سياسات إعادة التدوير من القاع إلى القمة: العمل في قطاع إدارة النفايات في لبنان

يركز النقاش حول سياسة النفايات في لبنان على الممارسات الفاسدة والآثار الصحية والبيئية للإدارة السيئة للنفايات في البلاد. تبحث هذه الورقة جانباً طالما ظلّ مهملًا، وهو حال جامعي النفايات الذين لا غنى عنهم في إدارة القمامة في لبنان وكثير منهم مهاجرون بدافع اقتصادي أو مهاجرون قسراً. من خلال دراسة إثنوغرافية لمجموعة من جامعي النفايات القُصَّر، تجادل هذه الورقة أن الوقت قد حان لدمج منظور عمال النفايات في حوار السياسات المتعلقة بهذا القطاع.

ari-bawader-recycling-waste-lebanon-scaled
17 حزيران/يونيو 2011 - بيروت، لبنان - رسمة على جدار عمارة متضررة من جراء الحرب لشخص يكنس الرصاص - بيروت داون تاون بجانب ساحة الشهداء. تشكُل الخط الأخضر / الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990.

تُركز السياسات المتعلقة بالبنية التحتيّة للنفايات في لبنان على توصيل هذه الخدمات العامة لمواطني البلد بكفاءة. وهذا أمر في محله تماماً. لكن ما بين سبل معالجة النفايات الصلبة المثيرة للشكوك والاحتمال الكبير أن معظم ما نلقيه في حاويات إعادة التدوير لا يجري إعادة تدويره فعلياً، ثمة أدلة متزايدة تُظهر أن ملف النفايات في لبنان يُدار بشكل سيئ. وقد تعالت الأصوات المنددة بإدارة الحكومة لملف النفايات في عام 2015، وذلك عندما بلغت أزمة النفايات ذروتها. في نهاية المطاف، مع تراكم أكياس القمامة كريهة الرائحة المكدسة بشكل صارخ تحت الجسور (وفي كافة الأماكن الأخرى أيضاً!)، فضح أوج هذه الأزمة التي طال أمدها عيوب الأجهزة البيروقراطية في الدولة الفاسدة التي تخضع غالبية قطاعاتها للخصخصة.

يزيد الانهيار المالي الأخير الذي شهدته البلاد من إلحاح الأسئلة فائقة الأهمية التي أثارها النشطاء والباحثين في السياسات العامة على مدار السنوات الماضية حول العواقب السلبية المترتبة على الإثراء غير المشروع وتراكم الديون في إطار الشراكات بين القطاعين العام والخاص في إدارة النفايات. وقد أصبحت المطالبات بفتح تحقيق في الآثار طويلة المدى على الصحة والبيئة المترتبة على سوء معالجة النفايات أكثر أهمية من أي وقت مضى. وأشير في هذا السياق إلى قانون "الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة" الصادر عام 2018 الذي يسمح بخلط مجاري النفايات المنزلية والطبية والصناعية خلال تفريغها وتخزينها فيما يسمى بمكبّات النفايات الموزعة في كافة أرجاء لبنان.

لاحقاً، في 4 آب/أغسطس 2020، فاقم انفجار كميات ضخمة من نترات الأمونيوم المخزنة في مرفأ العاصمة المشكلة. وقد سلط الركام والحطام الذي تُرك ليتحلل ويتجمع عليه الغبار في معظم أنحاء بيروت الضوء مجدداً على مدى تقاعس الحكومة عن حماية مواطنيها.

