قطاع غزة بين الواقع والمآلات:  بعد تفاهمات مصر- حماس- دحلان

المحادثات الأخيرة بين مصر وحماس ومحمد دحلان، رغم أنها كانت غير متوقعة إلى حد ما، إلا أنها أشعلت النقاش حول مستقبل قطاع غزة. كما حدثت في السياق الأوسع لتجديد المفاوضات بين الولايات المتحدة والدول العربية بشأن إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة. ومع ذلك، فإن مستقبل قطاع غزة لا يزال غامضا. تقدم هذه الورقة أربعة نتائج محتملة من هذه المحادثات الأخيرة.

قطاع غزة بين الواقع والمآلات
إسماعيل هنيّة، رئيس المكتب السياسي لحركة حمـاس، أثناء مؤتمر صحفي بقطاع غزة، تموز/يوليو 2017 © EPA

ملخَّص

في ورقة جديدة من بدائل سياسات يكتب عمر شعبان عن التفاهمات غير المتوقعة التي حصلت بين حماس ومصر ودحلان، وما أثارته من مخاوف وآمال بأن مستقبل قطاع غزة على وشك التبلور؛ وفحوى إعلان حماس مؤخرا عن حل اللجنة التي أنشأتها لإدارة شؤون القطاع. كما تقدم الورقة عددا من التوصيات بخصوص التعامل مع القضية الفلسطينية.

ويقول شعبان ان هذه التفاهمات جاءت في إطار رؤية عربية أمريكية لترتيب المنطقة وإعادة صياغة المحاور الإقليمية وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إلاّ أن متغير التفاهمات المفاجئ (دحلان- حماس- مصر) أحدث تحولات يمكن قراءتها من خلال أربع سيناريوهات.

يُعتبر السيناريو الأول، الذي يتناول تحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، هو الأمثل للم الشمل الفلسطيني. ولكنه ما زال يتعثر.

أما الثاني، القائم على التفاهم بين حماس ودحلان بعيداً عن السلطة الفلسطينية والذي يبدأ بمدخل إنساني؛ فإنه قد ينتهي بانفصال قطاع غزة والقضاء على فرصة إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 إن تم دون توافق.

أما السيناريو الثالث الذي يطرح مقاربة أمنية مقابل تحسين الظروف المعيشية في قطاع غزة؛ فقد يكون مقبولاً على مضض من الأطراف. ولكن ثمّة تخوّف من أن يتحوّل لوضع دائم يؤدي لإقامة دويلة غزة.

أما الرابع القائل بإمكانية اندلاع حرب جديدة على قطاع غزة فهو كارثي، رغم أنه مستبعد حالياً نظراً للتدخل المصري وعدم حاجة دول الإقليم لحرب جديدة تعطّل الحلّ الإقليمي والتقارب المنتظر مع إسرائيل في مواجهة الإرهاب وإيران.

وفيما يخص إعلان حماس في أيلول/سبتمبر 2017 حلّ اللجنة الإدارية التي عوقبت على تشكيلها من قبل السلطة الفلسطينية، يرى الكاتب على أنه تقدير للجهد المصري وتعبير حسي عن تنامي التنسيق والتفاهم بين الطرفين.

وتوصي الورقة في النهاية بتحقيق المصالحة وتمكين حكومة الوفاق أو الوحدة الوطنية من أداء مهامها وبعدم الزج بالقضية الفلسطينية في النزاعات والاصطفافات الإقليمية، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية باعتبارها الضامن لإنهاء أية مطالبات قد تنتج عن قصور المبادرات.

كما توصي الورقة كذلك المجتمع الدولي بالتحرّك الجدي لحل القضية الفلسطينية التي من شأن حلها المساهمة في إغلاق باب الإرهاب في المنطقة، والحد من موجات الهجرة، وتهدئة الصراعات الإقليمية.

