تصاعد موجة التغيير في العراق: تقييم الحراك الشعبي الذي يشهده العراق منذ عام 2018

تندلع الاحتجاجات مرة أخرى في العراق حيث يطالب المحتجون بإزالة حكومة فاسدة وإنهاء التدخل الأجنبي في الشؤون العراقية. تقدم هذه الورقة تحليلًا وتقييمًا لموجات الاحتجاجات المختلفة في البلاد خلال العامين الماضيين والحاجة الملحة إلى إصلاحات حقيقية لمعالجة ظاهرة الحراك التي تكتسب قوة مع كل موجة.

An Assessment of the 2018 and 2019 Protests in Iraq
ميدان التحرير، بغداد، تسرين الأول 2019© خاص

 

يرجع السبب الأساسي في تقويض استقرار وشرعية دولة العراق في فترة ما بعد 2003 إلى سوء تقديم الخدمات الأساسية والارتفاع الحاد في نسبة البطالة وانسداد الأفق السياسي، وهو ما أدّى إلى اندلاع سلسلة احتجاجاتٍ غير مسيّسة بلغت حدّتها في أغسطس/آب 2018، أعقبها فترة هدوء، ثم اندلعت ثانيةً في أكتوبر/تشرين الأول 2019. ويعدّ هذا نذيرًا باندلاع موجاتٍ احتجاجية أكبر وأكثر عنفًا قد تهدّد بقاء النظام ذاته، لن تهدأ جذوتها إن لم يحدث إصلاحٌ جذري.

تتشابه الفترة الأولى من حراك عام 2019 مع بداية حراك عام 2018 (إبريل/نيسان-يونيو/حزيران) من حيث محدودية نطاقه وتركيزه على قضايا بعينها مثل البطالة، وطبيعته السلمية. ولكن سرعان ما تصاعدت حدّته في غضون عدة أسابيع، بعد أن شرع المتظاهرون في تعطيل المرافق الاقتصادية الأساسية ومهاجمة المنشآت الحكومية ومقرّات الأحزاب السياسية. وقد شهد عام 2018 تصعيدًا مماثلاً بمرور الوقت، ولكن المثير للانتباه هو سرعة تصاعد احتجاجات عام 2019 ومرورها من المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى مطالباتٍ بإصلاحاتٍ سياسية جوهرية، من بينها عقد انتخاباتٍ جديدة. وفي حين تجلّت مشاركة اللاعبين السياسيين في الجهود التي بذلها سياسيون، مثل مقتدى الصدر، لمحاولة ركوب موجة الاحتجاجات، وكذلك حملة القمع التي شنّتها عناصر مسلّحة تابعة لبعض الأحزاب السياسية على المحتجّين، أظهرت موجة 2019 أيضًا بزوغ جيلٍ جديد من المحتجّين، والدور المتزايد للفاعلين الاجتماعيين الجدد، كالجماعات المهنية.

يشير تصاعد وتيرة الاحتجاجات منذ عام 2018، واتّساع نطاقها وزيادة مطالبها، إلى أن نموذج الحكم السائد في العراق في فترة ما بعد 2003، وحالة الجمود المصاحبة له بين سائر الأحزاب السياسية، يحتاج إلى صياغةٍ جذرية جديدة من شأنها إعادة الثقة إلى النظام السياسي بعد إصلاحه. وبهذا قد يتحوّل الجمود إلى إصلاحاتٍ حقيقية لمعالجة النظام السياسي والاجتماعي المعتلّ منذ عام 2003، بعيدًا عن الانقسامات الإثنية والمذهبية أو الانجراف نحو العنف.

