ثُنائيَّة الدّين والدّولة في السودان: هل فَكَّت اتفاقيات جوبا وأديس أبابا طَلاَسِم هذه العلاقة؟

قسّمت مكانة الدين في دولة السودان البلاد منذ استقلالها. وفي أيلول/سبتمبر الأخير، وافقت الحكومة الانتقالية على الفصل بين الدّين والدّولة في محاولة لإنهاء الخلاف المستمر منذ عقود. على خلفية إخفاقات الدساتير السابقة في الاعتراف بالتنوع في السودان ومعالجته بشكل مناسب، تدرس هذه الورقة تأثير اتفاقيات جوبا وأديس أبابا الأخيرة في جهود البلاد لبناء دولة ديمقراطية مدنية والتحديات القائمة أمام إرساء دعائمها.

arab-reform-initiative-sudan-have-the-juba-and-addis-ababa-agreements-untangled-the-dichotomy-between-religion-and-the-state
احتفالات خلال استقبال قادة السلام عقب توقيع اتفاق جوبا للسلام في أيلول/سبتمبر بين الحكومة الانتقالية والجماعات المسلحة - الخرطوم، تشرين الثاني/نوفمبر 2020. ©AA/محمود حجج

مقدمة

ظل جدل الدّين والدّولة في السودان وتحديد دور الشريعة الإسلامية في مجال التشريع وتنظيم المجتمع بوجه خاص أحْجِيّة تؤرِّق السياسيين والنخب السودانية على حد سواء منذ الاستقلال. لقد أضحى ايجاد تعريف لهذه العلاقة الجَدَلِيَّةِ في دساتير السودان المختلفة واحداً من أكثر القضايا الخلافية بين شمال السودان وجنوبه قبل الانفصال، وأضحت بعد الانفصال – دون منازع – النقطة الخلافية الأكثر جدلاً (بين الحركات المسلحة ونظام البشير حتى سقوطه) بوصفها مسألة عالقة لا بد من إيجاد صيغة لها إذا أراد السودانيون بناء دولة قائمة على أساس المواطنة دون فرض هوية عربية إسلامية ودون تمييز أو اقصاء في دولة كالسودان متعددة الأديان والأعراق والثقافات.

إن اتفاق السلام الذي وُقّع يوم 3 تشرين الأول/أكتوبر 2020 في جوبا عاصمة جنوب السودان (ʺاتفاق سلام جوباʺ)، بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية (وهو تحالف عريض من الحركات المسلحة وغيرها من القوى) وحركة تحرير السودان جناح مني مناوي، بحضور كل من رئيس جنوب السودان سلفا كير، ورئيسي مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليان في السودان عبد الفتاح البرهان وعبدالله حمدوك، حاول رسم خطوط عريضة لتعريف العلاقة بين الدّين والدّولة في سودان ما بعد الاستقلال. وربما يشكل ذلك إطاراً عاماً للحوار الذكي حول هذه المسألة المعقّدة والتي يجب التوافق على الأسس المعرفية التي تضبطها.

المواطنة كأساس للحقوق والواجبات في اتفاق سلام جوبا

جاء اتفاق سلام جوبا في إطار شامل لمعالجة القضايا الأساسية لأزمات السودان في دارفور والمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) والمناطق المهمشة الأخرى، وذلك في شكل عدة بروتوكولات تفصيلية. ان اتفاق سلام جوبا هو ثمرة عمل دؤوب دام قرابة عام واحد في جوبا بين مكونات الحكومة الانتقالية وحركات الكفاح المسلح. يمكن النظر إلى اتفاق سلام جوبا – دون شك – كخطوة في الاتجاه الصحيح، لكن يبقي التحدي الماثل لكافة القوى السياسية والاجتماعية لإيجاد سلام حقيقي في السودان هو كيفية بناء دولة حديثة ديمقراطية تحترم تنوع الشعب السوداني، ولا تميز بينهم على أساس العرق أو القبيلة أو الدين أو النوع أو الجنس أو الأصل. وذلك ربما لا يتأتى دون تقوية المؤسسات القائمة كضرورة ملحّة وبناء مؤسسات جديدة فاعلة وقادرة على البقاء والاكتفاء الذاتي.

