قطعة كنافة للجميع؟ مقدمة نقديّة للدخل الأساسيّ المُعمَّم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تثير جائحة كورونا الاهتمام بمفهوم الدخل الأساسيّ المُعمَّم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يكافح صنّاع السياسة وخبراء الاقتصاد لإيجاد حلول لاقتصادات في تدهور  ولسد فجوات أنظمة الحماية الاجتماعيّة. توضح هذه الورقة أصول مفهوم الدخل الأساسيّ المُعمَّم المتعددة – والمتضاربة في كثير من الأحيان – وتلقى الضوء على مؤيديه مستكشفةً تجاربه المختلفة في أنحاء العالم. كما تحاول الإجابة على السؤال الرئيسي حول إمكانية أن يكون الدخل الأساسي المُعمَّم وسيلة لتحقيق مطالب العدالة الاجتماعية في المنطقة؛ وإذا كان الأمر كذلك، هل ينبغي أن يكون مطلبا رئيسيا لأولئك الذين يطالبون بأجندة تقدمية.

arab-reform-initiative-a-slice-of-knafeh-for-everyone-a-critical-introduction-to-universal-basic-income-in-mena
كنافة في محل شهير في المدينة القديمة بالقدس  usaidphotos Flikr/CC BY-NC-SA 2.0

في ظل جائحة كورونا، وفقدان ملايين العمال حول العالم مصدرَ دخلهم بسبب اضطرارهم إلى العزل البدنيّ أو لأن سوق العمل لفظهم، عاد إلى الساحة الاهتمام بفكرة قديمة، وهي الدخل الأساسيّ المُعمَّم (UBI). في نيسان/أبريل، تصدَّرت إسبانيا عناوين الأخبار العالميّة، ليس فقط لارتفاع الوفيات المعلنة نتيجة الإصابة بفيروس كورونا، وإنّما أيضاً بسبب إعلان الحكومة خطَّتَها لتطبيق نظام الدخل الدائم على مستوى الدولة. على صعيدٍ آخر، اتسمت رسائل البابا في عيد الفصح بالأجواء الشاغرة لكاتدرائيّة القدّيس بطرس التي انطلقت منها رسائله، فضلاً عن إعراب البابا عن قناعته بأنه "ربما قد حان الوقت للنظر في تطبيق نظام الأجر الأساسيّ المُعمَّم".

ليس توزيع المبالغ النقديّة للتخفيف من آثار الصدمات الاقتصاديّة أمراً نادراً، فغالباً ما يكون ذلك جزءاً من حزمة من السياسات التي تطبقها الدولة في فترات الركود الاقتصاديّ وفي حالة الكوارث الطبيعيّة والنزوح الجماعيّ. أما في أزمنة الأوبئة، فلا تقتصر فائدة تقديم المبالغ النقديّة على التخفيف من وقع الصدمة بل تعالج الصدمة نفسها لأنها تتيح للشعوب خيار البقاء في المنزل، مما يساعد في السيطرة على معدلات العدوى. لكن المثير للاهتمام في هذه اللحظة هو الدعوة لتقديم هذه المبالغ بصفة دائمة. فبالنسبة للمناصرين القدامى للدخل الأساسيّ المُعمَّم، الفرصة سانحة الآن لتطبيق هذا النظام خلسة، بوصفه إجراء مؤقتاً بسبب الطوارئ آمِلين في أن تثبت فاعليته وجدارته بأن يكون إجراءً دائماً. أما بالنسبة للمناصرون الجدد، فيبدو أن ثمَّة ما يثير خيالهم في نظام الدخل الأساسيّ المُعمَّم، لا سيما وقد كشف الفيروس أوجه الضعف في الأنظمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة وحفّز عمليّة البحث عن بدائل. وبصرف النظر عن كلّ ذلك، من ذا الذي لا يرغب في الحصول على مبلغ شهريّ طوال حياته؟

تثير جائحة كورونا الاهتمام بالدخل الأساسيّ المُعمَّم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما هو الحال في سائر أنحاء العالم، إذ يكافح الصحفيّون وخبراء الاقتصاد وصنّاع السياسة لإيجاد حلول لمشكلة تعطُّل التنميّة الاقتصاديّة ولسدّ فجوات أنظمة الحماية الاجتماعيّة، وهي مشكلات مزمنة باتت الآن أوضَح. لكن في هذه المنطقة، تزامنت الحاجة المُلحّة لتعزيز الإنفاق الاجتماعيّ، في ظلّ تفشّي الجائحة، مع تحدٍّ يواجه الموازنة العامّة يتمثّل في انهيار أسعار النفط. يُعدّ الاعتمادُ الكبير على أسعار النفط في كلّ دول المنطقة تقريباً، سواء بصفتها منتجة للنفط أو منتفعة منه بشكلٍ غير مباشر عن طريق التحويلات الماليّة والتجارة والمساعدات الأجنبيّة والاستثمارات، أحدَ العوامل الأساسيّة المؤثرة على مدى تضرر دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الأزمة الصحّيّة العامة.

في الدول الغنيّة بالهيدروكربون (الوقود الحفريّ)، سلط الانخفاض الحاد في أسعار النفط الضوء على عدم استدامة النظام الرأسماليّ المعتمد على البترول، أي مراكمة رؤوس الأموال اعتماداً على استخراج البترول وتوزيعه واستهلاكه. وبعيداً عن النفط، تتعارض الاستجابات السياسيّة على مستوى العالم لهذه الأزمة الصحّيّة، مثل غلق الحدود، مع المبادئ الأساسيّة الأخرى ورؤى النموّ الاقتصاديّ للدول الأعضاء بـ"مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة"، ألا وهي استثمار المنطقة في أن تصبح محوراً لا يُضاهَى لنقل الأفراد ورؤوس الأموال عبر الحدود. وبشكلٍ حاسم، حين نتأمل مسألة العدوى والمناطق السكنيّة ومَن يستطيع تحمل تكلفة البقاء في "المنزل" بعيداً عن العمل، يصبح أيضاً من الصعب تجاهل الظروف القاسية المعتادة التي يُعاني منها العمّال المهاجرون المهمَّشون.

أما الاقتصادات التي تفتقر إلى ذلك الوقود الحفريّ، فتجمع بين نقاط ضعف متعدّدة تتمثّل في الاعتماد على التحويلات الماليّة من دول الخليج العربيّة والاعتماد على القطاعات الخدميّة والسياحة والمساعدات الأجنبيّة. وهي أيضاً تطرح تساؤلاً صعباً يدور حول مدى استطاعة معظم الناس البقاءَ في منازلهم في ظلّ هذه الاقتصادات التي تتضمّن قطاعاً كبيراً من العمالة غير الرسميّة والتي لا يوجد بها، في الواقع، أنظمة للرعاية الاجتماعيّة. وفي مواجهة الخيار المستحيل بين المرض والجوع، يبدو توزيع الأموال حلّاً واضحاً.

لكن بغض النظر عن فكرة توزيع الأموال للإغاثة الفوريّة الضروريّة، هل سيكون للدخل الأساسيّ المُعمَّم دور راسخ في رحلة البحث عن اقتصادات بديلة؟ إلا ما يشير هذا المفهوم على نحو الدقّة؟ ومَن دعم هذا المفهوم تاريخيّاً؟ وما الأساس الذي استند إليه؟ هل يمكن تطبيقه في البنى الاقتصاديّة المتنوعة وسياقات الاقتصاد السياسيّ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ وهل ينبغي تطبيقه؟ ما مدى ملاءمته لمتطلبات العدالة الاجتماعيّة التي تواصل تأجيج الانتفاضات الشعبيّة والحركات الجماهيريّة؟

تلخّص تاريخ الدخل الأساسيّ المُعمَّم خلال الأعوام الخمسين الماضية، سواء بشكله النظريّ أو العمليّ، في كونه مجرَّد فكرة تعود إلى السطح بين حين وآخر مصحوبةً بصخب كبير دون تعريف واضح ووافٍ، بل دون مشاركة عمليّة كافية. وعند النظر إلى هذا المفهوم بمنأى عن الحماس الذي تثيره فكرة تقديم "نقود بلا مقابل للجميع"، ينتهي بنا المطاف إلى نقاشاتٍ نكتفي فيها بالحديث، دون إنصات، عن سياسات مختلفة جوهريّاً. ولا نجد أيضاً سوى قليل من الحالات الواقعيّة لنستند إليها، فضلاً عن كونها حالات تقريبيّة على أفضل تقدير، نظراً لأنّ نظام الدخل الأساسيّ المُعمَّم لم يُطبَّق قطّ على نطاق وطنيّ. وبالحديث عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نجد أن المنطقة تواجه تحدّياً إضافيّاً يتمثّل في ترجمة واقعيّة لهذا المفهوم الذي انبثق من خبرات الدول الأعضاء في "منظمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية" (OECD)، وهي سياقات تنظّم فيها الحكومات بشكلٍ أساسيّ برامجَ الرعاية الاجتماعيّة، وتتمتّع بأنظمة ضريبيّة قويّة، والعمالة فيها رسميّة بشكلٍ أساسيّ (أي أنّ معظم الأعمال المدفوعة الأجر مشمولة بالضمان الاجتماعيّ). وهو مزيج لا ينطبق على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لكن القيود الكبيرة التي تواجه تطبيق الدخل الأساسيّ المُعمَّم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تكمن في اختلاف السياق وصعوبة نقل هذا المفهوم على أرض الواقع هنا. فليس العائق الأكبر لدينا هو اختلاف البنى الاقتصاديّة وما يترتّب على هذا الاختلاف من مخاوف بشأن الجدوى والقدرة على التطبيق. وإنّما العائق هو القيود المتأصّلة في الرؤية المترتّبة على هذا المفهوم حيالَ العلاقات الاقتصاديّة والعقود الاجتماعيّة في المنطقة وخارجها. فربّما تكون الرؤية القائمة على مفهوم "الدخل الأساسيّ المُعمَّم"، الذي غالباً ما يُنتقَد لكَونه طموحاً للغاية، غيرَ وافية وبعيدةً للغاية عن التحرّر الاجتماعيّ الاقتصاديّ الذي يُنادي به العديد في هذه المنطقة.