تصنيف احتجاجات العراق

هزّت العراق عدة موجاتٍ احتجاجية منذ عام 2015، ويمكن تقسيم هذه الاحتجاجات إلى نوعين: احتجاجاتٌ ذات دوافع سياسية وأخرى ذات دوافع اقتصادية واجتماعية. غالبًا ما تكون الاحتجاجات ذات الدوافع السياسية – التي تقوم عادةً على مظالم الأحزاب السياسية – مركزية وقاصرة على المناطق الحضرية الرئيسية (ميدان التحرير في بغداد على سبيل المثال)، وواسعة النطاق وأكثر تكرارًا. أمّا الاحتجاجات ذات الدوافع الاجتماعية والاقتصادية فعادةً ما تكون متناثرةً جغرافيًا، وتركّز على قضيةٍ بعينها، ويجري تعبئتها عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.

منذ عام 2003، كثيرًا ما تلجأ الفصائل السياسية، بما فيها تلك الممثَّلة في البرلمان والحكومة، إلى الاحتجاج للتعبير عن مطالبها خارج القنوات السياسية الرسمية. وتستخدم الأحزاب السياسية هذه الاحتجاجات لتعبئة قاعدتها الشعبية، والبعث برسائل معينة على الصعيدين المحلّي والإقليمي، والضغط على الشركاء والمنافسين على حدٍّ سواء لزيادة نصيبها من الكعكة أو دفعهم للتوافق مع أجنداتها. على سبيل المثال، احتج الصدريّون في ديسمبر/كانون الأول 2017 على قرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، واحتجّ مؤيّدو "ائتلاف دولة القانون" ، بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ضد المفوضية العليا المستقلّة للانتخابات ، مطالبين بسرعة إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2018.

تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية بشكلٍ كبير منذ أوائل عام 2018، لكنها تظلّ صغيرة النطاق بوجهٍ عام؛ حيث يحتج عشرات الأفراد العاطلين عن العمل أمام مقرّات الوزارات، ويتظاهر السكّان أمام مكاتب إدارة البلديات ضد نقص الخدمات الأساسية. في مثل هذه الحالات، يقوم المؤثّرون على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي، على رأسها الفيسبوك، بدور الحشد والتعبئة، ويلعب نشطاء المجتمع المدني وقادة القبائل دورًا تمثيليًا. ومع ذلك، أظهرت الموجات الاحتجاجية في 2018 و 2019 أن الحكومة لا تعبأ باسترضاء المتظاهرين أو الاستجابة لمطالبهم إلا بعد أن يصعّدوا إجراءاتهم، مثل إغلاق الطرق الرئيسية كما حدث في يوليو/تموز وسبتمبر 2018، والذي قامت الحكومة في أعقابه بإتاحة العديد من الوظائف وبذل جهودٍ حقيقية لتعزيز الخدمات.
احتجاجات 2018 في الجنوب

في الجنوب، شكّلت البصرة بؤرة الاحتجاجات في عام 2018، نظرًا لكونها مركزًا اقتصاديًا (معظم ثروات العراق النفطية تأتي من البصرة) وثاني أكبر دائرة انتخابية للأحزاب السياسية الشيعية بعد بغداد. نشأت احتجاجات البصرة بسبب شعورٍ مختلط بالاستحقاق والتهميش، وهو نفس الشعور الذي امتدّ إلى سكّان المناطق المحيطة في الجنوب، بسبب إحساسهم بالحرمان من ثرواتهم الطبيعية. اندلعت الاحتجاجات في إبريل/نيسان 2018، وخلال الفترة الأولى التي استمرّت حتى شهر يونيو/حزيران، كانت معظمها صغيرة الحجم وسلمية وركزت على مظالم اجتماعية واقتصادية بعينها (مثل البطالة).

