تنظيمٌ قوي وإيديولوجيا ضعيفة: مسارات الإخوان في السجون المصرية بعد 30 يونيو

مثّلت حملة الاعتقالات الواسعة التي تبعت انقلاب تموز/يوليو مرحلةً فاصلةً بالنسبة لتنظيم الإخوان المُسلمين. رغم أنّ البنية التنظيمية هي ما يَكفلُ إبقاء الجماعة على قيد الحياة في مواجهة حملة الاستئصال التي تشنُّها السلطات، إلا أن أيديولوجيتها الضعيفة تجعل أعضائها المعتقلين عرضة لتحوّل فكري لا يخلو من عواقب غير متوقعة على مستقبل الجماعة والمشهد السياسي المصري.

 تنظيمٌ قوي وإيديولوجيا ضعيفة: مسارات الإخوان في السجون المصرية بعد 30 يونيو
محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان في مصر، يرفع علامة أربعة أصابع من خلف قضبان قفص الاتهام خلال محاكمة في القاهرة، تموز/ يوليو 2014.© Khaled Elfiqi/EPA

الإخوان المسلمون تنظيمٌ مميًّز. إنهم مثل مجموعةٍ من النمل. جرِّب أن تسدَّ الطريق أمام صفٍّ متحرِّكٍ من النمل، وستُدرك أنّهم يُعيدون ترتيب مساراتهم، ويجدون دوماً طريقةً للمرور. هذا بالتحديد ما يُجيده تنظيم الإخوان

من مقابلةٍ عبر الهاتف مع أسعد،1جرى تغيير أسماء الأشخاص الذين تحدّثنا معهم خلال الإعداد لكتابة هذه الورقة. أحد المعتقلين في سجن طرة بالقاهرة

مقدّمة

في 28 كانون الثاني/ يناير 2011، وبينما كان مئات الآلاف من المصريين يتظاهرون في اليوم الذي عُرف بـ"جمعة الغضب"، كان سامح، عضوُ جماعة الإخوان المسلمين، يتظاهر مع عدّة آلافٍ غيره في مدينة المنصورة في دلتا النيل (120 كم شمال القاهرة). لكن، ما إن بدأ المتظاهرون بإلقاء الحجارة على مقرّ أمن الدولة، وقف سامح في مواجهتهم هاتفاً "سلميّة"، فأصيب في صدره بحجرٍ ألقاه متظاهرٌ كان يقصد مبنى الجهاز سيّء السمعة الواقع في أحد أرقى أحياء المدينة. بعد عامين ونيف من ذلك اليوم، سيتمّ القبض على سامح بتُهَمٍ من بينها الانضمامُ إلى جماعة الإخوان، وارتكاب عمليّات عنفٍ ضدّ الدولة. لن تمرَّ أشهرٌ قبل أن يُخبر صديقاً له داخل عَنبر الإعدام في السجن أنّه يعتقد بكفر الإخوان المسلمين، وأنه قد بايَع زعيم تنظيم الدولة الإسلامية ”أبا بكر البغدادي“. حالة سامح ليست فرديّة، فبحسب عددٍ ممّن مرّوا بتجربة الاعتقال والسجن، بينهم مسجونون حاليّون استطعنا التحدُّث إليهم عبر الهاتف، يمكن ملاحظة التحوُّلات المستمرّة التي يمرُّ بها المعتقلون، الذين قضى معظمهم شطراً من حياته في صفوف الإخوان المسلمين.

تضمّ السجون المصريّة عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين. يصل العدد طبقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى أكثر من 60 ألف سجين.2https://www.hrw.org/news/2017/09/06/egypt-torture-epidemic-may-be-crime-against-humanity تَستهدف الاعتقالات بالأساس أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها، لكن، مع تصاعد وتيرةِ العمليّات المسلّحة ضدّ قوّات الجيش والشرطة، شمَلت الاعتقالات من تزعم السلطات تأييدَهم لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيمِ القاعدة، وإسلاميّين غير منتمين إلى تنظيماتٍ كبرى. كذلك وثّق المجلس القومي لحقوق الإنسان اكتِظاظ السجون بما يفوق طاقتها الاستيعابيّة بنسبة 160٪ على الأقل،3http://www.nchregypt.org/media/ftp/report%2010.pdf الحدّ الذي دفع السلطات إلى بناء 20 سجناً جديدًا منذ الانقلاب العسكري في صيف 2013.4https://arij.net/made_in_prison/ أدّى هذا التكدُّس، كسببٍ ثانويّ لكن مهمّ، إلى عمليّةٍ مستمرّة من تبادل الأفكار بين المعتقلين على اختلاف مشاربهم.

خلافاً لذلك، يقضي المعتقلون – أي المسجونون بعد إحالة قضاياهم للقضاء أو إصدار الحكم عليهم – فترات الاعتقال بالتنقّل بين سجونٍ مختلفة. ويجري ترحيلهم باستمرار إلى مراكز احتجازٍ مؤقّتة أثناء جلسات المحاكمة والعرض على النيابة، أو لسببٍ خاص، مثلَ حضور امتحان أو زيارةٍ للمستشفى، ما يعرّضهم للتواصل مع شرائح مختلفة من النزلاء، ويؤدّي إلى مزيدٍ من النقاشات وتبادل الأفكار بين المعتقلين.

وعلى الرغم ممّا قد يبدو لأوّل وهلة، لا تولي هذه الورقة اهتماماً كبيراً للتصنيفات التقليدية التي فُرضت على الحركة الإسلامية من حيث الاعتدال والتشدّد. كما أنها لا تخوض في التفاصيل المتعلّقة بمآلات تحوّل الأفراد نحو التطرّف أو غيره، رغم أنها تتطرّق إليها وتؤكّد على أهمية دراستها. بدلاً من ذلك، نناقش هنا ديناميّات التطوّر الذي يمرّ به شباب الإخوان المسلمين والمتعاطفون مع الجماعة داخل مصر، وخاصّةً أولئك الذين مرّوا بتجربة الاعتقال في أعقاب فضّ اعتصامات مؤيّدي الرئيس السابق محمد مرسي. ونعني بديناميّات التطوّر: الظروف والسياقات التي يمرُّ بها أعضاء الجماعة والمتعاطفون معها داخلَ السجن، والتي تؤدّي لاختلاف رؤاهم تجاه موضوعاتٍ وقضايا مختلفة، كالعلاقة مع الدولة أو المجتمع، والحراك الاجتماعي، و"الجهاد" كمقابلٍ للحراك الاجتماعي، وتنظيم الإخوان نفسه.

تحاول الورقة أيضاً تسليط الضوء على طرق إدارة جماعة الإخوان المسلمين لأفرادها داخل السجن، ومحاوَلات قيادتها الحفاظ على عقد التنظيم من الانفراط، سواءً على المستوى الفكري أو الإداري. تَعتمد هذه الورقة بشكلٍ رئيس على 10 مقابلاتٍ مطوَّلة أجريناها عبر الهاتف مع مسجونين حاليّين تمَّ الوصول إليهم بصعوبةٍ بالغة، وعبر الهاتف، ووجهاً لوجه مع مسجونين سابِقين داخلَ مصر وخارجها. ويأتي الأشخاص الذين تحدّثنا إليهم من خمس مدنٍ مختلفة، أمضوا جميعاً  محكوميَّتَهم في سبعة سجونٍ على الأقلّ، من ضمنها سجون طرة ووادي النطرون والمنصورة وجمَصة. بالتأكيد لم يكن من المُمكن، لأسبابٍ أمنية وتقنيّة بديهيّة، توسيعُ شريحةَ البحث. ولأسبابٍ أمنية تم تغيير جميع الأسماء.

كذلك اطّلعنا لغرض إعداد الورقة على مقالاتٍ عديدة كتبها معتقَلون، وتقاريرَ صحفيّة ومقالاتِ رأي، وأوراقٍ بحثيّة تناولت الإخوان المسلمين من زوايا مُختلفة كظاهرةٍ اجتماعيّة مركَّبة.

التنظيم والأيديولوجيا: مكمَن القوّة ونقاطُ الضعف

ربّما لم يكن حسن البنّا يتوهَّم، حين وضع أسُس الهويّة لجماعة الإخوان، أن تكون الفكرة القادرةُ على جمع أشتاتِ الناس في تنظيمٍ واحد، هي نفسُها الفكرة التي تُنتج أضعفَ نقاط الجماعة. فالإخوان المسلمون بالنسبة لحسن البنّا هي ”دعوةٌ سلفيّة، وطريقةٌ سُنّيّة، وحقيقةٌ صوفيّة، وهيئةٌ سياسيّة، وجماعةٌ رياضية، ورابطةٌ علميّة ثقافيّة، وشركةٌ اقتصاديّة، وفكرةٌ اجتماعيّة“.5طالع رسالة المؤتمر الخامس، ضمن رسائل الشيخ حسن البنا بهذا التعريف الشامل لهويّة الجماعة، أراد حسن البنّا الإشارة إلى أن جماعته تسع الجميع.