ما هو الدخل الأساسيّ المُعمَّم؟

يشير مفهوم "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" إلى فكرة دفع مبلغ ماليّ بانتظام (بما يمثّل "دخلاً") إلى جميع أفراد المجتمع على أساسٍ فرديّ غير مشروط. يقوم هذا التعريف، عند تحليله، على خمس ركائز تجعله متفرِّداً عن نظام الإعانات الاجتماعيّة ونظم الرعاية الاجتماعيّة الموجودة حالياً:

  • يأخذ الدخل شكلَ تحويل نقديّ مباشر، خلافاً للمساعدات المعروفة التي تأتي على شكلِ إعانات عينيّة وخدمات.
  • يصرف الدخل بشكلٍ منتظم ودائم، ولا يعتبر إجراء مؤقّتاً أو استثنائيّاً.
  • يستفيد جميع المنتمين لمجتمع سياسيّ محدَّد (سواء عن طريق الجنسيّة أو الإقامة) من هذا الدخل، بغضّ النظر عن ثروتهم أو وضعهم الوظيفيّ. وفي هذا تباين صريح مع المبدأ الذي يقوم عليه توزيع المساعدات حالياً، إذ يتمّ اعتماد معيار المقدرة لدى الأشخاص و"استطلاع مواردِهم الماليّة"، من أجل استهداف أشدّ الناس حاجةً فقط.
  • ترتبط هذه المساعدات بالأفراد لا الأسر، عكس كثير من برامج المساعدات التي تقدَّم حالياً.
  • الركيزة الأخيرة والأهمّ هي أنّ الأفراد يحصلون على هذه المساعدة بدون قيود أو شروط. فعلى عكس معظم برامج الرعاية الاجتماعيّة المنتشرة حول العالم، لا يحتاج المستفيدون إلى إثبات عجزهم عن العمل أو أنّهم يبذلون قُصارَى جهدهم لإيجاد عمل.

أثارت هذه الميزة الأخيرة، أي عدم وجود قيد أو شرط للحصول على المال، اهتمامَ الفلاسفة الأخلاقيين والسياسيين المعاصرين بقضيّة الدخل الأساسيّ المُعمَّم. فإنّ حقيقة كون الدخل الأساسيّ المُعمَّم يستهدف الجميع - أغنياء وفقراء، قادرين وعاجزين، صغاراً وكباراً، عاملين وعاطلين - "تضع تحدّياً أمام بعض مؤسّساتنا المهتمّة بمتطلّبات تحقيق العدالة"، وتقف في تعارضٍ صريح مع الافتراضات القائلة بأهمّيّة الإنتاج، وأهمّيّة التفرقة بين مَن يستحقّ المساعدة ومَن لا يستحقّها.

لم تُنفَّذ على المستوى الوطنيّ أبداً سياسةٌ تلبّي هذه الركائز الخمسة. بل إنّ المشاريع المقترحة التي تقدَّم باسم "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" نادراً ما تحقق شروط هذا التعريف. وبالعودة إلى الإعلان الأخير الذي أعلنته الحكومة الإسبانيّة، فإنّه مع تلك الضجّة العالميّة، ومع تسميته خطأ باسم "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" في الصحافة الدوليّة، لن يكون الدخل الأساسيّ المُعمَّم الإسبانيّ مُعمَّماً على الجميع (كما يتّضح من اسمه بالإسبانيّة الذي يعني حرفيّاً "الحدّ الأدنى للكفاف" ingreso minimo vital). بل هو حدّ أدنى من الدخل يقدَّم للأشخاص الذين لا يستطيعون إيجاد عمل فقط، ولذلك فمن الأصحّ وصفه بأنه توسيع لنظام إعانة البطالة الوطنيّ. مثل هذا البرنامج موجود بالفعل على مستوى المناطق ذاتيّة الحكم، كما هو الحال في منطقة الباسك، وعندما يتم توسيعه إلى المستوى الوطنيّ سيَتطابق مع أنظمة أوروبيّة قائمة بالفعل، كالنظام الألمانيّ. (ومع أنّ الدخل الأساسيّ المُعمَّم كان أصلاً هدفاً لحزب بوديموس اليساريّ الذي نشأ من أنقاض الأزمة الاقتصاديّة المريرة التي عصفَت بإسبانيا، إلّا أنّه أُرجئ ليكون أحد الأهداف طويلة المدى في البرنامج الانتخابيّ للحزب لعام 2015).

ومثل الحالة الإسبانيّة، سلّطت التغطية الأخيرة للسياسات الفرنسيّة الضوءَ أيضاً على "الدخل الأساسيّ المُعمَّم"، لا سيَّما لدى المرشَّح الاشتراكيّ بنْوا أمون Benoit Hamon أحد المرشَّحين البارزين في السباق الرئاسيّ لعام 2017. لكن التفاصيل التي نُشِرت حول الاقتراح كشفَت أنّه هو أيضاً لن يحقّق ركيزةَ "عدم وجود شرط أو قيد للاستفادة من المساعدة" (ولن يلبِّي أيضاً، في هذه الحالة، ركيزة الأساس الفرديّ لأنه لا يفترض -تلقائيّاً- فرديّةَ المستفيدين من المساعدة).

يكشف هذا الميلُ إلى تجاهل حتى أبسط تعريفات المصطلح عن ذلك الحماس الأعمى الذي يتفاعل به الخطاب العامّ مع كلّ ما يتعلّق بالدخل الأساسيّ المُعمَّم. يصبح المفهوم أقلَّ تماسكاً عندما نتجاوز التعريف الأساسيّ وننتقل إلى تفاصيل التصميم والتطبيق.

3. الصور المتنوّعة لبرامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم واستراتيجيّاتها

ليس مفهوم "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" مفهوماً جديداً، فقد عُرِف منذ 200 عام على الأقلّ، ودافعت عنه معتقدات متداخِلة، ومتعارِضة أيضاً، في النظريّة السياسيّة. وتمتد جذوره إلى الأفكار الديمقراطيّة الاجتماعيّة والأناركيّة والاشتراكيّة في القرن التاسع عشر الميلاديّ، ولكنّه حصل أيضاً على موضع قدم في الفكر المحافِظ في ستّينيّات القرن المنصرم.

تنعكس تلك الأصول المختلفة لهذا المفهوم في تنوّع قاعدته الجماهيريّة. ففي أوجه، في عِقدَي الستّينيّات والسبعينيّات من القرن العشرين، كان من بين مناصريه مارتن لوثر كينغ و"حزب الفهود السود" (Black Panthers) وريتشارد نيكسون. وعلى مدار العِقد الماضي، حظِيَ أيضاً بدعمٍ في أوساط غير معتادة على الدعوة إلى نفس السياسات، بدءاً من عالم التقنية - مارك زوكربيرغ وإيلون ماسك والمرشّح الرئاسيّ الأميركيّ أندرو يانغ - إلى الحركات الاجتماعيّة التقدّميّة، مثل "حياة السود مهمّة" (Black Lives Matter)، أو الاحتجاجات الإسبانيّة 2011-2012 التي قادتها حركة "غاضبون" الشعبيّة. تشترك ولاية ألاسكا الأميركيّة والجمهوريّة الإيرانيّة في تبنّيهما اثنتَين من أكثر خطط التحويلات النقديّة طموحاً في العالم. وفي أستراليا وبلجيكا وكندا وألمانيا وأيرلندا وفنلندا وفرنسا وهولندا والمملكة المتّحدة والولايات المتّحدة، ركّزت الحملات الانتخابيّة على الدخل الأساسيّ المُعمَّم. واستطاع الناشطون الداعون إلى تطبيق برامج "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" جذب انتباه العامّة في إيطاليا واليابان وكوريا الجنوبيّة. ويتزايد الاهتمام السياسيّ في الاقتصادات النامية، ومنها العراق والبرازيل وتيمور الشرقيّة وناميبيا ونيجيريا والهند وجنوب أفريقيا.

عادةً ما توصَف حقيقة أنّ للدخل الأساسيّ المُعمَّم مؤيّدين من مختلف أشكال الطيف السياسيّ بأنّها دليل على أن الدخل الأساسيّ المُعمَّم يمثل مساراً ثالثاً لاسياسيّاً يمكن اتباعه، بعيداً عن اليسار أو اليمين. غير أنّ هذا الإجماع الظاهر هو مجرد وهم. فليس للدخل الأساسيّ المُعمَّم مفهوماً واحداً محدَّد التعريف، بقدر ما هي أمرٌ أشبه باختبار رورشاخ: فالأشخاص المختلفون يرون تصميمات مختلفة. وبالنسبة للدخل الأساسيّ المُعمَّم، يتعلّق الأمر كله بالتصميم.

هناك تحديداً ثلاث سمات في التصميم هي ما تُحدِث الفرق كله. (1) هل سيحلّ الدخل الأساسيّ محلّ برامج المساعدة الحكوميّة الموجودة بالفعل أم سيكملها؟ (2) هل سيكون مقدار الدخل الأساسيّ عالياً بما يكفي للاستغناء عن الحاجة إلى العمل بمقابل؟ (3) من أين ستأتي تلك الأموال؟

سرعان ما تكشف الأجوبة عن تلك الأسئلة، بخلافاتها الحادّة، أنّه ليس هناك برنامج "دخل أساسيّ مُعمَّم" واحد، وإنّما عدّة أشكال منه، وأنّ الأنواع المختلفة منه تتبع استراتيجيّات مألوفة.

