from Liberalization to the Arab Spring, (Oxford University Press, 2019), p. 134.
34. ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 39-40.
35. المصدر نفسه، ص 37-40.
36. المصدر نفسه، ص 40.
37. المصدر نفسه، ص 41.
38. المصدر نفسه، ص 41.
39. المصدر نفسه، ص 41-42.
40. Le Monde, 6-7 September 2020.
41. مع ذلك، يبدو أنّ زعم العريضي يشمل الاحتيالات الضريبيّة في الجمارك، وهي احتيالات لا تلعب "اللجنة المؤقّتة" دوراً مباشراً فيها. انظر: Le Commerce du Levant, 27 June 2013, https://www.lecommercedulevant.com/article/22217-corruption-une-pratique-qui-perdure.
42. المصدر نفسه.
43. ليندرز، المصدر السالف الذكر، ص 193-195.
44. Hassan Kraytem, “Presentation at the EU-Sponsored Euromed Transport Project,” Marseilles, 7-8 July 2005.
45. في عام 2006، تحوّلت ميليشيا المَرَدَة إلى حزبٍ سياسيّ. وفرنجيّة هو سياسيّ مارونيّ مؤيّد لتنظيم "حزب الله" والنظام السوريّ، من مدينة زغرتا في الشمال اللبنانيّ. انظر: Sunniva Rose, “‘Exactly Like the Mafia’: Tangled Inner Workings of Beirut Port could trip up rebuilding Effort,” The National, 6 September 2020, https://bit.ly/2RvQR3t.
46. Jeremy Arbid, “Lebanon’s Christians are opposing the expansion of Beirut Port – for unclear reasons,” Executive, 12 May 2015, https://www.executive-magazine.com/economics-policy/beirut-port-holy-waters.
47. Jeremy Arbid, “The Growing Battle over the Port of Beirut’s Future,” Executive, 23 July 2015, https://www.executive-magazine.com/economics-policy/church-and-state.
48. Le Commerce du Levant, 28 February 2020, https://www.lecommercedulevant.com/article/29677-appel-doffres-sur-la-gestion-du-terminal-du-port-de-beyrouth.
49. وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة (CIA)، المصدر السالف الذكر، ص iv.
50. U.S. Department of the Treasury, “Treasury Targets Hizballah’s Enablers in Lebanon,” 8 September 2020, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm1116. Finyanus is from the Marada party.
51. رياض قبيسي يفجّر قنبلة مدوّية: "حزب الله" وراء إدخال شحنة الأمونيوم إلى مرفأ بيروت https://www.facebook.com/watch/?v=305739497315913.
52. تُكلَّف قوّة اليونيفيل البحريّة بـ"منع دخول الأسلحة غير المصرّح بها أو الموادّ ذات الصلة إلى لبنان عن طريق البحر". وتقول على موقعها إنّها منذ بدئها في تشرين الأوّل/أكتوبر 2006، أحالت 14,381 سفينة إلى السلطات اللبنانيّة "لمزيد من التفتيش" في البحر أو البرّ. موقع قوّة اليونيفيل البحريّة، 8 أيلول/سبتمبر 2019. https://unifil.unmissions.org/ar/%D9%82%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%81%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9.
53. The National, 10 April 2020, https://www.thenational.ae/world/lebanon-makes-largest-ever-cannabis-drug-seizure-1.1004345; Al Arabiyya News, 10 July 2014, https://english.alarabiya.net/en/News/middle-east/2014/07/10/Lebanon.
54. Wissam Harake and Christos Kostopoulos, Strategic Assessment: A Capital Investment Plan for Lebanon, Investment Opportunities and Reforms, (The World Bank, 6 April 2018), p. 49, https://bit.ly/2RvxNCp
55. The World Bank, Lebanon Economic Monitor, Fall 2019, p. 24, https://bit.ly/3kl5oLK.
56. World Bank, Beirut Rapid Damage and Needs Assessment, p. 49.
57. الأخبار 2 أيلول/سبتمبر 2020 https://al-akhbar.com/Politics/293330.
58. Republic of Lebanon, Council for Development and Reconstruction Progress Report, January 1994, p. 23.
59. Highpoint-Rendel, Institutional Reform Study for the Port of Beirut: Final Report, (Highpoint-Rendel, 2000).
60. On CMA CGM, its Lebanese origins and current operations in the port of Beirut see: https://www.cma-cgm.com/local/lebanon.
61. لعل المسؤولية الدولية تتجاوز حتى استبعاد الحوكمة السيئة للمرفأ كما وُصف هنا. فربما كانت حكومة الولايات المتحدة على علم بالكميات الكبيرة من نترات الأمونيوم التي كانت مُخزنة بإهمال في مستودع المرفأ، نظراً إلى أن أحد المتعهدين الأمريكيين العاملين مع الجيش الأمريكي عثر عليه خلال تفتيش على السلامة في المرفأ وأبلغ مسؤولي المرفأ بالأمر. صحيفة The New York Times، منشور بتاريخ 10 آب/أغسطس 2020 https://www.nytimes.com/2020/08/10/world/middleeast/beirut-explosion-us-contractor.html.
62. Laleh Khalili, “Behind the explosion lies the lawless world of international shipping,” The Guardian, 8 August 2020, https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/aug/08/beirut-explosion-lawless-world-international-shipping-.