تونس، هل هي فعلاً ثورة مضادة ؟

A visitors writes wishes on a wall, onto which is printed in Arabic "Tunisia we love you", on October 22, 2014 in Tunis, during the opening ceremony of the Media Centre to host international journalists covering the Tunisian parliamentary elections. Tunisians vote on October 26, 2014 to elect their first parliament since the country's 2011 revolution, in a rare glimmer of hope for a region torn apart by post-Arab Spring violence and repression. AFP PHOTO / FETHI BELAID (Photo credit should read FETHI BELAID/AFP/Getty Images)© Fethi Belaid / AFP / Getty Images

Summary

بحصوله على 85 مقعد مقابل 69 لمنافسه حزب “حركة النهضة”، فاز حزب (تجمّع) “نداء تونس” بالانتخابات التشريعية الأولى التي تعيشها البلاد منذ تخلصّها من نظام زين العابدين بن علي في 14 يناير / كانون الثاني سنة 2011. وقد سجّلت عملية الانتخاب نسبة مشاركة في التصويت قاربت 60 % من الناخبين. وهي نسبة مشاركة لا بأس بها وإن كانت لا تتناسب مع النسبة المرتفعة المسجلة في انتخابات المجلس التأسيسي قبل ثلاث سنوات. حيث يمكن تبرير ارتفاع هذه النسبة حينها إلى تعطّش طال لممارسة حق الانتخاب بعد عقود من الحجب والاقصاء. وما اعتبره البعض عزوفاً عن المشاركة في العملية الانتخابية الأخيرة، يمكن أن يُعتبر تطوراً طبيعياً لمسار سياسي اعترته نسب متفاوتة من الخيبة والاحباط المُنتجان للشك والترد.

اقرأ المزيد

لقد سجّل حزب "حركة النهضة" انتصاراً رمزياً في هذه الانتخابات، إن تم البناء عليه بصورة إيجابية، فسيكون ذو تأثير عميق في عملية التحوّل الديمقراطي التي بدأتها تونس. فانسحابه من الحكومة سابقاً واعترافه بوجود مكونات تونسية كبيرة لا تتقاسم رؤاه الاجتماعية والثقافية، ولو أنها تتقاسم رؤاه الاقتصادية "الليبرالية"، ما هو إلا ترجمة لوضوح في الرؤية ولو أن مشروعه السياسي / الاجتماعي يظلّ غير واضح تماماً أو أنه قليل الشفافية بعض الشيء. وقد توّج سياسته الواعية من خلال ممارساته الانتخابية وقبوله السريع بنتائج صناديق الاقتراع.

ولقد تمخّضت العملية الانتخابية عن بروز قوة سياسية جديدة "مفاجئة" ممثّلة بحزب "الاتحاد الوطني الحر". فكما هو حال أغلب الديمقراطيات الناشئة، وفي غياب القوننة الشفافة للعمل الإعلامي حديث التحرّر، وفي ظلّ ضعف الرقابة المالية على عمليات تمويل الحملات الانتخابية، استطاع أفراد من "الحرس الاقتصادي القديم"، ممثلاً بحزب "الاتحاد الوطني الحر"، في صعود المشهد الانتخابي والحصول على المرتبة الثالثة.

ولقد سُجّلت خسارة قاسية لحزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" كما حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، وهما أعضاء الترويكا الحاكمة، واللذان دفعا على ما يبدو ثمناً باهظاً لتحالفهما غير المؤثّر مع حركة النهضة. كما برزت النتيجة الجيدة نسبياً لحزب "الجبهة الشعبية" الذي حصل على المرتبة الرابعة. وساعده على ذلك، تضافر جهود القوى اليسارية مع التيارات القومية سعياً لإبعاد "نداء تونس" عن الاستقطاب في أوساط جمهورهما. إضافة إلى كون الجبهة هي القوة السياسية الوحيدة التي تعرّضت للعنف المباشر في مرحلة التخبّط الأمني التي تلت انهيار النظام السابق، مما أدى إلى اغتيال قياديين لديها، ومما ساهم بالتالي في تأجيج التعاطف الشعبي معها حتى في الأوساط غير اليسارية او في أوساط "يسار الصالونات" التي كانت بعيدة كل البعد عن أجواء "الجبهة" الفكرية والنضالية.

إن تراجع "النهضة" وفوز "النداء" وصعود "الاتحاد"، لا يمكن في مجملها أن تُشكّل مفاجأة لمتابعي المشهد التونسي واستقطاباته منذ سقوط نظام بن علي. وعموماً، ومن خلال تجارب عديدة في تاريخ مسارات التحوّل السياسي، فإن الحزب الذي يتصدّى لإدارة تركة بحجم تلك التي خلفّتها سلطة مستبدة وفاسدة في تونس، لا يمكن له إلا أن يكنس بقايا الصحون المحطمة ويحرق الإصبع تلو الآخر في عملية التحوّل التي تُعلّق عليها الجماهير آمالاً ضخمة. وبشكل أكثر تحديداً، يبدو أن الإدارة السيئة نسبياً للشأن العام من قبل محازبي "النهضة"، كما محاولة البعض منهم الاستئثار في إطار بعض القطاعات المؤثّرة، كما تغاضي بعض أجنحتهم عن بروز التطرف العنفي في مراحله الأولى ومحاولة استيعابه ومن ثم مقاومته في مراحل لاحقة، إضافة إلى أزمة اقتصادية خانقة لم تفلح الخطوات غير المدروسة في تجاوزها، أدت مجتمعة إلى ضعف الثقة وانحسار الدعم الشعبي للنهضة. علماً بأن هذا الدعم كان قد ضم سابقاً، وفي انتخابات المجلس التأسيسي، محازبين ومستقلين ممن وجدوا في مناصرة "النهضة" خروجاً عن مألوفٍ إيديولوجيٍ، وانتقاماً من فسادٍ سياسيٍ حابت من خلاله بعض مكوناته اليسارية والليبرالية النظام السابق.