3.1. الدخل الأساسيّ المُعمَّم في السوق الحرّ

يرى المحافِظون التقليديّون من أنصار السوق الحرّ أنّ "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" يمثل فرصة ذهبيّة لإنهاء السياسات الاجتماعيّة وبرامج الرعاية الاجتماعيّة التي يرثون لكونها بيروقراطيّة وغير فعّالة بصورة ميؤوس منها. تتوقّع هذه النسخة من "الدخل الأساسيّ المُعمَّم"، القائمة على أساس كتاب ميلتون فريدمان المنشور عام 1962 بعنوان "الرأسماليّة والحرّيّة"، أن يحلَّ محلَّ معظم أو جميع برامج المساعدات العامّة الموجودة اليوم مدفوعات تقدَّم للأفراد لمرّة واحدة. ووفقاً لهذا المنطق، سيكون بإمكان الأفراد شراء الخدمات في الأسواق الخاصّة بهذا الدخل الإضافيّ. وفي أقصى أشكالها، لن تحلّ هذه النسخة من "الدخل الأساسيّ المُعمَّم" محلَّ الخدمات من قَبيل قسائم الطعام ومدفوعات الرعاية الاجتماعيّة النقديّة فقط، وإنّما أيضاً محلَّ الرعاية الصحّيّة العامة والتعليم العام.

أمّا فيما يتعلّق بمسألة مقدار وحجم تلك المدفوعات، فإنّ المحافظين يدفعهم الخوف من أنّ دخلاً أساسيّاً مرتفعاً بما يكفي سيؤدّي إلى الكسل والخمول، نتيجة فقدان الناس حافز العمل من أجل كسب قوتهم. ولذا فهم يسعون إلى أن يكون الدخل الأساسيّ المُعمَّم في مستوى يخفّف حدّة الفقر، ولكن لا يلغي الحاجة إلى العمل. أمّا فيما يتّصل بمسألة التمويل، فلا بدَّ أنّ إلغاء معظم الخدمات العموميّة سيخفّف من الإنفاق. غير أنّ جوهر خطط تمويل الدخل الأساسيّ المُعمَّم لدى المحافظين هو مقترح فريدمان عن "ضريبة الدخل السلبيّة" NIT؛ أي أنّ مَن دخله أقلّ من حدّ معيّن لا يدفع أيّ ضريبة على الدخل، وإنّما يحصل على أموال من الحكومة.

سيطر الخوف من بثّ الخمول في أوساط الجماهير على معظم مقترحات الدخل الأساسيّ المُعمَّم ومشاريعه التجريبيّة منذ ذلك الحين، التي كانت أصلاً قليلة. أسهم هذا الخوف في عرقلة أقرب فرصة وصلت فيها الولايات المتّحدة إلى دخلٍ أساسيّ مُعمَّم على المستوى القوميّ، وهي "خطّة الدعم الأسريّ" في العام 1969 التي اقترحها الرئيس نيكسون. ونظراً لحال السياسات الأميركيّة اليوم، قد يكون من الصعب تصوّر أنّ الولايات المتّحدة قد اقتربَت ذات يوم من توزيع دخل سنويّ، على أسرة مكوّنة من أربع أفراد، يساوي اليوم 11 ألف دولار. نشأ هذا البرنامج نتيجة رغبة في محو التفرقة بين الفقراء العاملين والفقراء العاطلين، وهي تفرقة رأى صنّاع السياسات آنذاك أنّها أعاقت المحاولات السابقة في تخفيف حدّة الفقر. ومع ذلك، فإنّ تلك المخاوف التي لا أساس لها، والتي بثّها مستشارو نيكسون قائلين إنّ الخطّة ستبعث في الفقراء روحَ الخمول وتثبِّط إنتاجيّتهم وتخفض أجورهم، قد عجّلت بإدخال شروط وقيود متعلقة بالعمل. في نهاية المطاف قُبِرت الخطّة في مجلس الشيوخ حيث لاقت معارضة من أعضاء الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ.

وقد قضى التمييز الخطابيّ بين ”الفقراء المستحقّين وغير المستحقّين“ على بعض تجارب ضريبة الدخل السلبيّة في أميركا الشماليّة خلال عِقدَي الستّينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي، وهي أربع تجارب في الولايات المتّحدة وتجربة في مقاطعة مانيتوبا الكنديّة. (في الحالة الأميركيّة، ساعدت أيضاً النتائج الأوّليّة لإحدى التجارب، وقد كشفت عن زيادة في معدّلات الطلاق، في ارتفاع درجة المعارضة للدخل الأساسيّ المُعمَّم باعتباره ضارّاً بالأسرة الأميركيّة). ومع تقليص صافي الإنفاق على السلامة الاجتماعيّة خلال عِقدَي الثمانينيّات والتسعينيّات، في أميركا الشماليّة وبعض الأماكن في أوروبّا، تراجَع النقاش حول الدخل الأساسيّ.

تخيّم روح ميلتون فريدمان أيضاً على الموجة الثانية من الإهتمام بالدخل الأساسيّ المُعمَّم التي نشهدها حالياً. ويتجلّى هذا في إحدى أكثر الحالات شهرةً في السنوات الأخيرة، وهي تجربة فنلنديّة كانت في الواقع محدودة النطاق (تتكوّن من برنامج تجريبيّ، متوقّف اليوم، تلقّى فيه ألفا مواطن فقط مدفوعات لمدّة عامين في 2017 و2018). دافع مؤيّدو ذلك البرنامج، وهم مؤيّدو أحزاب يمين الوسط في فنلندا، عبر منطق محافِظ، قائلين إنّه سيخفّض ”مصائد الرعاية الاجتماعيّة التي تثبِّط الناس عن العمل“، وقاموا بتصميم البرنامج أساساً ليدفع العاطلين إلى العمل بأجور منخفضة في أعقاب دورتي كساد متتاليتين. ولكن حتّى مع ذلك، زعم معارضوه أنّ البرنامج سيحفز الناس على البقاء في بيوتهم والانخراط في الألعاب الإلكترونية.

كما أن يتردّد صدى فريدمان في أكثر الحالات المعروفة عن تبني عالم التكنولوجيا لفكرة الدخل الأساسيّ المُعمَّم، ولكن بنغمة مختلفة. على عكس المحافظين، لا يخشى التحرّريّون (الليبرتاريون) في القطاع التقنيّ من فكرة تفشّي الكسل المفترضة بقدر خشيتهم من مستقبلٍ لا تتوافر فيه أعمال يمكن القيام بها أصلاً. فهم يتصوّرون ”مستقبلاً من مرحلة ما بعد العمل“، حيث تُلغي الأتمتة والذكاء الاصطناعيّ الحاجة الحاليّة إلى العمالة البشريّة، وحيث يكون الدخل الأساسيّ المُعمَّم هو الحلّ الوحيد لخسارة الجماهير رواتبهم. وقد وصلت الفكرة، التي كانت في البداية مجرد فكرة هامشيّة في منطقة "سيليكون فالي"، إلى منصّة الحزب الديمقراطيّ في كاليفورنيا عام 2018، وإلى المستوى الوطنيّ الأميركيّ بصفتها محور حملة رائد الأعمال في القطاع التقنيّ أندرو يانغ في السباق الرئاسيّ للعام 2020. يتناسَب اقتراح يانغ المُسمى بـ”توزيع أرباح الحرّيّة“ (freedom dividend)، المقدر بألف دولار شهريّاً، مع القالب المحافظ حول الدخل الأساسيّ المُعمَّم. فبدلاً من التكدّس على نظام الرعاية الاجتماعيّة الموجود حالياً، سيتعيَّن على المستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعيّة الحالية أن يختاروا بين معاشاتهم الحالية أو الحصّة المقترَحة من قبل يانغ. إضافةً إلى ذلك، قد يتمّ تمويل خطّته من خلال الضرائب، مع تأثير سلبيّ لإعادة التوزيع، إذ ستكون هناك ضريبة قيمة مضافة VAT، بنسبة 10٪، من شأنها توزيع تكاليف برنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم على المواطنين، على أساس الإستهلاك لا الثروة.

3.2 التقدميّون والدخل الأساسيّ المُعمَّم

يتعامل التقدميون بحذر مع أيّ برنامج يهدد باستبدال برامج الاستحقاقات الحكومية وزيادة تركيز الثروات، مما لا يثير الدهشة. إذ سيؤثر أيّ برنامج للدخل الأساسيّ يحاول أن يحل محل البرامج الحالية القائمة على قياس السعة المالية تأثيراً كارثياً على الفقراء. في حين يخشى آخرون أن يؤدي أيّ برنامج دخل أساسي مُعمَّم يعوض ببساطة انخفاض دخول العمال لكن ليس بالحد الذي يمنحهم حرية الانسحاب من العمل، إلى توسيع نطاق "السباق الحالي إلى الحضيض" بين أصحاب العمل، وهو السباق على خفض الأجور ونشر الأعمال المؤقتة. تعتقد أيضاً بعض أحزاب العمال العريقة أن برنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم يمكن أن يقوض عمل النقابات العمالية إذا ما حل محل برامج الاستحقاقات الحالية. ففي فنلندا مثلاً، حيث يجب أن يكون العمال أعضاءً في النقابات حتى يتسنى لهم الانتفاع من صناديق البطالة، يمكن أن يؤدي برنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم إلى تثبيط حافز العمال في الانتساب للنقابات العمالية، وهذا هو السبب الرئيسي وراء معارضة النقابات العمالية الفنلندية للبرنامج.

