قانون الانتخاب الجديد في العراق: القوى القديمة تكيّف نفسها مع المتغيّرات

في كانون الأول/ديسمبر 2019، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً جديداً لتنظيم الانتخابات في أعقاب مظاهرات دعت إلى تغيير سياسي جذري. لكن القانون لم يصادق عليه رئيس الجمهورية لأكثر من 11 شهراً، لأن مجلس النواب شهد خلافات حول شكل الدوائر الانتخابية. تبحث هذه الورقة  تلك الخلافات والتسويات التي أدت إلى إضعاف القانون، وتجادل بأن القانون الجديد يمثل خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، إلا أنه في نهاية المطاف غير كافٍ للاستجابة لتطلعات المتظاهرين الذين يبحثون عن إصلاح شامل ونظام سياسي يُمثّلهم.

 

يهتف محتجين عراقيين شعارات ويحملون لافتات مكتوب عليها "الشعب يريد اسقاط قانون الانتخابات" خلال المظاهرات في ساحة التحرير في وسط بغداد. نقلا عن تقارير إعلامية، توفى 40 شخصاً على الأقل نتيجة المواجهات بين الأجهزة الأمنية والمظاهرين المناهضين للحكومة في بغداد ومدن جنوب العراق. © EPA-EFE/AHMED JALIL

في 24 كانون الأوّل / ديسمبر 2019 أقرّ مجلس النواب العراقي قانوناً جديداً لتنظيم الانتخابات البرلمانية في البلاد، لكن ظل القانون من دون المصادقة عليه من قِبل رئيس الجمهورية لأكثر من 11 شهراً، وذلك لأن مجلس النواب شهد خلافات على ملحق القانون الذي يحدّد الدوائر الانتخابيّة.

ويُعَدّ هذا القانون، الذي صادق عليه رئيس الجمهورية برهم صالح، في مطلِع تشرين الأوّل / نوفمبر 2020 بـ"تحفّظ"، مُغايراً تماماً للقوانين الانتخابيّة التي أقرّها العراق منذ 2003، وأجرى بموجبها أربعة انتخابات نيابية بين 2005 و2018. فبدلاً من اعتماد البلاد كدائرة انتخابية واحدة، مثلما حصل في انتخابات 2005 - وهي الأولى بعد إحتلال العراق - أو اعتماد كل محافظة من محافظات العراق الـ18 كدائرة انتخابية، كما حصل في الانتخابات الثلاثة اللاحقة، فإن القانون الجديد يقسّم العراق إلى 83 دائرة انتخابية على عدد مقاعد "كوتا" النساء في مجلس النواب، والذي يُلزم الدستور بحصولهنّ على 25 في المئة من المقاعد النيابية البالغ عددها 329 مقعداً.

وجاء إقرار هذا القانون تحت ضغط الشارع العراقي الذي شهد تظاهرات هي الأوسع والابرز في تاريخ العراق الحديث، والتي طالبت بإصلاح سياسي واقتصادي شامل. وكانت من أبرز مطالب المتظاهرين الأساسية، سنُّ قانون عادل للانتخابات، يخفّف من احتكار الأحزاب المشاركة في السلطة المقاعد النيابية، ويسمح بدخول مستقلين وأحزاب صغيرة وحديثة النشأة إلى مجلس النواب. وقد عجّل دعم المرجع الأعلى للشيعة، علي السيستاني، الذي يمتلك سلطة رمزية دينية كبيرة في العراق، التظاهرات ومطالبها، في إقرار القانون بشكله الحالي. لكن اتّضح أن القانون جاء ليُراعي نفوذ عدد من القوى السياسيّة، ويضمنَ فوزها ايضاً في الانتخابات المُقبلة.

تستعرِضُ هذه الورقة مسار قانون انتخابات مجلس النواب الجديد، والخلافاتِ التي تدور في شأن اعتماده من عدمه. وتحاجج الورقة بأنه، على الرغم من أن القانون مولود من رحم التظاهرات التي نادت بتغيير جذري للبنية السياسية في العراق، إلّا أنه يبدو غير قادر على إحداث أي تغيير جذريٍّ نادى به آلاف الشبان والشابات في العراق أثناء الاحتجاجات التي شهدتها البلاد طَوال الأعوام الماضية وجُرح وقُتل خلالها العديد من المتظاهرين.