بيد أن مشكلة البنية التحتيّة لإدارة النفايات في لبنان لا تقتصر ببساطة على فساد الأقلية السياسية الحاكمة أو الهندسة المالية المثيرة للشبهة أو روح المواطنة، ولا تتعلق كذلك بتفشي وباء عالمي أو انفجار مرفأ بيروت. فهي تتمحور أيضاً حول العمالة، حول العاملين في قطاع إدارة النفايات، حول عمال النظافة الذين لا غنى عنهم لتوفير الخدمات العامة، وكثير منهم إما مهاجرين يتواجدون في البلاد بدافع اقتصادي أو مهاجرين قسراً.  هؤلاء هم من يعملون في جمع القمامة وكنس الشوارع وقيادة سيارات جمع القمامة، ويشكلون كذلك جزءاً من شبكات عمالة غير رسمية تضم جامعي نفايات قُصَّر ينبشون النفايات بحثاً عن أشياء قابلة لإعادة التدوير. وعلى الرغم من دورهم المحوري، نادراً ما يرد ذكر العاملين في قطاع النفايات، خاصة جامعي النفايات، في أيّة نقاشات تتعلق بسياسات إدارة النفايات. لماذا إذن يجري عادة تجاهل هذه الفئة الأساسية من العُمال؟

انقسام البنية التحتيّة للنفايات وإعادة التدوير

لثلاثة عقود على الأقل، عانى سُكان هذا البلد الذي يُطلق عليه "الجمهورية التجارية" بشكل يومي من الانقسام المتزايد للبنية التحتيّة للنفايات، الأمر الذي قد يؤدي إلى انفصال مختلف هياكل البنية التحتيّة عن بعضها البعض.

في لبنان، يحدث هذا الانقسام عند انهيار البنية التحتيّة وكذلك بسبب الطريقة التي تشكلت ولا تزال تتشكل من خلالها.  وهذا هو الوضع السائد خاصةً خلال مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، عندما عملت الإصلاحات الهيكلية على زيادة التحرر الاقتصادي.

بدءاً من التسعينيات، أصبحت الشراكات بين القطاعين العام والخاص تشكل أهمية محورية في الطريقة التي تُدار من خلالها النفايات في مختلف أرجاء البلاد. وقد اُعتبرت هذه الشراكات مفيدة بسبب تصور أن الشركات الخاصة يمكن أن تعفي الدولة من معظم مسؤوليتها عن إدارة مختلف مراحل معالجة النفايات. لكن مع الأسف، ساهمت التكلفة الباهظة لتلك الشراكات في ارتفاع مستويات الديون لدى مختلف البلديات، ولم يتوافر سوى قليل من الاستثمار لصيانة البنية التحتيّة أو إعادة تصميمها حتى تتمكن من التعامل مع زيادة كمية النفايات، ومن هنا اندلعت أزمة النفايات في عام 2015.

لا تعطي البنية التحتيّة القائمة على الربح الأولوية بالضرورة للمصلحة العامة. ومع انهيار الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لعبت المنظمات غير الحكومية والشركات الخاصة والشبكات غير الرسمية دوراً متزايد الأهمية في قطاع إدارة النفايات. ورغم أن هذه المؤسسات والهيئات قد تتعاون سوياً بين الفينة والأخرى، فإن ذلك غالباً ما يحدث بطريقة عشوائية.

بدأت ألاحظ بجدية هذه "العشوائية" التي تتسم بها البنية التحتيّة في إدارة النفايات عندما شرعت في إعداد دراسة ميدانية أنثروبولوجية مع مجموعة من السوريين القُصَّر الذين يعملون في جمع النفايات عام 2016. تحوَّل ما كان في البداية مشروع بحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه يمتد لاثني عشر شهراً فقط إلى دراسة أنثروبولوجية لتلك المجموعة من الفتيان الصغار خلال نشأتهم في إحدى مستودعات الخُردة الصغيرة في بيروت على مدار أربعة أعوام.1بدأت البحث كزميلة ما بعد الدكتوراه في معهد الألماني للأبحاث الشرقيّة في بيروت وانتفعت كذلك بدعمين آخرين. أولهما من قبل المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في إطار الدورة الثانية (2018-2019) للمنح البحثي - "البيئويّة والإفقار وحركات العدالة الاجتماعية: مقاربات متعدّدة التخصّصات" الممول من مؤسسة "أندرو مالون" . وثانيهما ضمن إطار مشروع تعاوني بين المعد العالمي للازدهار التابع لكلية لندن الجامعية وبين الجامعة الأمريكية في بيروت باسم "تطوير حلول الهياكل الأساسية لعميلات نزوح واسعة" والممول من قبل الأكاديمية البريطانية.

