إدارة أزمة الكهرباء في لبنان
”مع كثرة المشاكل التي لا تستطيع الدولة إيجاد حلول لها،، أصبحنا متخصصين في حلها. ولكن ما هو جيد وسيء في الوقت نفسه هو أن تلك الحلول الفردية تحل المشكلة لأسرة واحدة فقط، ولكن ماذا عن بقية الأسر؟ هكذا وصفت إحدى المواطنات الوضع عندما سُئلت عن إدارة مبانيهم في بيروت، ساردةً أعباء إدارة الأزمات المتعددة والتغلب على القصور الحاد في الخدمات العامة اللبنانية. يمكن لقانون الطاقة المتجددة اللامركزية الجديد أن يبني على المبادرات الجماعية القائمة ويدعمها – بدءًا من لجنة البناء، وهي أصغر وحدة من وحدات التجمعات الحضرية – وذلك بشرط توسيع نطاق الخبرة الفنية لهذه التجمعات ودعم تطوير أدوات الحوكمة التشاركية.
وقد أدى الانكماش الاقتصادي منذ عام 2019 إلى تفاقم أزمة الكهرباء، وتجاوز تأثيرها على حياة الناس اليومية أسوأ التوقعات. وقد تفاقم ذلك بسبب انهيار العملة ونقص الوقود المستورد، بما في ذلك الديزل اللازم لتشغيل الكهرباء التي توفرها الدولة والكهرباء المولدة من القطاع الخاص. لم يكن انقطاع التيار الكهربائي الذي بلغ ذروته في عام 2021 حدثًا فريدًا من نوعه، إذ لطالما عاش لبنان أزمة كهرباء طويلة الأمد .فمنذ الحرب، تعلّم الناس في لبنان التعايش مع انقطاع التيار الكهربائي، وابتكروا طرقًا عديدة للتكيف مع هذه الأزمة. وأصبحت الانقطاعات المجدولة وانقطاع التيار الكهربائي سمة من سمات الحياة اليومية، مما دفع السكان إلى إيجاد حلول واستراتيجيات زيادة الطاقة التي أصبحت راسخة في نسيج البيئة المبنية في البلاد. فقد تم تركيب مولدات ديزل كبيرة في المباني والأحياء الجديدة والقائمة، ما وفّر مصدرًا مستمرًا للكهرباء لمن يستطيعون تحمل تكاليفها، الأمر الذي أدى إلى تقسيم المدن على أسس اجتماعية واقتصادية. وعلى مدى عقود، واصل سكان البلاد البحث عن حلول للحصول على الكهرباء، سعيًا تحقيق توازن بين القدرة على تحمل التكاليف، والكفاءة، والعدالة في الوصول إلى الطاقة. يكشف بحث إيبلا المنشور في عام 2023 – إلى جانب الدراسات السابقة التي تناولت تأثير الكهرباء على الظروف المعيشية وإدارة المجتمع والحوكمة – عن الصعوبات التي تواجه تلك المساعي.
كانت أزمة الكهرباء تملي إيقاعات الحياة اليومية للأسر. بدأ ذلك كأمر مؤقت في البداية، ولكنه تحول لاحقا إلى نمط حياة صعب، حيث كان لتقنين كل ما يتم استخدامه لتوليد الكهرباء، بما في ذلك الحصول على المياه، آثارًا شديدة على حياة الناس اليومية وسبل عيشهم. تفاوتت تجارب السكان وفقًا لعوامل مثل الجنس، والدخل، والعمر، والموقع، إلا أن الشعور بالإرهاق والإجهاد كان واضحًا على نطاق واسع. وكان الأكثر ضعفًا هم الأشخاص الذين لديهم احتياجات صحية أو احتياجات رعاية خاصة، مثل كبار السن، أو المصابين بأمراض مزمنة، أو ذوي الاحتياجات الخاصة. وبهذا المعنى، فاقمت الأزمة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما تلك الناتجة عن الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة. وداخل المبنى نفسه، أدت آثار الأزمة إلى تقسيم الجيران بين من يستطيعون تحمل فواتير الكهرباء ومن يعجزون عن ذلك، مما أدى إلى تفاوت في الحصول على الكهرباء وخدماتها. كما تسبب انخفاض قيمة الليرة اللبنانية في تفاوتات وزيادة التوترات، خاصة عند التفاوض على ساعات عمل المولدات أو تشغيل مصعد المبنى.