يأتي دعم اليساريين لبرنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم في شكلين. أولاً، يوجد أولئك الذين يرون أن البرنامج الوحيد الجدير بتبنيه هو ذاك الذي يلبي متطلبات العيش، وأن يكون عالياً بدرجة تتيح للعمال حرية الاختيار بين قبول وظيفة أو عدم قبولها، وهو ما يعتقد المؤيدون أنه سيحرر العمال من استبداد سوق العمل. بالنسبة للبعض في هذا المعسكر، فإن الشيء الذي يدعو للأمل في هذا النوع من البرامج هو تفريغ الوقت، كي نتمكن من الصيد في الصباح، واصطياد الأسماك بعد الظهيرة، ووضع النظريات النقدية في المساء (كناية عن خفض ساعات العمل)، أو كي نحظى بالوقت لتنظيم الحركات الاجتماعية التقدمية وإنشاء نقابات لها. وبالنسبة لآخرين، ستتمثل أهمية هذا البرنامج الحقيقية في "عكس الاختلال في ميزان القوة القائم حالياً بين العمالة ورأس المال"، من خلال تشجيع العمال على رفع سقف مطالبهم. فإذا عرف العمال أنه لا يمكنهم النزول عن حدٍ معين من الدخل، فإن المنطق يقول إن احتمالية أن يخاطروا بتقديم مطالب إلى أرباب أعمالهم ستزيد. ومن هذا المنظور، سيكون برنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم بمثابة "صندوق غير مشروط لا ينضب لتمويل الإضرابات".

أما بالنسبة لأنصار العدالة البيئية، خاصة من ينتمون لأحزاب الخضر الأوروبيّين، فإنهم يأملون أن تؤدي برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم إلى خلق أنماط حياة مستدامة بيئياً. أما الحركات النسوية التي تنظر إلى تلك البرامج عبر نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعيّ، فإن الدخل الأساسيّ المُعمَّم يعد بالاعتراف بكافة أشكال السخرة (العمل بلا أجر) التي تحدث كل يوم، خاصة داخل الأسر، والتي تشكل النساء غالبيتها الساحقة. أما حركات نسوية أخرى فترى أن الانتقال من مستوى الأسرة إلى مستوى الفرد يمكن أن يكون وسيلة لتمكين النساء اللاتي سوف يتقاضين دخلاً خاصاً بهن، وذلك لأنها تتفهم أنه على الرغم من أن الأسر عادة ما تكون مساحات للتضامن، فإنها قد تكون أيضاً مساحات للنزاع والسيطرة.

من المتوقع أن تصل تكلفة برنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم المريح الذي يلبي متطلبات العيش والذي لا يحل محل معظم برامج الاستحقاقات القائمة ما بين 17.9% و50.3% من الدخل المحلّيّ الإجماليّ، على حسب الدولة، وهو ما يجعله مستحيل التطبيق بالنسبة لكثيرٍ من الدول. قُدم أقصى اقتراح حول هذا النوع من البرامج في عام 2016 بسويسرا، عندما دعت الحركات الاجتماعية إلى توفير معونة مريحة تصل إلى 2,500 فرنك سويسري (2,555 دولار) شهرياً لكل بالغ و625 فرنك سويسري لكل طفل. عارض غالبية أعضاء البرلمان الاقتراح، وفي نهاية المطاف عندما طرح للاستفتاء عارضه 77% من المصوتين.

على الرغم من وجود بعض النقاط الخلافية بين اليساريين حول البرامج التي ستحل برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم محلها، وهي نقاشات مرتبطة للغاية بالسياق نظراً للاختلاف الكبير بين أنظمة الرعاية في مختلف البلدان، لكن في المجمل، يُنظر إلى معظم برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم باعتبارها توسيع إضافي يهدف إلى تحسين ميزانية الضمان الاجتماعي الأساسيّ والصحة والتعليم وسياسات سوق العمل الفعالة وغيرها من الخدمات الاجتماعية المهمة.

يتمثل الشكل الثاني من أشكال دعم التقدميين لبرامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم في دعم "دخل أساسي يصل لأعلى مستوى مستدام اقتصادياً وإيكولوجياً"، بغض النظر عن تلبية هذا المستوى لمتطلبات العيش المريح والملائم من عدمه. بالنسبة لهذا المعسكر، يجب أن تسعى المجتمعات إلى تطبيق أي برنامج دخل أساسي مُعمَّم يفي بأي مستوى لأن المقومات المطلقة للشمولية واللامشروطية راديكالية في حد ذاتها. ويرون أن أيّ برنامج دخل أساسي مُعمَّم بأي مستوى سوف يؤدي إلى تقويض السياسات التمييزية الضارة في أنظمة الرعاية الاجتماعية الموجودة حالياً بين "الفقراء الذين يستحقون الدعم مقابل الفقراء الذين لا يستحقونه"، وإبراز الرابط الاعتباطي بين "العمل" والدخل (وهو ما يتماشى مع الرؤية النسوية التي ناقشناها بالأعلى)، وترسيخ فكرة الحصول على الإعاشة الأساسيّة باعتبارها حقاً وليس تكرماً، وفضح لامعقوليّة النظام الاقتصادي الذي تؤدي فيه الانتاجية العالية إلى مزيدٍ من البؤس ليس إلا.

ويضيف آخرون أن من شأن برنامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم الذي لا يلبي متطلبات العيش الملائم أن يمهد الطريق لبرنامج قادر على تلبية تلك المتطلبات، وإعداد الهياكل المؤسسية التي يمكن توسيعها فيما بعد. وبالنسبة للبعض، يمكن أيضاً أن يكون نموذج التمويل لبرنامج دخل أساسي مُعمَّم لا يفي بمتطلبات العيش الملائمة فعالاً في حد ذاته إذا استُخدم باعتباره أداة قوية لإعادة توزيع الثروات، اذا تم تمويله من خلال زيادة الضرائب المفروضة على الأغنياء.

أما بالنسبة لمسألة كيفية تمويل برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم، تدعو معظم المقترحات اليسارية إلى فرض أنظمة الضرائب التصاعدية، مثل فرض ضريبة الثروة أو فرض ضرائب على المعاملات المالية أو ضرائب الانبعاثات الكربونية أو مزيج من ثلاثتهم. ويطالب أحد الاقتراحات الحكومة بفرض ضريبة على الأصول الرأسمالية، وفي النهاية إنشاء صناديق الثروة الاجتماعية، والتي تمتلك الحكومة فيها بشكل مباشر مجموعة كبيرة من الأصول المدرة للدخل، ثم بعد ذلك توزع عائدات هذه الأصول سنوياً على جميع السكان. يسلط أنصار هذا النهج الضوء على سببين رئيسيين لقابلية تنفيذ هذا المقترح. الأول هو أن ثمة برنامج من هذا النوع قائم بالفعل على نطاق واسع، إذ تتبنى ولاية ألاسكا الأميركية أحد أنواع برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم منذ عام 1982 متمثلاً في صندوق ألاسكا الدائم وعائداتها. يكوّن الصندوق رأس ماله الرئيسي من خلال فرض رسوم على الشركات التي تستخرج النفط العام من ألاسكا، ثم تستثمر هذه الرسوم في البورصة، وبعد ذلك تقسم تدفقات رأس المال السنوية بالتساوي على سكان الولاية. أما السبب الثاني، فهو أن المدافعين عن هذا الاقتراح يرون أن هذا النوع من التمويل يكشف بجلاءٍ حقيقة أن الاقتصاد العالمي معتاد بالفعل على مفهوم الدخل الأساسيّ، إذ تتلقى أقلية من السكان بالفعل دخلاً ليس له علاقة بأعمالهم، في هيئة عائدات من الممتلكات المدرة للدخل. ومن هذا المنظور، ستعمل برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم ببساطة على توسيع نطاق هذه الآلية لتشمل السكان بوجه عام.

تُظهر الأشكال المختلفة لبرامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم، سواء من اليمين أو اليسار، أنه لا يوجد شيء راديكالي أو تحرري بطبيعته في المقترحات التي تحمل ببساطة اسم "الدخل الأساسيّ". وأن تفاصيل التصميم بالغة الأهمية. ومثلما أشار الفيلسوف بريان باري في مقولته الشهيرة، "التساؤل حول إيجابيات وسلبيات الدخل الأساسيّ على هذا النحو (دون تحديد مستوى واضح) هو بالأحرى تساؤل حول إيجابيات وسلبيات امتلاك أحد السنوريات كحيوان أليف دون التمييز بين كونه نمراً مفترساً أم قطاً أليفاً".

4. الدروس المستفادة من التطبيق العملي لنظام الدخل الأساسيّ

كما بات واضحاً من النقاش حتى الآن، فإن معظم المناقشات التي تدور حول الدخل الأساسيّ المُعمَّم معيارية بطبيعتها، والحجج المستقاة من التجربة تكاد تكون نادرة. ولا نتوقع بأي حال أن يكون الأمر مختلفاً عن ذلك، بما أن برامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم لم يسبق أبداً تجربتها واختبارها على المستوى الوطنيّ، ولأنه من المستحيل عملياً الاستنباط مما تم تجربته على أرض الواقع.

وحتى لو نحينا شرط العمومية جانباً، فإن التجارب التي يجب علينا الاستفادة منها نادراً ما استوفت جميع المعايير الأربعة الأخرى الخاصة بتعريف الدخل الأساسيّ المُعمَّم. فضلاً عن أن العديد من البرامج الموجودة حالياً تتقيد بأوضاعٍ محددة وتستهدف الفئات الأشد حرماناً. ونتيجة لذلك، حتى بالنسبة للبرامج الناجحة ظاهرياً، لا ندري ما الذي قد يحدث إذا وسعنا نطاق هذه البرامج، وقمنا بتمديد مدتها، واستوفينا المعايير الإضافية الخاصة بتعريف الدخل الأساسيّ المُعمَّم. أيضاً، كانت التجارب مختلفة تمام الاختلاف، وهو ما يجعل المقارنة بين جميع التجارب أمر بالغ الصعوبة. في غالبية الحالات، دُفعت الأموال على مستويات وفترات زمنية مختلفة للغاية، وإن كانت في معظمها أدنى بكثير من خط الفقر. تراوحت المستويات التي اشتملت عليها البرامج التجريبية من 17% من خط الفقر الوطني (في الهند) إلى 52% (في فنلندا) لتصل لأكثر من 100% (في أوغندا).

