قانون مناهضة التمييز العنصري في تونس: نتائج متباينة لقانون رائد

في عام 2018 ، كانت تونس أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تسن قانوناً يعاقب التمييز العنصري ويسمح لضحايا العنصرية بإلتماس الإنصاف عن الإساءة اللفظية أو الأفعال العنصرية الجسدية ضدهم. تبحث هذه المقابلة في الجوانب الرئيسية لقانون مكافحة العنصرية وأثره بعد عامين من اعتماده والثغرات التي لا تزال بحاجة إلى معالجة ولا سيما غياب استراتيجية وطنية.

© Anadolu Images

في عام 2018 واستجابة لدعوة متكرّرة من المجتمع المدني، اعتمدت تونس قانونًا عضويا ينص على مُعاقبة التمييز العنصري. وقد جاء هذا القانون لسدّ ثغرة قانونية، وليُمكّن ضحايا التمييز من اللجوء إلى القضاء للانصاف وطلب العدالة. قبل 2018، لم يكن هناك أي نص يقضي بمحاكمة مرتكبي الأفعال أو التصريحات ذات الطابع العنصري، مما جعل الضحايا عرضة لتمييز مضاعف، يتعرّضون من جهة للعنصرية، ومن جهةٍ ثانية، لتشريعات لا تعترف  بحقهم في الانصاف. وعلى الرغم من مصادقة تونس على الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري (ICERD)  منذ 1967، لم يُعتمد أي نص وطني، يقضي بنقل أحكام الاتفاقية الدولية إلى القانون التونسي.

يُعتبر القانون العضوي رقم 50-2018 الأول من نوعه في شمال إفريقيا والعالم العربي. حيث تنتشر  العنصرية ضد الأشخاص ذوي البشرة السوداء بشكل خاص تونس، سواء كانوا تونسيين اوأجانب، وذلك منذ سنوات عديدة. ولكن لم يُسمع صوت هؤلاء الضحايا إلا بعد انتفاضة 2011 وما تبعها من تحوّل ديمقراطي في البلاد، فقد سمح ذلك برفع الستار عن العديد من المشكلات المجتمعية التي دأب النظام البائد  على كتم أنفاس ضحاياها منذ الاستقلال. وكانت صناعة "التوْنسة" (الشخصية التونسية بخصائصها الذاتية) من قبل النظام البورقيبي في تونس ما بعد الاستعمار، يمر بالضرورة برفض أي هوية أخرى. لذلك، تحتم على الهويات السوداء أو الأمازيغية والهويات الدينية، مثل اليهودية أو الإباضية في تونس، أن تذوب في الهوية العربية الإسلامية السنية، التي صاغتها الدولة.

يحْمل قانون القضاء على التمييز العنصري رسالة، تؤكد رفض المُشرِع والمجتمع التونسي للعنصرية في تونس، والاعتراف بمنزلة الضحية لكل من يتعرض لهذا النوع من التمييز. يهدف هذا القانون إلى جعل هذه الرسالة  سياسة عامة للدولة، شاملة ولا تقتصر على الإطار التشريعي وحده. فالهدف من تشريع أي أي قانون هو توفير إطار قانوني في المقام الأول، لكن عند تحليل القانون 50-2018 يظهر جليا أن هذا الأخير لا ينحسر في نطاق تشريعي فقط، بل يمتد إلى أبعد من ذلك، اذ يتجاوز الشق القانوني ليحدث تغييرات في جوانب مُجتمعية أخرى. غير أن تأثيره غير القانوني ظل محدودا، لذا وجب فهم الأسباب وراء ذلك. فبعد عامين من اعتماد القانون 50-2018، لم يحدث تغيير حقيقي حتى الآن.

ما هي الإسهامات القانونية لقانون 50-2018  في القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري؟

جاء هذا القانون ليُعرّف ما هو التمييز العنصري بشكل واضح جدا، وعلى نحو يتوافق مع المعايير الدولية لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. يُـقصد بالتمييز العنصري وفقاً  للقانون التونسي " كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري، والذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات أو ممارستها على قدم المساواة أو أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية.