إن اعتبار بعض المحللين بأن التركيب الجديد لمقدمة المشهد السياسي وكأنه يُشكّل عودةً إلى ماضٍ قريب أو انتكاسة للثورة أو ثورة مضادة، هو تسرّع وتبسيط تحليلي لا يجد له مبررات صلبة. وربما هو ناجم عن تأثّر عميق باحباطات المشهد المصري كما بالمآلات العنفية للمشهدين الليبي والسوري. كما وأن اعتبار البعض بأن حزب (تجمع) "نداء تونس" لا يعدو عن كونه إلا استعادة للنظام القديم أو ترجمة لعودة "الدولة العميقة"، يُنبئ بضعف المعرفة بالتاريخ السياسي والاجتماعي لتونس. فهذا التجمّع السياسي، بما يحتويه من مكونات غير متجانسة إيديولوجيا، ما هو إلا تعبير عن تحالف (مؤقت؟) لقوى تبحث عن استعادة الدفة من حزبٍ محافظٍ. ويضم هذا التجمع نقابيين كما مثقفين كما اكاديميين من اليسار ومن اليمين لا يجمعهم أي برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح، بل يجمعهم عداءٌ عميق الجذور للإسلام السياسي دون أن يكونوا في جُلّهم مصنفين كعلمانيين بالضرورة.

على الرغم من انتصاره النسبي، سيحتاج "نداء تونس" إلى التحالف مع قوى سياسية أخرى للتمكن من الحصول على الأغلبية التي تسمح له بتشكيل حكومة مستقرة. وهذا التحالف يمكن أن يكون مع الأحزاب الصغيرة والتي حصلت على اعداد قليلة من المقاعد. وهو مستبعد غالباً على الرغم من كونه مؤشّر على فهمٍ صحيحٍ للعبة الديمقراطية. كما يمكن أن يتم هذا التحالف مع صاحبي المرتبتين الثالثة والرابعة، "الاتحاد الوطني الحر" و"الجبهة الشعبية".

من الأرجح أن يؤدي التحالف مع "الاتحاد الوطني الحر" إلى تثبيت "الاتهامات" سابقة الذكر من حيث أن "النداء" ليس إلا إعادة انتاج لنظامٍ قديمٍ بحلّة جديدة مع بعض التزينات السطحية. وكما يُعتقد، فالحكنة السياسية التي يملكها كبار قياديي "النداء" ستبعدهم عن هذا الاختيار الممفيد آنياً ربما لهم ولكنه سيكون ذو أثر مدمّر في إطار الوعي السياسي لناخبيهم.

ومنطقياً، لن يقبل حزب "الجبهة الشعبية" الدخول في مثل هذا التحالف للاختلاف الجذري في الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، إلا إذا طرأ تطوّر دراماتيكي / مصالحي في رؤاه هذه وفي خياراته. وهو مؤهّلٌ بالمقابل للعب دور هام للغاية في المعارضة، غلى جانب قوى المجتمع المدني الحية. خصوصاً إن هو ركّز على مراقبة وتصويب السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي ستتبناها حتماً أية حكومة قادمة تحمل توجّها ليبرالياً واضحاً من العنوان.

يبقى أن خيار التحالف مع "حركة النهضة" في إطار حكومة وحدة وطنية سيُشكّل تتويجاً لمسار تصالحي وتوافقي كان إقرار الدستور من أحد أهم محطاته في الماضي القريب. وهذا الشكل الجديد من الحكم المشترك يتطلب، كما كانت عليه عملية اقرار الدستور، تنازلات هامة من الطرفين في سبيل الوصول إلى نتيجة ملموسة ومستقرّة لأن البلاد لم تعد تستطيع العيش في ترف التخبّط والانتظار. إلا أن تعبير بعض رموز "النداء" غير الرسميين عن "الشماتة" الساذجة بتراجع "النهضة"، كما البدء في الحديث عن إجراءات "مكارثية" المنطق تجاه الحاكمين السابقين الذين لعبوا اللعبة الديمقراطية وتحملوا نتائجها بكل وضوح، لن يؤدي إلا إلى تعقيد المستقبل القريب الذي يتوقع التونسيون أن يكون مرحلة مزدهرة من العمل السياسي والاقتصادي الفاعل والتشاركي دوناً عن الإقصاء أو الانفراد.

في ألمانيا، ورغم فوز حزب "الاتحاد المسيحي الديمقراطي" الساحق في الانتخابات النيابية سنة 2013، إلا أنه احتاج للتحالف مع آخرين لتشكيل حكومة مستقرة. وقامت مفاوضات شاقة أثمرت عن حكومة مشتركة مع عدوّه السياسي اللدود "الحزب الاجتماعي الديمقراطي". لقد آثر الطرفان تقديم بعض التنازلات لكي يكون للبلاد حكومة فاعلة ومستقرة. كان بإمكان الديمقراطيين المسيحيين أن يتحالفوا مع أحزاب يمنية صغيرة تلائم نظرتهم الإيديولوجية وأن يُبعدوا الاشتراكيين عن سدّة الحكم، إلا أنهم اختاروا "المصلحة العامة" وكان ما كان.