أقرب نماذج تقريبية تفي بمعايير الدخل الأساسيّ المُعمَّم في العالم حالياً تتواجد في ألاسكا وإيران. إذ يستوفي صندوق ألاسكا للدعم الدائم (الذي تم شرحه بإيجاز في الجزء السابق) تعريف الدخل الأساسيّ لأنه يقدم مبالغ نقدية غير مشروطة ومنتظمة لجميع المواطنين الأميركيين الذين يعيشون في ولاية ألاسكا طوال عام كامل. لكنه ما زال أقل بكثير من الحد الكافي لتلبية الاحتياجات الأساسيّة لكل فرد، عادة ما تتراوح المدفوعات بين ألف دولار وألفي دولار سنوياً على حسب تقلبات البورصة. يحظى البرنامج بشعبية واسعة، وتبين أن له آثار جانبية على مجموعات الشعوب الأصلية في المناطق الريفية. غير أنه لم يكن له أيّ تأثير على الحد من فقر الأطفال أو وقف اتساع الفوارق بين الدخول. ولم يكن له أيضاً أيّ آثار على النشاط العماليّ.

بينما لم يحظ برنامج الدخل الأساسيّ في إيران إلا بقدر أقل بكثير من الاهتمام، على الرغم من أنه يستوفي التعريف المثالي للدخل الأساسيّ المُعمَّم أكثر بكثير من أي برنامج تحويل نقدي آخر واسع النطاق على مستوى العالم. في كانون الأول/ديسمبر عام 2020، طرحت الحكومة الإيرانية برنامج تحويل نقدي غير مشروط يشمل البلاد بأسرها، يحق بموجبه لجميع الإيرانيين المقيمين في البلاد الحصول على تحويل نقدي شهري تبلغ قيمته 40 دولار تقريباً للفرد. كان الهدف من التحويلات هو المساعدة في التخفيف من أثر الصدمة التي تلقاها المستهلكون في ظل أكثر التغيرات الاقتصادية شمولاً على مدى عِقد، والتي تشمل الرفع التدريجي لدعم الدولة لأسعار جميع السلع الأساسيّة تقريباً مثل الخبز والكهرباء والمياه والبنزين. وكانت الفكرة هي أن تعالج الدولة عجز ميزانيتها وتخفف من وطأة الفقر المدقع وتقلل ضغط العقوبات على الأسر الإيرانية، كل ذلك دفعة واحدة.

أتى إطلاق الخطة الإيرانية مصحوباً بقدرٍ كبير من الالتباس والمعارضة. فقد اعترض كثير من المواطنين على شريحة الدخل التي أُدرجوا فيها واشتكوا لمُمثليهم في البرلمان. وعارض القطاع الصناعي الإيراني أيضاً الخطة بقوة، مبدياً تخوفه من آثار رفع الدعم على القطاعات الصناعية المختلفة التي كانت تواجه بالفعل منافسة مع سيل من الواردات. وكذلك، مثل تجارب الدخل الأساسيّ في البلدان الأخرى، كانت هناك افتراضات لا أساس لها لكنها واسعة الانتشار أن البرنامج كان يثبط رغبة الناس في العمل. لكن الباحثين وجدوا أن "البرنامج لم يؤثر تأثيراً ملموساً على وفرة العمالة". بل على العكس، زاد بعض العمال ساعات عملهم. وفيما يتعلق بآثار البرنامج الأخرى، فقد أستخدم رواد الأعمال في المدن الصغيرة هذه التحويلات في فتح متاجر صغيرة موجهة للاستهلاك، واستخدمها آخرون في إصلاح منازلهم أو توسيعها، لكن يبدو أن التضخم ومواصلة رفع الدعم قد طغوا على أي تحسن ملموس في مستويات الفقر، ناهيك عن الحد من أوجه عدم المساواة.

ثبتت النتيجة التي مفادها أن برامج الدخل الأساسيّ لا تدفع المستفيدين منها إلى الانسحاب من القوى العاملة في بعض التجارب الأخرى الأكثر محدودية أيضاً (وهو ما يتعارض مع حجة اليمين الأكثر شيوعاً المناهضة لبرامج الدخل الأساسيّ المُعمَّم). وكانت هذه هي النتيجة العامة في التجارب الأربعة السابقة الخاصة بضريبة الدخل السلبية التي أجريت في الولايات المتحدة الأميركية في الفترة بين عامي 1968 و1980، وكذلك في تجربة مانيتوبا بكندا خلال سبعينيات القرن الماضي. في تجربة مانيتوبا، تغيرت أوضاع شريحتين فقط من المواطنين في العمل، فقد خفضت النساء المتزوجات ساعات عملهن من أجل الإيفاء بواجباتهن تجاه أطفالهن، وانخفضت أيضاً ساعات عمل الفتيان المراهقين، الذين انتظموا في مدارسهم الثانوية وتخرجوا منها بمعدلات أعلى. وفي التجربة الفنلندية التي جرت عام 2017، لم تجد النتائج أيّ اختلاف في عدد أيام العمل لدى الألفي مستفيد من التجربة الذين كانوا يحصلون على تحويلات غير مشروطة تصل إلى 590 دولار، وكذلك المجموعة المرجعية المكونة من 5 آلاف شخص الذين استمروا في الحصول على التحويلات من إعانة البطالة الأساسيّة. أظهرت الاستطلاعات أيضاً أن الأشخاص المستفيدين من برامج الدخل الأساسيّ لاحظوا أن صحتهم ومستويات الإجهاد لديهم صارت أفضل بكثير مقارنةً بأعضاء المجموعة المرجعية.

على مدار العِقد الماضي، أُدرج نوع ثان من التجارب في المناقشات المتعلقة بالدخل الأساسيّ المُعمَّم، يتمثل في التجارب المنضبطة عشوائيا تقدم تحويل نقدي لفترات زمنية محددة لمواطنين يعيشون على دخول منخفضة للغاية بأماكن مختارة في بيئات نامية (أغلبها في الهند ومختلف بلدان منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى). رصدت البرامج حماساً متنامياً للمنح النقدية بوصفها أداةً لمكافحة الفقر عالمياً، مقارنة ببرامج التدريب على اكتساب المهارات أو المنافع العينية، مثل تركيب مضخات المياه أو توفير الماشية. تُعرف هذه البرامج باسم "صناديق العمل الاجتماعي" أو "التنمية القائمة على المشاركة المجتمعية"، وعادة ما تتشارك في إدارتها الحكومات والجمعيات الخيرية والمؤسسات والوكالات الإنمائية، مثل البنك الدولي والباحثين الأجانب. وتستضيف كينيا حالياً أكبر تلك التجارب المنضبطة عشوائيا، التي سيحصل خلالها 6 آلاف شخص على تدفق نقدي ثابت لمدة عشر سنوات على الأقل.

إلى الآن، وثق خبراء الاقتصاد الإنمائي تأثيرات واعدة قصيرة الأمد لتلك البرامج وكذلك تأثيرات متباينة طويلة الأمد. في أوغندا على سبيل المثال، حيث يمنح أحد البرامج الشباب مبلغ يدفع لمرة واحدة مقداره 400 دولار (أي ما يعادل دخلهم السنوي)، وجد الباحثون أن المدفوعات النقدية ساهمت في رفع الأرباح والاستهلاك بعد 4 أعوام من توزيعها، لكن هذه التأثيرات الإيجابية اختفت بعد مضي 5 سنوات إضافية. كان للمدفوعات النقدية أيضاً تأثيرات دائمة على الأصول والعمالة الماهرة ويحتمل أن يكون لها تأثير كذلك على صحة الأطفال، لكن تأثيرها كان ضئيلاً على معدلات الوفيات والإنجاب والصحة والتعليم. وخلُص مُعدو الدراسة إلى أن ما يمكننا استنتاجه من هذا الأمر هو أن المدفوعات النقدية تُعد إحدى سبل تسريع عملية الإفلات من براثن الفقر، لكنها في الأصل ليست السبيل الرئيسي للمساعدة في التخلص منه. مع ذلك، يظل أداء هذه البرامج أفضل من المشاريع الإنمائية الأخرى غير النقدية، خاصة برامج تنمية المهارات التي تمتلك سجلاً مخيباً للآمال للغاية في البلدان النامية. وكان لتجارب الدخل الأساسيّ المُعمَّم في الهند وناميبيا آثاراً إيجابية أيضاً على المستفيدين منها وعائلاتهم، خاصة فيما يتعلق بتحسين جودة الغذاء والتغذية، والنتائج المتعلقة بالصحة، وزيادة أعداد الملتحقين بالمدارس، إضافة إلى انخفاض ملحوظ في عمالة الأطفال، ولم تظهر أيّ تأثيرات ملحوظة على وفرة العمالة.