كانت العلاقة بين الدّين والدّولة حاضرة بشكل ملفت في نصوص اتفاق سلام جوبا وبروتوكلاته المختلفة، وإنْ كان ذلك بدرجات متفاوتة ودون إشارة صريحة إلى العلمانية (التي عادة ما يربطها عامة السودانيون بالإلحاد). حيث أشار الاتفاق إلى الفصل التام بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدّين في السياسة واحترام الحريات الدينية، ونصّ على أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات دون تمييز بين الاشخاص على أساس العرق أو القبيلة أو الدين أو النوع أو الجنس أو الأصل، دون أن يحول ذلك من وجود قوانين أو برامج أو أنشطة تهدف إلى تحسين أحوال من تعرض للحرمان من الأفراد أو الجماعات بسبب عنصره أو لونه أو دينه أو أصله الاقليمي أو القومي. ونصت الاتفاقيات كذلك على أن تقف الدّولة على مسافة متساوية من الأديان والثقافات دون أي انحياز اثني أو ديني أو ثقافي. وأخيرا، في جنوب كردفان والنيل الأزرق، نص الاتفاق على منح المنطقتين صيغة حكم ذاتي حددت من خلالها اختصاصات السلطات المحلية والفيدرالية، بما في ذلك سن القوانين والتشريعات التي أُتفق على أن تستند لدستور 1974 (الذي كان أقرب ما يكون إلى العلمانية بحسب رأي البعض)، إضافة الى إنشاء مفوضية قومية للحريات الدينية لحماية حقوق المسيحيين والأقليات الأخرى.

اتفاق أديس أبابا يعزز مبدأ "فصل الدّين عن الدّولة"

لم يضم اتفاق سلام جوبا حركات ذات ثقل كبير على الأرض، أبرزها الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو (التي تعثرت المفاوضات معها خلال الفترة الماضية والتي تطالب بعلمانية الدولة)، إضافة إلى حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور (التي رفضت الانضمام لمنبر جوبا والذي لا ترى أنه يخاطب جذور الأزمة في السودان). الا أن غياب الحلو عن اتفاق سلام جوبا لم يمنعه من التوقيع في 3 أيلول/سبتمبر 2020 على اتفاق مشترك (ʺاتفاق أديس أباباʺ) بالعاصمة الإثيوبية مع رئيس الوزراء السوداني الدكتور عبد الله حمدوك، والذي نَصَّ بشكل صريح على وجوب فصل الدّين عن الدّولة. لقد نَصَّ اتفاق أديس أبابا في أحد أهم بنوده على إقامة دولة ديمقراطية في السودان وعلى أن يقوم الدستور على مبدأ "فصل الدّين عن الدّولة" وأنه يجب – في حال غياب هذا المبدأ –  احترام حق تقرير المصير في منطقتي النيل الأزرق وجبال النوبة. كما نَصَّ اتفاق أديس أبابا على أن حرية المعتقد والعبادة والممارسة الدينية مكفولة بالكامل لجميع المواطنين السودانيين، وألا يجوز للدولة اعتماد دين رسمي ولا يجوز التمييز بين المواطنين على أساس دينهم.

ان الاختلاف الجوهري بين اتفاق سلام جوبا واتفاق أديس أبابا يكمن في أن الأخير عَبَّر عن أحد أهم ثوابت الحركة الشعبية التي يقودها عبد العزيز الحلو المتمثلة في ضرورة فصل الدّين عن الدّولة لكي يصبح السودان دولة ديمقراطية تكرس حقوق المواطنين. وربما هذا يفسر لماذا لم يتمكن الحلو من الوصول الى اتفاق نهائي حتى الآن مع حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، الذي يرى في فصل الدّين عن الدّولة شرط مُسَبَّق قبل الانضمام الى ركب السلام أسوة بالحركات المسلحة الأخرى.