اقرأ المزيد

أثارت التفاهمات التي حصلت أخيراً بين حماس ومصر ومحمد دحلان، النقاش والمخاوف والآمال أيضاً بأن مستقبل قطاع غزة على وشك التبلور. لكن دون القدرة على تحديد الشكل والسياق بعد. ولم تكن هذه التفاهمات متوقعة في ضوء الخصومة الشديدة بين حركة حماس التي تحكم قطاع غزة منذ حزيران/يونيو 2007، ورجل فتح القوي النائب في المجلس التشريعي محمد دحلان، ومصر التي تعتبر حركة حماس جزءاً من تنظيم الإخوان المسلمين وغير شرعية بحسب القاهرة. جاءت هذه التفاهمات في إطار رؤية عربية أمريكية لترتيب المنطقة وإعادة صياغة المحاور الإقليمية وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هذه الرؤية بدأت ملامحها في التمظهر بعد زيارة ملك الأردن في 4 نيسان/إبريل 2017 لواشنطن ثم زيارة الرئيس المصري في 6 نيسان/إبريل 2017، ثم زيارة الرئيس محمود عباس في 2 أيار/مايو 2017، والتي أكد فيها أمام الجالية الفلسطينية والعربية "أنه جاء إلى الرئيس ترامب بشيء مكتوب تم التوافق عليه مع رؤساء دول عربية". وجوهر ما تضمنته رؤية عباس للحل هو دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي إطار تفاعل الرئيس الفلسطيني مع الرؤية العربية؛ بدأ الرئيس تحركاً لإعادة قطاع غزة ليكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني استعداداً للتعامل مع المبادرات المطروحة لحل الصراع. لذلك أعلن الرئيس أمام مؤتمر سفراء فلسطين بالمنامة عاصمة البحرين في 11 نيسان/إبريل؛ أنّ السلطة الفلسطينية بصدد "اتخاذ خطوات حاسمة" لمواجهة الوضع الخطير الذي أوجدته حركة حماس في غزة" بتشكيلها اللجنة الإدارية. وقد تمثّلت هذه الخطوات بتقليص رواتب الموظفين بنسبة 30%، وتخفيض كمية الكهرباء، ووقف مخصصات أسرى من حماس في غزة. وقد جاءت هذه الإجراءات في ظل تحديات اجتماعية واقتصادية ضاغطة بقوة على سكان القطاع، وفي ظل شحٍّ شديد في الموارد المالية. وإغلاق شبه دائم لمعبر رفح، وتهديدات إسرائيلية متكررة بشن حرب رابعة على قطاع غزة.

اعتقد كثيرون أن إجراءات الرئيس محمود عباس هذه ستجبر حماس على أن تتراجع وتحلّ لجنتها الإدارية التي شكّلتها حديثاً لإدارة قطاع غزة في ضوء عدم قيام حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني بمهامها كما تقول حركة حماس؛ إلاّ أن متغير التفاهمات المفاجئ (دحلان- حماس- مصر) أحدث تحولات يمكن قراءتها من خلال السيناريوهات الآتية:

السيناريو الاول: تحقيق المصالحة الفلسطينية وتوحيد النظام السياسي والمجتمع الفلسطيني

في هذا السيناريو يتم تحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، أو بين الرئيس ومحمد دحلان، أو بين الأطراف الثلاثة، وهو الأمر الذي يرتبط إلى حدٍّ كبير بمصالح الأطراف الفلسطينية وإرادتها وتصميمها على تحقيق الوحدة وارتباطاتهما الإقليمية. ووفقاً لهذا السيناريو يتم حلّ اللجنة الإدارية وتمكين حكومة التوافق أو حكومة وحدة وطنية من إدارة تمارس مهامها وصلاحياتها في قطاع غزة، وتحضّر لإجراء انتخابات عامة. وبالتوازي مع ذلك تعقد اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني جلسة تسعى إلى دمج الفصائل وتطوير المنظمة وتوحيد الصف الوطني واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