ولكي تضمنَ الجماعة البقاء، لم تكن الخلافات الفكريّة، الفقهيّة أو العقائديّة، حاضرةً مقابلَ الحضور الطاغي للأدوار الاجتماعيّة والسياسيّة التي لعبتها. وعلى مدار العقود التي عاشتها، تجلّت باستمرار القدرة الهائلة للتنظيم على جمع المتناقضات، والتي شملت أطيافاً فكريّة ومناطقيّة وجيليّة متباينَة لا يجمعها إلا رباط التنظيم. بالتأكيد، لم تكن الأمور دوماً سَلِسة، فقد كانت موازين القوى والسياقاتُ الاجتماعيّة والسياسيّة مؤثِّرةً للغاية وبشكلٍ دائم في صياغة التوجُّهات الفكريّة للجماعة. إنَّما احتفظ التنظيم بشكلٍ عام بتماسُكِه نسبيّاً طوال 90 عاماً هي عمره.

غير أن هذا التماسك عني أن تضمّ الجماعة شركاء متشاكسين يلتفّون حول التنظيم، ومهامِّه الاجتماعيّة وطموحاته السياسيّة، لا يفرِّقهم اختلاف الأفكار، سواءً كانت الخلافات دينيّة بدائيّة (حول الفقه والعقيدة)، أو فكريّة (حول مفاهيمَ مثل الديموقراطية)، أو حتى ذات طبيعة اجتماعية (مثل العلاقة بالمجتمع وقواه المختلفة).

لقد رصد الباحث الراحل حسام تمام بذكاء كيف أن التنظيم، وليست الأيديولوجيا، لعب الدور الأهم، وكان العاصم الأساس من انشقاق الجماعة أو انقسامها.6حسام تمّام، الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة – 2012 – دار الشروق تعرّض التنظيم لهزّاتٍ عنيفة عبر تاريخه، لا بل يجوز القول إنّ تاريخ الجماعة هو تاريخ "المحن" التي مرّت بها. يُعرِّف أبناء الجماعة تاريخها بمحنةِ 1948، واغتيالِ البنّا في 1949، ومِحَن 1954، و 1965، والمواجهةِ المحدودة مع السادات، وتلك طويلةِ الأمد مع نظام مبارك. ومع ذلك، كان التنظيم دوماً قادراً على الحفاظ على تماسكه أو على استعادة ذلك التماسك سريعاً. بَيد أنّ المواجهة الأخيرة، والساحقة، مع الدولة، والتي جرت في أعقاب الإطاحة بمرسي، أدّت إلى تراخي قبضة التنظيم على أفراد الجماعة، وهذا ما تسبَّب بوضوحٍ في أن يطفوَ على السطح الكمُّ الهائل من التبايُنات الذي تحتفظ به جماعة الإخوان المسلمين.

فقد مثَّلت عمليّة فضِّ اعتصامَي ميدانَي رابعة العدويّة والنهضة في 14 أغسطس / آب 2013 ذروةَ حملةٍ أمنيّة ساحقة، تسبّبت في مقتل أكثرَ من 1000 منتمٍ للإخوان أو متعاطفٍ معهم، وفقاً لأكثر الإحصاءات المستقلّة تحفُّظاً.7https://www.hrw.org/report/2014/08/12/all-according-plan/raba-massacre-and-mass-killings-protesters-egypt كما تبعَت فضَّ الاعتصامات حملةٌ هائلة من الاعتِقالات التي شملت عشراتِ الآلاف من أعضاءِ الجماعة من بينهم الأغلبيّة الساحقة من قيادات الصفوف الأول والثاني والثالث من الجماعة، وهو ما شكَّل ضربةً قاصِمة اعتبرها الكثيرون نهاية التنظيم.

المَوجة الأولى من الإخوان في السجون

بدأت السلطةُ حملة الاعتقالات مباشرةً بعد بيان الإطاحة بمرسي، في 3 تموز/ يوليو 2013، وطالت الموجة الأولى من الاعتقالات عددًا محدودًا من المسؤولين السياسيّين وقيادات الصفّ الأوّل للجماعة. لكنّ هذه الحملة اتَّسعت لتشملَ الآلاف ممَّن شاركوا في اعتصامَي رابعة العدويّة والنهضة، ومعظمُهم من المنتمين إلى الإخوان والمُتعاطِفين مع الجماعة، سواءً من المنتمين لتجمُّعاتٍ إسلاميّة أخرى هرميّة البنْيَة، مثلَ الجماعة الإسلامية، أو بعض المجموعات السلفيّة ذاتِ الطابع الحرَكي، أو جماعاتٍ غير منظَّمة كَحركة حازمون التي تشكَّلت بالأساس لدعم الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل في ترشُّحه للرئاسة.8للمزيد راجع: علي الرجال، حركة حازمون الإسلامية - مبادرة الإصلاح العربي تواصلت الاعتقالات بشكلٍ مكثَّف في بدايات 2014، وشكَّلت التركيبة السابقة الموجةَ الأولى من المعتقَلين.

على أنَّ التفاعل بين الأطيافِ المختلفة من أنصار الإخوان والمتعاطفين معهم بدأ قبلَ الاعتقالات، وتحديدًا خلالَ اعتصامات مؤيّدي مرسي. ففي اعتصام رابعة العدوية على سبيل المثال، كان واضحاً مدى سيطرة التيارات السلفية وذات الطابع الجهادي على خطاب المنصّة الرئيسيّة للاعتِصام، ممّا ساهم في تكوين صورةٍ ذهنيّة سلبيّة عند قطاعاتٍ واسعة من المصريّين.9للمزيد راجع: شريف محيي الدين، اعتصام رابعة العدوية من الداخل: التأطير وتكتيكات التنظيم والتأمين والتفاعل مع الحملات الإعلامية - مبادرة الإصلاح العربي إلا أنّ السيطرة على المنصّة لم تكن سوى تعبيرٍ عن ضعفِ الإيديولوجيا الإخوانيّة وخوائها مقارنةً بتلك التي يمتلِكها السلفيّون الحركيّون. خلالَ الاعتصام، شارك الإخوانُ غيرَهم من السلفيّين الحركيّين الميدان، وأُريقت دماؤهم معاً، لكن ضعف الإيديولوجيا الإخوانية كانت له تبعاتٌ أطول أثراً. هذا الضعف عزاه حسام تمّام إلى الانفصال بين الممارسة السياسيّة العمليّة من جهة والأفكار المؤسِّسة للإخوان المسلمين من جهةٍ أخرى. فالجماعة "تمارس فعلاً سياسيًا ينتمي إلى لحظة الدولة الوطنيّة الحديثة"، في تناقضٍ واضح مع الأطر التربويّة والفكريّة التي تعكف على "تداول أفكارٍ ونظرياتٍ سياسية تنتمي إلى ما قبل ظهور الدولة القومية."10حسام تمّام، تحوّلات الإخوان المسلمين: تفكك الإيديولوجيا ونهاية التنظيم – 2010 – مكتبة مدبولي الاختبار الذي فشل فيه الإخوان وانتهى باستيعابهم تماماً في الدولة القومية الحديثة، لم يتعرّض له السلفيّون والإسلاميّون الحركيّون من غير الإخوان أصلاً. ولذلك، على العكس من الإخوان المسلمين الذين يستطيع خصومهم الادّعاء، لأسبابٍ وجيهة، بازدواجيّتهم أو بتناقضهم أو باستخدام "التقيّة"، احتفظ الإسلاميون ذوي الميول السلفية أو الجهادية بطهرانيّتهم. أدّت هذه التركيبة إلى انتِقال الأفكار أثناء الاعتصام في اتّجاهٍ واحد: من السلفيّين نحوَ الإخوان، وليس العكس.11Samuel Tadros, The Brotherhood Divided أثناء الاعتقال، وفي المراحل الأولى من السجن، أي خلالَ التحقيقات، وثّقت منظّماتٌ محليّة12ttps://alnadeem.org/content/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B0%D9%8A%D8%A8-2016 ودوليّة13https://www.hrw.org/news/2017/09/06/egypt-torture-epidemic-may-be-crime-against-humanity أشكال التعذيب المتعدِّدة التي قامت بها  قوى الأمن ضد المسجونين. كان ذلك مباشرةً بعد إجهاز تلك القوّات على المئات من أصدقائهم. تداوَل المعتصمون قصصًا، تمّ توثيقُ14https://www.hrw.org/report/2014/08/12/all-according-plan/raba-massacre-and-mass-killings-protesters-egypt معظمها فيما بعد، عن حرقِ جثث المعتصمين الذين قتلتهم قوّات الأمن، وقتل الجرحى، وإغلاق المنافذ الآمنة أمام الراغبين في مغادرة الاعتصام.

كان فشل الإخوان في التعامل مع عنفِ الدولة وفي تقليل الخسائر، وقبل ذلك فشلُهم في إدارة البلاد وتحمُّل مسؤوليّة الرئاسة، موضوع النقاش الوحيد تقريباً في السجن. هذا رأي أسعد، شابٌّ في نهاية العشرينات، من محافظةِ الإسكندريّة الساحليّة، قُبِض عليه في أوائل 2014 ولا يزال معتقلاً في أحد سجون القاهرة. فهو يقول إن شباب الإخوان غالباً ما كانوا  يشعرون بالمظلوميّة في الأشهر الأولى من الاعتقال. ”لم يعتقد الشباب أنهم قد خُدعوا من الناحية الإدارية فحسب، لكنهم كانوا ناقمين على الإخوان بسبب شعورهم بالخداع الفكري“. يضيف أسعد أن شباب الإخوان في السجن  يعتقدون أن قيادات الجماعة أخفت عنهم مفاهيم إسلامية مثل ”الجهاد“، ولم تقم بتوضيحها كما يفهمها السلفيّون الحركيّون.