ينحدر هؤلاء الفتية من قرية سورية في وادي نهر الفرات. عندما اندلعت الحرب أرسلتهم عائلاتهم للعمل في مستودع الخردة هذا الذي يقع في قبو مبنى متهالك ببيروت. ظل الفتيان-الذين تتراوح أعمارهم بين 8 أعوام و16 عاماً، وبعضهم أخوة أو أبناء عمومة- تحت رعاية وإشراف معلم (رئيس) المستودع، وهو شاب في العشرينيات من عمره، ينتمي أيضاً لنفس الوسط الاجتماعي.  قد يتنقل جامعي النفايات في أرجاء المدينة يومياً وهم يدفعون عربات معلق عليها سلال بحثاً عن الخردة من المعادن والمواد البلاستيكية والملابس والأحذية والألعاب والكتب والأثاث الخشبي. تُباع الخردة المعدنية والبلاستيكية إلى سلاسل توريد من أجل تصديرها في المقام الأول أو إعادة تدويرها محلياً بشكل عَرَضي. أما الملابس وما شابهها فيبيعها أقارب جامعي النفايات في أسواق السلع المستعملة المتنقلة المنتشرة حول سهل البقاع.

تتوزع جهود جامعي النفايات الصغار هؤلاء على مجموعة هائلة من الأنشطة التي تتمحور حول جمع وفرز النفايات في بيروت. وبينما تنصب جهود من يعملون في هذا المستودع الصغير على انتشال المواد المهملة من صناديق القمامة، غالباً ما تركز المنظمات غير الحكومية على جمع أكياس القمامة المفروزة من المنازل. وقد أقامت بعض المنظمات غير الحكومية حاويات لفرز القمامة في بعض مناطق المدينة، لكن لا يزال جامعي القمامة يسيطرون على كافة المناطق. من ناحية أخرى، تجمع شركات إدارة النفايات الخاصة -أولاً شركة سوكلين ثم شركة رامكو بعد ذلك- حاويات وأكياس القمامة التي تحتوي على نفايات مختلطة.

السبب الوحيد الفعلي لهذا الخليط الخاص من الأيدي العاملة في البنية التحتيّة هو عدم وجود خطة متكاملة لإدارة النفايات في لبنان. لكن ما عرفته هو أنه على الرغم من هذا الانقسام الذي تعاني منه البنية التحتيّة، يقدم العاملون في قطاع إدارة النفايات عملاً أساسياً. بل ويفتخر كثيرون منهم بعملهم. وفي حالة مستودع الخردة الصغير، يمهد عمل جامعي النفايات الصغار الطريق أمام أرباح أحد أنجح القطاعات الصناعية في لبنان: تجارة الخردة المعدنية.

مستودع خردة صغير في بيروت، 20 شباط/فبراير عام 2017.

علامَ يقوم اقتصاد إعادة التدوير؟

ربّما تفككت المرافق الأساسية للنفايات في لبنان، لكنّها ما تزال تغذّي الاقتصادات العالميّة لإعادة التدوير. وفي حالة الخردة المعدنيّة، ما يزال النحاس والحديد من بين أبرز الصادرات اللبنانيّة. على سبيل المثال، حلّت خردة النحاس عام 2018 في المرتبة الثالثة، بقيمة 146 مليون دولار، تلتها خردة الحديد بقيمة 142 مليون دولار.

يلقى هذا المسمّى بالاقتصاد الدائري، حيث يتطلّب تحقيق أرباح حركة الموادّ عبر حركة التصدير، الدعمَ من قِبَل قطاع الخردة المعدنيّة المحلّيّ الذي يعتمد بشدّة على عمّال غير رسميّين وذوي رواتب ضعيفة. هذه التفاوُتات بين التدفّق الحرّ للموادّ وبين تقييد حركة البشر دون تكافؤ ليست خاصّة بلبنان وحده. فقطاع الخردة المعدنيّة العالميّ-كغيره من اقتصادات التدوير الأخرى- يوظّف نماذج تركّز مجالها التحليليّ حصراً على الموادّ وتتجاهَل العَمالة بشكلٍ تامّ تقريباً.2Alexander, Catherine and Reno, Joshua. 2012. Introduction. In: Catherine Alexander and Joshua Reno, eds. Economies of recycling: global transformations of materials, values and social relations. London: Zed Books, 1–35.