ويزيد من حاجة الأطراف للمصالحة أن حماس ودحلان لا يملكان الاعتراف الإقليمي والدولي للتعامل مع المجتمع الدولي ومؤسساته، ولا يوجد لهما تمثيل دبلوماسي لإدارة مصالح سكان غزة، وليس لديهما سيطرة على البنوك وإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، وتوفير الرواتب وتمويل مشاريع استراتيجية مثل محطة تحلية المياه، ومحطة كهرباء، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي. الأمر الذي يجعلهما يرتبطان بالسلطة رسمياً حتى في ظل إدارة ذاتية مستقلة. كما أن مصر لن تسجل على نفسها أنها الطرف الذي يرسخ انقسام الشعب الفلسطيني، ويشكك في تمثيله أمام العالم. وحتى تشغيل معبر رفح سيكون لو تم بإدارتهما تنازلاً مصرياً في إطار سياسة احتواء حماس وإبعادها عن المعسكر القطري. كما أن السلطة والرئيس بحاجة لتوحيد الشعب الفلسطيني أمام اعتماد الإدارة الأميركية الحل الإقليمي وإعطاء الأولوية فيه لتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وتشجيع هذه الإدارة للرؤية الإسرائيلية المتمثلة بإقامة دولة في غزة وضم معظم الضفة مقابل حكم ذاتي في كانتونات متفرقة. وهو ما يعني تصفية القضية الفلسطينية. وكذلك للوقوف في وجه الضغوط الأمريكية بشأن وقف رواتب الأسرى والشهداء.

ورغم الخلاف بين الأطراف حول الخطوة الأولى – أي حل اللجنة الإدارية وتمكين حكومة الوفاق وفق رؤية السلطة، أو تحمّل حكومة الوفاق مسؤولياتها ثم حلّ اللجنة الإدارية وفق رؤية حماس – يبقى خيار المصالحة رغم الفشل في تحقيقه خلال عشر سنوات الخيار الأمثل لكل الأطراف الفلسطينية. فهو يحقق الوحدة بين الضفة بمساحتها وإمكانياتها وقطاع غزة بموقعه الجغرافي وموارده البشرية. كما يجمع بين الشرعية الفلسطينية التي يمثّلها الرئيس عباس وشرعية المقاومة. وتمثّل وثيقة حماس السياسية الأخيرة1خلال مؤتمر صحفي عُقِد بالدوحة بتاريخ 1/5/2017 أعلن خالد مشعل عن وثيقة للمبادئ والسياسات العامة لحركة حماس، جاءت في 42 نقطة، من أبرز بنودها قبول حماس بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط 4 حزيران/يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها. فرصة ليقبل العالم بمشاركتها في النظام السياسي الفلسطيني بعد أن قبلت بدولة على حدود 1967.

وقد تدفع التطورات بالأطراف إلى التقارب، وهو ما تريده حماس، بل ويريده دحلان رغم التسريبات حول اتفاقهما على تجريد الرئيس من صلاحياته السياسية. فحال تقارب حماس من دحلان قد تدفع السلطة إلى تقديم تنازل لحماس لإبعادها عن التحالف مع دحلان. ومن جهة أخرى قد تدفع هذه العلاقة بالرئيس للتصالح مع دحلان تحت الضغط المصري مقابل عدم تشكيل تحالفات تمسّ بمكانة الرئيس وتمثيله للشعب الفلسطيني. كما أن مصر مهتمة بإبعاد حماس عن محور قطر-تركيا-إيران، وفي الوقت نفسه لا تريد المسّ بشرعية الرئيس محمود عباس، وهو ما سيدفعها لإيجاد صيغة تسمح باستمرار التفاهمات وإدخال الرئيس طرفاً فيها، بحيث تفضي إلى حل اللجنة الإدارية وتمكين حكومة الوفاق بتسليمها كافة المهام في القطاع.2الرئيس عباس: جئت إلى واشنطن بمشروع سلام مكتوب تم التوافق عليه عربياً، سما الإخبارية، 3/5/2017. أو تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس برنامج منظمة التحرير، والتحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية.3أربعة شروط مختلفة تضعها فتح وحماس قبل بدء الحوارات الثنائية، سوا، 18/4/2017.