قوانين انتخابية تحد من الوصول إلى البرلمان

منذ تأسيس النظام السياسي الجديد الذي أعقب احتلال العراق في نيسان / أبريل 2003، بدا البيت التشريعي العراقي مُغلَقاً أمام المرشّحين المستقلين والأحزاب والقوى السياسية الصغيرة، نتيجةً للأنظمة والقوانين الانتخابية التي اعتُمِدَت خلال الانتخابات الماضية، والتي مكّنت الأحزابَ والتحالفاتِ الكبيرةَ والمتوسّطةَ من الفوز على حساب المرشحين المستقلَين، والقوى والأحزابِ الخارجة عن دوائر النخب السياسية المُعتادة.

وصحيحٌ أن إقرار قانون الانتخابات بدوائر متعدّدة وبترشيح فردي تمّ لأنه مطلب أساسي للمتظاهرين، كان قد برز بدايةً في تظاهرات العام 2016، وما لبث أن تكرر في تظاهرات العام 2019، إلّا أنه من الصحيح كذلك، أن القوى السياسيّة المهيمنة على السلطة، لها مصلحة كبيرة في إصدار قانون جديد في محاولة منها لاستعادة شرعيّتها السياسيّة التي تزعزعت في الانتخابات النيابية العامّة عام 2018 والتي شهدت عزوفاً كبيراً من قبل  الناخبين، علاوةً على عمليات تزوير كبيرة للنتائج.

والأمر لا يتعلّق بإقرار قانون انتخابات بالشرعيّة السياسيّة فحسب، بقدر ما تعلّقه بالحد من تأثير المتغيّرات السياسيّة داخل القوى السياسيّة ذاتها، إذ ما فتئت هذه القوى تشهد انقساماً داخلياً وانشطاراً في تحالفاتها وأحزابها بعد كل دورة انتخابيّة. على سبيل المثال، دخلتِ القوى الشيعية في الانتخابات النيابية عام 2005 في تحالف انتخابيٍّ واحد، لكنها عادت لترتّب نفسها بعدّة تحالفات في كلٍّ من انتخابات العامين 2010 و 2014. أما في الدورة الانتخابية عام 2018، فلم تتغيّر التحالفات فحسب، وإنما شهدت الأحزاب ذاتُها انشقاقاتٍ بارزةً؛ فخاض حزب الدعوة الإسلامية، الذي هيمن على منصب رئاسة مجلس الوزراء بين عامي 2005 و2018، بقائمتين انتخابيتين قادهما رئيسا مجلس الوزراء السابقان نوري المالكي (رئيسا لقائمة ائتلاف دولة القانون) وحيدر العبادي (رئيسا لتحالف النصر)، بينما انشق عمّار الحكيم عن المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وأسّس تيار الحكمة، كما وعقدت جميع هذه القوى تحالفات جديدة مختلفة عن تحالفاتها السابقة. وتعلن بعض القوى، أن هذه الانشطارات والانشقاقات داخل القوى السياسيّة، ليست نابعة عن دوافع أيديولوجية أو اختلافات في الرؤى بينها بشأن السياسات الداخلية والخارجية، بالقدر الذي نتجت فيه من خلافٍ أساسيٍّ على توزيع المناصب بينها في الحكومة والمؤسسات المستقلة، فالقوى السياسيّة العراقيّة البارزة تتقاسم المناصب بعد كلّ انتخابات بحسب عدد المقاعد التي احرزتها.

وإلى جانب هذه الصراعات الانتخابيّة بين القوى السياسية الكبيرة والمتوسطة، فقد صَعُب على القوى الصغيرة والمستقلة الوصول إلى مجلس النواب، نتيجة اعتماد عمليّات حسابيّة مُعقَّدة في النُظم الانتخابية السابقة مثل نظام "سانت ليغو 1,6" و"سانت ليغو 1,9"،1  تعمل طريقة "سانت ليغو" بنظام التمثيل النسبي في توزيع المقاعد النيابية. وفي الأصل، تُقسّم أصوات التحالفات على الرقم 1.4 تصاعدياً، ما يمنح فرصة للتحالفات الصغيرة بالفوز. لكن كلّما تصاعد الرقم - مثلما حصل في العراق - تقلّ حظوظ الكيانات الصغيرة بالفوز، بينما تزداد مقاعد الكيانات الكبيرة. ونظام القوائم المُغلَقة وشبه المفتوحة، وتحديد قاسم أصوات وعتبة انتخابية للفائزين في الانتخابات.

