عباءة مارتن لوثر كنغ: هل سنشهد ثورة ضد التمييز العنصري في الشرق الأوسط؟

لا يزال الافرو-عراقيون، والذين يقدر عددهم بحوالي 400.000، يعانون من التمييز العنصري والتهميش رغم محاولاتهم المتكررة التي تطالب بالمساواة. تظهر هذه الورقة نضال ذوي البشرة السوداء في العراق من خلال كفاح وناشطية جلال ذياب – مؤسس حركة العراقيين الأحرار – لاستعادة ثورة منسية وايقاظ هوية طالما تم تهميشها في الكتابات التاريخية العربية، وذلك من أجل الدفاع عن حقوق هذه الأقلية ومناهضة التمييز العنصري ضدها في العراق.

جلال ذياب، مؤسس حركة العراقيين الأحرار (أنصار الحرية) لمواجهة سياسات التمييز ضد الأفرو-عراقيين.

منذ فوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة في 2008 وحتى مقتل جورج فلويد في أيار/مايو 2020، يبدو أن الوعي يتصاعد بحقوق ذوي البشرة السوداء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويجري الإقرار بالتمييز الذي يواجهونه في أكثر من بلد عربي أو مسلم.

وبينما أثار مقتل جورج فلويد والاحتجاجات التي تلته في الولايات المتحدة نقاشات واسعة في الشرق الأوسط عن التمييز وعدم المساواة التي ما يزال يواجهها الأميركيون من أصول افريقية، فقد استخدمها المناهضون للسياسات الأميركية للدلالة على فشل الولايات المتحدة كنموذج للتغيير الديمقراطي في المنطقة. لكن سرعان ما أثير نقاش آخر، اتسعت دائرته لتشمل التمييز وعدم المساواة الذي تتعرض له فئات من ذوي البشرة السوداء في البلدان العربية. وسوف أركز في هذا المقال على السياق العراقي، لا سيما مع وجود أيقونة مشابهة لجورج فلويد وهي الناشط المدني جلال ذياب الذي اغتيل في البصرة عام 2013.

أسس جلال ذياب حركة العراقيين الأحرار (أنصار الحرية) لمواجهة سياسات التمييز ضد الأفرو-عراقيين والذين يقدر عددهم بحوالي 400.000 في مختلف أنحاء البلاد وإن يكن تمركزهم الديموغرافي أكثر كثافة في البصرة جنوب العراق.  وحين التقيته في عام 2009 كان جلال قد علّق صورتي مارتن لوثر كنغ وباراك أوباما على حائط مدرسته لتعليم فقراء الأفرو-عراقية بعد فوز الرئيس باراك أوباما بمعركة الرئاسة الأميركية. وكانت الصورتان تشيران إلى صحوة هوية غير متوقعة في مناطق الأقلية الأفرو-عراقية في البصرة تتحدث عن عراق آخر "ممكن" يجري تخيّله في نضال المدافعين عن المساواة ومكافحة التمييز العنصري. وبقوة إلهام هذه الأيقونة استيقظ التاريخ الذي جرى إسكاته في كتب المؤرخين العرب المسلمين لهذه الفئة المستبعدة والمهمشة، وقصص خطف وشراء أجداد "جلال" من أفريقيا إلى العراق على يد تجار الرقيق العرب، وثورتهم التي طمرت في كتب التاريخ العربي.

استعادة ثورة الزنج المنسية

حين وزّع الخلفاء المسلمون في العصور الأموية والعباسية مقاطعات شاسعة على قادة الجيوش المحاربة التي غزت العالم في أقاصي الشرق والغرب، استخدم هؤلاء القادة "ذوي البشرة السوداء" في إصلاح الأراضي وزراعتها. عمل عشرات الآلاف منهم في ظروف قاسية، انتهت بثورتهم أكثر من مرة، استمرت أشهَرها والمعروفة بثورة الزنج مدة 15 عاما (بين سنة869 – 883 م)، التي انطلقت في مدينة جلال ذياب نفسها (البصرة). وقد رافق القمع الذي واجهته الثورة إجراءات لتقويض القوة السوداء المتمردة على ما عُدّ آنذاك بمثابة تابو سياسي وديني، ألا وهو الخروج على سلطان خليفة المسلمين.