هذا التركيز على الموادّ أمرٌ محوريّ في "اتّفاقيّة بازل بشأن التحكّم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود"، التي صادق عليها لبنان في العام 1994. إذ تُعرِّف الاتّفاقيّة النفايات بناءً على إمكانيّة إعادة استخدامها وإعادة تدويرها. ويمكن توصيف الخردة المعدنيّة على أنّها نفايات صلبة ونفايات خطيرة. وهذا يرجع إلى الاحتماليّة السمّيّة لبعض الإضافات غير المعدنيّة. ولهذا فلا بدّ من إجراء اختبار عيّنات قبل أيّ عمليّة شحن. إلّا أنّ هذا التحليل الكيميائيّ يحدث بعد عمليّات الانتشال؛ وهي ممارسة تُجرَى عادةً في معظم أنحاء العالم، ومنها لبنان، مِن قِبَل جامعي نفايات غيرِ رسميّين.

يتضّح المزيد من التشابُكات العالميّة والمحلّيّة لقطاعَي الصناعة والتجارة حين ننظر إلى العلاقة بين لبنان وتركيا التي تعتبَر أحد أبرز مستوردي خردة الحديد اللبنانيّة. واجهَت اتّفاقيّة التجارة الحرّة التي أُبرِمت مع تركيا في العام 2010 العديد من العوائق والعقبات. فبعد حوالي عامٍ من توقيعها اندلع الصراع السوريّ فتوقّفت محاولات تمديد شبكات التجارة وما يتّصل بها من بنى تحتيّة بشكلٍ رسميّ إلى سوريا.

وفي أيار/مايو 2018، أعلن رائد خوري، القائم بأعمال وزير الاقتصاد، التراجُعَ عن الاتّفاقيّة، عبر منع استيراد البسكويت والمنظّفات من تركيا. وقال بصورة غير معهودة إنّ أسعار تلك السلع قد انخفضَت نتيجة انخفاض سعر الليرة التركيّة؛ ونتيجةً لهذا لم يعُد بإمكان صناعات الحلويّات والمنظّفات اللبنانيّة المنافسة في الأسواق المحلّيّة. وقد ردّت تركيا على تلك الخطوة بإيقاف استيراد خردة الحديد من لبنان، الأمر الذي أثّر على حياة العاملين في مستودعات نفايات الخردة. لكن خفت حدة التوتّر مع بداية العام 2019، في أعقاب مفاوضات بين البلدين.

علامَ ”حقّاً“ يقوم اقتصاد إعادة التدوير؟

ونظراً لكون الخردة المعدنيّة تمثّل تقريباً 10% من الصادرات اللبنانيّة في 2018، يبدو جلياً أهمّية هذا القطاع بالنسبة إلى النموّ الاقتصاديّ اللبنانيّ. وبالتالي فإنّ تراجُع صادراتها يمكن أن يؤدّي دون قصدٍ إلى انخفاضٍ في الناتج المحلّيّ الإجماليّ. إلّا أنّنا حين نقرّ بأنّ تجارة الخردة المعدنيّة تعتمد كثيراً على العمّال غير الرسميّين وغير المسجّلين، فإننا بذلك نناقض أنفسنا. إذ يعتمد الناتج المحلّيّ الإجماليّ وغيره من المؤشّرات الاقتصاديّة الأخرى على بياناتٍ لا تأخذ في حسبانها بالضرورة تلك الفئات من العَمالة التي تشارك في إنتاج السلع والخدمات؛ والأهمّ من ذلك أنّ تلك البيانات تتجاهَل مَن يُسهِم حقّاً في زيادة الناتج المحلّيّ الإجماليّ.