مسار القانون واضعاف المسودة في مجلس النواب

في الواقع، لقد مرّ قانون الانتخابات الجديد بمساراتٍ وتعديلات عديدة، وخضع لشروط عدد كبير من القوى السياسيّة من أجل إقراره. ففي البدء، أخذ رئيس الجمهورية برهم صالح على عاتقه مهمّة كتابة القانون بالاستعانة بعدد من المستشارين والمنظمات المدنيّة، وأرسل النسخة الأولى من القانون إلى رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2019 بهدف إقراره. وكانت المسوّدة الأولى للقانون قد جمعت ثلاثة مفاصل أساسية للانتخابات: الانتخابات النيابية العامة، والانتخابات المحليّة (مجالس المحافظات)، وتنظيم عمل المفوضية العليا للانتخابات التي تُنظِّم وتُشرِف على سير عملية الاقتراع.

لكنَّ رئاسة مجلس الوزراء، التي كان المتظاهرون آنذاك يطالبون بخروجها من السلطة، فصلت مسوّدة القانون إلى قانونين اثنين (قانون الانتخابات النيابية وقانون المفوضيّة العليا المستقلة للانتخابات)، من دون أن تُجري تعديلات جوهريّة على بنود القوانين. بينما أُجريَ تعديل على قانون الانتخابات المحليّة (انتخابات مجالس المحافظات)، والذي لم يُقرّ بعد.2  شهد العراق آخر انتخابات لمجالس المحافظات عام 2013، وظلّت القوى السياسيّة تماطل في إجراء الانتخابات المحليّة، لكي تضمن عدم وجود رقابة محليّة على المحافظين الذين ينتمون إلى أحزابها. إلّا أنّه، وفور وصول قانون الانتخابات النيابية إلى مجلس النواب، بدأت خلافات عديدة تظهر بين القوى السياسية بشأنه، على رأسها الخلاف على شكل الدوائر الانتخابية المتعدّدة وتوزيعها.

وفي النهاية، أقرّ مجلس النواب قانون الانتخابات النيابية مع إجراء تعديلات على المسوّدة التي أرسلها رئيس الوزراء، بينما استمر الخلاف بشأن توزيع الدوائر الانتخابية لنحو 11 شهراً، وانتهى الاتفاق بين القوى السياسية في مجلس النواب إلى إقرار الدوائر الانتخابية في ملحق منفصل. وقد اعتمد تقسيماً مُخاتلِاً للدوائر الانتخابيّة يُهمِل مطالب الشارع ويراعي توزيع نفوذ القوى السياسيّة؛ علماً بأنّه كان يُفتَرَض بمُلحق توزيع الدوائر الانتخابية، الذي لم يكن له وجود في نسختي القانون المرسلتين من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، أن يُناط بمفوضيّة الانتخابات، بوصفها الجهة التي تُشرف على إدارة عمليّة الاقتراع وتنظيمها.