شكّل شهر يوليو/تموز 2018 نقطة تحوّل في مسار الحراك، حيث دفعت حرارة الصيف مصحوبةً بانقطاعٍ متكرّر في التيار الكهربائي – خاصةً بعد أن قررت إيران في مطلع الشهر تعليق جزءٍ من إمدادات الطاقة الوطنية من الكهرباء، والبالغ 1000 ميغاواط، بسبب الأموال المستحقّة لها من بغداد – سكّان الصبرة إلى التظاهر على نطاقٍ أوسع . اشتدّت الاحتجاجات أيضًا في المحافظات الجنوبية الأخرى، حيث قام مئات المحتجّين في 13 يوليو/تموز باقتحام منشآت "بتروتشاينا" في الكحلاء، في محافظة ميسان المجاورة، وتجمّع آخرون في أم قصر في 15 يوليو/تموز، بينما أغلق آخرون الطرق المحيطة بمنزل رئيس بلدية الخضر في محافظة المثنى في 16 يوليو/تموز .

لم يهدأ الحراك في شهري أغسطس/آب وسبتمبر؛ إذ شهدت البلاد نقصًا حادًا في المياه أدّى إلى مفاقمة النزاعات القبلية القائمة بالفعل حول توزيع المياه، كما حدثت 118 ألف حالة تسمّم بين سكّان البصرة بسبب تلوّث مياه الشرب . هذا بالإضافة إلى مشاكل منهجية أخرى زادت من سوء الأوضاع، مثل ارتفاع معدّلات البطالة التي طالت مئات آلاف الشباب، وقرار الحكومة بإيقاف التعيينات في القطاع الحكومي رغم نقص فرص العمل في القطاع الخاص.

قام بحشد المتظاهرين مؤثّرون مقيمون بالعراق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهم من حدّدوا مكان وتاريخ المظاهرات. تجمّع المتظاهرون أمام المنشآت الحكومية وأماكن الأنشطة الاقتصادية الحيوية، مثل الطرق السريعة الرئيسية والمعابر الحدودية وحقول النفط، ثم صعّدوا احتجاجهم بقطع الطرق واقتحام المباني الحكومية لإرغام السلطات على الاستجابة لمطالبهم.

تشير الدلائل إلى أن متظاهري عام 2018 لم يكونوا على صلةٍ بأحزابٍ سياسية ولم يكن لهم أجندة سياسية معينة. حيث بدأ الأمر بمظاهراتٍ محلّية متفرّقة كتعبيرٍ عن إحباطهم من نقص الخدمات وفرص العمل، ومع تزايد أعداد المتظاهرين وسيطرة الاحتجاجات على النقاشات السياسية، لعبت الشبكات القبلية ومنظّمات المجتمع المدني دورًا في التنسيق والتمثيل. ولا يعني هذا عدم محاولة بعض الفاعلين السياسيين استغلال الاحتجاجات لإحراق مقرّات خصومهم السياسيين، والذين ردّوا عليهم بعد ذلك بشنّ حملة استقطابٍ وترهيبٍ لبعض الوجوه البارزة في الحركة الاحتجاجية، مثلما حدث باغتيال د. سعاد العلي في البصرة في 25 ديسمبر/كانون الأول 2018.

احتجاجات 2019

تضاءلت الاحتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول 2018 لكنها لم تختفِ تمامًا، وأصبحت المظاهرات صغيرة الحجم سمةً شائعة في جنوب ووسط العراق في عام 2019، كما هو موضح في الجدول رقم (1) أدناه. يبرز ارتفاع عدد المظاهرات في عام 2019 واقع أن مزيدًا من الناس باتوا على استعدادٍ للاحتجاج والتعبير عن مطالبهم، وأن مثل هذه المظاهرات لا تزال تحظى بدعمٍ واسع في المجتمع – وهي ملاحظةٌ تؤكّد نتائج استطلاعٍ للرأي أجراه المعهد الوطني الديمقراطي في الفترة من أغسطس/آب إلى أكتوبر/تشرين الأول 2018، أعرب فيه 76٪ من المشاركين عن مساندتهم للاحتجاجات .