رغم أن مفهوم ”الجهاد“ كان حاضراً بشكلٍ مركزي في رسائل مؤسِّس الجماعة، لكن استخدام القوّة لم يكن خياراً مطروحاً على الإطلاق في مناهج التربية التي يتعرّض لها  الإخوان. بحسب أسعد، تمحورت النقاشات في مراحل السجن الأولى حول المقاومة كوسيلةٍ للتعامل مع النظام في مصر. ”بالنسبة لشباب الإخوان، كانت الجماعة كياناً متخاذلاً أقرب للظالمين منه للمظلومين“، يقول أسعد مشيراً إلى أن اللحظة كانت سانحة للمجموعات الجهاديّة لاستقطاب أعضاءٍ جدد، حيث أن  الجماعة لم تكن قادرةً على تبرير مواقفها السياسية التي لم ترقَ لمتطلبات مرحلة ما بعد الثورة، وعجزها عن مواجهة الانقلاب.

كان التنظيم الإخوانيّ في أضعف حالاته، ولم تكن الأيديولوجيا أحسن حالاً في مواجهة الواقع. في الوقت نفسه، كانت جماعاتٌ جهاديّة، مثل ”أنصار بيت المقدس“، تحرز ما اعتبره الشباب الغاضبون "نجاحاتٍ" على الأرض، وتكبِّد قواتَ الجيش والشرطة قدراً كبيراً من الخسائر. فخلال أشهرٍ قليلة، أعلنت الجماعة التي تحوّلت فيما بعد إلى "تنظيم ولاية سيناء" التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، مسؤوليّتها عن تفجيراتٍ وعمليّاتٍ مسلَّحة في أنحاءٍ مختلفة من مصر، مثل القاهرة والمنصورة وبني سويف، وبالطبع في شبه جزيرة سيناء، حيث هي الأكثر نشاطاً. وأضحت "شرعيّة الإنجاز" المتمثِّل في الانتقام من النظام بالنسبة للكثيرين من أفراد الجماعة داخل السجن وخارجه، أقوى من الشرعيّة الفكريّة أو التنظيميّة التي احتفظ بها الإخوان لسنواتٍ طويلة.

أمّا الحركيّون من غير الإخوان، فكانوا الأسرع تأثّراً بالأفكار الجهادية، وبأفكار تنظيم الدولة، إذ كانوا ناقمين على الإخوان. كما أن الجماعة داخل السجن لم تكن من جانبها قادرةً على اجتذاب هؤلاء، على الأقل في الأشهر الأولى من الاعتقال. من ناحيةٍ أخرى، يلعب  اكتظاظ السجون والتسكين الجبري للسجناء دوراً هاماً في اختلاط المعتقلين السياسيّين، المعتدلين منهم مع الأكثر تطرُّفاً، لا بل إن الشهادات المتطابقة بين من تحدّثنا إليهم تشير إلى نمطٍ (pattern) متكرّر بين الحالات المختلفة، يبدأ بالاعتقال وينتهي بمبايعة المعتقل لتنظيم الدولة الإسلامية. ولتوضيح هذا النمط، سنتناول شهادات بعض المعتقلين بشيءٍ من التفصيل.

عنبر ”الدواعي الأمنية“ أو جدليّة الجهاد والتكفير

رمزي شابٌّ في العشرينات، حُكِم عليه بالإعدام بشكلٍ نهائيّ بعد القبض عليه في عام 2015 بتُهمٍ تتعلَّق باستخدام العنف ضدّ الدولة. تُفصِح رواية رمزي لتجربة اعتقالِه ومشاهداتِه لمعتقلين آخرين عن الكثير ممّا يمرُّ به المعتقلون في طريقهم للتحوُّل الفكري.

بدأ رمزي حياته عضواً في جماعة الإخوان، لكنّه ترك الجماعة بُعَيد الانقلاب لأسبابٍ قال إنها ”عمليّة، حول إدارة الأزمة“. لكن الشاب الذي تخرّج من إحدى كليّات القمّة قرّر الانخراط في إحدى اللجان التي عُرفت بلجان ”العمل النوعي“؛ وهي مجموعاتٌ تبنَّت خيار ”المقاومة المسلّحة“، من خلال استهداف منشآتٍ وأفرادٍ ينتمون للنظام الحاكم. إلّا أنّ رمزي يرفض وصفَه بالجهادي: ”من ينفِّذون العمليات النوعية يختلفون جذريًا من حيث رؤيتهم للنظام والمجتمع، وتكفير الجيش والشرطة، عن تنظيماتٍ مثلَ الدولة الإسلاميّة“.

قُبض على رمزي بعد قُرابة العام من انفصاله عن الإخوان. في اليوم  نفسه، تمّ تحويله إلى مقرّ أحد الأجهزة الأمنية حيث تمّ تعذيبُه. يتحدَّث رمزي عن الضرب، والتعليقِ من الذراعين من الخلف، وهي طريقةٌ كفيلة بخلع الكتفَين في وقتٍ وجيز، والصعق الكهربائي في كامل الجسم، وخصوصًا في الأعضاء التناسلية. وامتدّ التعذيب ليَشملَ الاغتِصاب باستِخدام عصا خشبيّة.

بقيَ رمزي مختفيًا قسريًّا لأكثر من 20 يوماً،  أُجبِر فيها على تصوير مقطع فيديو يقراُ فيه نصّاً مكتوباً على ورقةٍ مثبَّتة أمام الكاميرا، يَعترف فيه بجرائم مختلفة. تمّ بعدها ترحيله إلى عنبر الدواعي الأمنية في سجن طرة بالقاهرة. وعنبر الدواعي هو قسمٌ من السجن تحت الحراسة المشدّدة، مخصّصٌ لعقاب المسجونين وعزل الأكثر خطورةً منهم. قد يوحي  إجراءٌ كهذا بأن ثمّةَ رغبة أمنية بعزل المسجونين الذين انخرطوا في أعمال عنفٍ عن بقيّة المعتقلين السياسيّين، لكن هذا الاعتقاد أبعد ما يكون عن الحقيقة. فوفقاً لأقوال معتقلٍ آخر تحدّثنا معه عبر الهاتف، في هذه العنابر العديدُ من المعتقلين الّذين لم ينخرِطوا في أعمال عنف.

في عنبر الدواعي، احتكّ رمزي بجميع التوجهات: داعش والقاعدة والإخوان وشيوخٌ من الجبهة السلفية.15الجبهة السلفية: هي رابطة سياسيّة ذات توجّه إسلامي سلفي. ظهرت بعد ثورة 25 يناير. تجمَع بين عدة هيئات سلفيّة دعَوية وعددٍ من رموز السلفيّة المستقلة، شاركت الجبهة في اعتصام رابعة العدويّة، وتصف نفسها بأنّها تيّار وجماعة ضغط و“ليست حزباً سياسيّاً ولا جماعةً تنظيمية“. ومن أبرز رموزها أحمد مَولانا وأشرف عبدالمنعم وهشام مشالي والذين قضوا فتراتِ اعتقال مختلفة بعدَ الانقلاب العسكري. يقول: ”لمّا وصلت إلى السجن، سمعت لأوّل مرّةٍ عن التكفير“. لم يرَ رمزي المنتمين إلى تنظيم الدولة وهم يكفِّرون آخرين، لكنهم كانوا يكفِّرونه هو شخصيًّا وبعضَ المتَّهمين الآخرين معه في القضيّة. ”كانوا يتَّهموننا بالكفر. أمّا نحن، فكنّا خائفين على دينِنا من أن نكون على خطأ، لذلك بدأنا في نقاشهم“. يتَّخذ رمزي إذاً مقاربةً مختلفةً تماماً لتفسير اهتمام الإخوان أو غيرهم من الحركيّين في مناقشة المُنتمين إلى تنظيم الدولة: ففي حين كان معتقلو الموجة الأولى يتلمَّسون في الجهاديّين شرعيّة الإنجاز، ويرون فيهم بديلاً عمليًّا عن الإخوان الذين لم يستطيعوا  مناكفة آلة الدولة، يرى رمزي وأصدقاؤه في التقرُّب من الجهاديين واجباً دينيًا كي لا ينتهي بهم المطاف ”في النار“.

في عنبر الدواعي، قضى رمزي قرابة السنة. ورغم المعاناة الشديدة التي يقاسيها المعتقلون في هذا القسم من السجن، يقول: ”قضينا فترة الدواعي في صراعاتٍ فكريّة“.

يتطرّق رمزي لتفاصيل التعامل مع إدارة السجن والنزلاء الآخرين. كان الشاب يجلس بصحبة 11 آخرين في زنزانةٍ لا تتَّسع لأكثر من سبعة أشخاص. ”لم يكن مسموحاً لنا الخروج للتريّض سوى لساعةٍ واحدة (...) عندما كنّا نخرج في الصباح، كنّا نجد الكثير من الوجوه المكفهرّة التي لا تبتَسم، ولا تتحدَّث معنا، وعندما يبدؤون في الحديث، يباشرون في تكفيرنا لأنّنا إخوان آمنّا بالديمقراطيّة وشاركنا في الانتخابات“.