وقد يكون الانتقام السلطوي بعد ذلك من الثوريين الدّاعين إلى المساواة هو السبب في دفن هذا التاريخ وطمره. إذ إن هناك ندرة في ما كُتب عن الأفريقيين التعساء هؤلاء، ولا تتوفر محاولات بحثية معاصرة تعكس معطيات جديدة؛ هناك استثناءات قليلة مفيدة في رسم خلفية تاريخية عنهم، مثل كتاب المؤرخ والوزير العراقي السابق "فيصل السامر"، "ثورة الزنج" الصادر عن مؤسسة المدى، بغداد، عام 2000، وهو في الأصل نسخة معادٌ طبعها من دراسة السامر التي نُشرت لأول مرة في بغداد عام 1952.  وبعد نشرها بنحو تسع سنوات ظهرت دراسةٌ أخرى في بيروت حملت عنوان "ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد" للباحث أحمد علبي في 1961. عدا ذلك يمكننا القول إن أحفاد الأفرو-عراقيين لم يكتبوا قصص عذابات أجدادهم، كما لم تُدوَّن ذاكرتهم بالمثل. في مقابل برزت صورة سلبية عنهم وعن ثورتهم في كتب التاريخ الاسلامي، ولم يتحرر من تأثيرها حتى الباحثون والمؤرخون المسلمون المعاصرون، مثل الكاتبين المصريين: أحمد أمين في كتابه الشهير "ظهر الإسلام" والمؤرخ المصري حسن إبراهيم حسن في كتابه " تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي"، وكلا الكتابين طبع أكثر من عشرة طبعات.

تُظهر الكتابات التاريخية ثورة الزنج في سياق اتهامات تشبه إلى حد بعيد مثيلتها المعاصرة بتهديد الاقليات للوحدة الوطنية حين تطالب الحركات السياسية ذات الطابع الإثني بحق تقرير المصير أو ترفع شعار المساواة أو تدافع عن حقها في المواطنة وعدم التمييز. أما الكتابات التي تمردت على قولبة الثورة وأصحابها، فقد كانت تستند إلى حس ثوري أو بالأحرى عكست قراءة يسارية الطابع للتاريخ لحراك ذوي البشرة السوداء بوصفه ثورة اجتماعية ضد الظلم والسلطة الغاشمة في الفترة العباسية، مثال ذلك تناول الكاتب اليساري اللبناني حسين مروة ثورة الزنج ضمن الثورات الاجتماعية في الفصل الأول من الجزء الثاني من كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية". وبرغم من هذه المقاربات التاريخية نسي الباحثون أحفاد الثوار وسلالتهم وكيف استمروا طوال هذه القرون، مع أن هؤلاء ما يزالون يعيشون في البصرة وفي مدن عراقية أخرى في ظل تمييز اجتماعي صارخ.  وما تزال بصمة القمع الذي تحمّله أحفاد ثورة الزنج متواصلة في ثقافة البلاد حتى هذه اللحظة. فقد ذوبت هويتهم بعد الثورة من خلال توزيعهم بين العشائر العربية بهدف إضعافهم، وقتل روح التمرد لديهم من خلال إقناعهم بأنهم عبيد بالفطرة، وأن العبودية قدرهم. إلى حد أنهم تبنوا صورة تُدنيهم لدى الآخر، إذ أن "عليهم أن يقنعوا بصدق ما يُقال عنهم وبصحة ما يوصفون به من جهل وتخلف وغباء وقبح وحيوانية وتشوه في الخَلْق والخُلُق، وهذه هي أبرز الصور النمطية التي صاغتها الثقافة العربية عنهم، واختزنها، من ثم، المتخيل العربي عنهم" كما يذهب إلى ذلك الكاتب البحريني نادر كاظم في كتابه عن "صورة السود في المتخيل العربي الوسيط".