اشتدّت الاحتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول 2019 في بغداد ومحافظات جنوب ووسط العراق بسبب تراكم المطالب غير الملبّاة، وقيام قوّات الأمن بمهاجمة المتظاهرات الحاصلات على درجة الدكتوراه باستخدام خراطيم المياه الساخنة في 25 سبتمبر/أيلول، وكذلك قرار رئيس الوزراء، بعدها بعدّة أيام، بإبعاد اللواء عبد الوهاب الساعدي من منصبه كقائد قوّات جهاز مكافحة الإرهاب، والذي كان يتمتّع بشعبيةٍ واسعة بسبب دوره البارز في مكافحة داعش. هكذا حظيت دعوات التظاهر التي أطلقها مؤثّرون عراقيون في المهجر على وسائل التواصل الاجتماعي بتأييدٍ كبير؛ حيث تظاهر المئات في ميدان التحرير في بغداد وكذلك في المحافظات الجنوبية. إلا أن قرار الحكومة بقمع الاحتجاجات وقطع الإنترنت وفرض حظر التجول أدّى إلى تحوُّل المظاهرات السلمية المركزية إلى أعمال شغبٍ متفرّقة وعنيفة في ضواحي بغداد والجنوب. ساد هدوءٌ نسبي لمدّة أسبوعين بفضل حلول موسم حجّ "الأربعين" – مناسبة دينية كبرى عند الشيعة لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين – وتعهّد الحكومة بالتحقيق في أعمال العنف. أسفرت الموجة الاحتجاجية الأولى (1 إلى 9 أكتوبر/تشرين الأول) عن مقتل 157 متظاهر وإصابة 5 آلاف و 494، من بينهم رجال أمن .

جدول (1): الاحتجاجات التي وقعت في الجنوب (إبريل/نيسان 2018 – أكتوبر/تشرين الأول 2019)
الشهر/المحافظة البصرة ذي قار المثنى ميسان واسط الإجمالي العنف
قتلى جرحى
إبريل/نيسان 2018 13 8 3 0 0 24 0 0
مايو/آيار 6 8 4 0 0 18 0 0
يونيو/حزيران 9 11 2 2 1 25 0 0
يوليو/تموز 61 17 9 8 1 96 2 104
أغسطس/آب 41 8 11 0 0 60 0 7
سبتمبر/أيلول 92 6 4 1 0 103 6 32
أكتوبر/تشرين الأول 6 2 4 0 0 12 0 0
نوفمبر/تشرين الثاني 21 2 8 0 0 31 0 0
ديسمبر/كانون الأول 33 14 5 1 0 53 0 0
يناير/كانون الثاني 2019 13 8 3 0 0 24 0 0
فبراير/شباط 29 12 14 0 0 55 0 0
مارس/آذار 15 15 12 1 0 43 0 1
إبريل/نيسان 18 6 5 2 0 31 0 0
مايو/آيار 11 6 4 0 0 21 0 0
يونيو/حزيران 24 12 6 4 5 51 0 0
يوليو/تموز 21 21 12 1 13 70 0 0
أغسطس/آب 12 4 10 3 0 33* 0 0
أكتوبر/تشرين الأول 115** 208 9.7 ألف***

* تتضمن أربع مظاهرات في محافظة الديوانية
** دون ذكر عدد المظاهرات في بغداد
*** عدد الجرحى بناءً على بيانٍ صحفي أصدرته المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالعراق في 11 و 30 أكتوبر/تشرين الأول:
facebook.com/ihchr/

في 25 أكتوبر/تشرين الأول، تجدّدت الاحتجاجات بصورةٍ سلمية في بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق، حيث أعرب المحتجّون عن إحباطهم من اللجوء إلى العنف المفرط لقمع الموجة الأولى من الحراك (1 - 9 أكتوبر/تشرين الأول) وفشل الحكومة في تحديد الجناة ومعاقبتهم. وعلى الرغم من إبداء قوات الأمن مزيدًا من ضبط النفس بعد أن أمر رئيس الوزراء بعدم استخدام الذخيرة الحية، توالت الأنباء عن وقوع إصابات نتيجة إلقاء قوّات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرةً على حشود المتظاهرين، واستخدام العناصر المسلحة التابعة للأحزاب السياسية ذخيرةً حيّة لمنع المتظاهرين من اقتحام مقرّاتها في محافظات ميسان وذي قار وبابل. في الفترة من 25 أكتوبر/تشرين الأول إلى 4 نوفمبر/تشرين الثاني، لقي 97 محتجًّا حتفهم وأصيب الآلاف، منهم رجال أمن .