تُصنّف مستودعات الخردة في لبنان عادةً إلى فئتَين: كبيرة وصغيرة. تلك الكبيرة تمتلكها شركات مسجَّلة وتعترف بها الدولة رسميّاً، ولديها تواصل أفضل مع الجهات المسؤولة عن الموانئ في طرابلس وبيروت وصيدا، وكذلك مع المشترين في تركيا وبلغاريا؛ وهما أبرز مستوردي الخردة اللبنانيّة. تستخدم تلك المستودعات معدّات ثقيلة لِفصل أنواع الخردة في مساحات مفتوحة وواسعة. وعلى أدنى تقدير، لدى بعض عمّال تلك المستودعات تصاريح عمل ويدفعون الضرائب.

أمّا الفئة الثانية من المستودعات فهي تلك الصغيرة، التي عادةً ما تكون في مبانٍ مهجورة أو متهالِكة، حيث غالباً ما تقتصر تقنية العمل فيها -إلى جانب المطارق والكمّاشات وأحياناً المثاقب- على أيدى وأقدام الفِتية الصغار، الذين يفكّكون الغسّالات والثلّاجات القديمة ويمزّقون أسلاكها. ويأتي "المعلّم" فيشتري ما يجده/يجمعه الفتية، ويبيع تلك البضائع إلى مستودعات الخردة الكبيرة.

خلال عملي الميدانيّ، لاحظت أنّ من يعملون في المستودعات الكبيرة كان عمرهم على الأقلّ 17 عاماً؛ بينما كانت أعمار من يبيعون الخردة إلى مستودعات صغيرة أو يعملون فيها أصغر بكثير عادةً. وبصيغة أخرى، فإنّ لعمل القاصرين دورٌ مهمّ في المرحلة الأولى من جمع الموادّ القابلة لإعادة التدوير.

أُتيحت لي فرصة الحديث مع رجال فلسطينيّين عملوها في صباهم في جمع الحديد والنحاس من ضواحي بيروت. وقد علمت من خلال حواري مع لبنانيّين نازحين من الجنوب أنّ كثيراً من الرجال عملوا جامعي نفايات في سنّ الشباب. فقد مثّلت عمليّة انتشال الخردة، في مرحلةٍ ما، شريانَ حياةٍ مهمّاً. كانت هذه هي الحال أيضاً في المستودعات الصغيرة التي يعمل فيها الفتية الصغار من الرقّة.

لا تُشير هذه السمة العامة لمستودعات الخردة في لبنان إلى وجود رؤية جماعيّة أو حتّى مشتركة لما ينبغي لذلك المجال أن يكون عليه. فمن عدّة جوانب، يمكن القول إنّ قطاع الخردة المعدنيّة نشأ من خلال الصدفة. ومع قلة اهتمام لبنان بتطوير القطاع الصناعيّ أو الخدمات العامّة، فإنّ لتاريخ البلاد في الاقتصاد القائم على سياسة الحرية الاقتصادية دورٌ في تسهيل نموّ سوق الخردة. وبالمثل، فإنّ فترات الحرب الممتدّة لم تزد فقطّ من كمية الخردة المعدنيّة المتاحة التي ستُنتشَل من المباني المتهدّمة (لعدّة سنواتٍ قادمة)، وإنّما وفرت أيضاً مساحة لازدهار سوق العمل في الخردة.

والآن، مع استمرار انهيار الاقتصاد وارتفاع معدّل التضخّم، صار التنقيب في القمامة بحثاً عن الخردة المعدنيّة لانتشالها أمراً مربحاً أكثر من ذي قبل. فمنذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019، التقيتُ مع عددٍ متزايد من الناس -مواطنين ومهاجرين- ينقّبون في حاويات القمامة بحثاً في الغالب عن خردة معدنيّة لبيعها للمستودعات. وكثيرٌ منهم هم آباءٌ يعملون بصحبة أبنائهم لتعزيز دخل الأسرة الضئيل.