يؤمن المنتمون لتنظيم الدولة بِوجوب تحكيم الشريعة الإسلاميّة، ويعتقدون أن الاحتكامَ إلى قرار الشعب، عبر الانتخابات أو الاستفتاءات أو حتى القبول بإجراءات التقاضي، عملٌ يستوجِب إخراج صاحبِه عن الإسلام. ويعتمد هؤلاء على نصوصٍ دينيّة من القرآن والسنّة النبويّة لتأكيد آرائهم هذه. يقول رمزي بأسى: ”عندما كان (الدواعش) يهاجموننا، لم نكن نعرف كيف نردّ لأنه ليس لدينا أيّ علمٍ شرعي (...) سألنا الإخوان فلم نجد عندهم أجوبة“. وحتّى حين وجّه الشاب ورفاقه السؤال لمن يثقون برأيهم من علماء الدين خارج السجن، وصلهم الردّ أن عليهم الالتزام بالعبادات والامتناع عن الدخول في نقاشاتٍ مع تنظيم الدولة. لكن رمزي لم يتوقَّف عند هذه التعليمات: ”هذا ديني، أغلى ما عندي؛ لذلك كنت أحاول أن أفهم من الجميع. وهكذا بدأنا في التحدّث إلى السلفيّين والقاعدة“.

توطّدت علاقة رمزي ورفاقه تدريجيّاً ببعض أفراد تنظيم القاعدة ورموز الجبهة السلفيّة المعتقلين، مثل أشرف عبدالمنعم وهشام مشالي. ”كان الدكتور هشام والدكتور أشرف أكثر من ساعدونا في الردّ على الدواعش“. لاحقاً نَشر عبدالمنعم ومشالي كتابين إلكترونيّين16راجع: هشام مشالي، النصح المبين بالبراءة من تكفير المسلمين و أشرف عبدالمنعم، حوارات ساخنة خلف قضبان باردة تضمّنا محاوراتٍ حول التكفير من واقع تجربتِهما في مناقشة المُنتمين لتنظيم الدولة. يقول رمزي: ”قضينا شهوراً طويلة في هذه النقاشات“، ويفسِّر ذلك بالصعوبة الشديدة في الحصول على الكتب داخل السجن، واستحالة تهريب الهواتف أو التواصل مع العالم الخارجي بأيّ شكل، فلم تكن هناك مادةٌ علميّة متوفّرةً للنقاش. هذا الانغلاق أدّى إلى ازدياد الضغط بين المعتقَلين بشكلٍ كبير : ” كانت النقاشات داخل الزنزانة  شديدة الحدّة، وكثيراً ما وصلت حدَّ الاشتباك بالأيدي.“

يقول رمزي إنّه لم يشاهد تحوَّلاتٍ كبرى تجاه تنظيم الدولة أثناء فترة اعتقالِه معهم، ويعزو ذلك إلى جهود شيوخ الجبهة السلفيّة. ”كنّا نسمع من الدواعش، ونذهب في اليوم التالي إلى الشيوخ السلفيّين، ثم نردّ على الدواعش في اليوم الثالث، وهكذا“. وعندما سألت رمزي عن انتمائه الحالي، أجابني بحسم: ”لم أعد منتميًا، لا أجد تصنيفاً يُناسبني“.

لكن ما فشل فيه ”الدواعش" – كما يسمّيهم رمزي – في عنبر الدواعي، نجحوا فيه في عنبر الإعدام في سجن وادي النطرون.

عنبر الإعدام: كيف تصنع جهاديّاً داخل السجن؟

بدايةً من عام  2016، قضى أحمد عاماً ونصف العام في عنبر الإعدام في سجن وادي النطرون، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى سجنٍ آخر. يتحدّث عن حياةٍ شديدة القسوة قد تنتهي بالموت في أيّة لحظة.

”هناك 20 زنزانةً في عنبر المخصوص في سجن وادي النطرون، كلّها انفراديّة. لكن بسبب تكدّس المحكوم عليهم بالإعدام، يوضَعُ في بعضها ثلاثة أشخاص. الزنازين ليست مجهَّزة لا بالماء ولا بالكهرباء، هناك مصباحٌ واحدٌ على أسلاك الزنزانة من الخارج يضيء في اتّجاه الممر. لا تتعرّض الزنزانة لضوء الشمس، فيها نافذتان لا يتعدّى عرضُ الواحدة منهما 30 سم، وكلتاهما تُطلّان على ممرّين. ”كنّا نموت في الصيف من شدّة الحرّ!“.

في كلّ زنزانةٍ دلوان اثنان يَستخدمهما المساجين المحكوم عليهم بالإعدام كدَورة مياه. يخرج نزلاء كلّ زنزانةٍ للتريّض بمعزلٍ عن بقيّة السجن. يقول أحمد: ”كلّ شخصٍ نصيبه في الحمّام 20 دقيقةً يوميّاً، تشمل الاستِحمام وغسيل الملابس واستخدام دورةِ المياه".

كما أنّ الزيارات لا تسير بسلاسة، وإن سارت فهي زيارةٌ واحدة في الشهر، يُقاد فيها المتَّهم مقيَّد اليدين ليرى أهلَه لنصف ساعةٍ تقريباً. هذا وتسمح السلطات بدخولِ الطعام والملابس الحمراء فقط، وأحياناً يتمُّ السماحُ بالكتب، خاصّةً للطلّاب.

خلال سنةٍ ونصف، يقول أحمد إنه حضر 19 تنفيذاً لأحكام إعدام، من بينها أحكامٌ ضدّ ستة مسجونين سياسيّين. ويتحدّث عن الضغط العصبي الهائل الذي يتعرّض له المساجين وقت التنفيذ. ”الناس بتِتْسِحِب قدّامك للموت“. عندما يأتي قرار الإعدام، يَحضر رئيس المباحث إلى السجن، ومفتِّشون من وزارة الصحة، وكلُّ مخبِري السجن تقريباً، وينفِّذون هجمةً على الزنزانة التي تضمُّ الشخصَ الذي سيُنفَّذ فيه حكمُ الإعدام: ”في معظمِ الأوقات يَخدع السجّانون المتَّهمين ويُخبِرونهم بأنّه تفتيشٌ مفاجئ قبلَ أن يقودوهم إلى المشنقة“.

وفي الكثير من الحالات، يتم نقل المحكومُ عليهم بالإعدام إلى عنابر الإعدام قبل استنفاذِ إجراءات التقاضي بشكلٍ كامل. وليست هناك مدّةٌ محدّدة لتنفيذ الحكم بعد ذلك؛ أي أنَّ الحكم الخاص ببعضهم قد يتمُّ نقضه، إنَّما في حالة رفض النقض، قد يكون تنفيذ الإعدام سريعًا. على سبيل المثال، في حالة بعض المتَّهمين بارتكاب عمليّاتٍ ضدَّ قوّات الجيش في سيناء، تمَّ تنفيذُ حكمِ الإعدام بعدَ شهرٍ تقريباً من رفض نقض حكمهم.

لا يَحضر المحكوم عليهم بالإعدام جلسات نقضِ الحكم، ويقول أحمد إن أهل كثيرٍ من المتَّهمين الجنائيّين لا يُخبرون أبناءهم بمصير الإجراءات إلّا في حالة رفض النقض. وهذا يعني أن المتَّهم قد يُساق إلى المشنقة دون أن يَعلم أنه استَنفذ إجراءات التقاضي. ”كنّا نخاف أن تكون جلسة النقض الخاصّة بنا قد عُقدت وأنَّنا قد نُعدم في أيّ لحظة“.

يقول أحمد إن الشخص يستعدّ في هذه الظروف للموت ”ولقاء الله“، ما يَعني أنّه يفكِّر في الدين على الدوام. لذلك ” تَشغل قضايا التكفير والعُذر بالجهل بالَنا طوال الوقت. هذا حديثُ السجن“. يضمُّ عَنبر الإعدام الكثيرين من منتسبي تنظيم الدولة، ومع الضغط الهائل الذي يتعرَّض له المسجونون، يَستخدم هؤلاء أحاديثَ نبويّةً أو آياتٍ قرآنيّة لإقناع النزلاء بفريضة المبايعة. ”يقولون لي إن هناك خليفة [قائد التنظيم] يَجب عليّ أن أبايعه، وأنا كنت مرعوباً من أن أموتَ على الجاهليّة!17يقصد أحمد الحديث النبوي ”من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية“، وهو حديثٌ يَستدلّ به مُنتسبو تنظيم الدولة على وجوبِ البيعة لقائد التنظيم وتكفير من لم يَقم بذلك.

في تلكَ الأجواء، التقى أحمد بسامح وبأربعةٍ آخرين ممَّن كانوا أعضاءً في الإخوان صدرت بحقّهم أحكامٌ نهائيّة بالإعدام.

بحسب أحمد، ”لم يعد أحدٌ في عنبر الإعدام يتبنّى أفكار الإخوان التقليديّة". فالإخوان السابقون الذين التقاهم أحمد في عنبر الإعدام في سجن وادي النطرون دخلوا في مناقشاتٍ كثيرة مع المنتمين لداعش، قبلَ أن يناقشوا بعضَ قيادات الإخوان من علماء الدّين. أربعة من الخمسة الذين التقاهم أحمد دخلوا في نقاشٍ موَسَّع مع قيادي إخواني كانوا قد التقوه أثناء تنقّلهم بين السجون المختلفة، وتمحوَر النقاش حول الديموقراطيّة والمشاركة في الانتخابات، وما إذا كانت تجوز من الناحية الدينيّة. وفقاً لأحمد، ”لم يَستطع القيادي الإخواني الردّ عليهم (...) وفي النهاية أعلنَ الأربعة انتماءهم لتنظيم الدولة، ومبايعتَهم لأبي بكر البغدادي“.