لا يعد تمييزا عنصريا كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل بين التونسيين والأجانب على ألا يستهدف ذلك جنسية معينة مع مراعاة الالتزامات الدولية للجمهورية التونسية"

كما ينص هذا القانون على عقوبات جديدة لمرتكبي جريمة التمييز العنصري:

يُعاقب بالحبس من شهر إلى عام واحد وبغرامة مالية من خمسمائة إلى ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يرتكب فعلا أو يصدر عنه قولا يتضمن تمييزاً عنصرياً. وتضاعف العقوبة في الحالات التالية:

  • إذا كانت الضحية طفلا
  • إذا كانت الضحية في حالة استضعاف بسبب التقدّم في السن أو الإعاقة أو الحمل الظاهر أو الهجرة أو اللجوء
  • إذا كان لمرتكب الفعل سلطة قانونية أو فعلية على الضحية أو استغل نفوذ وظيفته
  • إذا صدر الفعل عن مجموعة أشخاص سواء كفاعلين أصليين أو مشاركين.

يعاقب بالسجن أيضا من عام إلى ثلاثة أعوام وبغرامة مالية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يرتكب أحد الأفعال الخطيرة التالية:

- التحريض على الكراهية والعنف والتفرقة والفصل والإقصاء، أو تهديد شخص أو مجموعة أشخاص على أساس عنصري.

- نشر الأفكار القائمة على التمييز العنصري أو التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية بأي وسيلة من الوسائل.

- الإشادة بممارسات التمييز العنصري عبر أي وسيلة من الوسائل.

- تكوين مجموعة أو تنظيم يؤيّد بصفة واضحة ومتكررة التمييز العنصري أو الانتماء إليه أو المشاركة فيه.

- دعم الأنشطة أو الجمعيات أو التنظيمات ذات الطابع العنصري أو تمويلها.

لا تمنع العقوبات الواردة بهذا القانون من تطبيق العقوبات الأشد المنصوص عليها بالتشريع الجاري به العمل.

إذا كان مرتكب الأفعال المنصوص عليها شخصا اعتباريا، يكون العقاب مشددا.

يأتي هذا القانون أيضا بإجراء جديد خاص بالتمييز العنصري، لتسهيل وصول الضحايا إلى العدالة. وترفع الشكاوى من قبل الضحية أو الولي إذا كانت الضحية قاصرا أو غير متمتعة بالأهلية. تودع الشكاوى المذكورة لدى وكيل الجمهورية المختص، مع إمكانية إيداعها لدى إحدى محاكم المحلية.

ينص القانون على التالي:

  • يكلف وكيل الجمهورية مساعدا له بتلقي الشكاوى المتعلقة بالتمييز العنصري وبمتابعة الأبحاث فيها.
  • إنشاء سجل خاص بالشكاوى المتعلقة بالتمييز العنصري.
  • تغلق أعمال البحث وتحال الى المحكمة المختصة في مُدة أقصاها شهران من تاريخ رفع الشكوى.

ما هي الإسهامات غير القانونية لقانون 50-2018؟

يتناول القانون العضوي مسألة الوقاية من التمييز العنصري. فبالإضافة إلى الجانب القانوني، من المفترض أن يساهم في الحد من تفشي هذه الظاهرة عن طريق فرض التزامات جديدة على الدولة التونسية. بموجب ذلك، يتعين على الدولة ، وضع سياسات عامة واستراتيجيات وخطط عمل قادرة على منع جميع أشكال وممارسات التمييز العنصري ومكافحة الصور النمطية ذات الطابع العنصري الشائعة في مختلف البيئات. ويقع على عاتق الدولة أيضا نشر ثقافة حقوق الإنسان والمساواة والتسامح وقبول الآخر داخل المجتمع. وتلتزم الدولة بوضع برامج توعية وتنشئة اجتماعية متكاملة ضد جميع أشكال التمييز العنصري في جميع الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة مع الإشراف على  تنفيذها.

وينص القانون على ضرورة تعميم هذه الأفكار في العديد من المجالات ذات الأولوية في المجتمع، منها على وجه التحديد الصحة والتعليم والثقافة والرياضة والإعلام. وللتمكن من تطبيق هذه الالتزامات الجديدة، ينص القانون كذلك على إنشاء لجنة وطنية لمكافحة التمييز العنصري، مسؤولة عن جمع البيانات المختلفة ومتابعتها، وتصميم واقتراح استراتيجيات وسياسات عامة قادرة على القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.  ثم رفع تقرير سنوي إلى اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب.