السيناريو الثاني: استمرار التفاهمات وتقدمها

كان يمكن أن يكون متغير التقارب الناشئ بين محمد دحلان وحماس، بغطاء مصري وتمويل إماراتي، عادياً في ظل المناكفات بين فتح وحماس وفتور علاقة السلطة الوطنية بمصر أحياناً. ولكن هذا المتغير بدا خطيراً في ظل التغيرات والاصطفافات المتسارعة في الإقليم، بالإضافة إلى ما يُطرح من مشاريع حديثة الشكل، قديمة المضمون، لحل القضية الفلسطينية بحسابات الإقليم، وليس على أساس القرارات الدولية.4صابر، العارف، 2017، التناقضات الفلسطينية إلى تصاعد.. وتجاهل عباس للتقارب بين دحلان وحماس يثير علامات استفهام:

إن مثلث التقارب الجديد يبدو في ظاهره بحثاً عن تكتيكات لتجاوز الأوضاع السيئة في قطاع غزة؛ أما في مضمونه العميق فهو بحث عن دولة في غزة، وفق حلّ توافقي عربي للقضية الفلسطينية، الذي تسعى أميركا إلى تبنّيه، وفق قياسات إسرائيلية. وتُعرف هذه الصفقة بصفقة القرن، وتقضي بإدخال إسرائيل إلى المنطقة باعتبارها إحدى المكونات الطبيعية التي لا خلاف حولها! وقد فصّل الدكتور أنور عشقي* هذه الرغبات الجديدة، قائلاً: "إن المملكة ستتجه للتطبيع مع إسرائيل بعد تطبيق المبادرة العربية".* ومن جانبه طرح نتانياهو مبادرة مختلفة قليلاً، تكون فيها الدولة الفلسطينية اتحاداً كونفدرالياً بضمان من الأردن ومصر، ويُترك أمر القدس إلى النهاية. والمبادرة تدرس الآن في الولايات المتحدة.

إن خطورة المبادرة الإسرائيلية يمكن أن تتجاوز "المبادرة العربية"[5] التي بحسب أوفير إسرائيل** : مرفوضة ولا تحقق أمن إسرائيل، لذلك تعرض إسرائيل مبادرة جديدة تتضمن "الاعتراف بالأغلبية اليهودية، مع انفصال ديموغرافي، وحلّ مشكلة اللاجئين من خلال تجنيسهم، واعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري".[6]

وتكمن خطورة هذا الطرح في أنه يتزامن مع ضعف عربي، فالمرجح أن الضغوط ستوجه للطرف الفلسطيني، الأضعف.[7] وهذا الطرح الذي سيصطدم برفض الرئيس محمود عباس؛ يمكن أن يُمرر من خلال التقارب بين حماس ودحلان، الذي لا تمانعه إسرائيل.[8] فدحلان يريد أن يكون له دور في رسم السياسة الفلسطينية، ويمكن أن يوفر ذلك لحماس غلافاً يتجاوز وسمها بالإرهاب. واحتمالية موافقة حماس، تتأتى من كونها – بحسب عشقي – قد "وافقت على مبادرات شبيهة عندما حكم الإخوان مصر، كما أن وثيقة حماس الأخيرة، أظهرت موافقتها على حل الدولتين".[9]

صحيح أن تقارب الفرقاء هذا مضمونه هو التغلب على الخصم القوي محمود عباس؛ لكن خطورته تكمن في التجاوب مع المبادرات الجديدة، إذ قد ينتج عنه هدر للمشروع الوطني الفلسطيني، بفصل قطاع غزة عن مشروع الدولة الفلسطينية، وخصوصاً إذا استمرت مصر بدعم هذا التقارب من منطلقات أبرزها:

  • الحفاظ على أمنها القومي في ظل استمرار العمليات الإرهابية في سيناء. مما يمكن أن يُسرّع إجراءات التفاهم مع حماس، من خلال تقديم مصلحة أمنها القومي، على الملف السياسي، خصوصاً إن أظهرت حماس تعاوناً أمنياً ملموساً.
  • تلاشي خطر انزلاق قطاع غزة في حال من الفوضى، مع تصاعد حدّة الانقسام.
  • ارتباط مصالحها الاقتصادية مع الخليج، واصطفافها مع المحور السعودي في مواجهة المحور القطري-التركي-الإيراني، وهو ما يتطلب احتواء حماس وإبعادها عنه.