لكنّ الشاب الأخير الذي درس في الأزهر لم يتبنَّ أفكار تنظيم الدولة، وهذا ما دفع رفاقه الأربعة القدامى لهَجرِه والانعِزال عنه وقطعِ التواصل معه تماماً.

يعتقد أحمد، وقد تنقّل بين سجونٍ مختلِفة منذ أكثرَ من ثلاث سنوات، أنَّ ”التطرُّف والنقاشات من هذا النوع تَنحسِر مع تحسُّن الأوضاع داخلَ السجن... كلّما ضاقت الدنيا عليك، كلَّما ضاقت أفكارك كذلك“.

يتّفق عبدالله، وهو شابٌّ عشرينيٌّ درس الإعلام، مع أحمد. إذْ يعتقِد أنَّ النقاشات الفكريّة تقلُّ كلَّما استطاع المسجونون شغلَ وقتِهم بأشياءٍ أخرى، مثل الكتُب والهواتف الذكية ما استطاعوا الحصول عليها، والأجهزةٍ اللوحيّة وأجهزة البلاي ستيشن المحمولة، وغيرها.

مُجاراةٌ لا انتِماء

>مرَّ عبدالله بتجربةٍ مشابهة تتقاطع مع تجارب كلِّ من تحدَّثنا إليهم تقريباً، لكنّه يؤكّد أنّه لم يكن مُنخرطاً في السياسة بشكلٍ رئيسيّ قبل اعتقاله. ”كنت مؤيّداً لحملة ترشيح عبدالمنعم أبو الفتوح18عبدالمنعم أبوالفتوح: قيادي إخوانيّ سابق، ومعارضٌ مصري، قرر الترشّح للانتخابات الرئاسية عام 2012، وهو ما تسبّب بقرار فصله من جماعة الإخوان. ضمّت حملته الرئاسية عشرات الآلاف من المتطوّعين من خلفيّاتٍ سياسية متنوّعة. في الانتخابات الرئاسية، لكنّي لم أكن مُنتميًا لأي تنظيم.“

اعتُقل عبدالله على إثرِ مكالمةٍ هاتفيّة مع صديقٍ له كان مطلوباً لدى قوّات الأمن. اختَفى بعدها قسريًّا لمدّة 40 يوماً، تمّ خلالها التحقيق معه لمدّة 12 يوماً. كان يُجَرُّ إلى التحقيق كلّ ثلاثِ ساعات، بما لا يَسمح له بالنوم على مدى اليوم. ”كانت كلُّ أسئلتهم -تقريباً- عن صديقي الذي هاتَفني“. خلال التحقيق، تمّ إلقاءُ بنزين على جسمِه وإشعالُه، وتمَّ صعقُه بالكهرباء، وتعريَتُه تماماً في الشتاء وتقييدُه بحلقةٍ حديديّة في أرض الزنزانة. وعندما تمَّ ترحيله إلى السجن، نُقل عبدالله إلى أحدَ العنابر شديدة الحراسة في سجنٍ بالعاصمة: ”قضيت 30 يوماً لا أرى الشمس إلّا في جلسات تجديد الحبس في نيابة أمن الدولة“. ولكن خلال ستة أشهر، قضى عبدالله معظمَ وقته في زنزانةٍ تضمّ 16 شخصًا، معظمُهم من المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

في الزنزانة، تعرَّف عبدالله على التكفير لأوّل مرّة عندما حدثت مشاجرةٌ بين مُنتمين لتنظيم الدولة وإخوان. صرخ الشابُّ مناديًا أحدَ حرّاس السجن لفضِّ الاشتباك، وإذ بالدواعش يلتفتون إليه، هاتفين بأنّه ”مرتدٌّ“ لأنّه استعان ”بالحكومة الكافرة“.

لم يهتمّ عبدالله قبلَ اعتقاله بالقضايا التي يناقشها الجهاديّون في السجن؛ لذلك لم يَكن قادراً في الغالب على مناقشتِهم. ”كنت أشعر أن ما يقولونه يُخالف العقل، لكنّي لا أستطيع الإتيانَ بدليلٍ شرعيّ يناقضُ ما يَقولون، فأسكُت!“. بعد فترة، أخبر عبدالله أعضاءَ تنظيم الدولة بأنّه لا يعلمُ شيئاً عن الدين، وطلبَ منهم أن يعلِّموه؛ وهو ما عَنى أن يقرِّبوه منهم: ”خلالَ ثلاثة أشهر، كانت قد نمَت حالةٌ من الودِّ بيني وبينهم“.

يفسِّر عبدالله تفرُّغ السجَناء في عنبر تنظيم الدولة للنقاشات الفكريّة قائلاً: ”الزنزانة فارغةٌ تماماً إلّا من المصاحف؛ لا كُتب، لا هواتف، لا تواصل مع العالم الخارجيّ“، ولذلك ”فحتّى بعد أن نقرأَ الكثير من القرآن، وبعد أن نصلّي كثيراً، سيظلُّ لدينا الكثير والكثير من وقتِ الفراغ الذي يُملأ بالنقاشات العقائديّة والفكريّة.“

كان عبدالله يساعد أعضاء التنظيم بإعطائهم الأدوِيَة التي يحتاجونها والتي تأتيه عبرَ الزيارات، ويشاركُهم الطعام، وهو ما سمحَ له بالحفاظ على حالة الودّ تلك. كانت مجاراةُ تنظيمِ الدولة هي الحلُّ الذي وجدَه عبدالله لكي يقضي الوقتَ قبل أن يَنتقل إلى عنبرٍ آخرَ يضمُّ سجناءَ سياسيّين ليبراليّين وآخرين إخوان . يقول عبدالله: ”أحدُ الإخوان كان في الزنزانة معي، لكنَّه طلبَ نقلَه من العنبر كي لا يتأثَّر بداعش“، ويتابعُ في استياء: "رُفض طلبُه، وبعد أشهرٍ تحوّل ليصبحَ من أعضاءِ تنظيم الدولة النَشطين في السجن“. إلّا أنَّ المشهد يبدو مغايراً تماماً خارج العنابر التي تكتظّ زنازينها بمبايعين لتنظيم الدولة.

عودة التنظيم: لِمن السجنُ اليوم؟

لم يمرَّ وقتٌ طويل بعد وصول الإخوان إلى السجن حتى فرضَ تنظيمُهم نفسَه على السجون التي يحتلُّها أعضاؤه. ربما تبدو العبارة مبهَمة بعضَ الشيء، إلّا أنّ مفادها هو أنّ التنظيم الإخواني استطاع إعادةَ تشكيل كيانِه داخلَ السجن بكفاءةٍ مثيرة للدهشة. يعود ذلك على الأرجح لأسبابٍ تقنيّة وإداريّة، تتعلَّق بالهيمَنةِ العدديّةِ لمعتقَلي الإخوان، وبالقدراتِ التنظيميّة الهائلة التي يتمتَّع بها الأفرادُ والقياداتُ الوسيطة في الجماعة، وكذلك برغبة السلطات، ممثَّلةً في وزارة الداخلية، بفرضِ النظام داخل السجون بأقلّ كلفةٍ ماديّة والحدّ الأدنى من الجهد، حتى ولو اقتضى ذلك الاستعانة بوكلاء.

يَشرح مصعب، وهو سجينٌ في أحد سجون القاهرة، كيف استطاع الإخوان تنظيم عدّة انتخاباتٍ لاختيار إداراتٍ ولجانٍ مختلفة للسجن لإدارة أموره، بالإضافة إلى انتخاباتٍ داخليّة لاختيار قياداتِ الإخوان داخل السجن: ”يُجري الإخوان انتخاباتٍ لاختيار مُسيِّري السجن، وكلُّ مسيّرٍ يختار مساعديه“.

من أدوار المسيّر التواصل مع إدارة السجن، وترتيب خروج المساجين للزيارات وعودتهم، وكذلك خروجهم لحضورِ جلساتِ المحاكمة، وتنسيقِ أوقاتِ التريُّض مع إدارة السجن. وقد يمتدّ هذا الدور ليَشملَ التنسيقَ مع إدارةِ السجن في بعض السجونِ بشأنِ العقوباتِ المفروضة على النزَلاء. فمثلاً إذا ارتكبَ سجينٌ مخالفات، ابتداءً من افتعالِ المشاكلَ مع النزَلاء الآخرين، وانتهاءً بإبداء أفكار ٍتدلُّ على التطرّف، يقوم  المسيِّرون في بعض السجون بتسليم هؤلاء النزلاء إلى إدارة السجن لتحويلِهم إلى زنازينِ التأديب، أو عنبرِ الجنائيّين، أو حتى زنازينِ تنظيم الدولة. ولئن كان اختيار المسيّر عمليةً يشارك فيها المعتقلون السياسيّون بشكل عام، إلا أن المسيّر الذي يقع عليه خيار الإخوان هو الذي ينجح بالتأكيد، إذ إنَّهم يشكِّلون الغالبية الساحقة من  المعتقلين السياسيّين.