عاش أجداد جلال ذياب في مناطق المستنقعات في البصرة، معرضين للأوبئة الفتاكة في بيئة تتسم بالقسوة المناخية. وفضلا عن عملهم المرهق في استصلاح الأراضي وتجفيف المستنقعات كان طعامهم لا يكفي لمواجهة ظروف العمل كعبيد، وكانت بنيتهم الاجتماعية مفككة بسبب عيشهم بعيدا عن أوطانهم الأصلية. وتعين عليهم نقل الملح على ظهور البغال إلى أسواق ومنافذ البيع، ومنهم من عمل في بيوت التجار والأغنياء والمتنفذين. وبعدها أصبح أطفالهم جزءاً من تركة ورثها أغنياء البصرة ورؤساء عشائر الجنوب وإقطاعيوهم من العوائل المتنفذة، وتراكمت قصصهم عبر القرون لتكشف عن ثقافة لم نتحرر من رواسبها وتأثيرها حتى اليوم.

ثورة الأفرو-عراقيين المعاصرة

كان جلال ذياب – الذي أطلقت عليه لقب (مارتن لوثر كنغ العراق) بعد اغتياله عام 2013 – هو الرجل الذي أحيا كل هذا التاريخ المستتر الذي أغفلته كتب التاريخ، وربط بين الذاكرة الجريحة لماضي الأفرو-عراقيين مع وعود التحرر منها في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي. كما جذب الانتباه إلى قوة أخرى للتغيير، يسهم الأفرو-عراقيون من خلالها في إثراء تنوع العراق وتعدديته بحيويتها المدهشة، إذ غالبا ما استعمل الأفرو-عراقيون عناصر ثقافتهم الشفاهية للحفاظ على هويتهم عبر الزمن، وانتقلت طقوسهم من مؤسسيها إلى أبنائهم لتحافظ على ذاكرتهم وتصبح عامل تسلية وسط الظلم. ومن أبرزها طقوس النوبان (من النوبة في جنوب مصر)، وطقوس الحبوش (من الحبشة أيّ إثيوبيا حاليّاً). وهناك طقوس أخرى تعود إلى المناطق الساحلية من كينيا، وقبائل البمباسا بالتحديد، وهي طقوس جاءت عن طريق تجارة الرقيق في عصر الدولة العباسيّ الأوّل، أيّ بين 750- 785م. وبعد استقرار هؤلاء الأرقّاء في البصرة، بدأوا بتكوين مجتمعهم الصغير وممارسة طقوسهم التي ظلّت سلوتهم في الغربة.

كاد هذ الحراك من خلال شخصية جلال ذياب أن يتحول إلى ثورة اجتماعية ضد التمييز العنصري، محاولا استعادة صدى مطالب ثورة الزنج بالعدالة الاجتماعية، وربط نضال الثوار القدماء بالمطالب المعاصرة لأحفاد سلالتهم التي ما تزال تعيش في البصرة. وفي ظل انشغال وسائل الاعلام في التركيز على صور العنف الطائفي وعدم الاستقرار في البلاد، لم ينتبه أحد إلى سر المعجزة الصغيرة التي تحدث في البصرة، التي ما كان بالإمكان تخيلها قبل العام 2003 بشكل عام، وقبل فوز الرئيس الاميركي باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الاميركية 2008 بالذات. إذ أسّس جلال ذياب، مع رفاق له، بعد فوز أوباما "حركة العراقيين الحرة" لكي تصبح أول إطار سياسي في الشرق الأوسط يعبّر عن ذوي البشرة السوداء، وكان بحاجة إلى دماء جديدة للعمل من أجل فكرة إحياء الهوية السوداء.