يواجه السكان، لا سيما أولئك الذين يعملون في اللجان المسؤولة عن إدارة خدمات المبنى، ضغوطات جسدية ونفسية كبيرة خاصة عند التفاوض على استخدام المولدات أو تشغيل المصعد، وإدارة الشكاوى اليومية، والاستماع إلى معاناة الجيران المالية والشخصية، وتحمل مسؤولية إدارة الكهرباء والمياه في غياب الدعم الفعال من الدولة. كل هذا يزيد من ضغوطهم وأعبائهم المستمرة.
على هذه الخلفية، نلاحظ أن النظم الإيكولوجية لمعالجة نقص الكهرباء ظهرت في مختلف المناطق الحضرية والريفية. ففي المناطق الريفية، تمكّنت بعض البلديات من بناء شبكات صغيرة أتاحت ”فرصًا لخفض التكاليف والاعتماد على زيت الوقود، وتعزيز قدرات المجتمع المحلي، وتخفيف ضغط الطلب على الكهرباء على الشبكة الوطنية “. غير أن الوضع في المناطق الحضرية كان أكثر تعقيدًا خاصةً في المناطق التي لا تنشط فيها السلطات البلدية.
لقد وجدنا أن سكان بيروت اعتمدوا في معظم الحالات على ”لجان البنايات“، التي تسعى جاهدةً إلى التنظيم الجماعي للتفاوض بشأن مطالب السكان وإدارة إنتاج الكهرباء والحصول عليها على مستوى البنايات بشكل فعال. في كل مبنى، تطبق اللجان مجموعة من المبادئ لإدارة الاحتياجات المتنافسة، مثل نوع عقد الإشغال (الإيجار أو التمليك)، ومستوى الطابق، وحجم الأسرة، ومستوى الدخل، وإمكانيات تضامن الجيران، وذلك بهدف تحقيق مستوى من العدالة يساعدهم على تجاوز تداعيات الأزمة المالية.
وتكشف الأنظمة التي تديرها لجان البناء في بيروت، وهو موضوع لم يتم بحثه بشكل كافٍ، عن ميل نحو التعاون، حيث لا يتم اللجوء إلى الحلول الفردية إلا عندما تفشل الجهود الجماعية. ومع ذلك، يعتمد التعاون غالبًا على عوامل مثل طبيعة المشكلة، والتركيبة الاقتصادية والتفاوتات بين سكان المبنى، ونهج الإدارة الذي تتبعه لجنة المبنى، والنظام البيئي الحضري الأوسع الذي يشمل المباني المجاورة ومقدمي الخدمات، مثل مشغلي المولدات الكهربائية وموردي المياه ومزودي الإنترنت. وقد أظهرت هذه النظم البيئية، التي نشأت بدافع الضرورة، درجات متفاوتة من النجاح. وبغض النظر عن التشريعات القائمة، يرغب الناس في الحصول على الكهرباء ويجدون طرقًا لتأمينها من أي مصدر متاح.
هل يمكن لقانون الطاقة المتجددة اللامركزية أن يلبي احتياجات السكان ومطالبهم؟ وما هي الحلول؟
على هذه الخلفية، وباعتباره أول قانون للطاقة المتجددة في لبنان، يوفر القانون فرصة للبناء على هذه المنظومة التي لا يمكن أن تحل محل سياسة وطنية تهدف إلى تطوير الشبكة الوطنية للكهرباء، وتغذيتها، وتأمين وصول الكهرباء إلى المواطنين بأسعار معقولة للجميع، إضافة إلى الحد من التلوث القاتل. وسيسهل القانون توليد وتوزيع الكهرباء من مصادر متجددة خارج مؤسسة كهرباء لبنان، في انتظار كهربة الشبكة الوطنية ووضع آليات واضحة لتطبيقها. وفي غياب هذه الشروط الأخيرة، يبقى قانون تنظيم الطاقة المتجددة تنظيمًا فضفاضًا.
كما يسمح نظام قانون الطاقة المتجددة اللامركزية أيضًا بالوصول المباشر دون استخدام البنية التحتية لمؤسسة كهرباء لبنان، عندما يكون المستخدمون النهائيون في عقار مجاور. وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة مباني المناطق الحضرية (تنظيم وتوجيه النظم البيئية للمباني إلى مصادر الطاقة المتجددة). ومع ذلك، كشف بحثنا حول إدارة لجان المباني للكهرباء في بيروت وضواحيها أن التحدي الحقيقي يكمن في حوكمة هذه الأنظمة.