بعد مرور عامين، هل حقق هذا القانون أهدافه؟

يبدو أن الإسهامات القانونية قد أصبحت حقيقة واقعة، إذ تمكن بعض ضحايا التمييز العنصري من اللجوء إلى القضاء والحصول على أحكام تعويضية، حتى وإن كانت بعض الأحكام الصادرة مع وقف التنفيذ، تبدو محل ريب وشك.

تجدر الإشارة بأن الأمر يتعلق ببعض الضحايا فقط، فأغلبيتهم يعيشون  ظروفا صعبة لا تسمح لهم بتوكيل محام. لذا قمنا بمساعدة من شريكٍ لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ممثلا في المنظمة غير الحكومية “Minority Rights Group International” بتوكيل المحامين المتواجدين في عدة ولايات، حتى يتسنى لهم تقديم المساعدة القانونية لضحايا التمييز العنصري، طيلة المدة التي تستغرقها إجراءاتهم القضائية. فقد توّلت إحدى المحاميات التي استفادت من دورات التدريب، الدفاع عن قضية شهيرة مرتبطة بهذا القانون، حيث كان الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بمدنين بتاريخ 14 أكتوبر 2020، من آخر الأحكام التي تمت الإشادة بها في تونس وخارجها، حيث أذِنت لمواطن في الثمانينات من العمر، بحذف إشارة تمييزية في لقبه، تحيل إلى حالة موروثة من عبد تم تحريره، تعرف باسم  "عتيق".

وباعتبار أن هذا القانون هو قانون عضوي، فهو يلغي كل ما تحته من نصوص غير مطابقة لما جاء به من بنود، ولاسيما المتعلقة بعدم تسجيل الأسماء الأولى غير العربية في سجلات الأحوال المدنية التونسية 1المذكرة رقم 1965-85 . وقد تم إلغاء هذه الممارسة في يوليو 2020 من خلال إصدار المذكرة رقم 13 بتاريخ 15 يوليو 2020 من قبل وزارة الشؤون المحلية، والموّجهة إلى البلديات التونسية. وتشمل هذه المذكرة على وجه الخصوص السكان التونسيين من أصول أمازيغية، الذين لم يتمكنوا من تسجيل أبنائهم بالأسماء الأمازيغية.

لكن مع ذلك، تظل الإسهامات غير القانونية بعيدة كل البعد عن الواقع المعاش في تونس. فبعد عامين من سن القانون، لم نشهد إلى يومنا هذا، أي خطة عمل أو إستراتيجية وطنية لمنع التمييز العنصري ومكافحته. ولم أطلع شخصيا على أي برنامج يعتني بالتوعية في المؤسسات العامة أو الخاصة، ولا تسليطا للضوء على معاناة الأشخاص المعرّضين للتمييز العنصري. لا ننكر مجهودات حركة "عنبر" التي نشأت مؤخرا، والتي تناهض التمييز الجنسي على وجه الخصوص، والتي ستساهم في جمع بيانات عن واقع النساء ذوات البشرة السوداء، وما يعشنه من عنصرية في تونس دونا عن غيرهن من الفئات. وإنه من المؤسف عدم وجود أبحاث قائمة في أي من الجامعات التونسية تتناول قضايا السود.

في عام 2020، حظيت حركة "Black  lives matter" باهتمام المجتمع المدني التونسي فقط، بعد أن تظاهر انصارها في شوارع تونس العاصمة، في حين لم نسجل أي تعقيب للسلطات الحكومية على قضية العنصرية في تونس ولم يصدر عنها أي نوع من التأكيد على ضرورة تطبيق القانون. وبينما يعول المجتمع المدني على إنشاء لجنة وطنية ويعقد عليها آمالا كبيرة في إحداث التغيير، يظل النص التنفيذي غير منشور إلى يومنا هذا في الجريدة الرسمية.

رغم كل محاولات التغيير، ظلت ظاهرة العنصرية  في تصاعد في تونس. حيث شهدت الساحة السياسية، تمييزا عنصريا ضد النائبة السوداء  الوحيدة في البرلمان التونسي في ديسمبر 2019، وتسببت جائحة كوفيد 19 في تفاقم هذه الظاهرة، حيث سُجلت العديد من الحوادث العنصرية التي استهدفت  المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى المقيمين في تونس، خلال فترة الحجر الصحي.

هناك بالتأكيد عدة أسباب يمكنها أن تفسر هذا التأخير في صنع التغيير، مثل  الأوضاع السياسية المتقلبة التي تشهدها البلاد منذ عام 2018 ، لكنني أعتقد أن هناك مسؤولية أخلاقية يجب تحملها، فبعد اعتماد أي قانون، تأتي ضرورة التأكد من تطبيقه.