الفصل بين الدّين والدّولة في تجارب السودان الدستورية منذ الاستقلال

جزء من فك لغز ثُنائيَّة الدّين والدّولة في السودان يكمن في معرفة العلاقة بين الأديان المختلفة فيه، وتحديدا المسيحية والإسلام. لقد شكل الجدل حول الدّين أساس العلاقة بين شمال السودان (ذو الأغلبية المسلمة) وجنوبه (ذو الأغلبية المسيحية) حتى الانفصال في 2011، حيث ارتبط بشكل وثيق برؤية الأحزاب التقليدية والطائفية لمفهوم الدولة وطبيعتها. لا عجب اذاً أن النخب السياسية الشمالية ذات المرجعية الطائفية الدينية ظلت تدافع باستماته عن الشريعة منذ الاستقلال، الى أن نجحت في تطبيقها في عام 1983 فيما عرف بقوانين سبتمبر. الا أن ذلك لم يكن الحال بعد أن نال السودان استقلاله في عام 1956.  اذ خلا دستور السودان المؤقت لسنة 1956 من أي اشارة للدّين. حاولت الجمعيات التأسيسية المنتخبة بعد 1956 لصياغة دستور دائم للبلاد من اقرار مسودة دستور (مشروع مسودة دستور 1968) تنص على أن السودان جمهورية اشتراكية برلمانية ديمقراطية تقوم على هدي الإسلام، والدّين الرسمي للدولة هو الإسلام و "العربية" لغتها الرسمية، الا أن الجمعية التأسيسية في تلك الفترة لم تنجح في مراجعة مسودة مشروع الدستور بسبب الصراعات التي نشأت داخلها، وانسحاب عدد من أعضائها (من بينهم النواب المسيحيون). وحتى حل الجمعية التأسيسية في يوم 25 أيار/مايو 1969 بسبب قيام ثورة مايو بقيادة جعفر نميري لم تتمكن من التوافق حول مشروع دستور دائم للسودان.

في عهد نميري، عمل دستور عام 1973 على ادخال نص يؤسس الإسلام كدين الأغلبية لأول مرة مع اعترافه بالدين المسيحي أيضا كدين لعدد كبير من المواطنين، كما نُص على أن تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم. هذا النص التوافقي جاء ليترجم بنود اتفاقية أديس أبابا للسلام التي تم التوقيع عليها في 27 شباط/فبراير 1972 بالعاصمة الإثيوبية بين نظام الرئيس جعفر نميري وحركة تحرير السودان لإنهاء الحرب الأهلية السودانية. تم النص لأول مرة أيضا في دستور 1973 على أن الشريعة الإسلامية والعرف مصدران رئيسيان للتشريع بينما الأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم. وفي عام 1983، ارتد نظام النميري على اتفاقية أديس أبابا للسلام بتعديلها وفرض لأول مرة عقوبات حدّية وإسلامية وأحدث تغييرات جوهرية أخرى في النظام القانوني فيما كان يعرف بقوانين سبتمبر (قوانين الشريعة الإسلامية). فمثلا صاحب استحداث العقوبات الحدية في قانون العقوبات لسنة 1983 منح القضاة سلطة تطبيق العقوبات الإسلامية حتّى وإن لم يكن منصوصاً عليها.  كما تم استحداث قانون جديد عرف بإسم قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 منح القضاة صلاحية تطبيق ما يجدونه من حكم شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة، فإن لم يجد القاضي نصاً يجتهد ويهتدي في سبيل ذلك بعدة مبادئ (أولها الاجماع والقياس).  كما نَصَّ قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 على أنه في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي اسـتقرت قضاءً في السودان.  ولم يكن قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 بعيدا عن تلك الصبغة الإسلامية التي اجتاحت القوانين في السودان، حيث نَصَّ على أن تسترشد المحاكم في تطبيق أحكامه وتفسيره وفـي حـالات غياب النص بالمبادئ الشرعية وتتبع القواعد المنصوص عليها في قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983.