بدأت مطالب الحركة تتطور على يد جلال للتّمثيل ضمن نظام الكوتا، أسوة بغيرهم من الأقليات، سواء على صعيد البرلمان الوطني أو على صعيد الحكومات المحلية. لكن يبدو أن نضالهم لم يسفر عن تحقيق نتائج ملموسة. ويشرح لي أحد أبرز المرشحين من حركة العراقيين الحرة (سالم شعبان) أسباب هذا الفشل. كان سالم وهو رجل قوي البنية في بداية العقد السابع من العمر قد فشل أكثر من مرة في الترشح للانتخابات، يقول: "ترشحت لانتخابات مجلس محافظة البصرة للعام 2010 وحصلت على ما يزيد عن ألفي صوت معتمدا على شهرتي كبطل دولي معروف في الأوساط الرياضية، فقد كنت بطل آسيا للملاكمة في 1971 وبطل العراق للفترة من 1969 الى 1977. وحصل زملائي على أصوات متفاوتة، لكن لم ينجح أي منا في الحصول على مقعد في مجلس المحافظة، فقد كانت التيارات والأحزاب المنافسة تمتلك موارد هائلة ووزعت أموالا وإعانات دفعت الناس للتصويت لهم، في حين لم نتملك نحن سوى وُعودنا الانتخابية". لكن ما لم يصرح به سالم هو عدم رغبة الأحزاب والتيارات السياسية المسيطرة على الأرض خسارة أصوات الأفرو-عراقيين من خلال التصويت لممثلين مستقلين للأقلية، وهذا يفسر اغتيال جلال ذياب عام 2013، والذي شكل ضربة قاصمة لطموح هذه الأقلية المهمشة اجتماعيا، الأمر الذي ترك أثره على الناشطين الآخرين الذين كانوا يعملون مع جلال ذياب أو بشكل مستقل عنه، من الذين حاولوا نشر الوعي في صفوف هذا المجتمع المهمش.

وعلى الرغم من علاقاتي مع مؤسسي الحركة من الأفرو-عراقيين واطلاعي على جميع أنشطتهم، لم أعثر على أوراق مرجعية أو محاولات نظرية تصوغ إطارا فكريا مرجعيا للحركة. ويبدو هذا نتيجة الحماس الذي أحدثه فوز الرئيس أوباما ورغبة ذوي البشرة السوداء على اختلاف أصولهم العرقية لخلق وعي جمعي يمهد أرضية لهوية ثقافة قديمة يعاد إحياؤها. لم تقم الحركة على أساس استقطاب محدد بالاسم، فالأفرو-عراقيين لا ينتمون لعرق محدد برغم اشتراكهم بلون البشرة، وبرغم أن اللون أصبح دلالة على التصنيف في أسفل الهرم الاجتماعي؛ وهم ينحدرون من أصول عرقيّة إفريقيّة متعدّدة، فهناك من هم من أصل نوبيّ (جنوب مصر) وزنجباريّ (من زنجبار، وهي جزيرة من الجزر التابعة لتنزنيا)، وآخرين من غانا وإثيوبيا. وتستدل ثورة يوسف، الخبيرة في التراث الشعبيّ للإفروعراقيّين، على أصولهم الأفريقية بالطقوس الشعبيّة التي يمارسونها منذ قرون في أماكن خاصّة يطلقون عليها تسمية "المكايد"، وفي مناطق محدّدة من محافظة البصرة، منها قضاء الزبير وقضاء أبي الخصيب. وقد كتبت الخبيرة التي تنتمي لمجتمع البصرة الأفريقي أطروحتها للدكتوراه عن هذه الطقوس.