وتَختلف قدرةُ المسيّرين على التعامل مع الضبّاط من سجنٍ لآخر. وفقاً لمصعب الذي مرَّ على سجونٍ مختلفة، استطاع المسيِّرُ في أحد سجون مجمَّع طرة التنسيق بشكلٍ كبيرٍ مع إدارة السجن، ممّا انعكس على  كيفيّةِ التعامل مع السجناء، على العكس من سجن وادي النطرون مثلاً، حيث ينخفض مستوى التنسيق إلى الحد الأدنى. يقول إياد، وهو معتقلٌ سابِقٌ التقينا به وكان قد قضى وقتاً في أحدِ السجون في دلتا النيل، إنّ المسيِّر تواصل مع مأمور السجن لنقلِه شخصيّاً إلى عنبر الجنائيين بعد خلافٍ نشبَ بينَه وبين أحد قيادات الإخوان في السجن.

على المستوى الفرديّ، يقضي المعتقلون أوقاتهم بشكلٍ مختلف تماماً عمّا كان عليه الوضع قبل أربعة أعوام. يقول مصعب: ”في بعض الأيام، أقضي الوقتَ في مشاهدة مُسلسلاتٍ أو أفلامٍ من الصباح للمساء على هاتفٍ أو جهازٍ لوحي قمتُ بتهريبه“. يستطيعُ المساجين الحصول على الكثير من الأشياءِ الممنوعة من خلالِ دفعِ مبالغَ كبيرةٍ لضبّاط وجنود السجون. فمثلاً، يَستطيع المعتقلون تهريبَ هاتفٍ في أحدِ السجون مقابل قرابة 4000 جنيه (223 دولار) تُدفَع لأحد الحرّاس، وقد يتضاعفُ السعر في أوقات الضغط الأمني، وقد يختلفُ من سجنٍ لآخر. ومع ذلك، لا تتساهل السلطات مع من يتمُّ اكتشافه وفي حوزته ممنوعات. فمثلاً تعرَّض مصعب للحبسِ الانفراديّ والتأديب أكثرَ من مرّة بعدما اكتَشفت السلطات حيازتَه لهاتفٍ ذكي.

على الجانب الآخر، يُدير الإخوان زنازينَهم بنظامٍ واضح. فمثلاً في سجن طرة، أسّس الإخوان أكاديميّةً للتدريب تحتَ اسم ”نوران“، يقدّمون فيها دوراتٍ تدريبيّة للُّغات الإنجليزيّة والألمانيّة والتركيّة، وكذلك دوراتٍ في الدين والاقتِصاد والسياسة والعلاقاتِ الدوليّة، ويُمكن لغير المُنتمين إلى الإخوان أن يَحضروها كذلك. يقول مصعب إن هناك دوراتٍ رياضية تُعقد باستمرار في مَلعب السجن: ”تمّ الاتفاقُ على إعطاءِ الملعب لسجناء تنظيمِ الدولة يومَين في الأسبوع، وللإخوان بقيّةَ أيام الأسبوع“.

وفي بعض السجون، يُدير الإخوان ”الكانتين“ أو ”المَقصَف“، عن طريق بيع مستلزمات المساجين، وهو ما يسمح لهم بتحقيق مَكاسب مادية تُستخدم في تمويل إعاشات المعتقَلين وأنشطتِهم المختلِفة داخل السجن.

هذا الاستقرار سمح لتنظيم الإخوان بالتمكُّن من الأدوات الكافية لاستعادةِ سيطرته  على أعضائه السجناء.

فمن ناحية، توفّر الجماعة حاضنةً اجتماعية يكاد يستحيلُ وجودُ مثيلٍ لها في السجن، كما أنّ العلاقات التي لم تَنقطع بين الأعضاء داخل السجن وخارجِه مكَّنت الجماعة من الاحتفاظ بالعديد من أوراق الضغط على منتسبيها. فمثلاً، عندما تَصاعدت الانشقاقات بين جبهتَي الجماعة،19للمزيد راجع: محمد حمامة، كيف يخنق أخطبوط “الجماعة” نفسه؟ - مدى مصر والتي كان أحدُ طرفَيها يسعى للحفاظ على التماسك كأولويّةٍ قصوى، بما يعني ذلك من ابتعادٍ عن أيّ تصعيدٍ مع الدولة وعلى رأسه العمل المسلح، حافظ هذا الطرف على معظم مقدِّرات الجماعة ومواردِها؛ فاستخدم ذلك لاحقاً كورقةٍ للضغط على القطاعات الجغرافيّة الداعمة للجبهة الثانية التي تبنَّت العمل النوعيَّ المسلَّح في مواجهة النظام، والتي كان يقودها القيادي الراحل محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد – أعلى هيئةٍ تنفيذية في الجماعة. حين وصلت هذه الانشقاقات إلى السجن، ”أوقف التنظيم المخصَّصات الماليّة لأُسَر المعتقَلين في المناطق التي دَعمت جبهة كمال“، حسبما يؤكّد أسعد. لاحقاً، تراجع هؤلاء عن دعمهم لجبهة كمال لأسبابٍ مختلفة؛ من أهمّها سيطرة التنظيميّين على الأموال.20دعم عائلات المعتقلين من المهام الرئيسية التي تقوم بها جماعة الإخوان تجاه منتسبيها، لكن مع الانشقاقات الداخلية، وسيطرة جبهة التنظيميين على الأموال، أصبح هذا الدعم مقصورًا على العائلات القاطنة في القطاعات الجغرافية التابعة للتنظيميين. هذا التكتيك قد يكون من ضمن العوامل الرئيسية التي ساهمت في تقليص حجم وتأثير "جبهة كمال" داخل السجن. فجبهة كمال/العمل النوعي تعتمد بالأساس على الروابط التنظيمية، وبخسارة السجناء من الإخوان لصالح التنظيميين، تفقد هذه الجبهة أحد روافد الدعم الرئيسية على الأرض، وربما تفقد الشرعية الانتخابية إذا ما استطاعت الجماعة عقد انتخابات داخلية.

جزرة الأموال تصحبُها العصا، فبسبب المنفعة المتبادَلة بين قيادات التنظيم داخل السجن وإدارات السجون، قدّم التنظيم الكثيرَ من القرابين للحفاظ على كيانه. يعتقد إياد أنّ قيادات التنظيم في أحدِ سجون الدلتا قامت بتسليمِ بعضِ الإخوان الّذين اختلَفوا معهم لإدارة السجن واتّهمتهم بالتطرّف، مما أسفر عن بناء قضيةٍ جديدة ضدّ هؤلاء المعتقلين، وهي مشاهداتٌ أكَّدتها شهاداتُ معتقَلين في سجونٍ أخرى. فضلاً عن ذلك، يَعتقد الكثير من المعتقَلين، ومن بينهم سامح نقلاً عن صديقه أسعد، أنّ بعض قياداتِ تنظيم الإخوان في مدينتِه قامت بإبلاغ السلطات عنه ممّا أدى لاعتقالِه ثمّ الحكمِ عليه بالإعدام.

هذه الآليّات التي استخدمها تنظيم الإخوان في تحييد المختلِّفين، أو إعادتهم إلى حظيرة السمع والطاعة مرّة أخرى، أثبتت جدواها. يقول أسعد إنّ شباب الإخوان الذين اقتربوا من داعش لأسبابٍ فكريّة يتراجعون عنها الآن: ”سمعتُ أحدَ الشباب يتحدّث عن عدم استقرارِه نفسيًّا أثناء وجوده مع داعش“. ويؤكّد أنه ”بعد سنواتٍ من الانعزال مع داعش، تَجد هؤلاء الآن يبتعدون عن تنظيم الدولة ويقتربون من الإخوان؛ يُشاركون في أنشطة السجن، ويُمارسون الرياضة، ويحضرون  الدورات التدريبية، ويضحكون!“

يُمارس تنظيم الإخوان أيضاً سلطاتِه التربوية من جديد. فبخلاف الأنشطة الرياضية والتدريبية، ينقسم المعتقلون من الإخوان إلى مجموعاتٍ صغيرة كما هو الحال خارج السجن، وهي المجموعات التي تُعرف بالأُسَر.21الأسرة (عند الإخوان): ينقسم كلّ أعضاء الجماعة، على اختلافِ مستوياتهم التنظيمية، إلى مجموعات صغيرة تتكوَّن في المتوسّط من 5 أفراد، ولكلّ أسرةٍ مسؤولٌ يسمّى ”النقيب“، وتعتبرُها الجماعة الوحدةَ الأولى للتنشئة (التربية) والانتظام داخل الجماعة. ويتمُّ تدريسُ مناهجَ تعليميّة لأفراد هذه الأسر، تركِّز على التربية الدينيّة لأعضاء الإخوان؛ وهي مناهج لا تزال ”تقليدية، وبعيدة عن مناقشة أي تغييرٍ حقيقيّ في الأفكار"، وفقاً لأسعد.