شرع نميري بعدها في 1984 باقتراح مشروع تعديلات دستورية واسعة على دستور سنة 1973 لإعلان السودان "جمهورية إسلامية" (المادة 1 من مشروع التعديلات) وان يكون رئيس الجمهورية "قائداً للمؤمنين ورأس الدولة وإمامها" (المادة 80 من مشروع التعديلات)، وان تكون مصادر الشريعة هي الشريعة والعرف الذي لا يتعارض معها (المادة 59 من مشروع التعديلات). ثم جاء دستور 1998 ليُعَظِم من التأسيس الديني باستحداث نص حول "طبيعة الدولة"، حيث نُص على أن الحاكمية في الدولة لله خالق البشر (المادة 4). كما نَصَّ أيضا على عدم جواز سن قانون يتعارض مع الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة (المادة 65)، حيث استبعد النص بذلك غير المسلمون بالترسيخ لهيمنة الدولة الدينية على مفاصل الحياة العامة.

وبعدها وحتى توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام سنة 2005 بين نظام البشير وجون قرنق، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، كانت الشريعة ومسألة تطبيقها على غير المسلمين مسألة غير قابلة للتفاوض في محادثات السلام. وبعد اتفاقية السلام وصياغة دستور سنة 2005، قدم الشمال تنازلات بشأن هذه القضية في دستور سنة 2005 الانتقالي، والتي كانت نتيجتها عدم تطبيق الشريعة في الولايات الجنوبية وعدم اخضاع الجنوبيون الذين يعيشون في الشمال لأحكام الشريعة، مما خلق فيدرالية إسلامية عملت على تجزئة السودان على أسس دينية، ممهدةً الطريق بذلك الى انفصال الجنوب في 2011.

وبعد سقوط نظام البشير في 2019 تمت إجازة الوثيقة الدستورية الموقعة بين قوى اعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري والتي سكتت للمرة الأولى منذ دستور سنة 1956 المؤقت عن اسباغ صفة مرجعية للشريعة الإسلامية في الدستور ولم تنص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، مُنحيةً بذلك قضية خلافية لم يكن بوسع السودانيين الإجابة عليها في خضم مفاوضاتهم بمختلف مكوناتهم لايجاد صيغة مشتركة لتقاسم السلطة مع المجلس العسكري في حينه.

هل نجحت اتفاقيات جوبا وأديس أبابا في تعريف العلاقة بين الدّين والدّولة؟

بالنظر لاتفاق سلام جوبا ومقارنته باتفاق أديس أبابا مع رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، عبد العزيز الحلو، نجد أن النص في اتفاق سلام جوبا يدعو الى الفصل التام بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة دون الإشارة الى كيفية تحقيق ذلك على أرض الواقع. لقد سكت اتفاق سلام جوبا عن النَصَّ صراحةً على فصل الدّين والدّولة تاركا تلك المسألة (بحسب بنود الاتفاقية) للمؤتمر الدستوري القومي كأحد القضايا القومية التي يجب الحوار بشأنها. هل المقصود هو عدم تدخل الدولة في شؤون المؤسسات الدينية، ولكن ضمان حرية العبادة لمختلف المواطنين فيها؟ كيف يمكن فهم علاقة الدين بالدولة في إطار اتفاق سلام جوبا؟ هل المعني أن تعمل الدولة على ضمان حرية الدين والممارسات الدينية للأفراد، وأن تحرص على حيادية الدولة تجاه الدين وعدم توظيف المؤسسات التابعة للدولة في أي نشاط ديني؟ هذه كلها أسئلة لم تتم الإجابة عليها في اتفاق سلام جوبا ولربما هي قضايا خلافية لا بد من البت فيها على نطاق واسع ضمن مشاورات المؤتمر الدستوري الذي يجب عقده قبل نهاية الفترة الانتقالية بحسب نصوص الوثيقة الدستورية.