ذابت هوية الأفرو-عراقيين المميزة بسبب وجودهم في كنف العشائر العربية المسلمة في جنوب العراق، وارتباطهم بموروثها الشعبي، واتباعهم معتقداتها الدينية ومذاهبها وأعرافها، وتفرقوا إلى مذاهب فأصبحوا شيعة وسنة، وتحول بعضهم إلى اليسار عسى أن يجد في ظل أيديولوجيا كونية تقبلا يخلصه من الإحساس بالدونية، ومنهم من انخرط في الأحزاب القومية العربية التي وصلت إلى السلطة في أكثر من بلد عربي عساه أن يجد في ذلك تعويضا واعترافا.

ومع صعود نفوذ أحزاب الإسلام السياسي بعد العام 2003 التحق بها الأفرو-عراقيين من دون أن يسفر عن ذلك تحسين بيّن لأوضاعهم، لذا كانت "حركة العراقيين الحرة" ثورة على الانتماءات التي شتت السود وعلى التيارات السياسية التي خدعتهم بخطاب التغيير والمساواة، فقد كانت الحركة في جوهرها انعتاقا من الأوهام والأساطير الخادعة، ولتُعيد تقديم السود في إطار ليبرالي بوصفه الإطار الوحيد الملائم للدفاع عن قضاياهم والساعي لإعادة إحياء هويتهم.

أصبح أحد الشبان الذين التقيتهم ذات صيف في عام 2012 المسؤول الإعلامي عن الحركة. واجه هذا الشاب الذي سوف أدعوه هنا باسم "عمّار" التمييز العنصري منذ طفولته في قاعة المدرسة. وكانت هناك قصيدة للشاعر العربي الأشهر أبو الطيب المتنبي، حفرت ذاكرة هذا الشاب المتمرد؛ وعلى الرغم من أن المتنبي مدح حاكم مصر كافور الاخشيدي، إلا أنه وبعد خروجه من مصر هجاه بقصائد، ولإن الأخير كانت بشرته سوداء فقد استثمر المتنبي ذلك لوصفه عبدا:

صَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَ *** فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُ

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ *** إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ

كانت عصا العقاب في المدرسة بالنسبة لعمار وغيره من الأطفال السود البشرة أهون كثيرا وأخف في ضرباتها من تلك العصا المتخيلة التي وردت في قصيدة المتنبي والتي طالما طارده الأطفال بها. لم تكن عصا المتنبي الشعرية في قصيدته الهجائية الشهيرة لكافور الاخشيدي (905 - 968م) مجرد صورة شعرية، بل واقعا حيا يعيشه ذوي البشرة السوداء، وظلت تترد من حوله مثل لعنة.

لقد أذلت عصا المتنبي الشعرية عمّار وانتزعت إنسانيته، أما الاحتفاء بمثل هذا الشعر التمييزي وبشاعره في المدرسة وفي الكتب الدراسية فقد كان مثالا على الاحتفاء الجماعي الثقافي بإذلال ذاكرة جريحة. يقول "كنت أعاني من هذا البيت الشعري الذي تحول إلى خيمة كئيبة تغطي حياتي، لم يكن أحد من حولي يشعر بأن هذا البيت الشعري يتحول إلى عصا حقيقية تضرب روحي وتحطمها، فما أن يخرج الأستاذ من الصف حتى يلتفت إليّ الطلاب بالسؤال: أيها العبد أين عصاك؟"

كان جلال ذياب هو الثوري الذي تجرأ على كسر عصا المتنبي داخل الأفرو-عراقيين، فقد كانت أوضاع هؤلاء المنسيين راكدة إلى حين ظهور الجانب الثوري في شخصية جلال، والذي لم يألفه الناس في رجل أسود البشرة، يتحدى ثقافة تقليدية قائمة على السمع والطاعة ويعرض تمظهراتها الدينية للمساءلة، إذ أن جلال كان يرى بأن قراءة مبتسرة للنص الديني سوف تظل تعطي شرعية لأوضاع السود المهينة، برغم كل الدساتير التي تُكتب، وجلسات البرلمان التي تُعقد، والصناديق التي تُنتصب في كل دورة انتخابية، والضجيج الذي يعلو كل مساءٍ لدعاة الديمقراطية والتمدن في ظل الاحتلال الأميركي.