عندما انتشر وباء كورونا

قبل بدء الإغلاق رسميّاً للمرّة الأولى في لبنان منتصفَ آذار/مارس 2020، قمت بزيارة سريعة إلى مستودع صغير للخردة. وكنت قد سمعت أنّ شرطة البلديّة أصدرت تعليمات إلى "المعلّم" بإغلاق مستودع الخردة مؤقّتاً. ولكن حين وصلت إلى هناك، كان عمّال جمع النفايات مشغولين بترتيب المكان، وكان بعض الفتية يبحثون في المخلّفات والنفايات، في حين قام آخرون بتكديس أكياس من المعادن والبلاستيك، استعداداً لرحلة "المعلّم" الأخيرة إلى مستودع الخردة الكبير. وكان بعض الفتية يحزمون أمتعتهم لأخذ إجازة والإقامة مع أقاربهم في سهل البقاع.

خيَّمت أجواء من الكآبة على المكان. فلم يعرف أحد متى يمكنهم العودة إلى العمل. وعندما سألت جامعي النفايات عمّا إذا كان أيٌّ منهم يشعر بالقلق من احتماليّة الإصابة بفيروس كورونا أثناء عملهم في جمع القمامة، هزّ عثمان كتفيه، وهو أحد الفتية الصغار (9 أعوام)، قائلاً: "سنموت من الجوع قبل أن نموت من كورونا".

انتشرت مثل هذه العبارات في جميع أنحاء لبنان طيلة فترة الإغلاق الموسَّع. فقد كان الناس يعانون الجوع بالفعل قبل وقت طويل من انتشار الوباء. فقد كان من الواضح أنّ المساعدات الحكوميّة لم تصل إلى الغالبيّة العظمى من السكّان المحتاجين. وكما هو متوقّع، استُبعِد العاملون في مستودعات النفايات من الدعم الحكوميّ، بسبب وضعهم كمهاجرين. أمّا المعونات القليلة التي حصلوا عليها فقد اقتصرت على تلقّي الرعاية الطبّيّة من المنظّمات غير الحكوميّة الدوليّة والمحلّيّة.

التقيت مصادفة بشقيق عثمان الأكبر، هارون، بعد شهر من تطبيق إجراءات الإغلاق. فقد جاء من سهل البقاع أملاً في كسب بعض المال. لاحظت فوراً أنّه فقد الكثير من الوزن. فبدون عمل هارون، لم يكن بإمكان العائلة تحمُّل تكاليف الموادّ الأساسيّة، بما في ذلك الطعام.

استمرّ "المعلّم" في دفع مبالغ صغيرة من المال إلى الأسرة. غير أنّه مع إغلاق جميع مستودعات النفايات، وعدم شحن أيّ خردة من الموانئ، كان صعباً على "المعلّم" أيضاً أن يتعايش مع هذا الوضع. أخبرني هارون أنّ بعض الفتية كانوا يبحثون عن الطعام في النفايات، ولكنّ نفسه لم تطاوعه على فعل ذلك أبداً.

مع استمرار شهور الإغلاق، بدأ هارون وغيره من جامعي النفايات في تخزين الخردة التي تمّ انتشالها في عربات كبيرة. ووضعوا العربات في مناطق منفصلة عن مواقف السيّارات الفارغة في أرجاء المدينة، وانتظروا ريثما تفتح المدينة والموانئ أبوابها من جديد.