من ناحية أخرى، فان اتفاق أديس أبابا كان أكثر وضوحا بالنص على عدم اعتماد دين رسمي للدولة وعدم التمييز بين المواطنين على أساس دينهم، مما يفهم منه أن المقصود بمبدأ فصل الدّين عن الدّولة هو العلمانية (وان لم تتم الإشارة لها بصريح العبارة) وليس المدنية التي قد لا تعكس مفهوم فصل الدّين عن الدّولة وفق أدبيات الحركة الشعبية. لقد تمت الدعوة الى العلمانية بشكل صريح في منطقة جبال النوبة التي يسيطر عليه عبد العزيز الحلو، فإقرارها يعتبر شرط رئيسي للتوقيع على اتفاق سلام نهائي. من ناحية أخرى، نجد أن المدنية شعار ترنَّم به السودانيون في أعقاب ثورة ديسمبر للدعوة لحكومة لا يقودها العسكريون ولا تعكس بالضرورة مفهوم فصل الدين عن الدولة كما تتطلع اليه الحركة الشعبية التي يرأسها عبدالعزيز الحلو. الا أن الخطورة تكمن في أن اتفاق أديس أبابا ربط بين فصل الدّين عن الدّولة وحق تقرير المصير، وهو ما حاول بيان مشترك تم نشره بعد يوم واحد من توقيع اتفاق أديس أبابا في 4 أيلول/سبتمبر 2020 التخفيف من حدته بالإشارة الى أن الطرفان اتفقا على إقامة ورش تفاوض غير رسمية من الجانبين لمناقشة القضايا الخلافية المطروحة للتفاوض ومنها "اشكالية العلاقة بين الدّين والدّولة، وحق تقرير المصير"، والتي فشلت أحدى ورشها في جوبا نتيجة رفض وفد الحكومة توصيات خاصة بعلاقة الدّين بالدّولة.

ان فهم تداعيات النصوص التي تناولت علاقة الدّين بالدّولة في اتفاقية سلام جوبا أو اتفاق أديس أبابا  وماهيتها وماذا تعني في سياق المآزق السياسية التي ظل يمر بها السودان لا بد أن يجيء في اطار أكثر شمولاً لفهم اخفاقات التجربة الدستورية في السودان برمتها. لطالما كان السودان دولة متعددة الأديان، ولكن مع دخول القوى الدينية معترك الحياة السياسية ليطال دور الدين تنظيم مختلف جوانب الحياة العامة والتحكم في السلوك الإجتماعي (بدلا من أن يقتصر على الجانب الرمزي الشعائري)، توترت العلاقة بين الدّولة والدّين لتشكل حالة من الإستقطاب الحاد.

لقد برهنت تجربة الإسلاميين في الحكم لمدة ثلاث عقود بشكل قاطع أن ادخال نص في أي دستور يعتزم السودانيين التداول حوله يعمل على اعتماد دين معين (وان كان دين الأغلبية) أو يؤسس التشريع وفق مرجعية اسلامية يراد لها أن تسمو على الدستور ذاته لا يمكن بأي حال أن يمثل ضمانا لإنزال القيم المثلى التي يدعو لها الإسلام الى أرض الواقع بشأن المساواة والعدل والحرية والكرامة الإنسانية، لا سيما اذا كان ذلك مصحوبا بأيديولوجية وعقيدة سياسية تعمل على اسقاط المعيار الديني على كافة المواطنين  (مسلمين وغير مسلمين). كما أن غياب ذلك النص في الدستور لا يعني بالضرورة فصل الدّين عن المجتمع، فالدّين في جوهره شأن خاص، فالدّولة لا تصلي أو تصوم او تدفع الزكاة، فتلك فرائض واجبة على الفرد. وعلى ذات النسق، فان تعريف الدولة على أنها علمانية، لا يشكل بالضرورة صمام أمان لضمان الحريات والحقوق الأساسية التي عادة ما ينص عليها في الدساتير وتُضَمَّن في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان. فنظام نميري في بداياته لم يُقِم الشريعة الإسلامية ولم يفرض الحدود، ومع ذلك سجن خصومه وأعدمهم وأستبد.