الوقت والسجن كفيلان بقتل الأيديولوجيا

يتَّفق كلّ من تحدّثنا إليهم أنّ النقاشات الفكريّة اختفت تدريجيّاً، أو كادت، منذ بدأت موجة الاعتقالات الأولى في صيف 2013. يقول أحمد: ”لقد جئت إلى سجن استقبال طرّة قبل ثلاث سنوات، وتنقّلت بين سجونٍ مختلفة، والآن عدت إلى هنا مرة أخرى. وقتَها كانت النقاشات والصراعاتُ مستمرَّةً طوال الوقت، لكنّ الوضعَ الآن مختلف تماماً. هناك تريّضٌ من بدايةِ النهار لآخره، وهواتفٌ وحواسيبُ لوحية وأجهزة ألعاب تمّ تهريبُها. لم أعد أسمع أحداً يخوض نقاشاتٍ دينية أو فكرية“.

بعد خمس سنواتٍ في السجن، يقول مصعب أن "المعتقلين لم يعودوا يفكِّرون في الخلافات الفكريّة والعائقديّة، ولا حتّى في المشهد السياسي ومكان الإخوان فيه. يريدون الذهاب إلى بيوتهم فحسب!“. لكن أسعد يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: ”بعد خمس سنواتٍ من السجن، انتُهك هؤلاء جميعًا نفسيّاً واجتماعيّاً. أتحدّث عن حالات طلاقٍ بأعدادٍ كبيرة، وديونٍ مهولة تُثقل كاهل الكثيرين. لقد سلبهم السجن روحهم“. وتجاوزت هذه الحالة عناصر الإخوان لتصلَ إلى القيادات. يَنقل أسعد عن بعض قيادات الجماعة نيَّتهم التنحّي عن أيِّ عملٍ عامّ: ”يقولون إنهم قدَّموا كلَّ ما يستطيعون، ولم يَعُد في طاقتهم تقديم المزيد.“

على الرغم من استعادة التنظيم الإخواني جانباً من هيمنتِه على المعتقَلين، تشير المقابلات إلى أن العنوان الرئيسي للمرحلة الحالية في السجون هو ”اللامبالاة“ أو ”اللاانتماء“ بتعبير أسعد. يَظهر ذلك جليًّا في رغبةِ الكثير من المعتقَلين، لا سيَّما نزلاءَ مجمّع سجون طرة، في الوصول إلى تَفاهمٍ مع النظام من أجلِ الإفراج عنهم، أو على الأقلّ تحسينِ ظروفهم داخلَ السجن، عبر ما يُطلق عليه المعتقَلون اسمَ ”المبادرة“.

منذ أواخر  عام 2014، حاوَل النظام، عبر ضبّاطٍ تابِعين لجهاز الأمنِ الوطنيّ، التواصل مع أفرادٍ من الإخوان بهدف حثِّهم على كتابةِ عريضةٍ موجّهة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يُعلنون فيها تبرّؤهم من ”جماعة الإخوان الإرهابيّة“، ويَعترفون بشرعيّة النظام الحالي. وفقاً للمقابلات مع معتقلين، لم تلقَ هذه المحاولة آنذاك الكثير من التجاوب، ولم يكن التعاملُ إيجابيًّا من قِبل ضبّاط الأمن الوطني، ولاحقاً تمّ عزل من تجاوبوا معها من قِبل أفرادِ الإخوان داخلَ السجن، وغيرِهم من المعتقَلين السياسيّين. لكن خلال عام 2018، نجحت محاولةٌ أخرى قام بها أحد ضبّاط جهاز الأمن الوطني في سجن طرة، لإقناع المعتقَلين بكتابةِ عريضةٍ موجّهةٍ إلى الرئيس السيسي طلباً للعفو. هذه المرة، بَدأ ضابط الأمن الوطني بتقديم الحوافز لمن وافَقوا على توقيعِ العريضة، منها نقل بعض مَصادر القوّة أو الصلاحيّات التي كان يحتفِظ بها الإخوان داخل السجن إلى من قاموا بالتوقيع على العريضة أو ”المبادرة“. على سبيل المثال، أصبح ”المقصف“ تحت مسؤوليَّتهم بدلاً من الإخوان. كما أظهرت إدارة السجن مرونةً كبيرة في التعامل مع مطالبِهم، في حين تتعنَّتُ الإدارة مع مطالب السجناء بشكلٍ عام بحسب شهاداتٍ مختلفة. ”إذا أراد نزيلٌ أن يتفادى ترحيلَه إلى سجنٍ آخر، فكلُّ ما عليه فعلُه هو توقيعُ المبادرة“، يقول أسعد، مشيراً إلى أنَّ أعدادَ المعتقلين الذين يقومون بالتوقيع على المبادرة تَزداد يوماً بعد يوم، ”من أجل زياراتٍ أكثر، أو حتى من أجل حقوقٍ مثلَ العلاج أو التعامُل الآدميّ“. فضلاً عن ذلك، كان الإخوان، ولفترةٍ طويلة، يحتفظون بعلاقاتٍ جيِّدة مع أحدِ ضباط السجن. إلّا أن أربعةَ مصادر مقرَّبة من الإخوان داخلَ سجن طرة تحدَّثت عن تنحيَة هذا الضابط بعدَ ضغطٍ من ضابطِ الأمن الوطني المسؤولِ عن المبادرة، وهو ما حرمَ الإخوانَ من مصدر قوّةٍ آخرَ . لا ينتمي المعتقَلون الذين يوقِّعون على العريضة إلى الإخوان غالباً، لكنّ هذا لا ينفي قيام بعض المنتسبين بالتوقيع، ناهيك عن الكثيرين من المتعاطفين مع الجماعة من غير المنتسبين.

لا يزال الإخوان يحتفِظون بالقوّة العدديّة بالطبع، وبالتالي بالفاعلية في استقرار السجن. لكن المعتقَلين يدركون الآن، ولأوَّل مرّة، أنّه قد يكون من الأجدى التواصلُ مع أحد الموقّعين على العريضة للتوسُّط لدى إدارة السجن من أجلِ مطالبِهم العالقة، عوضاً عن التواصل مع  المسيّرين من الإخوان.

والجدير بالذكر هنا أنَّ تجربة ”المبادرة“ لا يُمكن تعميمُها على بقيّة السجون المصريّة، فحتى الآن تبدو العريضةُ مبادرةً من ضابطٍ في الأمن الوطنيّ أكثرَ منها مبادرةً من المعتقلين أنفسِهم، لكنّ تَملمُل المعتقَلين في سجونٍ مختلفة يؤشِّر إلى أنّ تعميمَها أمرٌ وارد، خاصةً إذا ما شرعت السلطات في إخلاءِ سبيل الموقِّعين على المبادرة أو إصدارِ عفوٍ عن بعضِهم.

خاتمة

مثّلت حملة الاعتقالات الواسعة التي تبعت انقلاب 3 تموز/يوليو مرحلةً فاصلةً بالنسبة لتنظيم الإخوان المُسلمين، خاصّةً وأنَّ هذه الحملة جاءت في أعقابِ أكبرِ مذبحةٍ شهدتها مصر في تاريخِها الحديث استهدفت فيها السلطات أبناء الجماعة والمتعاطفين معها. لكن القمع الذي لم يشمل أفراد الإخوان المسلمين وحدهم أدّى بطريقة أو بأخرى إلى العديد من التحوُّلات التي يمكن رصدها على مستوياتٍ مختلفة، سواءً كانت مرتبطة بالتنظيم أو بالأفراد.

على مستوى الأفراد، يُمكن رصد نمطٍ متكرّر واضح، يتمُّ فيه اعتقال عضو الإخوان من قِبل قوّات الأمن لأسبابٍ سياسيّة أو لاشتباهِ السلطات بانخراطه في أعمال عنفٍ سياسيّ. بعد ذلك، يتمّ التحقيق معه باستخدام وسائل تعذيبٍ وحشيّةٍ ومهينة، مع إخفاء المعتقَل قسريًّا لمُدَدٍ تصل لثلاثةِ أشهر في بعض الحالات التي تمّ توثيقها. ثمَّ يتم ترحيله إلى سجنٍ شديد الحراسة بصحبة مُنتمين لجماعاتٍ تكفيريّة مسلَّحة، مثل تنظيم الدولة الإسلاميّة. في السجن، يَدخل العنصر الإخواني تفاعلاتٍ تبدأ بتكفير ضبّاط الشرطة والجيش الذين قاموا بتعذيبِ المعتقَل وسجنِه، وتنتهي في أحيانٍ كثيرة بإعلان بيعتِه لتنظيمِ الدولة الإسلامية وقائده أبي بكر البغدادي. تزداد هذه التحوّلات حدّةً ووضوحاً في العنابر الأكثرَ حراسةً وفي عنابر الإعدام، إلى حدٍّ تختفي فيه أفكارُ الإخوان التقليديّة في هذه الأماكن، وفقاً لتعبيرِ أحد المعتقَلين. يمكنُ تفسيرُ هذه الحدّة بانعزال المعتقَلين عن أي تبادلٍ حقيقيّ للأفكار، فضلاً عن الضغط النفسيّ الهائل الذي يُعانيه المعتقَلون في هذه الأماكن، وكردّ فعلٍ عاطفي على الإهانات التي تعرّض لها المعتقلون أثناء الاعتقال والتحقيق. هذا النمط يُشير إلى مسؤوليّة السلطات في السيرورة التي  يتوجَّه فيها الكثيرُ من المعارضين السياسيّين نحو العنف والتكفير.