العربات الكبيرة التي يستخدمها جامعو النفايات - تبدو مختلفة عن العربة الصغيرة كما تظهر في الصورة الأولى. أثناء الإغلاق، كانت العربات الكبيرة تُخزّن بعيداً في مواقف السيارات الفارغة في جميع أنحاء المدينة). التُقِطت الصورة بتاريخ 10 أيار/مايو 2020 © Elizabeth Saleh

هل هذه الحياة قابلة للعيش؟

بحلول نهاية شهر نيسان/أبريل، سارع هارون وعثمان إلى العودة للعمل. قال عثمان إنّ أسعار الحديد الخردة ارتفعت ارتفاعاً طفيفاً في أيار/مايو، موضّحاً أنّ تلك الزيادة كانت في واقع الأمر بسبب التضخم ولأنّ مستودعات الخردة الكبيرة كانت تحاول جمع كمّيّات من الحديد الخردة بسرعة، استعداداً لشحنها. وبالنسبة للفتية، فإنّ الزيادة في الأسعار تعني أنّ سعر الحديد الخردة أصبح الآن يبلغ 300 ليرة للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعادل نحو 20 سنتاً بسعر الصرف الرسميّ للدولار الأميركيّ.

من الصعب تقدير متوسّط الدخل الذي يحصل عليه عمّال جمع النفايات. إذ تتوقّف كمّيّة الخردة التي يجدونها على مقدار النفايات التي تتخلّص منها العائلات والمطاعم والشركات، فضلاً عن كمّيّة النفايات التي يستطيع الفتية حملها إلى مستودع الخردة. وأيضاً يعتمد جامعو النفايات على "المعلّم"، الذي يُقرّر أنواع النفايات التي يجب أن يركّزوا على جمعها، مع إعطاء الأولوية عادةً للمعادن نظراً لارتفاع أسعارها.

يتعامل "المعلّم" مباشرةً مع مستودعات الخردة الأكبر حجماً، ممّا يعني أنّه المسؤول عن كافّة المعاملات النقديّة الرئيسيّة بين فريقه من عمّال جمع النفايات. وبفضل الأموال التي يحصل عليها من بيع الخردة كلّها، يستطيع "المعلّم" دفع إيجار الطابق السفليّ، حيث المخزن، والطابق العلويّ حيث يقيم الفتية؛ ويستطيع أيضاً إرسال بعض الأموال إلى أسَر الفتية في سوريا أو في لبنان. وثمّة أيضاً مصروفات صغيرة تُمنح للفتية حتّى يتمكّنوا من شراء الطعام.

نادراً ما وُصفت المبالغ التي منحها "المعلّم" للفتية وأسرهم بأنّها مقابل مادّيّ جرّاء عملهم. وكذلك لم تُحدَّد هذه المدفوعات وَفقاً لكمّيّة الخردة التي يبيعها الفتية إلى "المعلّم"، بل كانت تُعَدّ جزءاً من التزام "المعلّم" العائليّ تجاه المجتمع الأكبر. وفي المقابل، أدرك الفتية بدورهم، من خلال القيام بعملهم في جمع النفايات، أنّهم أخذوا على عاتقهم مسؤوليّات عائليّة جديدة أيضاً.

لم تكن العلاقات بين الفتية ومَن هم أكبر منهم سنّاً، بما في ذلك "المعلّم"، شبيهة بتلك العلاقات التي تُمثّل استخدام الأطفال في العَمالة القسريّة؛ إذ كان بإمكانهم أن يتوقّفوا عن العمل في أيّ وقت. فعلى سبيل المثال، بعد طرد داعش من قراهم في منتصف عام 2017، أخذ العديد من الفتية إجازةً لقضاء الصيف مع أُمّهاتهم وأخواتهم اللواتي أتَين لزيارتهم، إذ لم يرَ بعضُهم البعض لأكثر من عامين. بَيد أنّ جامعي النفايات كانوا يعودون دائماً إلى العمل. فقد شكّل تدفّقُ الأموال المتداوَلة من مستودعات النفايات إلى المجتمع المحلّيّ نظاماً لدعم الحياة لا غنى عنه للعَوائِل المشتَّتة. وقد أوضحت والدة هارون أنّ تلك الأموال كانت بالكاد تكفي لتدبّر أمورهم خلال الأزمة.