وقد وصل الحماس تجاه التحويلات النقدية إلى برامج مساعدة اللاجئين أيضاً. وكانت نتائج أول تقييم دقيق لِلمنح النقدية الطارئة المقدمة للاجئين، الذي أُجري بمشاركة لاجئين سوريين في لبنان، متسقة مع السياقات الأخرى، فهي لم تتسبب في تثبيط الرغبة في العمل، ومكنت الأشخاص من الدراسة وإنفاق الأموال على أشياء من شأنها تحسين معيشتهم. زادت التحويلات النقدية إيضاً من فرص الحصول على التعليم، وتوجد أدلة على إسهامها في تخفيف حدة التوترات داخل الأسر، وبين اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

يوجد فرق كبير بالطبع بين تلك التحويلات النقدية التي تدفع لمرة واحدة والدخل الأساسيّ المُعمَّم. إذ إن إعطاء مبالغ نقدية ولو صغيرة للأشخاص المحرومين سوف يحدث حتماً فارقاً في حياتهم، وبالفعل، ساعدت مثل هذه البرامج في تحسين صحة ومعيشة الأشخاص المنتفعين منها. لكن ما زلنا لا نعرف الكثير عن جدوها على المدى الطويل، أو كيف يمكن توسيع نطاقها لتشمل الفئات السكانية بأكملها.

5. الدخل الأساسيّ المُعمَّم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لم يكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حضور يُذكر في المناقشات العالمية التي دارت حول برامج الدخل الأساسي المُعمَّم. ويعكس هذا إلى حد ما غياب الخصائص التي تُميز دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي قادت إلى التفكير في تطبيق مثل هذه البرامج، تحديداً العلاقة بين العمالة الرسمية والعمالة المأجورة غير الرسمية التي تُشكل الأساس الذي تقوم عليه العديد من برامج التأمين الاجتماعي. يوجد في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قطاعات غير رسمية كبيرة يصعب على الدولة تنظيمها وإدارتها، وكذلك أنظمة ضريبية ضعيفة نسبياً، فضلاً عن برامج الرعاية الاجتماعية الرسمية التي تعتبر بدائية أو محدودة، مع اعتماد العديد من المواطنين بشدة على المؤسسات والخدمات غير الحكومية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

على صعيد آخر، لم تستفد المنطقة من التحول التجريبي الأخير الذي يختبر الآثار المترتبة على التحويلات النقدية في الاقتصادات النامية، والذي ركز على البلدان ذات الدخول المنخفضة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أو آسيا، حيث تكون التجارب الطموحة أقل كلفةً ومن المرجح أن تحظى بموافقة الحكومة. خلاصة القول، استثنيت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من النموذجين العامين اللذين تناولتهما مناقشات الدخل الأساسي المُعمَّم، وهما: النماذج التي تتمحور حول أوروبا والمنبثقة من دولة الرعاية الاجتماعيّة، والتجارب الحديثة لبلدان القطب الجنوبي التي تعتمد على النقض المباشر كسبيل لتحقيق التنمية.

بيد أنه حتى عندما بادرت حكومات المنطقة إلى تنفيذ برامج ضخمة للتحويلات النقدية، لم تحظى هذه البرامج بالاهتمام الكافي. على سبيل المثال، يُعد البرنامج الإيراني لعام 2011 (الذي سبقت مناقشته في القسم السابق) واحداً من أكثر البرامج التي شهدناها طموحاً، إلا أنه نادراً ما يتم ذكره في مقارنات برامج الدخل الأساسي المُعمَّم. وينطبق الأمر نفسه على نماذج أخرى من التحويلات النقدية في المنطقة، مثل برنامج الكويت للأجور الموحدة لعام 2011 أو برنامج "حساب المواطن" في المملكة العربية السعودية، الذي بدأ في كانون الأول/ديسمبر 2017 لتقديم الدعم المادي المباشر في صورة تحويلات نقدية من وزارة العمل والتنمية الاجتماعية للأسر السعودية ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، بهدف التعويض عن تأثير زيادة أسعار الطاقة وفرض ضريبة القيمة المضافة على الأغذية والمشروبات. ووفقاً لما ذكره مسؤولون، وزع البرنامج 66 مليار ريال (17.5 مليار دولار) على 2.3 مليون أسرة حتى شباط/فبراير.

لا يمكن تبرير إقصاء هذه النماذج من مناقشات برامج الدخل الأساسي المُعمَّم على أساس مفاهيميّ، لا سيما بالنظر إلى مدى اتساع نطاق المعايير اللازمة لإدراج برنامج تحت مظلة "الدخل الأساسي المُعمَّم". بل في الحقيقة يكشف هذا الإقصاء المُتكلف عن تحيز أكثر شيوعاً ضد سياسات الرعاية الاجتماعية التي توصف بأنها "شعبوية" أو قائمة على "المحسوبية". ولا يقتصر هذا التحيز على المنطقة فحسب، بل يذكرنا بالهجمات التي تعرضت لها سياسات الرعاية الاجتماعية الأميركية والأوروبية خلال حقبة السبعينيات وحتى التسعينيات. وفي الوقت الراهن، تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ادعاءات مماثلة ترى أن كل من يأخذ أيّ شيء من الدولة قد تم "السيطرة عليه أو استمالته أو إسكاته مقابل المعونات التي يتلقاها".

بغض النظر عن كيفية دمج نماذج وتجارب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (أو بالأحرى عدم دمجها) في النقاشات الدولية، فماذا يُمكن أن يُقال عن الدخل الأساسي في المنطقة؟ أولاً، ما هي احتمالات رؤية نماذج لبرامج جديدة أو موسّعة من الدخل الأساسي في ظل الأنظمة الحالية؟ ما هي أُطر المناقشة إذا ركزنا على الجدوى والتكلفة من منظور صانعي السياسات الحاليين؟ ثانياً، والأكثر أهمية، ما هو الدور الذي ينبغي للدخل الأساسي المُعمَّم أن يضطلع به (إن كان له دور) في المطالبة بالتغيير والعدالة الاجتماعية في المنطقة التي يتم الاعراب عنها منذ عام 2011؟

5.1 الدخل الأساسي المُعمَّم في ظل الأنظمة الحالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

ثمة مناقشات محدودة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتناول الدخل الأساسي المُعمَّم، من حيث التعريف الكامل للمصطلح، لا التقريبات التي شاهدناها بالفعل في مختلف أنحاء العالم. تتم هذه النقاشات المحدودة في أوساط بعض الاقتصاديين والصحفيين، واضعين نصب أعينهم في مصر ودول الخليج، فضلاً عن المنظمات الإقليمية مثل صندوق النقد العربي التابع لجامعة الدول العربية أو المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية.

في هذه النقاشات الأولية، ينصب التركيز على حسابات التكلفة وخيارات التمويل، وتتلقى خيارات التمويل اهتماماً شكلياً دون تقديم مقترحات أو طرح إستراتيجيات مفصلة. وفقاً لتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية عام 2018، فإن تكلفة تنفيذ برنامج دخل أساسي مُعمَّم من شأنه توفير مستوى معيشة أساسي شامل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُقدر بنحو 17.9% من الناتج المحلي الإجمالي (استناداً إلى معادلة حسابية تستخدم خطوط الفقر المحددة على الصعيد الوطني وفقاً لتوصيات منظمة العمل الدولية بشأن تأمين الدخل، وبافتراض أن الأطفال سيتلقون نصف ما يتلقاه البالغون). ومن المثير للاهتمام أن هذه هي النسبة الأدنى في أي منطقة على مستوى العالم، إذ تبلغ 25% في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية و50.3% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبحسب تقرير صادر في آذار/مارس 2020 عن صندوق النقد العربي، فإن التكلفة السنوية لبرنامج الدخل الأساسي المُعمَّم الذي تم تحديد قيمته بنحو 25% من متوسط دخل الفرد ستتراوح من حد أدناه مليار دولار على الأقل في جيبوتي وموريتانيا، إلى حد أقصاه 195 مليار دولار في المملكة العربية السعودية، و101 مليار دولار في الإمارات العربية المتحدة. وتأتي مصر في المنتصف بتكلفة تبلغ 76 مليار دولار سنوياً، والعراق 56 مليار دولار.

من أين قد تأتي هذه المبالغ اللازمة للتمويل في منطقة ذات أدنى نسبة إيرادات ضريبية من الناتج المحلي الإجمالي في العالم (5.3% عام 2015)؟ ووفقاً لبعض خبراء الاقتصاد، تُشكل معدلات تحصيل الضرائب المنخفضة مصدراً للقوة في الوقت الراهن: لأنه عندما تبدأ عند مثل هذا المستوى المنخفض من الأساس، لن يوجد أمامك خيار سوى زيادته. وفي إشارة إلى النموذج المصري، يرون أن تنفيذ برنامج دخل أساسي مُعمَّم في خضم الجائحة قد يكون فرصة لتحسين معدلات تحصيل الضرائب.

ومع ذلك، ندرك أنه لا بد أن تكون مصادر التمويل غير رجعية، لكي يكون للدخل الأساسي المُعمَّم آثار على إعادة التوزيع، أي أن تمويل مثل هذه البرامج لا يجب أن يأتي من فرض الضرائب على الأسر بشكل عام أو حرمانها من الاستحقاقات الاجتماعية الأساسية. ولا ينبغي أيضاً أن تعتمد على الزيادات في ضريبة القيمة المضافة المرتفعة نسبياً بالفعل في مختلف أنحاء المنطقة، والمسؤول الرئيسي عن الاختلالات الهيكلية في النظام الضريبي. ففي مصر مثلاً، تمثل ضريبة القيمة المضافة نحو 50% من العائدات الضريبية (التي تُشكل بدورها 14% من الناتج المحلي الإجمالي). وفي نفس الوقت، ثمة احتمال ضعيف أن نشهد تطبيق أنظمة ضريبية تصاعدية. وما لم يتم الإطاحة بهياكل الأوليغارشية الحالية، فمن الصعب أن نعلق الأمل على إجراء إصلاحات ضريبية من شأنها اقتطاع الدخل من أغنى أفراد المجتمعات العربية من خلال فرض ضرائب أعلى على الثروة والأصول الرأسمالية أو الأنشطة والمعاملات المالية.