وقد أَفقَدَت تعديلات مجلس النواب على مسوّدة رئيس الجمهورية، بنوداً كانت قد راعت مطالب المتظاهرين. فعلى سبيل المثال، اقترحت المسوّدة التي أعدّها رئيس الجمهورية أن يكون تقسيم الدوائر الانتخابية على أساس دائرة انتخابية لكل مقعد انتخابي، ما يعني مرشحاً عن كل دائرة كما طالب المتظاهرون، بينما قسّم ملحق القانون المُقَرّ الدوائر الانتخابية بطريقة مُخاتلة لم تعتمد أي أساس إداري لخرائط تقسيم المُدن، وإنما جرى التقسيم على أساس "كوتا" النساء3 يعتمد توزيع عدد الدوائر الانتخابية في ‏كل محافظة على مقاعد "كوتا" النساء مضروباً بـ(٣) أو (٥) مقاعد للدائرة الانتخابية حسب الحجم السكاني للمحافظة. التي يجب أن تحصل النساء على أساسها على 83 مقعداً نيابياً. ولا يعتمد تقسيم الدوائر الانتخابية على حدود واضحة للمدن، وإنما يعتمد في تقسيم المقاعد على عدد السكّان في كل محافظة. وبدت طريقة تقسيم الدوائر هذه غير علميّة، ولا تخضع لأي منطق جغرافي، لكن نوّاب علّلوا  تقسيم الدوائر الانتخابية على أساس عدد مقاعد "كوتا" النساء لسهولته حسابياً، وأيضاً نتيجة لعدم وجود إحصاء سكّاني4 أُجري آخر تعداد سكّاني في العراق عام 1997، وأرجأت الحكومات العراقية المتعاقبة إجراء تعداد سكّاني جديد، تجنبّاً لحصول تداعيات سياسية بسبب الأراضي المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان، ولتوزيع الثروات الطبيعية بين المحافظات. في العراق منذ العام 1997 (ما يصعب معه رسم دوائر جديدة مبنية على الحجم السكاني) ولعدم وجود تقسيم إداري يضع حدوداً فاصلة للأقضية والنواحي ويحدّد عائدية تلك الأقضية والنواحي إدارياً للمحافظات، خصوصا في المناطق المتنازع عليها.

وإلى جانب ذلك، كانت المسوّدة التي وضعتها رئاسة الجمهورية حدّدت عُمْر المترشِّح بـ25 عاماً وما فوق، بينما رفع مجلس النواب سنّ الترشّح إلى 28 عاماً وما فوق. ويبدو رفع سن الترشُح متناقضاً مع عدد الشباب في المجتمع العراقي، وهم في غالبيتهم من قادوا التظاهرات في نحو 11 محافظة عراقية في تشرين الأوّل / أكتوبر عام 2019، وسقط منهم أكثر من 600 قتيل ونحو 20 ألف جريح، جرّاء العنف المفرط للسلطة. وأظهر عدم تخفيض سن الترشّح، وجود رغبة لدى القوى السياسية المسيطرة على مجلس النواب بعدم السماح بتمثيل أوسع لفئات الشباب الأصغر سنّاً.

وفي النسخة التي أعدّتها رئاسة الجمهورية، اشترطت المسوّدة أن يكون المرشّح حاصلاً على شهادة الدبلوم أو البكالوريوس، بينما اكتفى القانون المُقَرّ بشهادة الإعداديّة على الأقلّ، وهو ما يُمّكن شخصيّات غير متعلمة من الوصول إلى البرلمان، وهي شخصيّات يسهل استغلالها من قبل القوى السياسيّة النافذة. وعوّم قانون الانتخابات النيابيّة المُقَرّ الترشّح عن المدن، إذ اشترط بأن يكون المرشّح من أهل المحافظة، بينما حدّدت المسوّدة المُرسلة من رئاسة الجمهورية شرط السكن لفترة 5 سنوات في المحافظة، حتى يتسنّى للمرشح الترشّح عنها.

في الواقع، إن القانون الجديد يحمل في طياته الكثير من الإشكاليات. فتقسيم الدوائر الانتخابيّة الذي أقرّه مجلس النواب، وضع ما يشبه تطبيعاً رسمياً للحدود الإدارية الطائفية التي أرستها الاقتتالات الأهلية المتعاقبة منذ العام 2005، في المحافظات المختلطة، مثل بغداد ونينوى وكركوك وديالى. علاوةً على أنه لمّ شمل أبناء عشائر مختلفة في دائرة انتخابيّة واحدة، بعد أن باعدت بينهم الجغرافيا.

فالدوائر الانتخابيّة المتعدّدة يمكن أن تكون نظاماً ناجحاً في الدول المستقرّة والمتجانسة والتي لا تعاني انقسامات وأزمات داخلية واستقطاباً إقليميّاً ودوليّاً، إلّا أنها، في دول مثل العراق، قد تزيد من الانقسامات. بالإضافة إلى الهويّات الطائفية والعرقيّة والقوميّة الحيّة بالأساس، فإن الدوائر المتعدّدة يمكنها أن تشدّ من عضد الهويّات القبليّة وتُحيي الهويّات المناطقيّة.