هل يجد السودانيون ضالتهم في الدولة المدنية؟

ربما يكون ما يبحث عنه السودانيون هو الدولة المدنية بمعناها الأشمل التي لا تلغي الأديان وانما تتيح فضاءاً سياسيا ً تحظى به كل الأديان بمعاملة متساوية وتكون ركيزتها المواطنة، الدولة التي لا يحكمها لا رجال الدين لا العسكر ولا تحكمها أجهزة فوقية غير منتخبة خارج إطار العقد الاجتماعي. ذلك يقتضي بناء مؤسسات الدولة وأجهزتها المدنية والعسكرية على أطر قانونية للقيام بالوظائف المنوطة بها بشكل تتكامل فيه الأدوار دون تداخل في الولاءات، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار السياسي، دون الوقوع في فخ بناء مؤسسات حديثة ولكنها مفرغة من مضامينها المؤسساتية تماماً. قد يرى البعض في الدولة المدنية مرادفا للعلمانية المتطرفة أو العدائية التي تدعو للإلحاد، وذلك وصف مختزل وغير دقيق. ان السودان لن يستقيم شأنه الا في بناء نظام حديث لدولة مدنية غير متطرفة ضد حرية المعتقد الديني كحرية فردية، وتعمل على الفصل بين الدّين والممارسة السياسية، وهناك تطبيقات ناجحة في كندا والولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا وألمانيا وغيرها من الدول يمكن الاهتداء بتجاربها ودراستها لفهم عِبْرَها.

ان نص اتفاق جوبا للسلام على أن تقف الدولة على مسافة متساوية من الأديان والثقافات دون أي انحياز اثني أو ديني أو ثقافي، انما المقصود منه حيادية الدولة في الشؤون المتعلقة بالدين، فهي بهذه الكيفية لا تؤيد الدين ولا تنتقده ولا تميز بين المعتقدات الدينية المختلفة. من ناحية أخرى، فإن الفصل التام بين المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة يصعب فهم المقصود منه في اتفاق جوبا للسلام دون الإشارة لمؤسسات بعينها. لكن ربما يكون الأقرب الى الذهن الدور الديني لهيئة علماء السودان الداعم لنظام البشير (وهي هيئة كانت تتبع لإشراف رئاسة الجمهورية في السودان حتى سقوط البشير ويتبع عدد كبير من أعضائها الى تنظيم الحركة الإسلامية) الذي يمكن تقفي أثره من خلال الفتاوى المسيّسة لهيئة علماء السودان ، ومن الأمثلة على ذلك عندما أفتى رئيس هيئة علماء السودان في 2016، د. محمد عثمان صالح بعدم جواز الخروج على الحاكم، مشيراً إلي حرمة ذلك التصرف ابتداءً. وهنالك أيضا مجمع الفقه الإسلامي الذي يتم تمويله من قبل الدولة ويعتبر أحد الأذرعها الدينية-السياسية الذي لم يقتصر دوره في تقديم الفتاوى على الجانب المختص بالعبادات بل امتد في مناخ الإسلام السياسي الذي وفره نظام البشير ليشمل مسائل سياسية، مستغلا بذلك المبادئ والقيم الدينية لاضفاء شرعية سياسية لتصرفات نظام البشير.

ان النقاش حول مسألة فصل الدّين عن الدّولة للإحاطة بكافة تعقيدات الموضوع من النواحي السياسية والاجتماعية والقانونية لم يتم بشكل منهجي وعميق ووافي حتى الآن في السودان، لا على مستوى النخب السياسية والحركات المسلحة من جهة، ولا على مستوى عامة السودانيين على الصعيد المجتمعي من جهة أخرى (والذين رأى بعضهم في اتفاق جوبا محاولة لمعالجة المشكلة من خلال اقتسام السلطة واسترضاء طموح النخب من الحركات المسلحة التي تنتمي للمناطق المهمشة).