واجه عمّار الذي تتبع خطى معلمه جلال ذياب تدني المستوى الثقافي للسود، يقول: "كان علينا أن نبدأ العمل من الصفر، زودني جلال بمصادر تساعدني على أن أكون أكثر فصاحة وقدرة على التأثير، وكان أول كتابين أثّرا بي بعمق هما: "ثورة الزنج" لفيصل السامر، ورواية "كوخ العم توم". ترك عمّار العالم القديم يتحطم من ورائه وتفرغ لجهود الحركة في إخراج الإفرو-عراقيين من السبات، ونجح بحيويته في استقطاب الشباب، يقول: "لم يكن ذلك سهلا، فقد كان السود مستسلمين لقدرهم منذ قرون، وكان إيقاظ روحهم الحبيسة بحاجة إلى لمسة نادرة. وكان هناك معنا أفراد آخرون، فوزعنا المهام، كانت هذه فرصتي لكي أُغيّر العالم".

بدا لي عمار طاقة زاخرة بالأمل والتغيير، مثل أقرانه الذين خرجوا في ربيع الثورات العربية 2011 لتغيير الأنظمة القديمة الكاتمة للأنفاس.  وحين كنت أقوم بتدريب شباب من كافة محافظات البلاد على خلفية أحداث الثورة في مصر وتونس، كان عمّار يبرز بين الجميع بطرح حاد وجريء، بنبوءة عن ثورة مقبلة، معلنا أن كل إنسان أسود البشرة يحتفظ بداخله بـ "قنبلة موقوتة" تنتظر أن يجيء شخص يمارس تمييزا لكي يدير الزر، فتنفجر، وتظهر شخصية أخرى طالما جرى كبتها وخنق روحها، وسرعان ما تتحول من استسلامها للواقع على نحو قدري إلى قوة تتمرد على قيودها، بعضها قد ينتظر وقتا أطول، لكن الأغلب يعيشون تحت ظلال هذه الشخصية المكبوتة ويموتون من دون أن يعلنوا حقيقة الظلم الذي تعرّضوا له، أو يحاولوا التمرد عليه.

كان جلال ذياب من ضبط هذه القنبلة الموقوتة لدى عمّار، في اكتشافه كيمياء تحرير الشخصية الافريقية المكبوتة وإيقاظ حسها الإنساني. يصف عمّار اللقاء بينهما بهذه الكلمات: "عرف جلال أننا متشابهان في رفضنا الواقع الذي يعيش في ظله الإنسان الأفرو-عراقي، لذا كان يبحث عني وكنت أبحث عنه، وما أن التقينا حتى بدأ كل شيء من جديد، وكأنه يحدث لأول مرة".

"لدي حلم" في البصرة

كانت الروح الحية لحركة الأفرو-عراقيين تنمو، وفي وسطها يظهر جلال ذياب مثل أبٍ لعائلة تفرق أفرادها وتشتّتوا، ولم يعد أحد يتعرّف على الآخر إلا من خلال الصمت والكبت والنسيان.  لكن كلمات جلال ذياب المتواضعة وأعماله كانت الصمغ الذي يجمعهم من جديد، وهي لا تقل أثرا عن خطاب "لدي حلم" لمارتن لوثر كنغ الذي ألقاه عند نصب لنكولن التذكاري في 28 آب/أغسطس 1963 أثناء مسيرة واشنطن للحرية عندما عبّر عن رغبته في رؤية مستقبل يتعايش فيه السود والبيض بحرية ومساواة وتجانس.