لا يُمكن تجاهلُ الفروقَ الفرديّة، الاجتماعيّة والثقافيّة والطبقيّة والجيليّة، التي قد تهيّء الأفراد لقبول الحُجج التكفيريّة أو الاستسلام لها، لكنّه من المُمكن في هذا السياق رصدُ الهشاشة الفكريّة وسطحيّة العلم الشرعيّ أو الثقافة الدينيّة التي يتمتّع بها معظم المُنتمين لتنظيم الإخوان والمتعاطفين معه، والتي تتجلّى في عدم استطاعتِهم – في الغالب – الردَّ على الأدلَّة الدينيّة التي يَسوقها التكفيريّون أو أعضاءُ تنظيم الدولة لتأكيدِ صوابيّة مسارِهم. في الكثير من الحالات، يُظهر المنتمون إلى السلفية الحركيّة، مثلَ رموز الجبهة السلفيّة، قدرةً فائقة على مناكفة ”الدواعش“ إلى حدِّ استعانة أفرادِ الإخوان بهم. هذا يعني أنّ الانتماءَ للحركاتِ التكفيريّة، في الحالات التي رصدناها في أقسام السجن المشدّد والإعدام، ليس خياراً سياسيًّا، بل دينيّاً عاطفيّاً. يعتقد المتحوِّلون إلى هذه الحركات، والذين قد يكونون معرّضين للإعدام شنقاً أو لقضاءِ فتراتٍ مطوَّلةٍ في السجن، أنَّ عدم انتمائهم لهذه الحركات يُرادفِ خروجَهم عن الدين الإسلامي.

على مستوى التنظيم، تؤكِّد المشاهدات الحاليّة الملاحظاتِ التي أوردَها حسام تمّام حول تأثُّر التنظيم الإخواني بالبيئة المحيطة. إذ يَنكمش التنظيم على المُنتمين في فترات الانسِداد السياسيّ، ويَستدعي العلاقاتِ الهرميّةَ ومبدأَ السمعِ والطاعة؛ وهذا بمثابة رهانُ البقاء الحيويّ بالنسبة للتنظيم.22حسام تمّام، الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة  2010 كان للضربات الأمنية حظُّها من النجاح في تقويضِ قدرات التنظيم في الفترة التي تلَت الانقلاب العسكريّ مباشرةً، بيدَ أن التنظيم استَطاع، مع مرور الوقت، استعادةَ سيطرتِه على أعضائه من خلالِ توفير حاضنةٍ اجتماعيّة للمعتقلين داخلَ السجن ولعائلاتهم خارجه. كذلك استخدمَ التنظيم قدراتِه المادّيّة وعلاقاته بالسلطات داخلَ السجن، لتحييدِ المُخالفين من داخلِ الإخوان و”تنقيَة الصفّ“، وكذلك إعادة المارقين من الإخوان إلى صفوف التنظيم مرةً أخرى.

بالنسبة للإخوان، تُثبت المواجهة الحاليّة بين الجماعة والنظام المصريّ أنّ البنية التنظيمية، لا الأفكار، هي ما يَكفلُ إبقاء الجماعة على قيد الحياة في مواجهة حملة الاستئصال التي تشنُّها السلطات. وتتساوى مع الأفكار، في ذلك الضعف، تصوّرات الجماعة السياسية، والتي تمّ استيعابها تماماً في أطر الدولة القومية الحديثة منذ عقود، قبل أن تفقد بريقها لدى الكثير من المنتسبين والمتعاطفين لاحقاً، عندما وُضعت قيد الاختبار مع وصول الإخوان للسلطة.

لكن هذا لا يعني أن التنظيم داخل السجن لا يواجه تحدّياتٍ كبرى. حيث إن النقد الجذري الذي قدّمه، ولا يزال، العديد من أفراد الجماعة داخل السجن وخارجه للأفكار المؤسسة للإخوان، سواءً تلك المتعلقة بالسياسة أو التربية، لا يشكّل تهديدًا آنيّاً للتنظيم في ظل غياب الظروف السياسية والاجتماعية المواتية لهؤلاء الأفراد من أجل خلق بديلٍ للتنظيم، وهي الظروف التي يصعب توفّرها في ظل حالة القمع الحالية. بل أتى التحدّي الحقيقيّ من خارج الجماعة. فقد استطاعت السلطات في بعض السجون تقديمَ حوافز للمسجونين من الإخوان وغيرهم مقابل التوقيع على عريضةٍ تُطالب الرئيس المصريّ بالعَفو، وتُعلن التبرّؤ من الإخوان. لا يُمكن تعميم هذه التجربة حتى الآن، إنّما  إذا ما تخطّت تلك الحوافز الإغراءات التي يُقدِّمها التنظيم لمُنتسبيه أو المتعاطفين معه داخلَ السجن، قد نكون أمامَ مشهدٍ جديد تعاني فيه الجماعة من خسائرَ جديدة على مستوى التنظيم، كما عانت من خسائر كبرى في معركة الأيديولوجيا.

Footnotes   [ + ]

1. جرى تغيير أسماء الأشخاص الذين تحدّثنا معهم خلال الإعداد لكتابة هذه الورقة.
2. https://www.hrw.org/news/2017/09/06/egypt-torture-epidemic-may-be-crime-against-humanity
3. http://www.nchregypt.org/media/ftp/report%2010.pdf
4. https://arij.net/made_in_prison/
5. طالع رسالة المؤتمر الخامس، ضمن رسائل الشيخ حسن البنا
6. حسام تمّام، الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة – 2012 – دار الشروق
7. https://www.hrw.org/report/2014/08/12/all-according-plan/raba-massacre-and-mass-killings-protesters-egypt
8. للمزيد راجع: علي الرجال، حركة حازمون الإسلامية - مبادرة الإصلاح العربي
9. للمزيد راجع: شريف محيي الدين، اعتصام رابعة العدوية من الداخل: التأطير وتكتيكات التنظيم والتأمين والتفاعل مع الحملات الإعلامية - مبادرة الإصلاح العربي
10. حسام تمّام، تحوّلات الإخوان المسلمين: تفكك الإيديولوجيا ونهاية التنظيم – 2010 – مكتبة مدبولي
11. Samuel Tadros, The Brotherhood Divided
12. ttps://alnadeem.org/content/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B0%D9%8A%D8%A8-2016
13. https://www.hrw.org/news/2017/09/06/egypt-torture-epidemic-may-be-crime-against-humanity
14. https://www.hrw.org/report/2014/08/12/all-according-plan/raba-massacre-and-mass-killings-protesters-egypt
15. الجبهة السلفية: هي رابطة سياسيّة ذات توجّه إسلامي سلفي. ظهرت بعد ثورة 25 يناير. تجمَع بين عدة هيئات سلفيّة دعَوية وعددٍ من رموز السلفيّة المستقلة، شاركت الجبهة في اعتصام رابعة العدويّة، وتصف نفسها بأنّها تيّار وجماعة ضغط و“ليست حزباً سياسيّاً ولا جماعةً تنظيمية“. ومن أبرز رموزها أحمد مَولانا وأشرف عبدالمنعم وهشام مشالي والذين قضوا فتراتِ اعتقال مختلفة بعدَ الانقلاب العسكري.
16. راجع: هشام مشالي، النصح المبين بالبراءة من تكفير المسلمين و أشرف عبدالمنعم، حوارات ساخنة خلف قضبان باردة
17. يقصد أحمد الحديث النبوي ”من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية“، وهو حديثٌ يَستدلّ به مُنتسبو تنظيم الدولة على وجوبِ البيعة لقائد التنظيم وتكفير من لم يَقم بذلك.
18. عبدالمنعم أبوالفتوح: قيادي إخوانيّ سابق، ومعارضٌ مصري، قرر الترشّح للانتخابات الرئاسية عام 2012، وهو ما تسبّب بقرار فصله من جماعة الإخوان. ضمّت حملته الرئاسية عشرات الآلاف من المتطوّعين من خلفيّاتٍ سياسية متنوّعة.
19. للمزيد راجع: محمد حمامة، كيف يخنق أخطبوط “الجماعة” نفسه؟ - مدى مصر
20. دعم عائلات المعتقلين من المهام الرئيسية التي تقوم بها جماعة الإخوان تجاه منتسبيها، لكن مع الانشقاقات الداخلية، وسيطرة جبهة التنظيميين على الأموال، أصبح هذا الدعم مقصورًا على العائلات القاطنة في القطاعات الجغرافية التابعة للتنظيميين. هذا التكتيك قد يكون من ضمن العوامل الرئيسية التي ساهمت في تقليص حجم وتأثير "جبهة كمال" داخل السجن. فجبهة كمال/العمل النوعي تعتمد بالأساس على الروابط التنظيمية، وبخسارة السجناء من الإخوان لصالح التنظيميين، تفقد هذه الجبهة أحد روافد الدعم الرئيسية على الأرض، وربما تفقد الشرعية الانتخابية إذا ما استطاعت الجماعة عقد انتخابات داخلية.
21. الأسرة (عند الإخوان): ينقسم كلّ أعضاء الجماعة، على اختلافِ مستوياتهم التنظيمية، إلى مجموعات صغيرة تتكوَّن في المتوسّط من 5 أفراد، ولكلّ أسرةٍ مسؤولٌ يسمّى ”النقيب“، وتعتبرُها الجماعة الوحدةَ الأولى للتنشئة (التربية) والانتظام داخل الجماعة.
22. حسام تمّام، الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة  2010