نظراً للمشهد الضريبي الذي لا يُبشّر بالخير، إذا كان لمقترحات برامج الدخل الأساسي المُعمَّم أن تكتسب المزيد من الزخم، فمن المرجح أن تظل خطط التمويل في نطاق: (1) إعادة توزيع النفقات العامة، (2) استثمار العائدات من الصناعات الهيدروكربونية. وقد تتضمن تصورات النماذج التقدمية الأكثر جرأةً: (3) إعادة هيكلة الديون الحالية أو (4) جعل برامج الدخل الأساسي المُعمَّم جزءاً من المساعدات الخارجية.

(1) لعل أكثر السبل المحتملة التي يمكننا تصورها لنماذج أكثر توسعاً من الدخل الأساسي في ظل الأنظمة الحالية، ستكون ضمن برنامج عام لإعادة توزيع بل وخفض النفقات العامة. لقد كان خفض التمويل العام أحد الركائز الأساسية لمسار الانفتاح الاقتصادي في المنطقة، القائم على الأيديولوجيات النيوليبرالية العابرة للحدود الوطنية لما يُشكل التنمية الاقتصادية، والتي أقرتها "برامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي" التابعة للمؤسسات المالية الدولية، في مقابل عمليات الإنقاذ المالية لتغطية نقص العملات الأجنبية أو العجز في الميزانية. وفي هذا السياق، تصبح التحويلات النقدية وسيلة لتخفيض ألم الإصلاحات القاسية، مثل إلغاء دعم أسعار السلع والخدمات الأساسية. وكما تبين من حالتي إيران والمملكة العربية السعودية، فإن برامج التحويلات النقدية كانت تُعد بمثابة "إعانات نقدية"، أو تحويلات تحل محل إعانات دعم الأسعار التي يتم إلغاؤها تدريجياً على الخبز والمياه والكهرباء والتدفئة والوقود. يشبه هذا الشكل من برامج الدخل الأساسي المُعمَّم إلى حد ما أنماط السوق الحرّ التي سبق نقاشها في القسم 3.1 والتي بموجبها يُشكل الدخل الأساسي جزءاً من تقليص الاستحقاقات الاجتماعية وليس توسعها.

ومع ذلك، حتى في الدول ذات الدخول المرتفعة في مجلس التعاون الخليجي، لم يعد من البديهي أن يحاول صناع السياسات التخفيف من حدة خفض الإعانات. وكما هو الحال في الدول الأخرى ذات الدخول المرتفعة في مختلف أنحاء العالم، فإننا نشهد صراعاً عنيفاً بين أولئك الذين يدعون إلى ضخ الأموال في الاقتصاد في صورة توزيعات نقدية (سواء على أمل تحفيز الطلب الاستهلاكي، أو كشبكة أمان لتفادي السخط الشعبي) وأولئك الذين يؤيدون التقشف، في حين تُشير التدابير الأخيرة التي اتخذتها المملكة العربية السعودية، والتي أدت إلى زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى ثلاثة أضعاف وتعليق بدل غلاء المعيشة لموظفي الدولة، إلى ميل التوازن لصالح التقشف. فضلاً عن ذلك فإن التصورات الحالية للأسر المالكة للعقد الاجتماعي مع مواطنيها لا تُبشّر أيضاً بخير فيما يتعلق بتوسيع نطاق الدخل الأساسي. إذ تنهمك النخبة الحاكمة في دول الخليج في مشروع يهدف إلى تحويل المواطنين الذين يرون أنهم "متلقون سلبيون للرعاية الاجتماعية" إلى "مواطنين جدد مدفوعين بروح المبادرة". وما يصحب ذلك من تركيز على ريادة الأعمال، والاقتصادات المعرفية، والتصورات النيوليبرالية للعلاقات بين الدولة والمواطنين، من شأنه أن يُقلل من احتمالات التوسع في شبكة الأمان.

لن يكون هذا السبيل غير مألوف بالنسبة للمنطقة. فلن تكون هذه هي المرة الأولى التي يؤدي فيها انهيار أسعار السلع الأساسية إلى اتخاذ تدابير تقشفية قاسية. على سبيل المثال، أدى انهيار أسعار النفط عام 1986 إلى اتخاذ تدابير تقشفية قاسية عام 1988 في الجزائر (وهي من أكبر الدول المُصدرة للغاز الطبيعي) وكذلك الأردن (بسبب انخفاض المعونة الخارجية)، واندلع تبعاً لذلك انتفاضات الخبز في كلتا البلدين. أما الجديد الآن فهو أن التدابير التقشفية تكتسب زخماً في دول مجلس التعاون الخليجي.

(2) يتمثل المصدر الثاني من مصادر التمويل المحتملة لنماذج الدخل الأساسي في دول مجلس التعاون الخليجي في صناديق الثروة السيادية. على غرار أغلب صناديق الثروة السيادية في مختلف أنحاء العالم، استحوذت صناديق دول مجلس التعاون الخليجي على العائدات الاستثنائية غير المتوقعة من الصناعات الهيدروكربونية وحولتها إلى أصول مالية. في الوقت الراهن، يُنظر إلى هذه الأموال على أنها ودائع مُدخرة "للأيام العصيبة" يُمكن استغلالها في مواجهة تحديات الاقتصاد الكلي مثل العجز المتوقع في المدخرات، وتقلبات العملة، وأهداف الاستثمار في البنية التحتية، والعجز الهيكلي. من حيث المبدأ، يمكن أن تشكل هذه الأموال صناديق مجمعة لعائدات الدخل الأساسية، على غرار نموذج ألاسكا الذي سبقت مناقشته في القسم 4. ثمة تشابه آخر بين صناديق الثروة السيادية في دول الخليج وغيرها، فلم تُبد أي من الصناديق في دول مجلس التعاون الخليجي رغبة لاتخاذ مثل هذه الخطوة. ومن المستبعد أن يتغير ذلك الآن، نظراً لانخفاض أسعار النفط وقلق الحكومة إزاء مستويات التمويل.

(3) بعيداً عن دول مجلس التعاون الخليجي، من المحتمل أن يتطلب أي نظام للدخل الأساسي في المنطقة خفض أو إلغاء الديون الحكومية القائمة. في الدول غير المنتجة للنفط في المنطقة، بلغ متوسط نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 88% عام 2018. وبناءً على البيانات المتوفرة لعام 2020، تتصدر الدول التالية قائمة نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي: لبنان (158%)، والأردن (90%)، ومصر وموريتانيا (76%)، والمغرب بنسبة 64%. بينما تشمل البيانات لعام 2018 اليمن ضمن القائمة، حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 63%.

أثارت الجائحة المطالبات ليس بتخفيف عبء الديون من جانب الوكالات الدولية ومؤسسات الإقراض فحسب، بل بإلغاء الديون بالكامل بالنسبة للدول النامية. وحتى الآن، جاء التحرك الوحيد لخفض الديون فعلياً، وليس مجرد تأجيل سدادها، من صندوق النقد الدولي، الذي قدم في نيسان/إبريل منحاً تغطي مدفوعات ديون 25 دولة للصندوق لمدة ستة أشهر، علماً بأن اليمن هي الدولة الوحيدة بين تلك الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ونظراً للزخم الدولي الذي حققه هذا التحرك، والقبول الإعلامي الذي حاز عليه، فضلاً عن التأثير الهائل الذي قد يخلفه على تحرير الإنفاق الحكومي في المنطقة، لابد وأن يكون إلغاء الديون على رأس أولويات المؤيدين للدخل الأساسي المُعمَّم الآن.

(4) وأخيراً، يثير مصدر آخر مهم للإيرادات الحكومية في المنطقة، وهو المساعدات الخارجية، التساؤل حول سبب عدم تقديم برامج الدخل الأساسي المُعمَّم كجزء من المعونة الإنمائية، سواء في المنطقة أو خارجها. طبقاً لمنظمة العمل الدولية: "هذه مسألة أولويات، إذ تُقدر تكلفة برامج الدخل الأساسي المُعمَّم في الدول ذات الدخل المنخفض التي من شأنها أن تقضي على الفقر بين عشية وضحاها في تلك الدول، بحوالي 0.68% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يعادل 3% من المبلغ الذي أعلنته حكومات مجموعة العشرين لإنقاذ القطاع المالي عام 2009 أو 20% من الإنفاق العسكري على مستوى العالم". لعل هذه الجائحة، من الناحية النظرية، تُمثل فرصة سانحة لإعادة النظر في التعاون الدولي وهياكل المساعدات بين الدول. بيد أنه حتى الآن، لم نشهد سوى ميل الحكومات إلى الانغلاق على الذات، للتركيز على تداعيات تفشي الجائحة والاضطرابات الاقتصادية العميقة الناجمة عنها.

لعل التغيير الأكثر احتمالاً قد لا يأتي من إعادة الدول النظر في برامج المساعدات الخارجية، بل من المنظمات غير الحكومية التي يمتلك بعضها ميزانيات إنمائية تنافس المساعدات الحكومية. ولعل هذا هو الوقت المناسب للمؤسسات الخيرية والمنظمات غير الربحية لتطبيق الدروس المستفادة من تجارب التحويلات النقدية السابقة خلال العقد الماضي، والتي تقضي بإعادة توزيع الأموال مباشرة على الفئات المهمشة من السكان، بدلاً من توجيهها إلى برامج التدريب على اكتساب المهارات وغيرها من البرامج العينية.