وكان واضحاً تدخّل مشارط بعض القوى السياسية في تقسيم الدوائر الانتخابية في المناطق التي تضمن لنفسها فيها نفوذاً بين السكّان. على سبيل المثال، فإن تقسيم الدوائر في محافظة الأنبار جمع مناطق في دائرة انتخابية تبعُد عن بعضها البعض أكثر من 320 كيلو متراً، لأنّها تضم سكّاناً من العشيرة ذاتها، وهو ما يعني ضمانَ أصواتها لمرشّح أو حزب ما؛ وتكرّر الأمر ذاتُه في محافظة كركوك المقسّمة قومياً بين عرب وكرد وتركمان، وديالى وبغداد المقسّمتان على أُسُس قوميّة وطائفية على حدٍ سواء.

هل من تأثير لقانون الانتخابات الجديد؟

يُعتبر القانون الجديد تحوّلاً في عمليّة حساب الأصوات والفوز للمرشحين، إذ إنه يُحدّد الفائز بأعلى الأصوات بدلاً من اعتماد طُرق حسابية معقّدة تجعل دخول المستقلين إلى مجلس النواب مُهمّة شبه مستحيلة. كما إن الأصوات تذهبُ مباشرةً إلى المرشّح (بدلا من القائمة كما كان الحال في القوانين الانتخابية السابقة)، ولا يوزّع الفائض منها على مرشحين في حزبٍ ما، أو القائمة الانتخابية ذاتها، الأمر الذي سهّل صعود نواب يمثلون أحزابهم وليس جمهورهم.

ونتيجةً لذلك، فإن من المُرجَّح أن يشهد مجلس النواب في الدورة المقبلة صعوداً لوجوه جديدة، لكن هذه الوجوه لا تَعِد بأي تجديد أو اصلاح للعمل السياسي المتهالك، ولا بتمثيلٍ مختلف. ويبدو المستفيد الأكبر من هذا القانون هم رؤساء القبائل والزعماء المرتبطين بشكل او بآخر بمرجعيات دينية، فضلا عن حضور التيّار الصدري بزعامة مقتدى الصدر في الساحة السياسية. فتحرُّك القوى السياسية المهيمنة على السلطة واهتمامها يتّجه إلى مرشحين ذوي خلفيّات عشائرية وقبليّة وحتى دينيّة، لما يَمتلكه هؤلاء من رأسمال اجتماعي في مناطقهم. وتُعتبر هذه الفئات الاجتماعية من أشدّ المتحالفين مع أحزاب السلطة الكبيرة، وكانت رافعة لها في الدورات النيابية السابقة، عندما دعمت مرشحين حزبيين مقابلَ الحصول على امتيازات. وعليه، سيحل محل مرشحي الأحزاب الحاليين، مرشحون من بين من ساندوهم من الزعماء المحليين أو الدينيين، الأمر الذي سوف لن يؤدي في نهاية المطاف إلى أي تغيير جوهري في الواقع السياسي.

لكن في المقابل، سيدفع التنافس في دوائر انتخابيّة متعدّدة عدداً كبيراً من القيادات السياسية إلى عدم الترشّح، أو سيُحجّمهم في حال جازفوا بالترشُّح، وهذا شيء جيّد لأنه سيُفقِد الكثير منهم الحصانة البرلمانية. فالقيادات السياسية ضمنت أصواتها عندما كانت المحافظة دائرة واحدة. وكان فائض الأصوات التي تحصل عليها القيادات السياسية يوزَّع على الأعضاء الآخرين في القائمة الانتخابية، وذلك نتيجة اعتماد نظام القائمة شبه المفتوحة. يعني ذلك أن أصوات القائد الحزبي تضمن له مقاعد عدّة وليس مقعداً واحداً. وكان هؤلاء القادة، الذين هيمنوا على نحو 3,3 بالمئة من مقاعد المجلس النيابي طوال الدورات الانتخابية الأربع السابقة، تترشّح غالبيتهم في محافظة بغداد، كونها المدينة الأكثر كثافة سكانيّة، والأكثر مقاعدَ بين محافظات العراق، فضلاً عن أنها الأكثر تطوّراً، مقارنةً بالمحافظات، على صعيد الخدمات. لكنْ مع الدوائر الصغيرة، فإن غالبية هؤلاء القادة، لم يعد لديهم نفوذ في أي دائرة انتخابية في بغداد، ويعني ذلك ترشّحهم وعدم فوزهم الساحق، أو ضعف الأصوات التي يحصلون عليها، نظراً لخسارتهم الوجاهة التي حصلوا عليها طوال الأعوام الماضية، إن كان ذلك في صفوف جمهورهم أو في الكواليس السياسيّة.