أيّاً يكن المسار الذي يأخذه التقارب الثلاثي؛ فإن اتجاهاته الكامنة سوف تقوّض المؤسّسات والهياكل القائمة لمنظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها في حال ترسيخه. لكن المرجّح أن مصر تفضّل إجراء الاختبارات التكتيكية، للضغط على الرئيس محمود عباس لتقديم تنازلات؛ إما باتجاه دحلان، أو باتجاه حماس، أو تقديم تنازلات للانخراط في الحل العربي المقترح.

السيناريو الثالث: مراوحة التفاهمات (بقاء الوضع كما هو عليه)

لا تعدو هذه التفاهمات كونها تكتيكات للتخفيف عن غزة، في ظل التقييد والعجز الدبلوماسي والواقع القاسي الذي فرضه الإقليم، وحال العوز والسقوط في قطاع غزة. فمصر لن تتجاوز الرئيس الفلسطيني، والإقليم لم يحسم خياراته تجاه الرئيس الفلسطيني وإزاحته عن المشهد، على الأقل فيما يخص قطاع غزة.[10] حيث أكد المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير علاء يوسف أن: "مصر لا ترعى أي اتفاقيات بين دحلان وحماس تمس بوحدة الشعب الفلسطيني وشرعيته بعيداً عن منظمة التحرير والرئيس عباس، لكن مصر لا تمنع الفلسطينيين من الجلوس مع بعضهم من أجل المصالحة بين الأشقاء".[11]

ويبدو أن القيادة المصرية استثمرت تراجع قطر، بإبعاد حماس عن الأخيرة، بالإضافة إلى تأمين حدودها مع قطاع غزة، وقطع أية علاقة مفترضة بين حماس وجماعات في سيناء، والتخفيف عن غزة بغية عدم انفجارها.[12] في المقابل تحصل حماس على عدة مكاسب أبرزها تخفيف حدة الحصار، في ظل خيارات الحركة المحدودة، وتردي الأوضاع في قطاع غزة.[13] وبالنسبة لإسرائيل، يقول الكاتب في صحيفة معاريف يوسي ملمان: "إن إسرائيل تدخلت سرياً من خلف الكواليس، فهي تعيش معضلة باستجابتها لطلب السلطة بتقليص الكهرباء، لكنها لا تريد الانفجار أو التصعيد العسكري في قطاع غزة"، ويؤكد ذلك تصريح أفيغدور ليبرمان أن: "ضغوط الرئيس عباس على حماس ستجرها إلى حرب مع إسرائيل".[14]

يبدو أن لا أحد يحبّذ سيناريو انفجار قطاع غزة، وما زال الجميع يفرّق تماماً، بين إضعاف حماس من خلال صيغة معينة (تضمن انتقالاً غير خشن للسلطة) وبين المسّ بقدرتها على السيطرة على الأوضاع في القطاع؛ لأن سيناريو سقوط القطاع، قد لا يتوقف تأثيره عند حدود إضعاف حماس؛ بل سيفتح المجال للفوضى وتمدد الجماعات الجهادية في ظل الأوضاع المتردية والبطالة. وهذا ما سيشكل عبئاً على كاهل مصر، وإسرائيل. فحدود مصر مع غزة ستكون انسيابية بشكل أكبر، أما بالنسبة لإسرائيل فستكون مطالبة بتحمّل المسؤولية القانونية بوصفها دولة احتلال... الخ.