لقد ظل ايجاد صيغة لتعريف العلاقة بين الدّين والدّولة رهين الظروف السياسية وسياق كتابة الدستور في الحقب المختلفة، مما أدى الى تلازم بين الحدث السياسي والحدث الدستوري بشكل لافكاك منه. لقد شقّ على السودانيين ارتضاء عقد اجتماعي لاستيعاب تنوعهم، فما بين هوس الحركة الإسلامية في السودان في إقامة دولة ثّيوقراطيّة يكون فيها لرجال الدولة السّلطة العليا واليد الطّولى بإسم الدين في إدارة شؤون الدّولة، وبين رغبة البعض الآخر في فصل الدّين عن الدّولة (أيا كان ذلك ما يعنيه في أذهانهم) من خلال وضع دستور ينظم دولة المواطنة، كانت النتيجة الحتمية انقسام مُفْتَعَل وزائف بين يسار علماني ويمين ديني أفضى الى فشل متكرر في ادارة التنوع وحروب وابتداع لحلول صفوية على مستوى النخب السياسية لمعالجة ضرورات سياسية ملحة رغبة في تحقيق السلام دون الإجابة على الأسئلة الأكثر الحاحاً: كيف ينظم السودانيين علاقة الدّين بالدّولة؟ وكيف يمكن اشراكهم في النقاشات الجارية لفهم طبيعة هذه العلاقة؟ وما هي التنازلات المطلوبة والتي يجب تقديمها من الجميع. سيكون الخوض في هذه الأسئلة مرهقا وطويلا، الا أنه ضروري ومهم لأغراض بناء الدولة.

لا يمكن اغفال حقيقة ان الهوية الدينية بالنسبة لكثير من السودانيين جزء لا يتجزأ من هويتهم الوطنية، وبالتالي لا يمكن الجزم في هذه المرحلة بأن أي دستور قادم للسودان لن يعتمد دين رسمي للدولة على النحو الذي أورده اتفاق أديس أبابا، ومن غير المعروف اذا ما كانت الدولة المدنية بالمعنى الذي ذكرناه يمكن أن تشكل الحد الأدنى من التوافق السياسي نحو ايجاد صيغة نهائية للعلاقة بين الدّين والدّولة في بلد متنوع كالسودان. ان الربط بين حق تقرير المصير في المنطقتين وفصل الدّين عن الدّولة يشرح عمق الأزمة وانعدام الثقة حتى مع وجود حكومة انتقالية جاءت بثورة شعبية انحاز لها الجيش السوداني.

خاتمة

صحيح أن أحد أهم المسائل الملقاة على عاتق الحكومة الانتقالية في السودان هو ايجاد سلام مستدام وعادل في كافة أرجاء السودان. لكن علينا أن لا نغفل ان حكومة الدكتور عبدالله حمدوك ليس لديها كتلة برلمانية ولاهو ممثل للشعب السوداني قاطبة (وان كان قد تم التوافق عليه بشكل استثنائي من قبل قوى مختلفة جاءت به). فهو بذلك يتمتع بتفويض محدود، مما يفرض بالضرورة خيارات جزئية لمعالجة ملف السلام (من ضمن ملفات أخرى)، وتحديدا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال جناح عبد العزيز الحلو فيما يختص بقضية فصل الدّين عن الدّولة.

ان الدولة المدنية التي ينشدها السودانيون قد يكون فصل الدّين عن الدّولة أحد مقومات بنائها لضمان عدم استغلال الدين في السياسة، وذلك لا يقود بشكل حَتميّ الى فصل الدّين عن المجتمع، وإنما عدم توظيف الدّين ووعاظه في المجال السياسي، فالدّين لله لكن الوطن يجب أن يسع  للجميع. مع ذلك، فان مأزق الدولة السودانية وفشلها منذ بداياتها لم تكن علاقة الدّين بالدّولة لها شأن به – بشكل مباشر – انما الاستقطاب القميء حول العلاقة بين الشمال والجنوب، والذي تحول في نهاية المطاف الى صراع عربي/اسلامي مسيحي. ربما حان الآوان أن ينبري السودانيون في نقاشات فكرية مجتمعية لمناقشة علاقة الدّين بالدّولة وعدم الاكتفاء بنصوص مبعثرة في اتفاقيات قد تساهم (ولكنها قد تعجز) في إرساء دعائم دولة ديمقراطية تعمل على حماية حقوق الإنسان لجميع المواطنين يكون أساس الحقوق والواجبات فيها هو المواطنة دون تمييز من أي نوع على أي أساس كان.