ولأن "جلال الأب" كان أشبه ببابا للسود ظهر لكي يعلن عقيدة جديدة، فقد أصبحت جمعيته "أنصار الحرية الإنسانية" مثل كنيسة فقيرة، كانت مقرا للبابا الذي يزوره المؤمنون وينالون بركة ولادتهم الجديدة؛ عمل تطوعي، تعلم مهن جديدة، مناسبات للزواج داخل الجمعية، وقبل أن يتنبه جلال إلى رمزية المكان التي أخذ يحتلها في صناعة هوية سوداء تحول المبنى إلى مزار مقدس، فتلطخ جداره في منطقة الآثار في الزبير بالحناء.

قبل ظهور "البابا الأسود،" كان الناس يلجأون عادة إلى شيوخ العشائر إذا حصل خلاف أو حدثت مشاجرة، وبما أن الأفرو-عراقيين كانوا أشباها أو مجرد ظلال لأعضاء العشيرة؛ فقد كان من السهل على الشيخ أن يفرط بحقوقهم أو يجامل على حسابها، فهم ينتسبون إلى العشيرة انتسابا شكليا مختلفا عن الروابط التي تربط ما بين أبناء العشيرة الصليبة (أي الذين ينحدرون من صلب واحد)؛ لذلك كانوا لا يستطيعون أن يكوّنوا شجرة نسب مطلقا. لذا بدأ الناس يتجهون إلى جلال ذياب لحل مشكلاتهم، فقد كان الأخير يكافح في سبيل أن يتوقّف إذلال الإنسان الأسود البشرة إلى الأبد. انفرطت سلطة شيخ العشيرة التقليدية وظهرت سلطة جديدة جذبت السود إلى قوة يصعب تفسيرها بغير فهم تاريخ الأفرو-عراقيين منذ ثورة الزنج حتى وقتنا هذا، كان جلال ذياب بإيقاظه هذه الروح قد تخطى فعلا الخط الأحمر، وتحدى أكثر من سلطة رمزية وفعلية حوله.

باشر إنشاء صندوق لمساعدة الأفرو-عراقيين على إحياء حفلات زواجهم، وتوفير جميع مستلزمات إحياء الحفلات، فقد كانت روح الفرح المطلق التي تهيمن على قصة الأفرو-عراقيين الحزينة هي خزان وقود لا ينضب للروح الجديدة، لكن يبقى العمل الأهم الذي قدمه هو إنشاء مدرسة لمحو أميّة الأفرو-عراقيين، والتركيز من خلال دروسها على تثقيفهم اجتماعيا. وقد انتصب مبنى الجمعية مثل سفينة نوح خلاصية في وسط طوفان عشوائيات الأفرو-عراقيين. فتحت سفينة البابا الأسود أبوابها لمن يرغب في الانعتاق من الغياب والنسيان، وتوافد سكان العشوائيات حول مبنى الجمعية في منطقة الآثار في الزبير منجذبين إلى قوة خفية، فهذه هي المناطق التي يستوطن فيها أغلبية الأفرو-عراقيين بعد أن بدأ تحررهم من سلطة الوجهاء والإقطاعيين تدريجيا منذ تأسيس العراق المعاصر.

لكن الحلم الذي أيقظه جلال ذياب جرى إسكاته بالرصاص عام 2013، فقد مثّل هذا الحراك تهديدا لأحزاب الإسلام السياسي التي كانت تفرض ثقافة مختلفة في البلاد، وكانت تنظر إلى هذه الحركة كعارض للتأثير الأميركي المُضرّ، والذي قد يهدد الهوية الإيديولوجية التي فرضوها قسرا على الناس.  لكن مثل هذه الذكرى لا يمكن أن يجري إسكاتها طويلا، فبعد مرور سبع سنوات على اغتيال جلال ذياب، أيقظ مقتل جورج فلويد حلم مارتن لوثر كنغ العراق بالمساواة ومناهضة التمييز، وأصبح دليلا على أنه لن ينتهي أبدا، وقد يوقظ حلماً مماثلاً لجميع الشرق أوسطيين من أصول أفريقية.