اليوم تُصنّف حركة الاحتجاجات، والمستمرّة حتى تلك اللحظة، على أنها حركة واسعة النطاق تشارك في أنشطةٍ متنوّعة وتتمتّع بدعم لوجستي كبير؛ ذلك أنها استمرّت لأكثر من شهر ولم تحبطها مبادرات الحكومة المتمثلّة في توفير مئة ألف فرصة عمل أو التوسّع في برامج الرعاية الاجتماعية، ولا عنف قوّات الأمن. إن ما بدأ كمطالب محدودة النطاق تنادي بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية قد تطوّر إلى حركةٍ سياسية تطالب باستقالة الحكومة وانتخاباتٍ مبكّرة؛ حيث دعا متظاهرو ميدان التحرير، في صحيفتهم التي تحمل عنوان "توك توك" والمؤلّفة من أربع صفحات، إلى استقالة الحكومة وتشكيل حكومةٍ انتقالية مدّتها ثلاثة أشهر وإجراء انتخاباتٍ مبكّرة. وقد لاقى مطلب إجراء انتخاباتٍ مبكّرة تأييد العديد من الأحزابٍ سياسية ، مثل كتلة "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر – والتي انضمت إلى المعارضة البرلمانية ودعت إلى استقالة الحكومة – و"ائتلاف النصر" برئاسة حيدر العبادي، و"ائتلاف الوطنية" برئاسة إياد علاوي، و"تحالف القرار" برئاسة النجيفي، رغم رفض المحتجّين للنخب السياسية بأكملها كما أظهرت هتافاتهم.

ومن أبرز ما ميّز حراك أكتوبر/تشرين الأول كذلك حضور الشباب الطاغي والارتفاع غير المسبوق في نسبة النساء المشاركات في المظاهرات، ودعم مختلف الطبقات للجماهير التي كانت مستبعدة في بادئ الأمر في ضواحي بغداد والمحافظات الجنوبية، والتأييد الكبير من جانب النقابات المهنية والاتحادات والجمعيات، والسلطات الدينية في "النجف". علاوةً على ذلك، وكنتيجةٍ لحملة استقطاب وترهيب النشطاء البارزين التي أطلقتها قوّات الأمن والأحزاب السياسية أثناء حراك 2018، ظل حراك 2019 بشكلٍ عام بلا قائد، وتبنّى المتظاهرون أساليب مواجهة أكثر مباشرة، كما اتّضح من عزمهم على الوصول بالحراك إلى الحيّز الدولي، إذ وسّعوا من نطاق احتجاجهم في أول عشرة أيام من نوفمبر/تشرين الثاني، ليشمل أربعة جسور رئيسية في بغداد بدلاً من اقتصاره على "جسر الجمهورية" .

التنافس الإقليمي ورفض التدخل الأجنبي

حدا التنافس بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين من ناحية، وإيران من ناحيةٍ أخرى، بكلٍّ من الطرفين إلى اتّخاذ مواقف متباينة تجاه الاحتجاجات. فقد أيّد البيت الأبيض بشكلٍ علني المتظاهرين ومطالبهم بإجراء انتخاباتٍ مبكّرة، متّهمًا إيران باستخدام "الجماعات المسلحة والحلفاء السياسيين" للقضاء على الحراك . في المقابل، اتّهم المرشد الأعلى الإمام علي خامنئي الولايات المتحدة الأمريكية بزعزعة استقرار العراق ولبنان من خلال "حرمان الناس من أمنهم"، مضيفًا أن الأولوية يجب أن تعطى لـ"إعادة الاستقرار"، مع الإقرار بضرورة الاستجابة لمطالب المتظاهرين "المشروعة" عبر الأطر القانونية القائمة .