كان بإمكان هذا القانون، في وضع سياسي وأمني طبيعي، أن يُشكّل رافعة مهمة للمرشحين المستقلين والقوى الصغيرة، لأنه يضمن لهم التحرّك من خلال قواعد شعبية صغيرة. لكن في الواقع، الطريق التي تبدو شاقّة أمام المستقلين والقوى والأحزاب الصغيرة، تبدو، في الآن ذاته، سالكة أمام قوى قديمة ذات النفوذ والحضور المحلي القوي إلى الفوز بمقاعد مريحة، مثل التيّار الصدري بزعامة مقتدى الصدر.

لقد حلُم التيّار الصدري طويلاً بقانون يقسّم العراق إلى دوائر صغيرة، لأنه الأنسب له للتحرّك وسط قواعده التي تتوزّع في الأرياف والمناطق الشعبيّة الفقيرة ذات الكثافة السكانيّة المرتفعة، والتي تحرَّك من خلال مكاتب صغيرة يديرها رجال دين ينفذون ويروّجون معلومات وتعليمات يطلقها الصدر. ويُردّد سياسيون ونواب - علناً - أن الرابح الأكبر في القانون الجديد هو التيار الصدري؛ أما جزء من العلمانيين، الذين تحالفوا مع الصدر في الانتخابات النيابية السابقة، فيرددون سرّاً أن الصدر كان له دور كبير في فرض هذا القانون على ساحات التظاهر والمتظاهرين، مُستغلاً بذلك ضعف ثقافتهم بقوانين الانتخابات.5  محادثة هاتفية مع قيادي في الحزب الشيوعي ورئيس تحالف علماني رفض الإشارة إلى اسمه. وقد شرع الصدر، بالفعل، في التحضير لخوض الانتخابات بعد مرور أيّام على إقرار القانون، ولم يتردد عن الإعلان عن برغبته في الحصول على منصب رئيس مجلس الوزراء الذي يُعدّ من حصّة الشيعة، وفق التقسيم الطائفي للمناصب الذي يوزّع الرئاسات الثلاث على طائفتين وقوميّة: يحصل الكرد على رئاسة الجمهورية، والشيعة على رئاسة مجلس الوزراء، والسُّنة على رئاسة مجلس النواب؛ وتقسيم المناصب هذا غير مرغوب اجتماعياً، وكان من مطالب المتظاهرين بالأساس القضاء على المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب.

مشاكل عالقة: السلاح والفساد

تبدو فرص نجاح المستقلين والقوى السياسية الناشئةّ ضئيلة. وقد أَخَذَ العديد منهم، بشكل مُبكِر، يلوّح بمقاطعة الانتخابات. فليس القانون وحده ما يثير حفيظة هؤلاء، بل كذلك صعوبة تطبيقه وضمان تنافس عادل بين جميع القوى السياسية التي ستخوض الانتخابات.

تُعلِن هذه القوى خشيتها من السلاح المتفلِّت الذي لا يبدو أن الحكومة قادرة على ضبطه أو ضمان عدم تأثيره على نتائج الانتخابات. ويخشى عدد من المنخرطين في الاحتجاجات، الإعلان عن ترشّحهم لكي لا يتعرّضون للتهديد والتصفية على يد الفصائل المسلّحة، كما حصل مع رفاقهم فيما مضى. وأكبر مثالٍ على انتشار السلاح وتداخله في السياسة، هو احتفاظ أكبر كتلتين في مجلس النواب به، وهما تحالف "سائرون" بقيادة مقتدى الصدر وتحالف "الفتح" الذي يُعدّ الشقّ السياسي للفصائل المسلّحة المنضوية في الحشد الشعبي. وإن في امتلاك هذين التحالفين السلاح، مخالفةً لقانون الأحزاب الذي يمنع تشكيل فصائل مسلحّة، إذ لا توجد أي إشارة تبرهن عن تخلّيهما عنه أو عدم استعماله للتأثير على النتائج.