بصرف النظر عن صمودهم الظاهريّ، وما يُبدونه من قدرة على التحمّل، لطالما تصوّر جامعو النفايات ما كان سيحدث لو لم تطرق الحربُ أبوابَهم. فقد تذكّر -بفخرٍ- مَن كان سنّهم يكفي للانتظام بمدرسة القرية، أيّامَ الدراسة فيها. وكثيراً ما قيل لي إنّهم شعروا بأنهم فقدوا فرصة الحصول على تعليم نظاميّ. ولم يكن الأمر أنهم اختاروا عدم الذهاب إلى المدرسة؛ بل كانت الحرب -كما أوضحوا- هي ما حطّم حياتهم. وقد اتّفقت جميع أسرهم على هذا الرأي. وكذلك "المعلّم" الذي كان يدرس للحصول على شهادة جامعيّة في الهندسة إلى أن اندلع القتال في سوريا.

نحو اقتصاد شعبيّ في إعادة التدوير

يُعدّ العمل في قطاع النفايات في لبنان قصّةً تحكي لنا كيف يمكن للأسواق أن تزدهر من خلال مشاريع البنية التحتيّة المستخدمة في التخلّص من النفايات وإعادة التدوير. غير أنّه مع ازدهار هذه الأسواق، غالباً ما تنهار البنية التحتيّة. وفي هذا السياق، فإنّ العمل في قطاع النفايات في لبنان يُعتبر قصّة تكشف عن اعتلال وعشوائيّة منظومة البنية التحتيّة عندما تكون مصّممة لتحقيق الأرباح.

فقد أدّى عدم وجود أيّ نظام متكامل لإعادة التدوير إلى فتح مراكز للاقتصادات غير الرسميّة - وهي المجالات التي كثيراً ما يتغاضى عنها صنّاع السياسات. لا يتلخّص الحل في مجرّد البحث عن سبل إضفاء الطابع الرسميّ على هذه الأنشطة المختلفة. فعلى سبيل المثال، يثير التواجد الكبير للعمّال الذين تقلّ أعمارهم عن السن القانونية داخل صناعة المعادن الخردة تساؤلاتٍ جادّة حول جدوى مجرّد إضفاء الطابع الرسميّ على عملهم. علاوةً على ذلك، وطالما أنّ عمل جامعي النفايات يُشكّل شريان حياة بالغ الأهمّيّة بالنسبة لأسرهم، فلن يتمكّن صنّاع السياسات من منع الأطفال من العمل ببساطة.

وأظهرت الدراسة الإثنوغرافيّة التي أعددتها أنّ البنية التحتيّة، في إطار اقتصادات إعادة التدوير، لا تقتصر على الحاويات ومكبّات النفايات وشاحنات القمامة، بل تتضمّن أيضاً الأيدي العاملة. ولا بدّ لمسؤوليّة عامّة الناس عن رعاية البنية التحتيّة أن تمتدّ إلى العَمالة التي تدعمها، بما في ذلك عمّال جمع النفايات الذين هم دون السن القانونيّة. وفي نهاية المطاف، يتعيّن علينا أن نبدأ في دمج آرائهم في تحليلاتنا السياسيّة. وحتّى ذلك الحين، سيكون هارون وعثمان ممتنّين لو بدأ سكّان بيروت في فصل النفايات في منازلهم.

Footnotes

1 بدأت البحث كزميلة ما بعد الدكتوراه في معهد الألماني للأبحاث الشرقيّة في بيروت وانتفعت كذلك بدعمين آخرين. أولهما من قبل المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في إطار الدورة الثانية (2018-2019) للمنح البحثي - "البيئويّة والإفقار وحركات العدالة الاجتماعية: مقاربات متعدّدة التخصّصات" الممول من مؤسسة "أندرو مالون" . وثانيهما ضمن إطار مشروع تعاوني بين المعد العالمي للازدهار التابع لكلية لندن الجامعية وبين الجامعة الأمريكية في بيروت باسم "تطوير حلول الهياكل الأساسية لعميلات نزوح واسعة" والممول من قبل الأكاديمية البريطانية.
2 Alexander, Catherine and Reno, Joshua. 2012. Introduction. In: Catherine Alexander and Joshua Reno, eds. Economies of recycling: global transformations of materials, values and social relations. London: Zed Books, 1–35.