ففي حين أن القانون يفتح إمكانية الإنتاج والتوزيع من منظور تقني وقانوني، فإن تعقيدات التنظيم والحوكمة وإدارة المخاطر من خلال الهيئات الجماعية على مستوى المجتمع المحلي لم يتم التطرق إليها بشكل مباشر. يحمل الكثير من النقاش حول قانون الطاقة المتجددة اللامركزية افتراضًا ضمنيًا بأن مبادرات الطاقة اللامركزية ستأتي من القطاع الخاص. تُظهر الممارسة الفعلية لإنتاج الطاقة وإدارتها في المناطق الحضرية في بيروت على مدى السنوات الثلاثين الماضية أن الطاقة يتم توفيرها من خلال مبادرات ريادية مجتمعية أصغر، كما هو الحال مع كيفية بدء مزودي المولدات الكهربائية، أو من قبل مجموعات مجتمعية مثل لجان المباني. ويؤكد بحثنا أنه باستثناء توفير الطاقة من قبل الدولة، فإن المجتمعات المحلية تفضل إنتاج الطاقة بشكل مجتمعي أو تبني خيارات متكاملة تجمع بين هذه الجهود المجتمعية وتوفير الطاقة عبر المولدات المحلية، وهو ما نعتقد أن برنامج تطوير الطاقة المتجددة لديه القدرة على دعمه.
وفي ظل غياب حلّ وطني وهيكلي ومتكامل، وفي غياب خطة رئيسية للطاقة المتجددة تعالج مشاكل الكهرباء في لبنان (التي لا تزال أولوية)، هناك إمكانية لاستكشاف حلول بديلة من خلال المبادرات الجماعية. يمكن أن تبدأ هذه المبادرات من أصغر وحدة من التجمعات الحضرية – لجنة المباني – وتتوسع من خلال التعاون بين المباني المختلفة في الشارع أو الحي. ومن خلال تشكيل تعاونيات للمباني، يمكن لهذه المجموعات أن تعمل معًا لإنشاء هياكل محلية أوسع على مستوى الحي تضغط من أجل التحسينات وتستجيب بشكل جماعي للأزمات.
ومع ذلك، تتطلب مثل هذه المبادرات الدعم، ليس فقط في شكل الخبرة الفنية ولكن أيضاً من خلال تطوير أدوات الحوكمة التشاركية. وبالتالي، يمكن أن تستفيد هذه المبادرات من التمويل الذي يعزز الإدماج والالتزام بمعايير السلامة العامة. ويمكن للسلطات البلدية أن تلعب دورًا تمكينيًا في مساعدة هذه التجمعات ووضع المعايير وتخفيف المخاطر. وبالإضافة إلى قانون التنظيم العقاري، قد يكون من المفيد أيضًا إعادة النظر في التشريعات الأخرى وإصلاحها، مثل قانون لجان المباني - الذي يركز حاليًا على مالكي العقارات وليس السكان - لتسهيل الإدارة التعاونية للمباني والاستجابة بشكل أفضل للاحتياجات والظروف الناشئة.
يتطلب لبنان تخطيطاً وتنفيذاً شاملاً ومستداماً لقطاع الكهرباء بما يتناسب مع التحديات الفريدة والاحتياجات الخاصة به. وفي خضم الظروف السائدة، وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإدخال أدوات السياسة العامة مثل نظام توزيع الطاقة الكهربائية، من الضروري تطبيق منظور محلي، إضافة إلى المنظور الكلي، وفهم الديناميكيات والفرص والإمكانيات المحلية لإثراء الحلول والبقاء على أساس الواقع المعاش في البلاد.
في الختام، تتطلب معالجة أزمة الكهرباء في لبنان مقاربة شاملة توازن بين أطر السياسات الوطنية والحلول المحلية التي يقودها المجتمع المحلي. وفي حين أن مبادرات مثل مبادرة تطوير قطاع الكهرباء هي خطوة إلى الأمام، إلا أنها يجب أن تُستكمل بآليات حوكمة تشاركية واستراتيجيات تمويل شاملة وإصلاحات تنظيمية تمكّن السكان والسلطات البلدية على حد سواء. يمكن أن يسهم تعزيز الأطر القانونية – مثل إعادة النظر في قانون لجان المباني – في تسهيل إدارة أكثر تعاونًا ومرونة للموارد المشتركة. في نهاية المطاف، يجب أن تكون حلول الطاقة المستدامة متجذرة في الواقع اللبناني المعاش، بما يضمن أن تكون السياسات لا تقتصر على كونها سليمة من الناحية التقنية فحسب، بل يجب أن تكون منصفة اجتماعياً وقابلة للتنفيذ عملياً.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.