السيناريو الرابع: خيارات الحرب

أولاً: إضعاف حماس دون إنهاء حكمها

ترى إسرائيل أن حركة حماس هي تنظيم "إرهابي" مُعادٍ مطلوب ردعه. كما ترى ضرورة عدم الوصول إلى نقطة الانهيار الكامل للنظام في غزة، فهي صغيرة الحجم كثيفة السكان، يمكن احتواؤها من الخارج، ويصعب اختراقها من الداخل. بالإضافة إلى أن الانقسام أصبح من مركبات استراتيجية إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين، والمطلوب عنوان استراتيجي ثابت في القطاع يمكن ردعه والتفاهم معه. وهذا يُحدد سقف أية عملية عسكرية.[15] لكن هذا لا يعني أن إسرائيل تتردد في توجيه ضربة تضعف حماس وتجبرها على إفراز جسم فلسطيني جديد للتفاوض معه، من خلال دور مصري مضطلع، كما حدث في حرب 2014، عندما ترأّس عزام الأحمد وفد المفاوضات.[16]

إن تشكيل دويلة شبه مستقلة في غزة، مرتبطة بحاضنة إقليمية هي مصر، مع التسليم لحماس بالسيطرة الإدارية؛ هو خيار مناسب لإسرائيل.[17] خصوصاً أن الجانب الأمني الذي يعني إسرائيل بالدرجة الأساسية؛ مؤمن من خلال منظومة إنذار مبكر دائمة التحديث للحدود، وآليات ردع استباقية، فهي لم تتوقف عن القصف الجوي لأهداف تصنّفها "خطيرة محتملة".[18] كما أن وجود تفاهم حماس-دحلان-مصر، يمكن استثماره في حال سيناريو انهيار السلطة، ويمكن أن يكون غطاء لتمرير أية تفاهمات مع إسرائيل، عنوانها دحلان ومضمونها حماس.

ثانياً: مواجهة تُنهي حكم حماس

تدعم هذا السيناريو تحذيرات أمنية إسرائيلية، ترى أن حماس ستكون قادرة في غضون عامين على تهديد مشروع الحماية الإسرائيلي مما يستدعي شن عملية عسكرية شاملة.[19] ويُعتبر إبقاء حماس على أولوية العمل المسلح ضمن أدوات الصراع؛ أمراً ينعكس على استراتيجية إسرائيل في أية مواجهة مقبلة يكون عنوانها إنهاء حماس. خصوصاً وأن المنطقة تتجه – برعاية أمريكية وقيادة سعودية – للتخلص من الحركات الإرهابية، وفق تصنيف سعودي[20] وأمريكي، يشمل حركة حماس.[21]

ومن ناحية ثانية، قد تتجه حماس إلى حرب لرفع تأثيرات الحصار الخانقة على الحركة وأبرزها: انغلاق الأفق السياسي، وضعف عسكري نسبي، وتحول في الرأي العام، وتحوّلات إقليمية تؤثر على إرادة حلفاء حماس. وغالباً ما تعود قرارات حماس الخاصة بكسر التهدئة إلى تضافر عدد من هذه العوامل وليس أحدها فقط.[22]

إن استمرار سيناريو التهديد بالنسبة لإسرائيل، سببٌ كافٍ لشن حرب واسعة لن يكون لها أي غرض سياسي للوصول إلى اتفاق أو تغيير للحكومة؛ بل سيكون هدفها إنهاك حماس، وحفر قوة جيش الدفاع الإسرائيلي في الوعي الفلسطيني، وتأخير الصراع المقبل، وتجديد الردع...إلخ".[23] وسيدفع الثمن سكان القطاع الذين يمكن أن يلجؤوا إلى سيناء هرباً من عملية التطهير الإسرائيلية، في ظل قبول عربي ودولي غير مستهجن، شبيه بعمليات تطهير المدن كالموصل، وسرت، والرقة...الخ، من التنظيمات المصنفة إرهابية كتنظيم الدولة الإسلامية، دون اكتراث لأعداد القتلى المدنيين المهول، وعمليات النزوح، التي أصبحت مقبولة على مستوى الرأي العام والإعلام في الغرب. ويُبقي هذا السيناريو الباب مفتوحاً بخصوص طبيعة النظام الذي سيتولى الحكم في غزة بعد الحرب.