ما  هي الإجراءات أو الإصلاحات التي تعتقد أنها ضرورية لتنفيذ كل ما نص عليه القانون ؟

القانون ليس إلا أداة قانونية تسمح للضحايا بتقديم شكاوى، والحصول على تعويضات، وجبر ضرر، لكن خارج المجال القانوني، ثمة رسالة لكل قانون. وقد كانت رسالة هذا القانون واضحة جلية، تدعو إلى رفض كل مظاهر العنصرية، وقد جاءت استجابة من المشرع التونسي لمطالب الضحايا. بالتالي، لا بد من الإعلان بوضوح عن هذا القانون، الذي لا يزال مجهولا إلى حد كبير وسط عامة الناس، وفي أوساط القضاة أنفسهم. من المهم أيضا التطرق إلى العنصرية في البرامج المدرسية والتعليمية والعمل على القضاء على الصور النمطية والعبارات اللغوية التي تحمل معان عنصرية في اللهجة التونسية. حسب علمي، لم نقم بأية دراسة ملموسة في تونس حول مخلفات العبودية، واكتفينا بالإعراب عن فخرنا كوننا بين البلدان الأولى التي ألغت ممارستها، وتجاهلنا أن هناك رابطا وثيقا بين عنصرية اليوم وعبودية الأمس. لذا يتعين قبل كل شيء، إنشاء لجنة وطنية لمكافحة التمييز العنصري المنصوص عليها في المادة 11 من القانون، وتزويدها بالموارد البشرية والمالية التي تسمح لها بالاضطلاع بالمهام المكلفة بها. حتى وإن لم تكن هذه الهيئة مستقلة (باعتبارها تابعة للوزارة المكلفة بالدفاع عن حقوق الإنسان)، فمن الضروري ان نرى هذه اللجنة الوطنية تتبوأ مكانها في البلاد، مثلها مثل مؤسسات حقوق الإنسان الأخرى.

إن التطبيق الصحيح للقانون - في رأيي – يقتضي إعداد تقارير من قبل اللجنة، مشفوعة بأرقام حول العنصرية في تونس، ومدى تصدي نظام العدالة للمشكلة، والسياسات العامة التي تم وضعها لمكافحة الظاهرة. باختصار: أن النصوص القانونية لا تكفي أبداً لمواجهة العنصرية، بل إن ما سيحدث تغييرا حقيقيا هو زرع قناعات لدى المواطنين ترفض العنصرية باعتبارها شيئا ينافي قيمهم، لا كونها محظورة بموجب القانون فقط.

كيف تتصدى دول المنطقة للعنصرية؟

فيما يخص العالم العربي ككل ، نعلم أن الظاهرة موجودة في دول أخرى في المنطقة وأن العديد من الناشطين يطالبون بمراعاة حقوق الأقليات العرقية التي تتعرض للتمييز أو تقع ضحية للعنصرية. نذكر بشكل خاص لبنان، حيث يرتبط الكفاح ضد نظام الكفالة ارتباطًا وثيقًا بقضية مناهضة العنصرية، أو المغرب، حيث تُنَظم حملات لمحاربة العنصرية التي يعاني منها المهاجرون من دول جنوب الصحراء. يمكن لتونس أن تشارك هذه التجربة مع عدة دول في المنطقة، بداية من بلدان المغرب العربي، حيث تتقارب الأوضاع والسياقات، ثم  مناطق أخرى من العالم العربي. من المؤكد بأن تبادل الخبرات بين دول الجنوب، سينتج عنه نجاح كبير في التصدي للظاهرة.

لا شك أن المجتمع المدني في تونس استفاد كثيرا من الإصلاحات القانونية التي تلت التحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد. لكن ينبغي العمل على دعم وتمكين المجتمع المدني في العالم العربي، لا سيما الجهات التي تعمل على حفظ حقوق ضحايا التمييز بكل فئاتهم. قد يكون من المجدي أيضا قيام الدول العربية، وخاصة تلك التي صادقت على مواثيق دولية لمكافحة العنصرية، مثل الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ICERD، بمواءمة التشريعات الوطنية مع أحكام الاتفاقيات الدولية. إن مكافحة العنصرية هي معركة واسعة النطاق، لا يمكن حصرها في بلد معين أو في سياق محدد.

Footnotes

1 المذكرة رقم 1965-85