بالانتقال الى مسائل غير متعلقة بالجدوى والتكلفة في ظل أنظمة الاقتصاد السياسي الحالية في المنطقة: هل يجب أن يكون الدخل الأساسي الملائم للعيش أحد الركائز الأساسية لمطالب العدالة الاجتماعية التي تنادي بها الحركات الاجتماعية في المنطقة؟ وإذا افترضنا أن ثمة إمكانية لصياغة برنامج للتمويل، فهل نود ذلك؟

5.2 الدخل الأساسي المُعمَّم والعدالة الاجتماعية: جسر أم مجرد مسكن للوضع؟

يحتم الدخل الأساسي المُعمَّم، شأنه شأن العديد من الفلسفات والسياسات المعنية بكيفية توزيع الموارد في المجتمع، العودة بشكل فوري إلى التساؤلات الأساسية: حول الطبيعة البشرية - هل الكسل جزء من طبيعتنا؟ وحول علاقتنا بالعمل - هل نريد أن نتحرر من العمل أم فقط العمل المأجور المُنفر؟ وحول المجتمعات التي نرغب العيش فيها - ما هو أفضل عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع؟

تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سبيل الإجابة على هذه التساؤلات أكثر من أي منطقة أخرى في العالم. فقد احتلت قضية إعادة تعريف العلاقات بين الدولة والمجتمع والنماذج التنموية والأبعاد الاقتصادية الخاصة بتوزيع الموارد وإعادة توزيعها الساحة طيلة العِقد الماضي. وطالبت الانتفاضات الشعبية التي اندلعت عامي 2010 و2011 بالوظائف والعدالة الاجتماعية مثلما نادت بالديمقراطية والكرامة. بيد أن الركائز الاجتماعية الاقتصادية لهذا الغضب الشعبي اتضحت اكثر في الموجات الثورية التالية التي شبت في الجزائر والعراق ولبنان والسودان.

هل للدخل الأساسي المُعمَّم دور في السعي لتحقيق تغيير جذري للوصول إلى اقتصاد سياسي مختلف في المنطقة؟ من المفيد هنا العودة إلى تاريخ برامج الدخل الأساسي المُعمَّم والمعارك التي واجهتها. فقد انبثقت بعضٌ من أعنف الخطابات المعارضة للدخل الأساسي المُعمَّم، إزاء تطوره في السياقات الأوروبية والأميركية، ليس من مخاوف اليمين من انتشار الجموع الخاملة العاطلة عن العمل في كل ركن، بل من اليسار الذين يعتقدون أنه ليس كافياً لإحداث تغيير جذري بل ربما يأتي بنتائج عكسية فيما يخص العدالة الاجتماعية. إذ يرون أن الدخل الأساسي المُعمَّم ليس جسراً نحو عالم ما بعد الرأسمالية، بل ضمادة (أو بشكل أكثر سخرية، مسكن للآلام) للرأسمالية. أما الأصوات الأقل تعاطفاً فتعتبر الدخل الأساسي المُعمَّم حصان طروادة للنيوليبرالية.

يزعم البعض أنه إذا كان الهدف من الدخل الأساسي المُعمَّم هو القضاء على الفقر فثمة نهج أقل تكلفة من توزيع الأموال النقدية على الجميع بغض النظر عن الظروف، يتمثل في وضع برنامج استحقاقات حكومية للبطالة بناءً على حد الفقر على أن يشمل جميع الأفراد العاطلين عن العمل بصرف النظر عن موقعهم في هيكل الأسرة. وإذا كان الهدف هو الحد من أوجه عدم المساواة، فإن رفع الحد الأدنى للدخل لن يحقق الهدف الرئيسي ولن يقتلع جذور المشكلة.

أما إذا كان الهدف هو تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، فلماذا ينبغي أن ندفع أموالاً بالتساوي لهؤلاء الذين يقومون بالأعمال المنزلية وأعمال الرعاية بلا أجر (غالباً النساء) ولغيرهم أيضاً ممن لا يقومون بتلك الأعمال؟ أليس من الأحرى أن نطالب بالتركيز بوجه خاص على إعادة التفكير بطريقة ملائمة في الانتاج الاجتماعي؟ لا سيما وهذا التركيز موجود بالفعل على أرض الواقع (في السويد)، لماذا لا نضع هذا النوع من أنظمة الرعاية الاجتماعية نصب أعيننا بدلاً من نظام الدخل الأساسي المُعمَّم المُفتَرض؟

بالنسبة لمن يتطلعون إلى الإطاحة بأسس النظام الاقتصادي العالمي، فإن تمويل خطط الدعم الأساسي المُعمَّم من خلال الاستثمار والمضاربة في الأسواق المالية، وهي الطريقة التي تقترحها صناديق الثروة السيادية، فكرة عصية على التصديق. في حين يقول المؤيدون أن مثل هذه الخطط من شأنها تحقيق نوع من المساواة في توزيع الثروة ونقل الثروات من أيدي الأقلية إلى أيدي العامة. لكن بالنسبة إلى العديد، لا يعتبر جعل المواطنين طرفاً في التوسع الرأسمالي المتزايد للاقتصاد تقدماً حتى وإن كانت عوائد ذلك التوسع في أيدي العامة.

يرتاب المتشككون في الدخل الأساسي المُعمَّم في الافتراضات التي تنبني عليها الأسباب المنطقية المفترضة وراء ضرورة أن يكون الدخل الأساسي المُعمَّم محور التركيز الرئيسي للنشاط التقدمي. فمن جهة، يرى هؤلاء أن معظم العمال لا يسعون للتحرر من العمل بل عن الحرية من خلال العمل أو الحرية في العمل. ويشيرون إلى الدراسات الاستقصائية التي تُظهر أنه عندما يُعرب العمال عن استيائهم من وظائفهم، فإن الأسباب تُعزى غالباً إلى أنواع العلاقات الاستغلالية التي تحكم حياتهم المهنية ــ وليس طبيعة العمل ذاته. فضلاً عن ذلك، يؤكدون أنه ليس ثمة دليل على أن الأتمتة توفر العمالة وتزيد الإنتاجية بالفعل. بل في الواقع، تتجه الإنتاجية نحو التباطؤ وليس التسارع. وإذا أعدنا النظر في النقاشات التي أثيرت في القرن الماضي، سنجد أن هناك موجة حماس هائلة حول "نهاية العمل" مرتبطة بالتطور التقني تظهر كل 20 عاماً، إلا أننا حتى هذه اللحظة لم نشهد آثارها بعد.

لكن لعل النقد الأكثر حدة يتمثل فيما يلي: لا يتناول الدخل الأساسي المُعمَّم إلا مسألة توزيع الموارد، في حين يتجاهل مسألة الإنتاج مما يقوض في نهاية المطاف الفوائد المزعومة. وفقًا لمنطق الدخل الأساسي المُعمَّم، من شأن نظام الدخل الأساسي الفعال والذي يفي بمتطلبات المعيشة أن يُعزز من قوة الطبقة العاملة. لكن مثل هذا التغيير سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تراجع الاستثمارات وفرار رؤوس الأموال نظراً إلى أنها تبحث عن هوامش ربح أعلى. ومع ذلك، سيقوض تباطؤ الإنتاج الأساس المادي الذي يستند إليه الدخل الأساسي المُعمَّم مما لا يدع مجالاً لحل المشكلة سوى مواصلة الإنتاج حتى لو لم نتمكن من تحقيق أرباح. وبمعنى آخر، عاجلاً أم آجلاً سيعود إلى الساحة السؤال القديم قدم الزمان بشأن ملكية وسائل الإنتاج والذي يتجنبه دوماً المتحمسون للدخل الأساسي المُعمَّم.

قد يكون هذا النقد الجوهري هو أيضاً التحليل الأكثر أهمية لفهم الأسباب الكامنة وراء عدم قدرة الدخل الأساسي المُعمَّم على مساعدتنا في تصور مستقبل تحرري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم أوجه التباين بين الاقتصادات السياسية العربية، فإنها تتفق جميعاً على مواصلة العمل بنموذج رأسمالي غير تنموي يعاني من مشاكل كبيرة في الإنتاجية، ولا يستطيع خلق فرص عمل بأجور مجزية، ويُعيد توزيع الثروة على الفئات الأكثر ثراءً على نحو متزايد. في أفضل الأحوال يتناول الدخل الأساسي المُعمَّم هذا الجزء الأخير المعني بإعادة التوزيع. لكن ليس ثمة ما يقدمه للمنطقة لدفعها للابتعاد عن الاقتصادات المعتمدة على السلع الأساسية بكل عيوبها. إضافةً إلى ذلك، في الوقت الذي يبدو فيه العالم مُقبلاً على عصر تنخفض فيه تكلفة الطاقة، فإن الحد الأقصى المعتاد للأسعار يبدو أسوأ من ذي قبل. إذا لم يعد ممكناً أن تبدو الأرباح الناتجة عن السلع وكأنها تسد الفجوة، فما الذي تبقى لنا؟ لا يُمكن أن يُقدم الدخل الأساسي المُعمَّم سوى القليل في هذا الشأن.

في ضوء كل هذه الأسباب، من الصعب أن نطالب بجعل الدخل الأساسي المُعمَّم على رأس أولويات البرامج التقدمية سواء في المنطقة أو خارجها. يمكننا أن نقول، كما يقول العديد بالفعل، إننا لابد وأن نواصل مناقشة الدخل الأساسي المُعمَّم لأغراض استراتيجية، لأنه نجح في إثارة الخيال والاحتفاظ بمكانته في صدارة الأفكار السائدة. لا يمكننا أن ننكر أنه من الممكن لكلمات مختزلة حشد الرأي مثل فكرة "نقود بلا مقابل للجميع". بيد أن تلك الكلمات المختزلة يُمكن أيضاً أن تُشكل مسارات ملتوية تحيد بنا عن جوهر المسألة، مع خسارة الكثير على طول الطريق.