تطورات عاجلة

قبل إنهاء هذه الورقة بساعات أعلنت حماس، أثناء اجتماع مكتبها السياسي في القاهرة في الأسبوع الثالث من أيلول/سبتمبر 2017، حلّ اللجنة الإدارية التي عوقبت على تشكيلها من قبل السلطة الفلسطينية مما أثّر سلباً على النشاط الاقتصادي وعلى الإيرادات من الضرائب التي تجبيها حكومة غزة. وقد اعتُبِر إعلان حماس تقديراً للجهد المصري وتعبيراً حسياً عن تنامي التنسيق والتفاهم بين الطرفين. ولا يمكن التغاضي عن أهمية هذا القرار فهو يؤكد:

  • ميل حماس الواضح والمتزايد للاقتراب أكثر من الموقف المصري، ما يعني بالضرورة الابتعاد أكثر عن التحالف مع قطر.
  • أن القيادة الجديدة لحركة حماس مستمرة في سياستها الجديدة والتي تتلخص في الاقتراب من المحور المصري والسعودي والإماراتي والابتعاد عن حركة الإخوان المسلمين.

يمكن اعتبار أن حركة حماس بخطوتها هذه قذفت الكرة مرة أخرى في ملعب الرئيس الفلسطيني بعد أن كانت متّهمة بأنها السبب في جمود عملية المصالحة. لذا يُتوقع من الرئيس أن يردّ بالتراجع عن الإجراءات العقابية ضد القطاع وأن يطلب من حكومة الوفاق زيارته لعقد بعضٍ من اجتماعاتها هناك لملء الفراغ الناجم عن حلّ اللجنة الادارية.

إن قراءة خارطة التحالفات في المنطقة، وعودة مصر للتعاطي مع ملف المصالحة الفلسطينية يشير إلى أن إجراءات بناء الثقة بين حماس ومصر والسلطة الوطنية ستتواصل وإن كان بدرجة بطيئة؛ لكنها كافية لإبعاد شبح تفجّر الصراع بين حماس وإسرائيل ولو لفترة مؤقتة. كما أن تقارب حماس مع السلطة الوطنية من خلال الرعاية المصرية لن يؤثر كثيراً على التفاهمات بينها وبين محمد دحلان الذي أصدر بياناً يرحب بالتقارب مع السلطة الفلسطينية.

والحقيقة أنه لا يملك سوى الترحيب بهذه الخطوة ليؤكد أنه مع الوحدة الفلسطينية؛ وإن كانت تلك الوحدة لا تتفق كثيراً مع حساباته. إن مصر لن تتخلى عن تحالفها مع محمد دحلان ودولة الإمارات، وقد تطلب منه الهدوء قليلاً أو مؤقتاً انتظاراً لما ستنتهي إليه المصالحة. لكن عودة الحديث عن المصالحة بين حماس والسلطة الوطنية بوساطة مصرية لا يغيّر كثيراً من الواقع، في ظل فشل الاتفاقات العديدة السابقة بينهما وفي ظل البطء الذي ستسير فيه خطوات المصالحة. يتوجب إذاً الانتظار لأشهر وليس لأسابيع، كما يطمح مواطنو القطاع، كي تتجسد نتائج المصالحة على الأرض. وإلى أن تتحقق المصالحة الكاملة؛ سيبقى مصير قطاع غزة مفتوحاً لكل السيناريوهات المذكورة سابقاً.

الخلاصة

بمراجعة السيناريوهات الأربعة؛ يُعتبر السيناريو الأول، الذي يتناول تحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، هو الأمثل للم الشمل الفلسطيني. ولكنه ما زال يتعثر. أما الثاني، القائم على التفاهم بين حماس ودحلان بعيداً عن السلطة الفلسطينية والذي يبدأ بمدخل إنساني؛ فإنه قد ينتهي بانفصال قطاع غزة والقضاء على فرصة إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 إن تم دون توافق. أما الثالث الذي يطرح مقاربة أمنية مقابل تحسين الظروف المعيشية في قطاع غزة؛ فقد يكون مقبولاً على مضض من الأطراف. ولكن ثمّة تخوّف من أن يتحوّل لوضع دائم يؤدي لإقامة دويلة غزة. أما السيناريو الرابع القائل بإمكانية اندلاع حرب جديدة على قطاع غزة فهو كارثي، رغم أنه مستبعد حالياً نظراً للتدخل المصري وعدم حاجة دول الإقليم لحرب جديدة تعطّل الحلّ الإقليمي والتقارب المنتظر مع إسرائيل في مواجهة الإرهاب وإيران. ومما سبق يمكن أن تحاول مصر الحفاظ على التفاهمات وتطويرها باتجاه إدخال الرئيس الفلسطيني طرفاً فيها، أو ربما تحاول فرض المصالحة على كل الأطراف، أي التعامل مع السيناريو الواقعي بانتظار السيناريو المثالي.