والقانون الجديد لا يُلزم باستخدام البطاقة البايومترية التي تحدّ من التزوير وتمنع التصويت بالإنابة. وهذا يعني أن هناك فئات واسعة من الناخبين ستصوّت من خلال البطاقة الإلكترونيّة، والتي كانت سبباً رئيسياً في عمليّات التزوير خلال انتخابات عام 2018. ويُردّد نوّاب أن بعض القوى السياسية تمتلك بين 3 و 4 ملايين بطاقة إلكترونية لاستعمالها في يوم الاقتراع، ما يعني أن واحدة من أكبر عمليات التزوير قد تحصل في الانتخابات المرتقبة. كما يُعتبر استخدام المال السياسي واستغلال الموارد الرسميّة للدولة وتقديم الرشاوى للناخبين، من أكثر الطُرق الشائعة للتأثير على الناخبين طوال الأعوام الماضيّة في العراق. ولا يبدو أن هناك تغييراً سيحصل في الانتخابات المُقبلة على هذا الصعيد.

وقد يَحُدّ "الإشراف الدولي" على الانتخابات، الذي يطالب به المتظاهرون، من تأثير كل الأدوات غير القانونية على سير عمليّة الترشيح والاقتراع، وفي وقت لاحق، على النتائج؛ إلا أن قبول الحكومة والبرلمان العراقيين بالإشراف الدولي مُستَبعَدٌ في ظلّ الرفض الواسع له من قبل القوى التي تتقاسم السلطة في العراق.

لكنْ، وفي كّل الأحوال، يُعدّ القانون الجديد، بذاته، تغيّراً بسيطاً نحو الأفضل بالمقارنة مع القوانين السابقة التي اعتمدها العراق، إلا أن هذا القانون يظّل، على الرغم من ذلك، غير مُلبٍّ لمطالب المتظاهرين. إنّ ما طالبت به التظاهرات والقوى الناشئة، هو نظام دائرة انتخابية لكل مقعد، بمعنى نظام تمثيلي مباشر. كما طالبت التظاهرات والقوى الصغيرة بضبط السلاح، وتوفير بيئة سليمة وآمنة للانتخابات، ومحاسبة كل من يعتمد طُرقاً غير قانونية للتأثير على الناخبين. وهذا كلّه لا يبدو أن الحكومة قادرة على توفيره، وعلى هذا الأساس فإن الانتخابات القادمة يبدو أنها لن تحمل التغيير الذي طالب به آلاف الشبان والشابات العراقيون في الاحتجاجات الأخيرة.

Footnotes

1  تعمل طريقة "سانت ليغو" بنظام التمثيل النسبي في توزيع المقاعد النيابية. وفي الأصل، تُقسّم أصوات التحالفات على الرقم 1.4 تصاعدياً، ما يمنح فرصة للتحالفات الصغيرة بالفوز. لكن كلّما تصاعد الرقم - مثلما حصل في العراق - تقلّ حظوظ الكيانات الصغيرة بالفوز، بينما تزداد مقاعد الكيانات الكبيرة.
2  شهد العراق آخر انتخابات لمجالس المحافظات عام 2013، وظلّت القوى السياسيّة تماطل في إجراء الانتخابات المحليّة، لكي تضمن عدم وجود رقابة محليّة على المحافظين الذين ينتمون إلى أحزابها.
3 يعتمد توزيع عدد الدوائر الانتخابية في ‏كل محافظة على مقاعد "كوتا" النساء مضروباً بـ(٣) أو (٥) مقاعد للدائرة الانتخابية حسب الحجم السكاني للمحافظة.
4 أُجري آخر تعداد سكّاني في العراق عام 1997، وأرجأت الحكومات العراقية المتعاقبة إجراء تعداد سكّاني جديد، تجنبّاً لحصول تداعيات سياسية بسبب الأراضي المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان، ولتوزيع الثروات الطبيعية بين المحافظات.
5  محادثة هاتفية مع قيادي في الحزب الشيوعي ورئيس تحالف علماني رفض الإشارة إلى اسمه.