على إثر تلك التصريحات، تبنّى المتظاهرون موقفًا معاديًا لإيران، وأدان سياسيّون عراقيّون بارزون بدورهم ما اعتبروه "تدخّلاً" أمريكيًا، كما جاء في تصريحات قيس الخزعلي، قائد حركة "عصائب أهل الحق" ، ومقتدى الصدر، زعيم كتلة "سائرون". كما أصدر مكتب الرئيس صالح بيانًا أكّد فيه أن "الإصلاح المنشود في العراق هو قرار عراقي بامتياز، ويأتي استجابةً لإرادة العراقيين، ولا يمكن أن يخضع لإملاءاتٍ خارجية، فأي تدخل خارجي مرفوض وغير مقبول ".
رد فعل الحكومة على الاحتجاجات

كانت استجابة الحكومة الفيدرالية في عام 2018 تفاعليةً أكثر من كونها استباقية. ذلك أن رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي لم يعِر المراحل الأولى من الحراك اهتمامًا كبيرًا، ولم يجعلها أولويةً إلا بعد أن تصاعدت. حيث زار البصرة في 13 يوليو/تموز و 10 سبتمبر/أيلول 2018 ، وأكّد خلال زيارته على الحق في التظاهر السلمي، كما أصدر عدّة أوامر تنفيذية تهدف إلى تعزيز الخدمات وتوفير وظائف حكومية لأهالي البصرة. ورغم أن مشاكل البصرة متجذّرة إلى حدٍّ بعيد ومن الصعب حلّها خلال صيفٍ واحد، لم يمنع هذا الخصوم السياسيين من استغلال السخط العام وإلقاء اللوم على العبادي لفشله في الوفاء بوعوده، وهو ما عبّروا عنه في جلسة الاستجواب بالبرلمان في 8 سبتمبر/أيلول 2018.

من جانبه، اتّخذ رئيس الوزراء عادل عبد المهدي نهجًا استباقيًا إدراكًا منه لضرورة الإسراع في معالجة أزمة البصرة، فالتقى حكومة البصرة المحلّية في الشهر الأول من تولّيه منصبه في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وطلبَ الدعم السياسي عن طريق تعيين زعيم تحالف "الفتح"، هادي العامري، بصفته مبعوثًا خاصًا إلى البصرة . كما سعى إلى الحفاظ على علاقاتٍ جيدة مع الدول المجاورة لضمان استمرار تدفّق الكهرباء من إيران ومحاولة ربط الشبكة العراقية بالدول العربية والخليجية المجاورة. ساعدت هذه الإجراءات حكومة عبد المهدي على النجاة من صيف 2019 دون احتجاجاتٍ كبيرة، لكنها لم تعالج الأسباب الكامنة وراء الموجات السابقة.

جاء رد حكومة عبد المهدي على مظاهرة أكتوبر/تشرين الأول 2019 عنيفًا، حيث استخدمت قوّات الأمن القوّة المفرطة مع المتظاهرين، وهو ما أقرّته لجنة التحقيق التي شكّلها، وندّد به الفاعلون الدوليّون والزعماء السياسيون البارزون والمرجعية الدينية في النجف. وعلى الرغم من تصريحاتها المتكرّرة بضرورة حماية الحق في التظاهر السلمي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، فشلت الحكومة في كليهما؛ حيث ارتفع عدد الضحايا إلى أعدادٍ غير مسبوقة، بـ320 قتيلاً وآلاف الجرحى حتى يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 .

تأثيرٌ متباين

كانت احتجاجات 2018 بمثابة المسمار الأخير في نعش العبادي، بعد أن حالت دون تجديد فترة ولايته. لقد دفع فشل العبادي في إدارة الموقف الفصائل السياسية نحو تبنّي معادلةٍ سياسية جديدة يكون فيها رئيس الوزراء مستقلاً ويقوم بدور الوسيط بين القوى السياسية الكبرى. هذه المعادلة الجديدة لم تسترضِ فحسب الفاعلين السياسيين الذين شاركوا في الحراك بطريقةٍ أو بأخرى، ولكنها أعطت كذلك المحتجّين الأمل في أن "الحكومة التكنوقراط" الجديدة ستلبّي مطالبهم. لذا انخفض عدد الاحتجاجات بعد تشكيل الحكومة الجديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2018 (كما هو موضح في الجدول 1)، إلا أن جذور المشكلة لم تُعالج حقًا.

استجابت الحكومة إلى احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019 بإعلان توفير أكثر من 200 ألف فرصة عمل للخرّيجين العاطلين عن العمل، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية. إلا أن تلك التدابير التي يجري تنفيذها بالفعل ليست مستدامة؛ ذلك أنها تضيف المزيد من العبء إلى الجهاز البيروقراطي المتضخّم، وتستنزف الموارد التي تحتاج إليها الدولة بشدّة في الاستثمار وإعادة الإعمار، كما أنها لم تفلح في تهدئة المتظاهرين الذين فقدوا على ما يبدو الثقة في الأحزاب السياسية الحالية، ويطالبون بإصلاحاتٍ سياسية ملموسة. بناءً عليه، شرع الفاعلون السياسيون في مناقشة التعديلات الدستورية المقترحة لإجراء انتخاباتٍ مبكّرة بناءً على قانونٍ جديد ومفوّضية جديدة.

تضمّنت مناقشات الفاعلين السياسيين مقترحاتٍ بإلغاء مجالس المحافظات وانتخاب المحافظين مباشرةً، وتقليص عدد المقاعد البرلمانية، واعتبار الأقضية (المدن) دوائر انتخابية بدلاً من المحافظات، وخفض سن الترشّح للبرلمان من 30 إلى 25. على الرغم من أن وضع تلك التدابير موضع التنفيذ يتطلّب تعديلاتٍ دستورية ومزيدًا من التوضيح، إلا أنها تظل النتيجة الوحيدة المرجوّة من المتظاهرين. إن أي ردّ فعلٍ قمعي من جانب الحكومة سيسفر إما عن زيادة الاحتجاجات، أو تعليقها لتصبح كالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة، وفي الوقت نفسه، لن يؤدّي لجوء المتظاهرين إلى العنف سوى إلى الإضرار بمصداقيتهم وفقدانهم الدعم الواسع الذي يتمتّعون به حتى الآن.

غير أن النخبة الحاكمة لا تبدو جادةً بما يكفي بشأن تلك الإصلاحات المقترحة، كما صرّح المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني، الذي أعرب عن شكوكه "في مدى قدرة أو جدية القوى السياسية الحاكمة في تنفيذ مطالب المتظاهرين حتى في حدودها الدنيا" . بيد أن استمرار الضغط الشعبي، خاصةً بشكلٍ سلمي، إلى جانب دعم السلطة الدينية وبعض الفاعلين السياسيّين، سيدفع في نهاية المطاف النخبة الحاكمة إلى تقديم تنازلات، مثل إصلاح النظام الانتخابي وإعادة هيكلة المفوّضية العليا للانتخابات.

من المرجّح أن تستمر الاحتجاجات، وسط آمالٍ بأنها ستمثّل الصدمة التي طال انتظارها لعلاج علل النظام السياسي القائم منذ عام 2003، من خلال تعزيز الحقّ في المساءلة، وضمان تمثيلٍ ديمقراطي حقيقي.