التوصيات

توصي هذه الورقة على المستوى المحلي بتحقيق المصالحة وتمكين حكومة الوفاق أو الوحدة الوطنية من أداء مهامها وتحمّل مسؤولياتها وصولاً إلى إجراء انتخابات عامة تجدد النظام السياسي الفلسطيني، وتعيد تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وتبلور استراتيجية وطنية شاملة.

كما توصي على المستوى الإقليمي بعدم الزج بالقضية الفلسطينية في النزاعات والاصطفافات الإقليمية، وعدم توظيف القضية الفلسطينية في سياق المعركة على النفوذ الإقليمي. وتوصي بالانتباه لمحاولات فرض حلول إقليمية تمس بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.

وعلى المستوى الدولي توصي الورقة بالتمسك بقرارات الشرعية الدولية باعتبارها الضامن لإنهاء أية مطالبات قد تنتج عن قصور المبادرات. كما توصي المجتمع الدولي بالتحرّك الجدي لحل القضية الفلسطينية التي من شأن حلها المساهمة في إغلاق باب الإرهاب في المنطقة، والحد من موجات الهجرة، وتهدئة الصراعات الإقليمية، باعتبار أن الحل يجعل الاصطفافات في المنطقة على قاعدة السلام والتنمية لا الصراع والدمار.

http://samanews.ps/ar/post/301395/الرئيس-عباس-جئت-الى-واشنطن-بمشروع-سلام-مكتوب-تم-التوافق-عليه-عربيا

www.palsawa.com/news/2017/04/18/main/111257.html

www.raialyoum.com/?p=696668

* الدكتور أنور عشقي: لواء سابق في القوات المسلحة السعودية ومدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية.

* المبادرة العربية عام 2002: أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية، للسلام في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين، والقاضية بإنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها. هذه المبادرة مرهونة بموافقة إسرائيل عليها وتطبيقها.

www.raialyoum.com/?p=700551

** أوفير إسرائيل: خبير في أمن السياسات الدولية والشؤون الجيوسياسية في مركز هرتسليا.

www.jpost.com/Opinion/The-Israeli-peace-initiative-497987

www.raialyoum.com/?p=703702

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/836/النزاعات-المفتوحة-سلسلة-الحروب-التي-لا-تنتهي-في-قطاع-غزة

http://aljazeera.net/news/arabic/2014/8/10/الوفد-الفلسطيني-يهدد-بالانسحاب-من-مفاوضات-القاهرة

www.amad.ps/ar/Details/127269

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/836/النزاعات-المفتوحة-سلسلة-الحروب-التي-لا-تنتهي-في-قطاع-غزة

Footnotes

1 خلال مؤتمر صحفي عُقِد بالدوحة بتاريخ 1/5/2017 أعلن خالد مشعل عن وثيقة للمبادئ والسياسات العامة لحركة حماس، جاءت في 42 نقطة، من أبرز بنودها قبول حماس بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط 4 حزيران/يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها.
2 الرئيس عباس: جئت إلى واشنطن بمشروع سلام مكتوب تم التوافق عليه عربياً، سما الإخبارية، 3/5/2017.
3 أربعة شروط مختلفة تضعها فتح وحماس قبل بدء الحوارات الثنائية، سوا، 18/4/2017.
4 صابر، العارف، 2017، التناقضات الفلسطينية إلى تصاعد.. وتجاهل عباس للتقارب بين دحلان وحماس يثير علامات استفهام: