تحدّي الإيديولوجية القانونيّة للدولة: محامو الشأن العام والحركات الاجتماعيّة في مصر

شكَّل المحامون المشتغلون بالشأن العام في مصر جماعةً اجتماعية مهنية قويّة خلال العقود الثلاثة الماضية، ونجحوا في استخدام “التقاضي الاستراتيجي” لتحدّي سياسات الدولة ومواجهة سرديّاتها القانونية المُحافِظة. بعد وصول الرئيس السيسي إلى السلطة في عام 2013 والهيمنة الكاملة للأجهزة الأمنية على المؤسّسات القانونية والمحاكم، احتدم الجدل حول جدوى اللجوء إلى المحاكم ضدّ الدولة بشأن مسائل الحقوق والحريات. فما هو تأثير المحامين على عملية الحشد والتعبئة والحركات الاجتماعية المتنوِّعة وإلى أيِّ مدى ساهموا في إعادة تشكيل المجال العام؟ وما هي التحدِّيات التي تواجه هذا النوع من المحاماة في مرحلة ما بعد الانقلاب؟

قوات الأمن المصرية خارج مجلس الدولة بعد صدور حكم ضدَّ قرارِ الدولة المصرية التنازل عن سيادتها على جزيرتَي تيران وسنافر ن في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية، كانون الثاني/ يناير 2017.© EPA

يشكّل المحامون المشتغلون بالشأن العام الذين يسعون إلى تعزيز التغيير الاجتماعي عنصرًا حاسماً في عمل المجتمع المدنيّ في مصر؛ إذ كانوا دعامةً رئيسيّة للنضال من أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية على مدى السنوات السبعين الماضية.

يُشار أحياناً إلى هؤلاء المحامين باسم “المحامين العُمّاليّين"، بينما يُشار إلى آخرين باسم “محامي الحرّيات". غير أنّ الشكل الأكثر تنظيماً للدفاع عن الشأن العامّ تَمَثَّل في الخدمة القانونية المجّانيّة التي تُقدِّمها المُنظّماتٍ غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان من خلال محاميها المحترفين، والذين يُشَار إليهم باسم “محامي حقوق الإنسان". هذه المصطلحات المُربِكة والمُتَدَاخِلة مع بعضها البعض أحياناً، تُسلِّط الضوء على التنوّع الشديد في ممارسات المحامين المشتغلين بالشأن العام في مصر. ففي حين يشير مصطلح “محامي حقوق الإنسان” إلى المحامين الذين يدافعون عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان دون أي تحفُّظ، تشير التسميات الأخرى إلى المحامين الذين يتعاملون مع قضايا تثير اهتمام الرأي العام دون أن يكون ذلك منطلقاً بالضرورة من منظورٍ حقوقي.

على الرغم من هذه التباينات، شكَّل المحامون المشتغلون بالشأن العام في مصر جماعةً اجتماعية مهنية قويّة خلال العقود الثلاثة الماضية. إذ قدّموا منذ أربعينيّات القرن العشرين مساعداتٍ قانونية لأعضاء الحركات الاجتماعيّة المختلفة في نضالهم ضدّ السياسات السلطوية والرأسمالية للدولة، وكذلك ضدّ الجماعات السياسية الشعبوية والمحافِظَة. ورغم أنّ استراتيجياتهم، حتى منتصف التسعينيّات، كانت تركّز على إمداد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بخدماتٍ مباشرة للتمكين القانوني وتسهيل وصولهم إلى النظام القانوني المصريّ لإيحاد حلول لمشكلاتهم. نجح هؤلاء المحامون على مدار ال 25 عاماً الماضية كذلك في استخدام “التقاضي الاستراتيجي” لتحدّي سياسات الدولة ومواجهة سرديّاتها القانونية المُحافِظة؛ كما نجحوا في طرح رؤى الدولة الاقتصادية والسياسية المثيرة للجدل أمام مختلف المنصّات القضائية. وربّما الأهم من ذلك هو أن هؤلاء المحامين قدّموا، ولا زالوا، دِرْعاً قانونية للحركات الاجتماعية المختلفة قبل وخلال ثورة 2011 وما بعدها.

ومع ذلك، أصبح تأثير هؤلاء المحامين بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في عام 2013، موضعَ تساؤل، وسط احتدام الجدل حول جدوى اللجوء إلى المحاكم ضدّ الدولة بشأن مسائل الحقوق والحريات، نظراً للهيمنة الكاملة التي تمارسها الأجهزة الأمنية على المؤسّسات القانونية والمحاكم. وعلى الرغم من هذه الآراء، يعتقدُ معظم المحامين الذين أجريت معهم مقابلات لغرض هذا البحث أن المحاماةَ توفِّر فرصةً لفضح الإيديولوجية القانونية للثورة المضادّة في مصر وتطوير التكتيكات لمواجهتِها، والأهم من ذلك لدعمِ ضحايا النظام الاستبدادي. لقد ثَبت نجاح هذه الاستراتيجية بوضوح في عام 2016 في قضية “تيران وصنافير” التي رفعها محامون مصريّون مهتمّون بالشأن العام ضدَّ قرارِ الدولة المصرية التنازلَ عن سيادتها على جزيرتَين في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية. ورغم إسقاط المحكمة الدستورية العليا لقرارات القضاء الإداري السابقة في تلك القضية، حقّق المحامون انتصاراً مهمّاً أمام القضاء الإداري، الذي قضى ببطلان قرار الدولة بتسليم هذه الجزر إلى المملكة العربية السعودية، ومخالفته لقواعد السيادة والضمانات الدستورية.1ومع ذلك، فإن المحكمة الدستورية العليا عكست هذه الانتصارات لأسباب فنية. وزعم حكم المحكمة أنّ المسؤولية عن تسليم تيران وصنافير تقع على عاتق السلطة التشريعية (مجلس النواب) وليس السلطة القضائية. وتمكّن المحامون، من خلال مرافعاتهم التي قُدِّمت أمام المحاكم، من وضع سرديّة النظام القائمة على تصوير النخبة الحاكمة بوصفها المدافع الأول والأخير عن الوطن أمام امتحان صعب.

هل يمكن اعتبار محاماة الشأن العامّ في مصر حركةً اجتماعية؟ ما هو تأثير المحامين على عملية الحشد والتعبئة والحركات الاجتماعية المتنوِّعة التي ميّزت المجال العامّ المصري؟ إلى أيِّ مدى ساهموا في إعادة تشكيل المجال العام؟ وما هي الأسباب التي جعلت المحامين يناوِرون في المناطق الرماديّة للدولة المصرية؟ ثمّ ما هي التحدِّيات التي تواجه هذا النوع من المحاماة في مرحلة ما بعد الانقلاب؟

يَستند هذا البحث إلى خبرة الباحث خلال عمله كمحامٍ في مجال حقوق الإنسان في ثلاث منظّماتٍ حقوقيّة مصرية بارزة2عمل الباحث محامياً متدرباً في مجال حقوق الإنسان في مركز هشام مبارك للقانون من 2004 إلى 2006، وفي المركز المصريّ للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو 2009، وفي مؤسسة حريّة الفكر والتعبير من 2007 إلى 2014. منذ عام 2004 إلى عام 2014، وإلى سلسلةٍ من المقابلات التي أجراها الباحث مع 21 محامياً من المشتغلين بالقضايا التي تمس الشأن العام في مصر في الفترة المُمتدّة من آب/أغسطس إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2018. وبالإضافة إلى مراجعته للأدبيّات المرتبطة بتلك الفئة من المحامين وبالحركات الاجتماعيّة في مصر والدول الأخرى، قام الباحث أيضاً باستعراض ملفّات 15 قضيةً تمّ رفعها أمام المحاكم، وتعكس جميعها عملَ المحامين المصريين.

تستعرض هذه الورقة بعض القضايا الشهيرة التي تبرِز تاريخ المحامين المصريّين في مواجهة القمع الحكومي وتحويل العديد من المطالب الاجتماعية إلى حقوقٍ مُعترَف بها قانوناً. وتشمل القضايا الحدّ الأدنى للأجور، والتعدّديّة النقابيّة واستقلال النقابات العمّاليّة، والأقليّات الدينيّة، وحريّة التعبير. كما يستكشِف الباحث الأساليب التي يتّبعها محامون من أجيالٍ مُختلفة في عملهم لدعم منظّماتٍ سياسية معيّنة، كمتطوِّعين في قضايا تهمُّ الرأي العام من خلال نقابة المحامين، ومن خلال منظَّمات حقوق الإنسان، أو عبر شبكات المحامين التي ظهرت في أعقاب الانقلاب العسكري في مصر في تموز/يوليو 2013 من أجل دعم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

يبحث الفصل الأوّل اكتساب المحامين المشتغلين بالشأن العام الطابع المؤسّسي كحركةٍ سياسيّة تربط أعضاءها خصوصيّاتٍ سياسية واجتماعية مشترَكة، بالإضافة إلى أساليب التقاضي المشتركة التي تميّزهم عن بقيّة أفراد المهنة. ويطرح هذا الفصل سؤالاً حول الكيفيّة التي فرضت بها الحركة نفسها كأداةٍ للتمكين القانوني الجماعي القادر على تعزيز سرديّةٍ قانونية مضادّة، وتسييس اللغة القضائيّة، والتأثير بشكلٍ خاصّ على الجدل القانوني واستراتيجيّات التقاضي.

أما الفصل الثاني فيركّز على تاريخ الحركة؛ حيث يقوم أوّلاً بتحليل التطوّرات الرئيسيّة التي مرّ بها النظام القانوني المصري الحديث لفهم كيف تمّ إفساح المجال أمام المحامين المشتغلين بالشأن العام كنتيجةٍ لازدواجيّة جهاز الدولة المنقسم إلى “دولة القانون” المتمثّلة في بعض الجهات القضائية المستقلة نسبياً، و"دولة الصلاحيّات” المتمثّلة في الأجهزة الأمنية والجهات القضائية الاستثنائية، ممّا سهّل المواجهة مع سياسات الدولة. وتلقي الدراسة الضوء على العلاقة الجدليّة بين الحركات الاجتماعية ومحاميها، من خلال سرد الاستراتيجيات والأغراض المختلفة التي تبنّاها المحامون في سياق القضايا المختلفة.

لقد بدأت الحركة كتكتيكٍ تنظيميّ للجماعات اليسارية في أربعينيات القرن الفائت، من أجل تقديم الخدَمات التقنية والتعليمية إلى القواعد الشعبية الداعمة لها، وتجذيرِ هيمنتِها الإيديولوجية بين العمّال والنقابات. ثم تحوّلت الحركة مع العمل التطوّعي المستقلّ والعفوي الذي قام به “محامو الحريّات” الذين ظهروا خلال انتفاضة 18 و19 كانون الثاني/يناير عام 1977، فلعبت دوراً رئيسياً حتى أوائل التسعينيّات في دعم ضحايا القمع الحكومي والتعسّف القانوني. وأخيراً، جاء تأسيسُ منظّمات حقوق الإنسان في أوائل التسعينيّات ليُرسَّخ وضع محامي حقوق الإنسان بوصفهم جزءاً لا يتجزّأ من التعبئة المدنيّة في مصر؛ حيث كان المحامون يمثّلون عنصراً رئيسياً في أكثر منظّمات حقوق الإنسان غير الحكوميّة المستقلّة عراقةً في العقود الثلاثة الماضية.3شكّل المحامون جزء هام من موظّفي المنظّمات غير الحكومية الرئيسيّة مثل مركز هشام مبارك للقانون والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومؤسسة حرية الفكر والتعبير ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب خلال مراحل مختلفة من تاريخ هذه المنظمات.

ويناقش الفصل الثالث القيود والتناقضات والتحدّيات الخاصّة بالمحامين الحقوقيّين في أعقاب انقلاب عام 2013. فيُلقي الضوء على الموجة الأخيرة من هذا النوع من المحاماة التي ظهرت بعد الانقلاب العسكري، والذي شهد اتّساع دائرة المحامين المهتمّين بالشأن العام وحقوق الإنسان لتمتدّ خارجَ الدائرة التقليدية لمنظّمات حقوق الإنسان. ويناقش هذا التحليل الآفاق المستقبليّة فيما يخصّ هؤلاء المحامين، من خلال دراسة الاستقطابِ السياسيّ والقيودِ المفروضة على عملهم بسبب انخفاض التعبئة الشعبيّة والحدود الجديدة التي وضعتها الدولة، بينما يُتَّهمون أحياناً بالانتقائيّة فيما يتعلّق بالقضايا التي يختارون العمل عليها. ويشير هذا الفصل إلى الدور الذي يُحتمل أن يلعبه المحامون في ضوء القمع غير المسبوق الذي تشهده مصر، من خلال مناقشةٍ تفصيليّة لكيفية تحوّل المحامين إلى أداةٍ حاسمة لمواجهة سرديّات الدولة وتفكيك البنى التمييزية والقمعية.

الفصل الأوّل: المحامون المشتغلون بالشأن العام من اللا-حركة إلى حركة سياسيّة

يعمل المحامون في مصر في بيئةٍ صعبة تتّسم بضغوطٍ اقتصادية ومؤسّسية،4منّة عمر، مهنة المحاماة في مصر بين شروط القيد وسوق العمل، المفكرة القانونية، 2017، متوفّر على الرابط: legal-agenda.com  تمّت زيارته في 23 آب/أغسطس 2018. وتراجع استقلال نقابة المحامين، وتردّي جودة التعليم القانوني،5عمرو الشلقاني، تاريخ ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية “4-4"، 2012. متوفّر على الرابط:  shorouknews.com تمّت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018. والانتهاكات المُمنهَجة ضدّ المحامين من قبَل القضاة وأعضاء النيابة العامة وضبّاط الشرطة، التي وصلت إلى حدّ مقتل أحد المحامين نتيجة التعذيب.6Mada Masr, 'Autopsy Shows Lawyer Was Tortured To Death At Matareya Police Station', (2015). Available at:  madamasr.com تمت زيارته في 23 آب/أغسطس 2018.

وعلى خِلاف البيئات التنافسية في بلدانٍ أخرى، لا يتطلّب الالتحاق بمهنة المحاماة في مصر أكثر من الحصول على درجة الليسانس في القانون ودفع رسوم التسجيل في نقابة المحامين. ويستثنى من أُدين في قضايا جنائية أو قضايا تتعلّق بسمعة الأفراد من الحصول على عضوية النقابة. ولا يُشترط اجتياز خرّيجي كلية الحقوق لامتحانٍ قبل أن يتم تسجيلهم في النقابة ويتمكّنوا من مُمارسة المهنة.7تُنظر متطلبات الانضمام إلى نقابة المحامين في قانون المحاماة رقم 17 لعام 1983، المادة 13.

يواجه معظم المحامين صعوباتٍ اقتصادية وتهميشاً، ويتعرّض العديد منهم للقمع. وهم يحاولون عادةً التغلّب على هذه المشكلات من خلال الحلول الفردية، وليس من خلال العمل الجماعي. وقد تنطوي هذه الحلول الفردية على خرقٍ للقوانين، والاستفادة من فساد البيروقراطية. فعلى سبيل المثال، من المعروف على نطاق واسع في مصر أنّ بعض موظّفي أجهزة العدالة يحصلون على رُشىً من المحامين للقيام بعملٍ معيّن، أو للتغاضي عن عملٍ ما. على هذا النحو، لا يمكن وصفُ تصرّفات المحامين في التعامل مع صراعاتهم اليومية فيما يتعلّق بالقوانين المعمولِ بها والمحاكم والبيروقراطية بأنها “حركة"، بل هي “لا-حركة” تلتفّ حول الصعوبات القانونيّة والبيروقراطيّة من خلال الثغرات القانونية والقوانين ذاتها. وقد عبّر آصف بيات عن هذه الفكرة (اللا-حركة) في مناقشته للحركات الاجتماعية والسياسات التنازعية.8Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the East Middle, Amsterdan University Press, Amsterdam, 2010, pp. 58-59.

ومع ذلك، تتطلّب طبيعة مهنة المحاماة التواصل بانتظامٍ مع مختلف المسؤولين الحكوميّين، مثل القضاة وضبّاط الشرطة والمدّعين العامّين والمشرّعين، من أجل حماية مهنتهم والتعبير عن التضامن مع بعضهم البعض، وهو ما يحوّل أنشطتهم إلى حركةٍ منظّمة في بعض الأحيان. يتّضح هذا في مقاومة المحامين المصريّين لأيّة هجماتٍ استبدادية على استقلاليّة مهنتهم، أو تضامنهم مع أعضاء المهنة الذين يواجهون مضايَقاتٍ من قبل السلطات. في مثل هذه الحالات، يعمل المحامون بطريقةٍ جماعية ومنظَّمة لمواجهة أيّ هجومٍ على مهنتهم، أو لتعزيز المصالح الجماعية للمحامين. يحفل تاريخ نقابة المحامين المصرية بالإضرابات والاحتجاجات والاعتِصامات ضدّ تدخّلِ الدولة في شؤونها وعنفِ الشرطة ضدّ أعضائها.9يُنظر الفيديو المنشور على موقع Daily Motion، والذي يصور قمع المحامين أثناء احتجاجهم على مقتل أحد زملائهم عام 1994. متوفر على الرابط:  dailymotion.comتمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018. في مثل هذه الحالات، يمكن اعتبار مواقف المحامين للحدّ من تدخّل السلطات أو مساءلة موظّفي الدولة عن الانتهاكات التي ترتكب ضدّهم بمثابة “حركة".10مجلة الاشتراكية الثورية، نقابة المحامين والحراسة، 1999، متوفر على الرابط: revsoc.me تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.

تتّخذ المحاماة التقليديّة في مصر أشكالاً مختلفة؛ حيث يعمل معظم المحامين بشكلٍ مستقلّ من خلال مكاتب المحاماة الصغيرة الخاصّة بهم، ويعمل آخرون في شركات محاماةٍ مملوكة لمحامين مشهورين مُتنفِّذين، أو في الإدارات القانونية في مؤسّسات القطاع العامّ. ويتلقّى المحامون المستقلّون أتعابهم من عملائهم مباشرةً، وفقاً لاتّفاقٍ مسبق معهم، ولا توجد قواعدُ لتحديد أتعاب المحاماة.11اليوم السابع، من يحدد أتعاب المحامين في مصر، 2017، متوفر على الرابط: goo.gl تمت زيارته في 24 آب/أغسطس 2018. ولعلّ هذه الحقائق هي التي تميّز بين المحاماةِ التقليدية ومحاماة الشأن العامّ، وتؤثّر على تشكيل هويّة النوع الأخير. فكونُك محامياً محترفاً يجعلك عرضةً للتفاعل اليومي مع أفرادٍ من مختلف الطبقات الاجتماعية والإيديولوجيات والاهتمامات.

وقد يحقّق بعض المحامين نجاحهم المهني من خلال مسايرة سرديّات الطبقات الحاكمة واهتماماتِها والدفاع عن مصالح أعضائها، بينما يكسب البعض الآخر عيشَه من تمثيل أطراف النزاعات الحياتية اليومية بين الأفراد، أو بين الأفراد من جهة والمؤسّسات الحكومية أو أعضاء الجماعات غير الحكومية من جهةٍ أخرى أمام المحاكم. ويمارس هؤلاء المحامون عملهم في ظل نظامٍ قانوني يحاول فيه المتقاضون النفاذ إلى نظام العدالة في ظلّ صعوباتٍ سياسيةٍ واقتصادية متأصِّلة في نظامٍ يسوده الظلم والتعسّف القانوني وعدم الكفاءة والفساد.

وكقاعدةٍ عامّة، يناضل المحامون من أجل مصالح موكِّليهم، بغضِّ النظر عن دوافع هؤلاء الموكّلين أو قيَمهم. وبوجهٍ عامّ، عندما يعمل المحامون من أجل تغيير السياسات أو التشريعات، يكون ذلك بدافع المصلحة الذاتية أكثر منه بدافع التطلُّع نحوَ التغيير الاجتماعي.12Peter J. Henning, 'Lawyers, Truth, And Honesty in Representing Clients' (2014) 20 Notre Dame Journal of Law, Ethics & Public Policy. p 213. يقول هيننغ في سياق المحاماة الأمريكية: إن هنالك قواعد معيّنة تفرض أن لا يقدّم المحامون أدلّة كاذبة أو يقومون بتضليل شخص ثالث أو يتصرفون بشكل مخادع أو احتيالي. ومع ذلك، فإنّ تلك القواعد لا ترشد أيّ محامٍ لضمان أن تعكس نتيجة التمثيل القانوني ما حدث بالفعل في المعاملة التي هي جوهر النزاع. وبخلاف ذلك، تعتمد المحاماة التقليدية على الإطار القانونيّ الحاليّ واستغلال الثغرات القانونيّة واستخدام منصّاتٍ قضائية مُختلفة لتحقيقِ المصالح الفرديّة للعملاء.

في المقابل، ثمّة نوعٍ آخر من المحاماة يَعرف باسم “محاماة الشأن العامّ". ويدعم هذا النوع الحركات الاجتماعيّة الساعية إلى التغيير الاجتماعي،13J Krishnan, “Lawyering for a Cause and Experiences from Abroad", in California Law Review, vol. 94, 2006, 575. وفي بعض الحالات يساعد تحوّل المحامين أنفسهم إلى حركةٍ سياسية مستقلّة. وعادةً ما يختار محامو الشأن العام العملَ في قضايا ترتبط بحماية الحقوق والحريّات وتؤثّر على الوضع السياسيّ أو الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ للأفراد، وتوفّر مَنبراً للمهمّشين، فتسمح لهم بالتعبير عن آرائهم أو تحدّي إيديولوجية الدولة والسرديّات السائدة.14A Sarat & S Scheingold, Cause Lawyering: Political Commitments and Professional Responsibilities, (ed), Oxford, Oxford University Press, 1998, pp. 3-8.

وتنطبق هذه التفرقة بين المحامين التقليديّين الذين يركّزون على المصالح المباشرة لعملائهم والمحامون المشتغلون بالشأن العام الذين يركّزون على الحركات الاجتماعيّة، على المحامين المصريّين بشكل عامّ.

لا تبالغُ هذه الورقة في دور المحامين في عملية التغيير الاجتِماعي، بل تعكس إسهامَهم في نضال الحركات الأخرى نحوَ تحقيق الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعية. ويمكننا القول أن المحامين في مصر يشكّلون بحدِّ ذاتهم حركةً سياسية، من خلال عملهم الجماعيّ داخل المجموعات السياسيّة أو منظّمات حقوق الإنسان التي ينتمون إليها.15تعني عبارة “الحركات الاجتماعية” هنا الأنشطة الجماعيّة المستمرّة من قبل مجموعة معيّنة من المحامين ضدّ السلطات لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية محدّدة في سياق سياسي واجتماعي يسمح بمثل هذه الأعمال. انظر: Sidney Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics (2nd ftn, Cambridge Univ Pr 1998). 10. وعادة ما تستند تصرّفاتهم إلى تحدّي المنظومة القانونيةّ السائدة وكشف عدائها تجاه الفئات الضعيفة والمعارضين السياسيين والطبقات المهمَّشة. ويتبايَن المحامون الحقوقيّون المشتغلون بالشأن العام في الإيديولوجيات السياسية التي يعتنِقونها، ولذلك يؤسّسون أنواعاً مختلفة من المنظّمات لتسهيل عملهم، ويَبنون هويّاتهم الخاصّة التي تميِّزهم عن المحامين الآخرين. ويمكن رؤية ذلك التميّز في اللغة القانونية التي يستخدمونها، والمنصّات القانونية التي يختارونها لمعاركهم، والتكتيكات القانونية التي يستعملونها لتحقيق أهدافهم.

1.1 المحامون المشتغلون بالشأن العام بوصفهم حركةً سياسية

خلفيّةٌ إيديولوجية مشتركة: اتّفق 21 محامياً تمّت مقابلتهم لغرض هذه الدراسة على أن وجود خلفيّةٍ سياسيّة هو السمة الرئيسية التي تميّز المحامين التقليديّين عن المحامين المشتغلين بالشأن العام في مصر. وينظر هؤلاء المحامون إلى مفهومِ “الخلفيّة السياسيّة” على أنه إيمانٌ بقيَمٍ اجتماعية وديمقراطية معيّنة، وليس عضويّةً في كياناتٍ سياسية بعينها. وينطبق هذا الفهم إلى حدٍّ ما على المحامين اليساريين والناصريين والليبراليين. ووفقاً للمحامي محمود قنديل،16محمود قنديل محام كبير نشط في لجنة الحريات بنقابة المحامين خلال الثمانينيات والتسعينيات. وهو أيضاً عضو سابق في المنظّمة المصرية لحقوق الإنسان. فإنّ المحامين اليساريين والناصريين الذين نشطوا في لجنة الحريّات بنقابة المحامين في الثمانينيات لعبوا دوراً رئيسيّاً في تأسيس الموجة الأولى من منظّمات حقوق الإنسان التي استخدمت التقاضي كاستراتيجيةٍ رئيسية في تعزيز أوضاع حقوق الإنسان17مقابلة مع المحامي محمود قنديل، 15 آب/أغسطس 2018.، وينطبق النموذج نفسه على المحامين الذين نشطوا في قضايا الشأن العامّ في السبعينيات. وليس غريباً، على سبيل المثال، أنّ المحاميَين الرئيسيَّين اللذَين مثّلا المُدَّعى عليهم في قضية انتفاضة عام 1977،18قضية حوكم فيها 176 شخصاً بتهم التحريض على العنف ضدّ مؤسّسات الدولة خلال احتجاجات جماهيرية ضدّ قرار الرئيس برفع أسعار السلع الأساسية. كان أحدهما اليساري أحمد نبيل الهلالي والآخر القَومي عصمت سيف الدولة.19عصمت سيف الدولة، دفاع عن الشعب، 1977. متوفّر على الرابط:  slideshare.net تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.

أداةٌ للتمكين الجماعي: يتّضح تعاطف هؤلاء المحامين مع القضية التي يتبّنونها في عمل محامي حقوق الإنسان البارز الراحل هشام مبارك، مؤسّس مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، الذي جعل من التقاضي استراتيجيّةً رئيسيّة في عمل منظّمات حقوق الإنسان في منتصف التسعينيّات.20Judith Miller, Hisham Mubarak Dies at 35; Rights Campaigner in Egypt, The New York Times, 1998. Available at: nytimes.com تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر عام 2018. وركّز محامون بارزون أمثالَ أحمد نبيل الهلالي ويوسف درويش وأحمد شرف لعقودٍ من الزمن على قضايا حقوق العمّال من خلال التمكين والتمثيل القانوني المباشر، بدلاً من التقاضي الاستراتيجيّ. إلاّ أن مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان غيّر من ذلك، فكان أوّلَ مجموعةٍ لحقوق الإنسان تنشئ وحدةً قانونية للدعاوى الدستورية لترفع دعاوى أمام المحكمة الدستورية العليا للبتَّ بدستورية بعض الأحكام القانونية، ممّا جعل التقاضي أداةً جماعية وليس تمكيناً فردياً. تألّفت هذه الوحدة من المحامين أحمد سيف الإسلام حمد وطارق عبد العال وخالد علي. وقد أسّس المرحوم أحمد سيف الإسلام حمد، الذي يُعتبر أوّل محامٍ يُضفي الطابع المؤسّسي على التقاضي الاستراتيجي في إطار عمل جماعات حقوق الإنسان، مركزَ هشام مبارك للقانون، مدفوعاً باعتباراتٍ مماثلة. وركّز هؤلاء المحامون على التقاضي بشأنِ عددٍ من قضايا حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقُّ في المحاكمة العادلة وقانون الطوارئ وعقوبة الإعدام وحريّة التعبير وحقوق العمل.21هبة عفيفي، أحمد سيف: المقاتل الرحيم والمبدع القانوني، مدى مصر، 2014. متوفر على الرابط: madamasr.com تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.

وفي الآونة الأخيرة، تمكّن المحامي الشهير خالد علي من استخدام التقاضي الاستراتيجي للدفاع عن الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة بطريقةٍ منظّمة وعلى نطاقٍ غير مسبوق. وارتبَط عمله بدعم الحركات العمّالية أمام المحاكم المصرية بإيديولوجيَّته السياسيّة كناشطٍ يساريّ مؤيّد للعمّال في كفاحهم الطويل للحصول على أجورٍ عادلة وتشكيل نقاباتٍ مستقلّة.22المفكرة القانونية، نصائح خالد علي: كيف أدافع عن الشأن العامّ، 2013. متوفّر على الرابط: legal-agenda.com تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.

سرديّةٌ مضادّة: رغم لعب الخلفيّات السياسية أو الفكرية للمحامين دوراً هاماً في جذب اهتمام أفرادٍ بعينهم نحو قضايا الشأن العام، فإن إيديولوجية الدولة نفسها، التي استخدمت القانون كأداةٍ للقمع المحسوب قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، سهّل ظهورَ المحامين المدافعين عن الشأن العام وتطوّر حركتهم باعتبارها سرديّةً مضادّة. في واقع الأمر، كان حرص الدولة على الشكليّات القانونية قبل الثورة وسيلةً مركزيّة للدولة المصريّة لفرض أجندتها السياسيّة والاقتصادية. على سبيل المثال، فإن مسائل مثل تطبيق الإجراءات القانونيّة والمثول أمام القاضي واحترام القرارات القضائية، بالرغم من تجاهلها في الكثير من الأحيان، كانت من السمات الرئيسيّة لسلوك الدولة لتعزيز الانطباع داخليًا وخارجيًا بأنَّها تدعم “سيادةَ القانون” واستقلال القضاء"23Tamir Moustafa, Rule by Law: The Politics of Courts in Organizitarian Regimes (Cambridge University Press 2008).، حتى خلالَ استِخدام قانونِ الطوارئ والمحاكمِ العسكريّة ومحاكمِ أمنِ الدولة. وقد تجلّى هذا الاتجاه منذُ إنشاء المحكمة الدستوريّة العليا في عام 1979، وإعادةِ تمكين القضاء الإداري في الثمانينيّات. ورغم أنّ الدولة المصرية قد لجأت بالفعل إلى استراتيجيّاتٍ خارج نطاق القانون للحفاظ على النظام السياسي وحماية النخبة الحاكمة، لم تُستخدَم هذه الاستراتيجيات إلّا في أوقات التغيّرات السياسية المهمّة، كما حدث بعد الانقلاب العسكري في تمّوز/يوليو 2013.24استخدم النظام المصري المحاكم والقوانين لمجابهة خصومه وحجبهم، إلا في حالات قليلة عندما استخدم أساليب خارج نطاق القانون مثل الإعدام خارج نطاق القضاء، يُنظر منظمة العفو الدولية، مدرِّس ينضمّ إلى أحدث ضحايا موجة مصر المخيفة من الإعدام خارج نطاق القضاء، 2017. متوفر على الرابط:  amnesty.org  تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.

يُجادل المحامي أحمد قناوي بأنّ الاستراتيجية التي تتّبعها الدولة لملاحقة المعارضين والناشطين من خلال القانون والمحاكم لعبت دوراً رئيسيّاً في بروز محامي الشأن العامّ، الذين استخدموا في المقابل الأدوات نفسَها لمواجهة قمع الدولة وفضحِ تعسّفها القانوني، واستخدامها النفعي لشعارات سيادة القانون واستقلال القضاء، وللدفاع عن مشاريعهم السياسية في مواجهة هجوم الدولة.25مقابلة مع المحامي أحمد قناوي، في 15 آب/أغسطس 2018.

تسييس اللغة القضائية: كان الجانبُ الإيديولوجي في قضايا الشأن العام واضحاً جدّاً في عمل المحامي أحمد نبيل الهلالي، خاصّةً في مرافعته في القضية رقم 50 لعام 1980 المعروفة بقضية “الحزب الشيوعي المصري". وكانت السلطات قد احتجزت في هذه القضية نشطاء يساريّين بتهمة الانضمام إلى جماعةٍ شيوعيّة سريّة بغرض تغيير النظام الاجتماعي عن طريق العنف. وجادل أعضاء النيابة أثناء الجلسات بأنَّ معتقدات المتَّهمين وأفكارَهم تتماشى مع الفكرة الماركسيّة “الأمميّة"، التي تتناقض مع القيَم الدينيّة والاجتماعيّة للمجتمع المصري، وهي معتقداتٌ ترقى إلى حدّ الخيانة. لم يكتفِ الهلالي بالرد على الأدلّة والحجج القانونية، وهو ما فعله ببراعة. 26أحمد نبيل الهلالي، حرية الفكر والتعبير، هذه هي القضية، الطبعة الثانية، المصرية الجديدة، 1989. ولكن الأهمّ من ذلك أنه دافع عن الأفكار الماركسية في مسائلِ الأمميّة وعالميّة الرؤى والأفكار السياسية والعِلْم وحريّة التعبير. حيث قال أثناء دفاعه:

"يجب أن أردّ على اتِّهامٍ آخر، قبل أن أنتقل إلى التُّهم الرسمية الموجّهة، وهو الاتهام باستيراد الأفكار والمبادئ الغريبة عن دينِنا وهويَّتنا الوطنية، والذي أجده اتهاماً مُخجلاً، خصوصاً أنه يقال في القرن العشرين. سيدي الرئيس، لا يُمكن تجريم الأفكار أو المبادئ، سواء اتَّفقنا معها أم لم نتَّفق، تحت ذريعة أنّها مُستورَدة من الخارج. فنعتُ أيّ فكر بأنه مستورد هو امتهان للإنسان، لأنه امتهان لفكره، والفكر أثمن ما يملُكه الإنسان لأنه يميّزه عن الحيوان. إن الفكر الإنساني لا جنسيّة له، إنه ملك الإنسان في كلّ مكان".27المرجع السابق، ص. 26-27.

أمّا محامي حقوق الإنسان أحمد راغب، فيرى أن المحامين الحقوقيّين هم الوحيدون الذين يستخدمون مثل هذه اللغة، لأن اهتماماتهم تتعدّى المصالح المباشرة لعملائهم المسجونين، وتمتدّ إلى الحقوق نفسها التي تتعرّض للهجوم. من ناحيةٍ أخرى، يتجنَّب المحامون التقليديّون في الغالب الإدلاء بآراءٍ سياسيّة أو إثارة القضايا الخلافيّة أمام المحاكم.28مقابلة مع المحامي أحمد راغب، في آب/أغسطس 2018.

2.1 إضفاء الطابع المؤسّسي على مجموعةٍ اجتماعية-مهنية

تأمين دخلٍ منتظم: ثمّة فرق آخر بين المحامين المدافعين عن الشأن العامّ والمحامين التقليدييّن، وهو يتعلّق بمكافأة العمل التي ينالها المحامي. يقول طارق عبد العال، محامٍ في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وصاحب مكتب خاص للمحاماة، إنّ الواقعَ الاقتصادي يُجبر المحامين على التركيز على القضايا المُربحة مالياً فقط،29مقابلة مع المحامي طارق عبد العال في آب/أغسطس 2018 ويُثنيهم تدهورُ الوضع الاقتِصادي في مصر عن الانخراط في القضايا التي تمس الشأن العامّ.30المرجع السابق.

في الماضي، كان المحامون المهتمّون بحقوق الإنسان وغيرِها من قضايا الشأن العامّ يعملون عادةً دون مقابل، من خلال التطوّع مع لجنة الحريّات في نقابة المحامين. أمّا اليوم، يتقاضى معظم المحامين الذين يركّزون على قضايا حقوق الإنسان رواتبَهم كموظّفين في منظّماتٍ حقوقية غير حكوميّة. ولا يوافق عبد العال على وصف المحامين الذين يعملون في مجال حقوق الإنسان بأنّهم “متطوِّعون” كما يفضّل البعض، بل يرى أنهم يتقاضون أجورَهم من منظَّماتهم لتمثيل ضحايا انتِهاكات حقوق الإنسان.

والواقع أنَّ المحامين العاملين في منظّمات حقوق الإنسان يتلقّون منذ التسعينيّات مرتّباتٍ شهريّة تغطّيها مشاريعُ تموّلها الجهات المانحة. كما عملت مجموعات حقوق الإنسان الرئيسيّة في مصر على تزويد الضحايا بالخدمات القانونية، سواءً من خلال التمثيل القانوني المباشر أو من خلال التقاضي الاستراتيجيّ. وقد استطاعت هذه المنظّمات القيام بهذا العمل من خلال تأمين دخلٍ مُنتظَم للمحامين العاملين بها. بَيد أن الوضع يختلف بالنسبة للمحامين التقليديّين الذين يعتمد دخلهم على القضايا التي يعملون عليها، والاتفاقات الماليّة التي يعقدونها مع عملائهم، وعلى مدى ثراء هؤلاء العملاء أو فقرهم. وتوفّر الرواتب الشهرية المُنتظَمة، بغضِّ النظر عن عدد القضايا التي يَعمل عليها المحامي، بعض الاستقرار المالي لغالبيّة المحامين الذين يعملون مع منظّمات حقوق الإنسان، ممّا يمكِّنهم من إعطاء الأولوية للقضايا التي تخّص الشأن العام.

ويرى أحمد قناوي في إنشاء وحداتٍ قانونية داخل منظّمات حقوق الإنسان تطوّراً إيجابياً للغاية، يُضفي الطابع المؤسّسي على عمل المحامين ويضمن استدامتها. ويضيف أنّه كان من الصعب جداً الاعتماد على المتطوّعين نظراً لحجم انتهاكات حقوق الإنسان في مصر وطلبات التمثيل القانوني التي لا تنتهي.31مقابلة مع المحامي أحمد قيناوي، في آب/أغسطس 2018.

3.1 تطوير اللعة القانونية

ثمّة فرق رئيسي آخر بين المحامين المهتمّين بقضايا الشأن العامّ والمحامين التقليديّين، يَكمن في أنّ الأوّلين يستخدمون لغة المعايير الدولية والحماية الدستورية لحقوق الإنسان، ولا تقتصر حججُهم على الإطار القانوني المحلّي. بالمقابل، يلجأ المحامون التقليديّون أكثر إلى استخدام الثغرات القانونية والكشف عن المخالفات في سلوك خصومهم، وفقاً للقانون المصري، دونَ اللجوء إلى الحجج السياسيّة أو حقوق الإنسان.

وكان استخدام المحامين للقانون الدولي لحقوق الإنسان والضمانات الدستورية واضحاً في القضية رقم 4190 لعام 1986، التي شملت 37 من موظّفي هيئة السكك الحديدية الذين حوكِموا أمام محكمة أمن الدولة العليا بتهمة المشاركة في الإضراب عن العمل، وهو  فعلٌ تمّ تجريمُه بموجب المادة 124 من قانون العقوبات. وجادل محامو الشأن العامّ، بمن فيهم أحمد نبيل الهلالي وعبد الله خليل وعصمت سيف الدولة وأمير سالم وربيع راشد، بأنّ المادة 124 من قانون العقوبات قد نُسخت من خلال مصادقة الدولة المصريّة على العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافيّة التي تحمي الحقّ في الإضراب. وكانت مصر قد صادقت على العهد في نيسان/إبريل 1982، بعدَ فترةٍ طويلة من صدور المادة 124 من قانون العقوبات. ونتيجة ذلك، أسقطت المحكمةُ التهمَ الموجَّهة إلى العمال، مُستنِدةً إلى التبرير الذي قدّمه المحامون:32علاء عبد التوّاب، تاريخ الإضراب بين العمال والسلطة.. النص والتطبيق، 2016. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.

"إذا تمّ نسخ المادة 124 من قِبل العهد المذكور أعلاه، فإنّ من غير القانونيّ تعديل هذه المادة لأنّها غير موجودة. وهذا يعني أيضاً أن اعتبار الإضراب جريمةً لا أساس قانوني له. وتدعو المحكمة في هذا الصدد المُشرّع إلى تنظيم الحقّ في الإضرابِ بطريقة تَحمي المصالح العليا للدولة وكذلك حقوق العمال  لتجنّب الفوضى وتعطيل المصالح العليا للمجتمع".33في القضية رقم 4190 لعام 1986، أمام محكمة أمن الدولة العليا.

في القضايا ذات الطبيعة السياسية، كتلك التي تنطوي على تُهم المشاركة في احتِجاجٍ غير مُصرَّح به، يعتمد المحامون المشتغلين بالشأن العام والمحامون التقليديّون على حججٍ مختلِفة للغاية. حيث يركّز المحامون التقليديّون على عبثيّة الاتِّهامات وبطلان الإجراءات القانونيّة المُطبّقة في القبض والتفتيش والاستِجواب. وعلى سبيلِ المثال، يعتمد خطُّ دفاعهم الرئيسيّ على إنكار مشاركة المُدَّعى عليه في احتجاجٍ مزعوم. وفي إحدى القضايا الموجودة على موقع منتدى المحامين العرب،34مذكّرة دفاع على موقع منتدى المحامين العرب مقدّمة في 26 شباط/فبراير 2016، وموجودة على الرابط: mohamoon-montada.com تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018. جادل محامٍ بأنّه  لا يُعقل أن يكون مُوكِّله قد شارك في  المظاهرة لأنَّه كان يرتدي بيجاما حين ألقيَ القبض عليه، ممّا يعني أنه اعتُقل من المنزل وليس من مكان الوقفة الاحتجاجيّة.35المرجع السابق. وبذلك يكون من الواضح أنّ مصلحةَ المحامي الوحيدة هي تبرئةُ موكّله من تهمة “المشاركةِ في احتجاجٍ غير مُصرَّح به"،  وليس الدفاع عن الحقّ في التجمّع السلميِّ كحقٍّ مُعترَف به دستورياً.

من ناحيةٍ أخرى، يسعى المحامون المشتغلين بالقضايا التي تمس الشأن العام إلى الدفاع عن المصالح الفردية لموكّليهم وعن القضية الأوسع نطاقًا التي تؤثّر على قطاعٍ فرعيّ من المجتمع في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، كانت مرافعة المحامي أحمد سيف الإسلام حمد في قضيّة إضراب مدينة المحلّة الشهيرة في 6 نيسان/إبريل 2008 أمام محكمةِ أمن الدولة العليا طوارئ، مُوزّعة بين القولِ ببراءة مُوكِّله من تهمة المشاركةِ في احتِجاجٍ “غير مُصرّح به” و"عنيف"، والدفاعِ عن ضمانات المحاكمة العادلة، مُهاجِماً بشكلٍ خاصّ المحاكم الاستثنائيّة. وقدّم سيف الإسلام، في دفاعه المكتوب، مُذكّرتين إلى المحكمة.

ركّزت الأولى على دحض التُّهم المُوجّهة على أسسٍ منطقيّة. حيث اتّهمت النيابة العامة المُتّهم بسرقة شاشات كمبيوتر من إحدى المدارس في يوم الاحتِجاج، على أساس أدلّةٍ تزعم أنّ الشرطة وجدت تلك الأجهزة تحت سرير المُدّعى عليه وقت إلقاء القبض عليه من منزله. ردّاً على هذه الادّعاءات، اتّبع سيفُ الإسلام أسلوباً تقليدياً للمرافعة يُلقي بظلال الشكّ على مصداقيّة التهم قائلاً : “من المستحيل عملياً أن يخفي المُدَّعى عليه الشاشات تحت السرير. لنفترض أنّ الطول بين الأرضية وأسفل السرير هو 20 سم، في حين أن ارتفاع أيّ شاشة كمبيوتر لا يقلّ عن 30 سم. ولم تذكر الشرطة والادِّعاء أيّاً من تلك المقاسات في تقاريرهم، ممّا يتركنا مع العديد من الافتِراضات والشك، ولا يُمكن للشك أن يكون أساساً للإدانة".36أحمد سيف الإسلام حمد، الدفاع في القضية رقم 5498 لعام 2008. متوفّر على الرابط: qadaya.net

أمّا في مذكّرة الدفاع الثانية، فقد صاغ سيف الإسلام حججه بلغة الحقوق، ودعا إلى إحالة القضيّة إلى المحكمة الدستوريّة العليا على أساس أن إجراءات المحكمة الاستثنائيّة تنتهِك بطبيعتها حقوق المحاكمة العادلة. ويرى المحامي أحمد راغب، الذي عمل مع سيف الإسلام في ذلك الوقت، أن هذه الاستراتيجية المزدوِجة التي تهدف إلى التركيز على المصالح المباشرة للمُوكِّل وفي الوقت نفسه طرح أجندة حقوق الإنسان أمام المحكمة، كانت السِّمة الرئيسية لحياة سيف الإسلام المهنيّة. وفي مُذكَّرته حول عدم دستورية محاكم أمن الدولة، جادل سيفُ الإسلام قائلاً: “لا شيء يُبرِّر حرمان الأفراد من اللجوء إلى قضاتهم الطبيعيّين في جرائم القانون العامّ، ولا شيء يبرّر أيضاً الإفراط في استخدام المحاكمِ الاستثنائيّة التي يمكن اعتبارها اعتداءً من السلطة التنفيذية على اختصاص السلطة القضائية، وتترك أثراً سيِّئاً أوسع على تمتّع الأفراد بالحقوق والحريات".37أحمد سيف الإسلام حمد، الدفاع في القضية رقم 5498 لعام 2008. متوفّر على الرابط:  qadaya.net

ومن الشائع جدّاً أن يَستخدمَ محامو الشأن العامّ، ولا سيّما العاملون منهم في جماعات حقوق الإنسان المحلّية في مصر، المعايير َالدولية لحقوق الإنسان في دفاعهم القانوني. من ذلك مثلاً أن محامي مؤسّسة حرية الفكر والتعبير يستخدمون، وبشكلٍ مُنتظَم، المادّةَ 19 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، ونظيرتَها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في القضايا المُتعلِّقة بحريّة التعبير. وعلى سبيل المثال، عند الطعن في قرار الحكومة بفرض قيود على الخدمة الرقمية للرسائل النصيّة الجماعية من خلال إجبار المستخدمين على الحصول على تصريحٍ أمني، أشارت المؤسّسة المذكورة حين مثلت أمام القضاء الإداري إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، فرأت أن المادة 19 من العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة تحمي الحقَّ في المعرفة وحريّةَ المعلومات بطريقةٍ مُماثِلة للنص الوارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وهذا ما ينتهكُه القرار قيد الطعن، لأن الرسائل النصّيّة القصيرة هي طريقةُ تبادلٍ للمعلومات، وبالتالي إجبارُ الأفراد على الحصول على إذنٍ مسبَقٍ من السلطات قبلَ استخدام هذه الخدمة يُقيّد ممارسة هذا الحق".38دفاع مؤسّسة حرية الفكر والتعبير أمام المحكمة الإدارية في القضية رقم 1430 للسنة القضائية رقم 56. متوفّر على الرابط: afteegypt.org وحيثُ أن المُرشَّحين للانتخابات استعملوا خدمات الرسائل النصّية الجماعيّة للحملات من أجل نشر برامجهم، رأى محامو مؤسّسة حرية الفكر والتعبير أنّ في تلك القيود انتهاكاً مباشراً للحقوق المدنية والسياسية.

4.1 الحصول على التعليم القانوني والدعم المؤسسي

لا تدرج كليّات الحقوق المصرية القانون الدوليّ والمعايير الدولية لحقوق الإنسان في مناهجها،39على خلاف فروع القانون الدولي الأخرى التي بدأ تدريسها في الجامعات المصرية. وما فتئت نقابة المحامين تواجه تدخّلاً من السلطة التنفيذية، مما يُضعِف دورها في تطوير المهنة وتزويد أعضائها بفرص التدريب والخدمات المؤسّسية والتربوية الأخرى التي قد تزيد من اهتمامها وقدرتها على التعامل مع قضايا الشأن العامّ. لذلك لا يستطيع المحامون العاملون في هذا النوع من القضايا الحصول على الدعم اللازم إلا من خلال المجموعات السياسية أو منظّمات حقوق الإنسان. وعلى سبيل المثال، شجّعت المنظّمات اليسارية، مثل طليعة العمال، وغيرها،40من أمثلة ذلك المحاميان يوسف درويش وأحمد نبيل الهلالي. بين أربعينيات وسبعينيات القرن الفائت، المحامين من أعضائها على تقديم الخدمات القانونية لقواعدهم السياسية من العمال. ولعبت التربية السياسية التي قدّمتها هذه الجماعات لأعضائها دوراً رئيسياً في تشكيل أجيالٍ مختلفة من المحامين الذين الذين مارسوا المحاماة الحقوقية باعتبارها شكلاً من أشكال النشاط السياسي.41ينتمي معظم المحامين البارزين الذين أسّسوا الموجة الأولى من منظّمات حقوق الإنسان إلى النزعة اليسارية، وكان بعضهم أعضاء في منظّمات يسارية.

وقد شجّع الدور الضعيف لنقابة المحامين ولجنة الحريات التابعة لها42هي هيئة داخل المؤسّسة المُكلّفة بمهمة الدفاع عن الشأن العامّ. الأحزاب السياسية المُسجَّلة قانوناً على إنشاء هيئاتها القانونية الخاصّة، وكلّفتها بالدفاع عن أعضائها وحقوقها السياسية على نطاقٍ أوسع. ولعبت لجان الحريات في حزب التجمّع والحزب الناصري دوراً رئيسياً في تطوير محاماة الشأن العام.43بيانات لجنة الحريّات في حزب التجمّع. متوفرة على الرابط: ahewar.orgوزودت هذه الهيئات المحامين التابعين لها بأنواعٍ مختلفة من الدعم لمساعدتهم على المشاركة بنشاطٍ في هذا النوع من المحاماة. وعلى الرغم من أن المحامين المنتسبين إلى الأحزاب السياسية كانوا يقومون بعملهم دون أجر؛ فإن لجان الحريات كانت تغطّي الرسوم القانونية والإدارية وغيرها من النفقات الأساسية. كما وفّرت هذه المجموعات مساحةً للاجتماعات والمناقشات والكتب والمقالات وغيرها من مصادر أثّرت على خلفيّاتهم الفكرية ووجهات نظرهم، بل وحتى على تعاطفهم مع الفئات الاجتماعية المُستضعَفة، ولم تكن مثل هذه الموارد متاحةً للمحامين التقليديّين.

ومع ذلك، ظلّ الدعم التعليمي والمؤسّسي الذي تقدّمه الجماعات السياسية للمحامين غير كافٍ، وقد عانت تلك الجماعات من نقص المهنيّة والاتّساق. وأدّى ظهور منظّمات حقوق الإنسان في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وتبنّيها للتقاضي كاستراتيجيةٍ رئيسية في منتصف التسعينيات إلى تغيير وجه محاماة الشأن العامّ في مصر. وقد بدأ هذا الاتجاه بإنشاء مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان في عام 1994 على النحو المذكور أعلاه. وساعدت جماعات حقوق الإنسان المحامين في الاطّلاع على مجالاتٍ في القانون لم يكونوا يلمّون بها من قبل، مثل القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى الاجتهادات القضائية للمؤسّسات القانونية الدولية والإقليمية، مثل محاكم الدول الأمريكية والأوروبية لحقوق الإنسان واللجنة الأفريقية والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. كما وفّرت هذه الجماعات تدريبًا مُنتظِمًا يستهدف موظّفيها وغيرهم من المحامين المهتمين بالتقاضي في موضوعات حقوق الإنسان ومعايير المحاكمة العادلة واستقلال القضاء، بالإضافة إلى مواضيع أخرى. كما شجّعت المحامين على المشاركة في الأبحاث القانونية إلى جانب الدفاع عن موكّليهم أمام المحاكم.

وفي ظلّ ضعف مستوى التعليم القانوني في الجامعات المصرية44يعترف الأكاديميون القانونيون أنفسهم بأن التعليم القانوني في مصر في حالة سيّئة. وعلى سبيل المثال، يقول أستاذ القانون عمرو الشلقاني: إن التعليم القانوني في كليّات الحقوق المصرية قد تدهور بشكل مستمرّ منذ عام 1952 من حيث متطلّبات الالتحاق بالكليات وجودة البحث القانوني والتدريس ونقص المواد في المكتبات القانونية وتوافر مصادر قانونية موثوق بها للأبحاث. يُنظر: عمرو الشلقاني، تاريخ ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية، 4-4، 2012، متوفّر على الرابط: shorouknews.com تمّت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018. وفشل نقابة المحامين في دعم أعضائها، ساهمت منظّمات حقوق الإنسان بشكلٍ كبير في إضفاء الطابع الاحترافي على عمل المحامين المهتمّين بالشأن العامّ ورعت تطوير هويّتهم كمجموعةٍ مهنية، من خلال تزويدهم بالدعم المؤسّسي والتدريب وتطوير المهارات التي يفتقر إليها المحامون التقليديّون عادةً.

5.1 تطوير أساليب متباينة في التقاضي واستخدام منصّاتٍ قضائية مختلفة

بالإضافة إلى السعي إلى استغلال الثغرات في الإطار القانوني القائم، يسعى المحامون أيضاً إلى إصلاح هذا الإطار بأكثر من وجه، بما في ذلك تقديم تأويلاتٍ ديمقراطية وتقدّمية وليبرالية للقانون.

ويحاول المحامون كذلك اعتماد استراتيجيةٍ تقضي بأن يتمّ النظر في القضايا من قبل قضاةٍ معيّنين معروفين باحترامهم لحقوق الإنسان، أو من قبل هيئاتٍ قضائية لها تراثٌ قوي في دعم مبدأ سيادة القانون. ويفسّر هذا جزئياً السبب في أن القضاء الإداري والمحكمة الدستورية العليا في مصر هما المنبران الأكثر استخداماً من قبل هؤلاء المحامين، خاصّةً وأن القانون المصري يتيح لهم رفع القضايا على الأقل أمام القضاء الإداري بشكلٍ استباقي.45Tamir Moustafa, The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt, (Cambridge University Press 2007). حيث يمنح قانون مجلس الدولة رقم 49 لسنة 1972 بشأن القضاء الإداري الأفرادَ الحقّ في رفع دعوى ضدّ أيّ قرارٍ إداري يخالف أيّاً من حقوقهم، في حين أن المحكمة الدستورية العليا تتلقّى الدعوى المُقدّمة إليها للبت في مدى دستورية نصوص القوانين.

يرى المحامي مالك عدلي من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن المحامين المهتمّين بقضايا الشأن العامّ، مثل زملائهم من المحامين التقليديين، عادةً ما ينتظرون أن يبادر الموكّلون بطلب تمثيلهم قانونياً. إلا أنهم يتّخذون أحياناً مبادراتٍ بالبحث عن موكّلين محدّدين لتمكينهم من رفع قضايا استراتيجية في مواضيع معيّنة، غالباً ما تكون مصدر قلقٍ لمجموعةٍ محدّدة في المجتمع، مثل الصحفيّين والفنّانين والعمّال والأقليّات الدينية والطلّاب أو النشطاء. ويضيف عدلي أن المحامين أنفسهم يرفعون هذه القضايا باسمهم الخاصّ.46مقابلة مع المحامي مالك عدلي في آب/أغسطس 2018.

في عام 2010، رفع عادل رمضان، المحامي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمدير التنفيذي لذات المنظمة آنذاك حسام بهجت وآخرون، دعوى أمام محكمة القضاء الإداري ضدّ وزير الصحة ووزير العدل بعد أن أصدر الأوّل مرسوماً يفرض على الراغبين في الزواج الخضوع لاختباراتٍ طبيّة قبل الزواج على نفقتهم الخاصّة، وإدراج نتائج هذه الاختبارات في شهادة زواجهم. في هذه الدعوى استُخدِم التقاضي الاستراتيجي كأداة، حيث لم ينتظر العاملون في المبادرة أن يوكّلهم أحد المتأثّرين سلباً بالقرار، بل اعتبروا أنفسهم مواطنين مصريين متأثّرين بهذا القرار، وأقاموا القضية بأسمائهم مطالبين المحكمة بإلغاء القرار.47المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 28 كانون الأول/ديسمبر: الحكم في قضية الفحص الطبي الإجباري كشرط للزواج... المبادرة المصرية: الإجبار ينتهك حقوق الإنسان والدستور وإقراره أدّى لانتشار الشهادات المزوّرة، 2010. متوفّر على الرابط:  goo.gl تمت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.

ومن خلال مركز هشام مبارك للقانون، ومن ثمّ المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، استخدم المحامي الحقوقي البارز  خالد علي التقاضي الاستراتيجي للطعن في السياسات الرسمية القمعية والمحافظة في مجالات حقوق العمّال والحق في التنظيم.48يمكن تعريف التقاضي الاستراتيجي بأنه رفع دعوى قضائية أمام محكمة معيّنة بغرض إجراء تغيير لصالح مجموعة اجتماعية، وليس فقط لصالح طرف في القضية المعروضة أمام المحكمة. فعلى سبيل المثال، حين تمّ إقصاء العديد من الناشطين العمّاليين والنقابيين بشكلٍ تعسّفي من المشاركة في انتخابات نقابات العمّال سنة 2006، بعد تدخّل الدولة من خلال الاتحاد العام لنقابات عمّال مصر التابع للحكومة، بحث خالد علي عن موكّلين له عبر شبكاتٍ عمّالية وثيقة العلاقة بمركز هشام مبارك، وقدّم عشرات القضايا إلى محكمة القضاء الإداري، تدعو إلى إلغاء القرارات المُتعلِّقة باستبعاد المرشَّحين المذكورين لأسبابٍ تعسّفية، وإبطال القرارات الرسمية التي تتعارض مع القانون. ونتيجةً لذلك، أمر القضاء الإداري إدارة الاتحاد العامّ لنقابات العمّال بحلّ مجالس إدارات المنظمات النقابية في المناطق التي تمّ فيها استبعاد العمال بشكلٍ معيب.49المصري اليوم، 4 منظمات حقوقية تطالب «القوى العاملة» بحلّ اتحاد العمال، 2011. متوفّر على الرابط: almasryalyoum.com تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.

ولم يتوقّف عمل المحامين المدافعين عن قضايا الشأن العامّ عند تحدّي سياسات الدولة فحسب، بل تعدّاها إلى مواجهة الجهات المحافظة غير الحكومية. فتدخّلت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومركز هشام مبارك للقانون ومؤسسة حرية الفكر والتعبير في العديد من القضايا التي رفعتها شخصيّاتٌ دينية ضدّ الكتّاب والفنانين والمبدعين، مطالبةً بحظر النشر أو حجب موقع إلكتروني أو رفض منح جوائز الدولة للكتّاب تحت ذريعة حماية الآداب العامة والقيم الدينية. وعلى سبيل المثال، في عام 2009، رفعت إحدى الشخصيات الدينية المعروفة دعوى ضدّ وزير الثقافة تطالب بسحب جائزة الدولة التشجيعيّة التي مُنِحَت للكاتبين حسن حنفي وسيد القمني، بحجة أن كتاباتهما تنتهك المبادئ الإسلامية.50التدخل المقدّم من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في قضية يوسف البدري ضدّ وزير الثقافة، 2009، متوفّر على الرابط: qadaya.net وعادةً ما كان القضاء الإداريّ يقبل تدخّلات محامي حقوق الإنسان في مثل هذه الحالات، على أساس أن حقوقهم كمواطنين مصريّين ستتأثّر بقرارات المحاكم.51محمد عادل سليمان، التوسّع في الصفة لقبول دعوى الإلغاء في مصر. متوفّر على الرابط:  legal-agenda.com تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.

ومن خلال البحث عن الدعم من الأحزاب السياسيّة والمنظّمات غير الحكومية ووضع استراتيجياتٍ وممارساتٍ مُحدَّدة للتقاضي، أرسى المحامون المدافعون عن قضايا الشأن العامّ أسس هويّةٍ إيديولوجيّة وسياسية ومهنية؛ حيث يرون أنفسهم كمجموعةٍ اجتماعية-مهنية، وكحركةٍ سياسية تهدف إلى التمكين الجماعي من خلال التفاعل بين السياسة والقانون. وفي الصفحات الآتية سنعرض لتداعيات هذه الحركة على المجالين العامّ والسياسي.

الفصل الثاني: نبذة تاريخيّة عن “المحامين المشتغلين بالشأن العام” والتقاضي الاستراتيجي في مصر: مثقّفون عضويّون ودولةٌ مزدوجة

1.2 مناورة الدولة المزدوجة

لا يرتبط ظهور المحامين المشتغلين بالشأن العام في مصر فقط بكون المحامين محترفين، أو بمشاركتهم في صراعاتٍ سياسية مُكثّفة على مدى السنوات السبعين الماضية، ولكن أيضاً بطبيعة الأجهزة والمؤسّسات القانونية والبيروقراطية في مصر، وعلى وجه الخصوص بتطوّر القانون الحديث كأساسٍ إيديولوجي للدولة. فمنذ إنشاء المؤسّسات القانونية الحديثة في القرن 19، كانت مجموعة المؤسّسات التي تتألّف من الأجهزة الأمنية والمحاكم الاستثنائية والمحاكم العادية الخاضعة لسيطرة السلطة التنفيذية هي من يُحكِم قبضته على المجال العام. وفي معرض مناقشته للنظام القانوني في ألمانيا النازية، وصف المحامي الألماني أرنست فراينكل هذا الجهاز القمعي بـ"دولة الصلاحيّات"، وفي مصر يمكن اعتباره أحد وجهي الدولة، في مقابل الوجه الآخر الذي يمكن تسميته بـ"دولة القانون"؛52تمّ تقديم مفاهيم الدولة الامتيازية والدولة المعيارية من قبل العالم الألماني أرنست فراينكل في دراسته للنظام القانوني في إطار الرايخ الثالث. أنظر:Ernst Fraenkel, The Dual State: A Contribution to the Theory of Dictatorship (The Lawbook Exchange 2010). ويتكوّن من هيئاتٍ قضائية تحافظ على درجةٍ معيّنة من احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، ويمثّله في السياق المصري القضاء الإداريّ والمحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض بدرجاتٍ محدودة.53Tamir Moustafa, 'Law and Resistance in Authoritarian States: The Judicialization of Politics in Egypt' in Tom Ginsburg and Tamir Moustafa (eds), Rule by Law: The Politics of Courts in Authoritarian Regimes (Cambridge University Press 2008) 132–155. وقد تمّ استخدام “دولة القانون” هذه من أجل خلق بيئةٍ يمكن التنبؤ فيها بتصرفات الدولة القانونية لتحقيق درجةٍ معيّنة من الثقة والاستقرار.

إنّ الطبيعة المزدوجة لمؤسّسات الدولة، التي درسها فراينكل في سياق تحليله للنظام القانوني لدولة الرايخ الثالث، هي سمةٌ رئيسية لكثيرٍ من الدول السلطويّة، بما في ذلك مصر.54على الرغم من تحليل هذه الثنائية للمرّة الأولى في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين؛ فإنّ نظرية أرنست فراينكل تزامنت وتعمّقت مع تحليل اثنين من المنظّرين الماركسيين المهمّين، اللذين ركّزا على آليات الدولة للهيمنة في القرن العشرين. حيث استخدم أنطونيو غرامشي ثنائيات القوة مقابل القبول، والدولة مقابل المجتمع المدني، من بين أمور أخرى لشرح كيف استطاعت الدول الغربية تحقيق الهيمنة على الجماهير. ومن ناحية أخرى، قدّم لويس التوسير نظرية إعادة إنتاج النظام الرأسمالي من خلال ازدواجية أجهزة الدولة القمعية مقابل أجهزة الدولة الإيديولوجية والقانون والمؤسسات القانونية في ظلّ الانقسام الإيديولوجي. ولم تطبّق الأنظمة المُتعاقِبة في مصر هذه الازدواجية عن قناعةٍ حقيقية بحكم القانون كقيمةٍ في حدّ ذاتها؛ ولكن كضرورةٍ سياسية واقتصادية لتحقيق مركزيّة مؤسّسات الدولة، وتحقيق أقصى قدرٍ من الفعالية،55Khaled Fahmy, 'Justice, Law and Pain in Khedival Egypt' in Baudouin Dupret (ed), Standing Trial: Law and the Person in the Modern Middle East (I.B.Tauris 2004) 85–115. والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وتجنّب الانتقادات الدولية، وكسب الشرعية الداخلية من خلال إعطاء الانطباع بأن السلطة القضائية لم تتأثّر بقمع الدولة.56Tamir Moustafa, The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt (Cambrige University Press, 2007). وقد أفسحت هذه الازدواجية مجالاً أمام المحامين الحقوقيّين للمناورة والنضال من أجل الحقوق الأساسيّة، أو من أجل مصالح الجماعات المهمّشة والضعيفة أمام المحاكم التي تنتمي إلى “دولة القانون".57Tamir Moustafa, Public Interest Litigation and the Egyptian Movement. in Anthony Tirado Chase and Amr Hamzawy (eds), Human Rights in the Arab World: Independent Voices (University of Pennsylvania Press c2006), p. 158.

وللمحافظة على دوره الرأسمالي، لم يستطع جهاز الدولة المصرية التضحية بهامش سيادة القانون، على الأقلّ بين مرحلة أنور السادات (1970) والانقلاب العسكري تحت قيادة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي (يوليو 2013). وعلى الرغم من الصلاحيّات الواسعة التي تتمتّع بها الأجهزة الأمنية، مثل جهاز مباحث أمن الدولة الذي أُطلِق عليه بعد عام 2011 اسم “جهاز الأمن الوطني"، والمحاكم الاستثنائية مثل محاكم أمن الدولة طواريء، والقيود الصارمة المفروضة على أيّ نوع من المعارضة؛ فقد دعمت بعض الهيئات القضائية سيادة القانون إلى حدٍّ ما، ممّا مكّن الأنظمة المتعاقبة من صياغة أجندةٍ رأسمالية مصحوبة بقمعٍ سياسي واجتماعي محسوب.

وسط هذا القمع كلّه، رفع محامون مصريّون قضايا ضدّ القرارات الإدارية التي تنتهك حقوق الإنسان، وتحدّوا دستوريّة التشريعات القمعيّة أمام المحكمة الدستورية. وقد اعتمدت الأنظمة الحاكمة المُتعاقِبة على محاميها لتبرير الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد الاجتماعي والسياسي وخدمة مصالح النخبة الحاكمة، والحِفاظ على الأعراف الدينية والثقافية والاجتماعية. وبالمقابل، كان بإمكان الطبقات الاجتماعية المُستضعَفة، كالعمال والفلاحين وغيرهم من الجماعات، مثل الأقلّيات الدينية ومجتمع المثليّين والعابرين جنسيًا ومزدوجي الميل الجنسي والنساء، الوصول إلى المحامين المُتعاطِفين الذين اختاروا دعم نضالاتهم من خلال تقديم المساعدة القانونية التقنية. وقد دافع هؤلاء المحامون عن حقوق العمال في الإضراب والأجور العادلة والنقابات المُستقلّة، ومثّلوا المُلحدين والشيعة والأقباط وغيرهم من الأفراد الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب الانحراف عن الأعراف الدينية المقبولة في المجتمع المصري. وفي هذه الحالات كلّها، استخدم المحامون القانون كسرديةٍ مضادّة تقف في مواجهة تقييد الحريّات الأساسية تحت ذريعة حماية الأمن القومي والملكيّة الخاصّة والقيم العامّة والدينية.

ولم تمنع حالة الطوارئ التي طال أمدها في مصر منذ إنشاء المؤسّسات القانونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، والقبضة الحديدية الدائمة للدولة على الحقوق والحريّات الفردية، من إنشاء هيئةٍ مستقلّة كالقضاء الإداري في عام 1946، الذي يختصّ بمراقبة إساءة استعمال السلطة من قبل الجهات الإدارية، بما في ذلك الشرعية القانونية لقرارات الحكومة الإدارية، ومن بينها تلك المُرتبِطة بحلّ الأحزاب السياسية والرقابة وغيرها.58Nathan J. Brown, The Rule of Law in the Arab World: Courts in Egypt and the Gulf (Cambridge University Press 2007) p. 73.

ويمكن فهم السلطة الواسعة التي مُنحت للقضاء الإداري في ضوء السياق الاجتماعي والسياسي لأربعينيات القرن العشرين، التي اعتُبِرت السنوات الذهبيّة للحركات الاجتماعية المصرية.59طارق البشرى، الحركة السياسية في مصر 1945-1952، الطبعة الثانية، دار الشروق، 2002، ص 81-144. حيث استطاعت التنظيمات السياسية والاجتماعية، مثل نقابات العمّال والطلاّب والأحزاب السياسية، بما فيها المنظّمات الماركسية وحزب الوفد الليبرالي وجماعة الإخوان المسلمين، أن تعمل بحريّة وأن تتحدّى بنجاح محاولات الحكومة لتقييد أنشطتها.60المرجع السابق.

إلاّ أن هذا العصر الذهبي انتهى في 23 تموز/يوليو 1952، عندما أطاحت مجموعةٌ من ضبّاط الجيش، ومن بينهم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، بالملك، واستولت على السلطة وعلّقت العمل بالدستور.61طارق البشرى، الديمقراطية ونظام 23 تموز/يوليو 1952-1970، الطبعة الأولى، مؤسّسة البحث العربي، 1987، ص 66-84. وتمّ إلغاء كافّة مظاهر الحياة الديمقراطية، بما في ذلك الأحزاب السياسية والنقابات العمّالية والبرلمان ووسائل الإعلام الحرّة، بحجّة حماية الأمن القومي. وأثّرت هذه التطورات سلباً على مصالح الطبقة الرأسمالية، حيث هرب الاستثمار الأجنبي من البلاد، وسرعان ما أعقب التأميمُ الاقتصادي القمعَ السياسي.

ثمّ جاء الرئيس أنور السادات، الذي تولّى الرئاسة بعد وفاة عبد الناصر في عام 1970، ليواجه صعوباتٍ سياسيّة واقتصادية كبيرة، بدت معها السلطة الممنوحة للأجهزة الأمنية وفسادها المستشري وكأنها تهدّد وجود النظام ذاته.62Tamir Moustafa, 'Law and Resistance in Authoritarian States: The Judicialization of Politics in Egypt' in Tom Ginsburg) (Cambridge University Press 2008) 132–155. وكان على السادات التحرّك في ظلّ انسحاب المستثمرين الدوليين والإقليميين من البلاد بسبب سياسة التأميم خلال الخمسينيات والستينيات،63المرجع السابق. وتطلّع جماعات المعارضة إلى الديمقراطية والتعدّدية السياسيّة بعدما تعرّضت للاضطهاد بشدّة خلال عهد عبد الناصر.64Hossam el-Hamalawy, Egypt's hidden history of dissent. The New Arab, 2015. Available at: alaraby.co.uk

وللتعامل مع هذه العقبات أحيا السادات سياسة “الدولة المزدوجة"؛ حيث مكّن القضاءَ الإداري من السيطرة على فساد الأجهزة الإدارية،65Tamir Moustafa, 'Law and Resistance in Authoritarian States: The Judicialization of Politics in Egypt' in Tom Ginsburg) (Cambridge University Press 2008). وأنشأ المحكمة الدستورية العليا لإقناع المستثمرين بأن مصر ستحافظ على سيادة القانون وتحمي حقوق الملكيّة الخاصة ضدّ مخاوف التأميم. ثُمّ صدّقت السلطات المصرية، خلال ثمانينيات القرن العشرين، على العديد من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان،66OHCHR, Status of Ratification Interactive Dashboard. Available at: indicators.ohchr.org وقد صدّقت مصر على العهدين الدوليين في عام 1982، وعلى اتفاقية مناهضة التعذيب في عام 1986، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 1981. ولكنها احتفظت في الوقت نفسه بحالة الطوارئ، وبقي المعارضون عرضةً للاعتقال الإداري والمثول أمام محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية.67Nathan J. Brown, p. 98.

2.2 المحامون المدافعون عن الشأن العامّ بوصفهم “مثقّفين عضويّين"

يعرّف أنطونيو غرامشي في “دفاتر السجن” المثقّف العضوي بأنه:68قدّم المفكّر الماركسي الثوري الإيطالي أنطونيو غرامشي مصطلح “المثقّف العضوي” للإشارة إلى الأفراد الذين يقدّمون إلى طبقاتهم أو جماعاتهم الاجتماعية التي ينتمون إليها الوعي والتمكين في المجال الاقتصادي وكذلك على المستويين الاجتماعي والسياسي. انظر: Valeriano Ramos, Jr, The Concepts of Ideology, Hegemony, and Organic Intellectuals in Gramsci’s Marxism, 1982. Available at: marxists.org تمّت زيارته في 1 كانون الأول/ديسمبر 2018. “كلّ جماعةٍ اجتماعية تظهر إلى حيّز الوجود في عالم الإنتاج الاقتصادي، حيث تؤدّي وظيفتها الجوهرية، تخلق معها عضويّاً شريحةً أو أكثر من المثقّفين، تمنحها التجانس والوعي بوظيفتها، لا في الميدان الاقتصادي وحده، بل في الميدانين الاجتماعي والسياسي أيضاً. فالمُنظِّم الرأسمالي يخلق إلى جانبه الفنّيَّ في الصناعة، والمتخصّصَ في الاقتصاد السياسيّ، ومؤسّسي الثقافة الجديدة، ومبدعي النظام القانوني الجديد"69أنطونيو غرامشي، مختارات من دفاتر السجون، ElecBook 1999. ص 134-135.. في خضمّ التناقضات التي ميّزت النظام القانوني المصري، لعب المحامون المصريّون دور “المثقّف العضوي"70يُنظر: المرجع السابق. ولا يقتصر هذا على المحامين الذين يمثّلون المجموعات الضعيفة، ولكن يشمل أيضاً المحامين الذين يقفون إلى جانب الطبقات الغنية. الذي يمثّل مصالح شرائح اجتماعية معيّنة، ويمدّها بالمعرفة القانونية التقنيّة التي تحتاج إليها لتحقيق أهدافها.

2.2. أ. تمثيل الحركات العمّالية وتحفيزها: الجيل الأوّل من المحامين المدافعين عن الشأن العامّ (1940-1970)

اعتمدت العديد من الحركات الاجتماعية في مصر على المحامين المدافعين عن الشأن العامّ للحصول منهم على الخبرة الفنيّة اللازمة لاعتراف الدولة بمطالبها، أو لمنحها الأدوات اللازمة للحفاظ على كفاحها ضدّ الاستغلال والقمع. واعتمدت المنظّمات السياسية على أعضائها من المحامين للحفاظ على العلاقات الوثيقة مع قواعدها الداعمة من خلال تقديم المساعدة والمشورة القانونية. وكان هذا واضحاً في العلاقة بين الحركة الشيوعية المصرية ونقابات العمّال في أربعينيات القرن العشرين. فعلى سبيل المثال، اعتمد النقابيان البارزان محمود العسكري وطه سعد عثمان، والقياديّان في تنظيم “طليعة العمّال"، أحد أكثر المنظّمات السياسية نشاطاً في الأربعينيات، على عددٍ من المحامين، ليس لتمثيل العمّال في المحاكم المختلفة في قضايا العمل فحسب، وإنما لرفع وعي العمّال بحقوقهم وحريّاتهم أيضاً.

ووفق رواية المحامي الماركسي البارز يوسف درويش، فقد طلب منه القياديّان تمثيل نقابات عمّال النسيج في منطقة شبرا الخيمة. وفي شهادته أمام لجنة توثيق الحركة الشيوعية في مصر، قال درويش إنّه قد مثّل بالفعل، خلال مرحلة الأربعينيات، حوالي نصف النقابات العمّالية في مصر، والتي كانت تبلغ 170 نقابة. وذكر أن دوره كان يتجاوز نطاق التمثيل القانوني إلى تنظيم محاضراتٍ عن التشريعات المُتعلِّقة بالحق في العمل والنقابات. وتعاون درويش مع يساريّين من أمثال محمد يوسف المدرّك وغيره في تأسيس منظّمةٍ غير حكومية، هي “دار الخدمات النقابية"،71لجنة توثيق الحركة الشيوعية حتى عام 1965، العمّال في الحركة الشيوعية المصرية حتى عام 1965، 2001، ص 8-20. مرجع سبق ذكره. يجب الانتباه إلى أن دار الخدمات النقابية المقصودة هنا تختلف عن دار الخدمات النقابية التي أنشأت في القاهرة عام 1990 ويديرها النقابي السابق والحقوقي كمال عباس. لتقديم المساعدة القانونية للعمّال. وكتب درويش خلال عمله في هذه المنظّمة غير الحكومية كتاباً قصيراً عن حقوق العمّال فيما يتعلّق بإصابات العمل.

تلقّى يوسف درويش تعليمه في فرنسا، وتمّ تسجيله كمحامٍ أمام المحاكم المختلَطة في مصر، التي كانت لها الولاية القضائية على القضايا التي كان الأجانب يُشكِّلون طرفاً فيها. والحال أن معظم أرباب العمل في مصر في أربعينيات القرن الماضي كانوا أجانب، ممّا أجبر العمّال على اللجوء إلى المحاكم المُختلَطة في النزاعات مع أصحاب العمل. ولكن دار الخدمات النقابيّة أصدرت في عام 1944 تعليماتها لدرويش بدراسة القانون في مصر ليتمكّن من الممارسة أمام المحاكم الأهلية، التي كانت تختصّ بالقضايا التي تكون فيها جميع الأطراف من المصريين، وتمثيل عمّال الشركات المملوكة لمصريّين.72المرجع السابق. لقد حافظ درويش على كفاحه الشيوعي من خلال دعم الطبقة العاملة، ولكن النظام الناصري أجبر العديد من النقابات، خلال حملته على المعارضة والنقابات العمّالية المستقلّة في الخمسينيّات، على سحب قضاياها من مكتب درويش.73Joel Beinin, 'Labor, Capital, And The State In Nasserist Egypt, 1952–1961', 1989, 21 International Journal of Middle East Studies. P. 75.

مثال آخر للمحامي الشيوعي الذي استخدم المحاماة لتعزيز معتقداته السياسية، وكذلك لخدمة الحركات الديمقراطية والاجتماعية الأوسع، هو أحمد نبيل الهلالي. يُعتبر الهلالي واحداً من أهمّ المحامين في تاريخ نقابة المحامين منذ تأسيسها في عام 1912. حيث ركّز على تمثيل العمّال المُستضعَفين في نزاعاتهم القضائية مع أصحاب العمل، كما حقّق تقدّماً غير مسبوق في الترافع في مجال الحقوق المدنية والسياسية نيابةً عن أعضاء المعارضة، سواء أكانوا ينتمون إلى التيار الشيوعي أم إلى مجموعاتٍ سياسيّة أخرى، بمن فيهم الإسلاميون. كما دافع عن الحق في الإضراب أثناء إضراب عمّال السكك الحديدية في عام 1986، وعن الحق في محاكمةٍ عادلة وإنهاء التعذيب في محاكمة المتّهمين باغتيال رئيس البرلمان السابق رفعت المحجوب وبالانتماء إلى جماعةٍ إسلامية مُسلّحة.74مرافعة أحمد نبيل الهلالي في قضية اغتيال رفعت المحجوب. متوفّرة على الرابط: qadaya.net واتُّهِم الهلالي فيما بعد من قبل رفاقه الشيوعيين بدعم الإرهاب بسبب دفاعه عن الإسلاميين، ولكنه ردّ، قبل سنةٍ واحدة من وفاته، على منتقديه في مؤتمرٍ عامّ بطريقةٍ توضّح أنه كان يدرك دوره السياسي كمحامٍ.

قال الهلالي: “إنّ موقفي بدايةً ينطلق من إيماني العميق الذي لا يتزعزع يوماً ولن يتزعزع دوماً بأنه في مجال حقوق الإنسان لا مكان للانتقائية في المواقف والازدواجية في المكاييل. فهناك فقط موقفٌ مبدئي واحد وأصيل هو الدفاع عن حقوق كلّ إنسان –أي إنسان– أيّاً كانت عقيدته الدينية أو اعتقاده السياسي أو منطلقه الإيديولوجي. الدفاع عن الإنسان المجرَّد، وليس الإنسان المصنَّف الذي يشاركني الانتماء والتوجُّهات. وفي مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، فإنّ المعيار الأوحد الذي يحدّد من هو الإنسان هو إنسانيّته وليس دينه أو لونه السياسي أو إيديولوجيته. وأنا لم أتوصّل إلى هذه القناعة باختيارٍ فكريّ فحسب؛ وإنما هذه القناعة تولّدت لديّ من دروس الحياة التي تؤكّد أن التغاضي أو السكوت عن أدنى انتهاكٍ لحريّات الآخرين، حتى لو كانوا منافسين سياسيين أو خصوماً سياسيين أو حتى أعداءً سياسيين، هو سهمٌ لابدّ أن يرتدّ إلى صدر المُتغاضي لأنّه يسهّل على الدولة البوليسية إرساء قاعدةٍ سرعان ما تُعمَّم على الجميع، وتكريس نهجٍ سرعان ما تصيب لعنته الجميع".75موقع البداية، كلمة أحمد نبيل الهلالي في مؤتمر لنقابة الصحفيين المصريين. متوفر على الرابط: albedaiah.com

2.2.ب. المحامون المشتغلون بالشأن العام من خلال لجنة الحريّات: تعزيز مجتمع ما قبل حركة حقوق الإنسان (1970-1990)

على عكس الجيل السابق من المحامين الذين مارسوا هذه المهنة بطريقةٍ إيديولوجية لدعم حركاتهم اليسارية ومدّ الجسور نحو قاعدة دعم العمّال والنقابيّين؛ مارست أجيال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي المحاماة بطريقةٍ قائمة على التنسيق بين التيارات السياسية المختلفة من خلال البحث عن القواسم المشتركة مع الآخرين في المعارضة لتحدّي قمع الحكومة الذي طال الحركات السياسية جميعها. وبعبارةٍ أخرى، قامت اتجاهاتٌ سياسية مختلفة، ولا سيّما اليسار الماركسي والتيّار الناصري، بتنسيق مواجهاتها مع الدولة من خلال الدفاع في القضايا التي تمس الشأن العامّ، والعمل على الحالات التي تؤثّر على جميع المجموعات السياسية ضمن الطيف السياسي الداعم للحقّ في المحاكمة العادلة وحرية التعبير، والدفاع عن معارضي التطبيع مع إسرائيل.76المرجع السابق. وقد مهّدت حملة النظام على جميع أشكال المعارضة وسيطرته على البرلمان واستخدام قانون الطوارئ وتجريم إضرابات العمّال وفرض الحظر على النقابات المهنية، الطريق أمام المحامين للعمل معاً في حالاتٍ مختلفة.77المرجع السابق.

في عام 1970، صعد الرئيس السادات إلى السلطة مصحوباً باحتجاجات الطلّاب والعمّال واعتقالاتٍ جماعية ضدّ أعضاء المعارضة بين عامي 1972 و1975. وقلّصت السياسات الاقتصادية للنظام، المعروفة باسم “سياسة الانفتاح"، دور الدولة في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكّان مع خلق مناخٍ مُرحِّب بالرأسمالية. وتُوِّج الغضب الشعبي من سياسات الحكومة باحتجاجاتٍ جماهيرية في 18 و19 كانون الثاني/يناير 1977 ضدّ قرار الرئيس بزيادة أسعار السلع الأساسية.78جريدة الاشتراكي: 18 و19 يناير 1977.. دروس الانتفاضة، متوفّر على الرابط:  revsoc.me أثار هذا القرار موجةً جديدة من الاحتجاجات على الرغم من حظر نظام عبد الناصر القديم جميع وسائل المعارضة السياسية، بما في ذلك النقابات وأحزاب المعارضة أو منظمات المجتمع المدني. وواجه مُنظِّمو الاحتجاجات والمتظاهرون عام 1977 ردّة فعلٍ قوية، وتمّ اعتقال العديد منهم. ويقول المحامي أحمد قناوي إنّ نقابة المحامين لعبت دوراً مهمّاً في تنسيق الدفاع القانوني من خلال لجنة الحريّات التي أنشأها محامون مهتمّون بالقضايا المُتعلِّقة بحرية الرأي.79مقابلة مع المحامي أحمد قناوي، في 25 آب/أغسطس 2018.

واستمرّت لجنة الحريّات في تمثيل المُدّعى عليهم في القضايا السياسية خلال الثمانينيات والتسعينيات. وقد دافع أعضاء اللجنة عن العمّال والناشطين اليساريين في عام 1989 بعد أن أنهت الشرطة قسراً اعتصاماً عمّالياً في شركة الحديد والصلب، وقتلت العامل عبد الحي محمد السيد.80صلاح الأنصاري، اعتصام عمال الحديد والصلب 1 أب/أغسطس 1989، الحوار المتمدن، العدد: 2676. متوفّر على الرابط:  ahewar.org  تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.

يقول المحامي محمود قنديل إن العصر الذهبي للجنة الحريّات امتدّ من انتفاضة عام 1977 حتى أوائل التسعينيات. ويضيف: “خلال الثمانينيات، كان محامون بارزون معروفون بنشاطهم السياسي مثل أحمد نبيل الهلالي وعصمت سيف الدولة وفريد ​​عبد الكريم، نشطين بشكلٍ خاصّ في لجنة الحريّات". وبينما كان محامو اللجنة في بعض الأحيان يتناولون قضايا العدالة الاجتماعية، مثل دعم عمّال السكك الحديدية عام 1986 وعمّال الحديد والصلب في عام 1989، فإنّ هؤلاء، كما يؤكّد قنديل، ركزوا بشكلٍ رئيسي على قضايا ذاتٍ طبيعةٍ قومية، مثل تقديم المساعدة القانونية للمتظاهرين ضدّ التطبيع السياسي مع إسرائيل.81مقابلة مع محمود قنديل في 15 آب/أغسطس 2018.

وبالإضافة إلى هذه الحالات، استجابت لجنة الحريّات للتطوّرات السياسية العاجلة في ذلك الوقت، وخاصّةً حركة طلاب الجامعات في عام 1982، ضد لائحة الاتحادات الطلابية التي أصدرها الرئيس السادات عام 1979. ويؤكّد قنديل أن أعضاء لجنة الحريّات مثلّوا قادة حركة الطلاب المُحتجّين على اللوائح. وكان أمير سالم وعبد الله خليل من بين المحامين المشتغلين في هذه الأحداث. ليس هذا فحسب، بل إنّ الطلاب النشطاء كانوا يعقدون اجتماعاتهم في مقرّ نقابة المحامين، ما شجّع بعضهم على أن يصبح محامياً بعد تخرّجه من كليّات الحقوق. وكان من بين هؤلاء الطلاب هشام مبارك، الذي أسّس “مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان” في العقد التالي، ليكون مؤسّس أوّل منظّمةٍ لحقوق الإنسان تستخدم المساعدة القانونية كاستراتيجيةٍ مركزيةٍ لعملها في عام 1994.82المرجع السابق.

على أن دور لجنة الحريات في نقابة المحامين بدأ يضعف تدريجياً بسبب تزايد تدخّل الدولة ومحاولات السيطرة عليها. وفرضت الإدارات المختلفة لنقابة المحامين، سواء أكانت مؤيّدة للحكومة أم لجماعة الإخوان المسلمين، قيوداً على اللجنة لمنع المحامين الذين ينتمون إلى جماعاتٍ سياسية متنافسة من استخدامها كمظلّةٍ لدعم الحركات الاجتماعية أو جماعات المعارضة، أو كقاعدةٍ لمواجهة سياسات الدولة القمعية.83مقابلة مع أحمد قناوي في 25 أيلول/سبتمبر 2018. واستغلّت الدولة الصراع بين الإخوان المسلمين ونقيب المحامين الأسبق، أحمد الخواجة للسيطرة على إدارتها. بينما قام الإخوان المسلمون بعزل المعارضين الآخرين للحكومة، فشنّوا على سبيل المثال حملةً ضدّ انتخاب المحامي أحمد نبيل الهلالي لمجلس إدارة النقابة عام 1992، بزعم أنه شيوعي يتبنّى وجهات نظرٍ مثيرة للجدل فيما يتعلّق بقناعاته الدينية، بعد أن كان عضواً مُنتخباً في كلّ مجالس إدارة النقابة المُتعاقِبة بلا انقطاع منذ عام 1968 إلى عام 1992.

وفي وقتٍ لاحق، وضعت الدولة النقابة تحت الحراسة القضائية بعد قرارٍ المحكمة بإلغاء نتائج انتخابات 1992 وتعديل قانون المحاماة رقم 17 لعام 1983، لتمرير إدارة النقابات إلى لجنةٍ قضائية تتكوّن من رئيس محكمة استئناف القاهرة وستة أعضاء. كما أصدر البرلمان القانون رقم 100 لعام 1993 الذي يمنح الجهاز التنفيذي سلطةً مطلقة على النقابات المهنيّة بحجّة مكافحة سيطرة الإخوان المسلمين على هذه النقابات.84خالد علي عمر، النقابات العمّالية: محاولة للفهم، مركز هشام مبارك، متوفّر على الرابط: drive.google.com تمّ الدخول إليه في 20 أيلول/سبتمبر 2018. وجاءت هذه التطوّرات بالتوازي مع الدعاية الحكومية حول حاجة النقابات المهنية إلى التركيز على مشكلات المهنة المعنيّة دون ممارسة أيّ عملٍ سياسي. وبحلول ذلك الوقت، أصبح من الواضح أن المساحة المُتاحة للمحاماة من خلال لجنة الحريّات كانت تتآكل بشكلٍ كامل، الأمر الذي شجّع المحامين الناشطين على تطوير عمل حركة حقوق الإنسان المُنشأة حديثاً، من خلال تبنّي التقاضي كاستراتيجيةٍ مركزيّة للتعامل مع القضايا المُتعلِّقة بالحركات الاجتماعية، والمواجهة مع الدولة في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية85مقابلة مع أحمد قناوي في 25 آب/أغسطس 2018، ومحمود قنديل في 15 آب/أغسطس 2018..

2.2. ج. المحامونالمشتغلون بالشأن العام في صلب حركة حقوق الإنسان (1990-2013)

شهدت الفترة من 1985 إلى أوائل التسعينيات تدهوراً حادّاً في أوضاع حقوق الإنسان، وسط تصاعد العنف بين الدولة والجماعات الإسلامية المُسلّحة.86ياسمين شاش، مولد وتطوّر وتحديات الحركة الحقوقية في مصر، مبادرة الإصلاح العربية، 2017. متوفّر على الرابط: arab-reform.net تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018. أصبح التعذيب منهجياً ومنتشراً، ونفّذت أجهزة الأمن عمليّات إعدامٍ خارج نطاق القانون، وأُحيلت معظم القضايا الحسّاسة سياسياً إلى محكمة أمن الدولة العليا والمحاكم العسكرية بدلاً من المنابر القضائية العادية. كما استخدمت الدولة أوامرَ الاعتقال الإداري من قبل ضبّاط الشرطة ضدّ السجناء السياسيين والمعتقَلين العاديين، متجاهلةً قرارات القضاء.87منظّمة العفو الدولية، مصر: حان وقت العدالة: نظام الاعتقال البغيض في مصر، 2011. متوفّر على الرابط: amnesty.org تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018. وشهد هذا العقد انهيارَ الاتحاد السوفييتي، ممّا أثّر على الحركات اليسارية المصرية،88ياسمين شاش، مرجع سابق. وأثار الكثير من المناقشات حول مواضيعَ مثل حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وبرزت الحاجة لتبنّي مقاربةٍ جديدة لممارسة المعارضة السياسية خارجَ الإطار التنظيمي التقليدي للمنظّمات اليسارية. وشكّلت هذه التطوّرات الخلفيةَ السياسية والاجتماعية لظهور الموجة الأولى من منظّمات حقوق الإنسان، مع إنشاء المنظّمة العربية لحقوق الإنسان في عام 1985 والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان في عام 1989.89المرجع السابق.

وركّزت المنظّمة المصرية لحقوق الإنسان على رصد حالة حقوق الإنسان، وإحالة الشكاوى الواردة إلى الهيئات الحكومية ذات الصلة.90المرجع السابق. وعلى الرغم من أنّ المنظّمة ضمّت في ذلك الوقت بعض المحامين المدافعين عن قضايا الشأن العام بين موظّفيها وشبكة علاقاتها، إلا أنها لم تركّز على التقاضي أو تزويد الضحايا بالمستشارين القانونيين، بل ركّزت عوضاً عن ذلك على مراقبة المحاكمات، والإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان، مثل استخدام محاكم الطوارئ والاعتقال الإداري.

في عام 1993، أنشأ عددٌ من الأطباء مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، لتقديم الدعم الطبي والقانوني لضحايا التعذيب. وقام المركز من خلال وحدته القانونية بتمثيل ضحايا التعذيب أمام المحاكم ودعمهم بالاستشارات الفنّية المجّانية التي استخدموها في التقاضي.

وكما نوّهنا سابقاً، كان أوّل من استخدم التقاضي كاستراتيجيةٍ مركزيّة هو مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان. وعلى عكس الأجيال السابقة من المحامين، ركّز المركز على تقديم تلك المساعدة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان عن طريق محامين محترفين بأجر، واعتمد على تمويلٍ أجنبي لضمان الاستدامة لعمله.91Tamir Moustafa, Public Interest Litigation and the Egyptian Movement. in Anthony Tirado Chase and Amr Hamzawy (eds), Human Rights in the Arab World: Independent Voices (University of Pennsylvania Press c2006), P. 158.

قدّم مركز المساعدة القانونية تمثيلاً قانونياً لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في أكثر من 3000 قضيّة بين عامي 1994 و1997.92المرجع السابق. كما كان أوّل منظّمة غير حكومية تستخدم التقاضي الاستراتيجي لتغيير سياسات الدولة برفع دعاوى أمام المحكمة الدستورية العليا. فمن خلال تلك الاستراتيجية، تناول المركز التغييرات القانونية التي من شأنها التأثير بشكلٍ مباشر على مجموعاتٍ اجتماعيّة وسياسية بأكملها وتمتّعها بحقوق الإنسان، وليس فقط حماية المصلحة المباشرة للموكل. كما ساهم المركز في الدعاوى المرفوعة أمام المحكمة الدستورية العليا لإسقاط المادة 195 من قانون العقوبات،93المرجع السابق، ص 159. التي كانت تُعاقِب رؤساء تحرير الصحف على جرائم ارتكبها صحفيون آخرون يعملون في الجريدة أو المجلّة. واعتبرت المحكمة الدستورية أن هذه المادة تنتهك مبادئ افتراض البراءة والمسؤولية الجنائية الفردية.94المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 59 لسنة 18 قضائية. كما شارك المركز في قضايا تتعلّق بالعمّال والنقابيّين بالطعن على قانون النقابات العمّالية رقم 35 لعام 1976.95تامر مصطفى، دعاوى المصلحة العامة والحركة المصرية. المرجع السابق نفسه. وفي شباط/فبراير 1998، حكمت المحكمة الدستورية العليا لصالح المركز في القضية رقم 77 للسنة القضائية 19 بخصوص المادة 36 (ج) من القانون، بمخالفتها للدستور لأنها تحرم عضو النقابة العمّالية من الترشّح في الانتخابات لشغل مناصب إدارية، إذا كانت عضويّته في النقابة لم يمر عليها أكثر من عام.96المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 77 لسنة 19. متوفّر على الرابط: hrlibrary.umn.edu وجاء في قرار المحكمة: “هذا الشرط يقيّد حرية التعبير وحق العمال في اختيار ممثّليهم من دائرةٍ أوسع من المرشّحين والطبيعة الديمقراطية للنشاط النقابي وحريّة تكوين الجمعيّات، وبالتالي ينتهك المواد 47 و54 و56 من الدستور".97المرجع السابق.

لقد ألهم مركز المساعدة القانونية إنشاء منظّمات أكثر تخصّصاً، مثل مركز قضايا المرأة المصرية في عام 1995، الذي ركّز على حقوق الإنسان للمرأة، ومركز الأرض لحقوق الإنسان في عام 1996، الذي عمل على حقوق الفلاحين، وجمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء.98Tamir Moustafa, ‘Public Interest Litigation and the Egyptian Movement’. p. 158.

وفي عام 1999 تشكّلت منظّمةٌ جديدة لمحاماة الشأن العامّ، حيث أسّس المحامي البارز أحمد سيف الإسلام مع جاسر عبد الرازق وآخرين من العاملين في مركز المساعدة القانونية مركزَ هشام مبارك للقانون. وبات المركزُ المنظّمةَ غيرَ الحكومية الرئيسية لحقوق الإنسان التي تقدّم المساعدة القانونية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الحقوق المدنية والسياسية وحقوق العمّال في العقد الأول من الألفية.

كما ألهم مركز هشام مبارك للقانون عدداً من المحامين والناشطين الذين عملوا أو تعاونوا مع المركز لإطلاق المزيد من المنظّمات المتخصّصة. ففي عام 2002، أسّس الناشط والصحفي حسام بهجت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لدعم أعضاء الجماعات المُضطهدة، مثل مجتمع الميم (المثليّات والمثليّون ومزدوجو الميل الجنسي والمتحوّلون جنسيّاً)، من خلال إمدادهم بالدعم القانوني المباشر في المحاكمات الجنائية. كما تخصّصت المبادرة المصرية في دعم الأقليّات الدينية، ليس فقط من خلال تقديم المساعدات الفردية، ولكن الأهم من ذلك من خلال التقاضي الاستراتيجي، الذي نجح، على سبيل المثال، في ضمان الاعتراف القانوني الجزئي بالأقليّة البهائية الدينية.99مقابلة مع المحامي عادل رمضان.

وفي عام 2004، بدأت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، بقيادة المحامي الحقوقي جمال عيد، عملها كمنصّةٍ رقميّة في لإصدار منشورات منظّمات حقوق الإنسان الأخرى، ثمّ صارت تقدّم مشورةً قانونية للصحفيين والمدوّنين ومستخدمي منصّات وسائل الإعلام الاجتماعية والنشطاء السياسيين الذين كانوا يخضعون للملاحقة القضائية بسبب آرائهم.100الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. الموقع الرسمي: anhri.net

وفي عام 2006، أسّس عماد مبارك – الذي عمل أيضاً في مركز هشام مبارك للقانون –  مؤسّسة حرية الفكر والتعبير. ولم يشمل نشاط المؤسّسة كافّة أشكال حريّة التعبير، بل ركّز على اهتماماتٍ أكثر تحديدًا، مثل الحركة الطلّابية، والحقّ في الوصول إلى المعلومات، وحريّة وسائل الإعلام، والرقابة على التعبير الفني، والحقوق الرقمية.101مقابلة مع عماد مبارك في 17 أيلول/سبتمبر 2018.

أمّا منظّمة “نظرة للدراسات النسوية” التي تعمل على قضايا المساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان للمرأة، فقد  لجأت أيضًا إلى التقاضي من أجل تحدّي الممارسات التمييزية والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما نجحت المنظّمة في الدفاع عن الناجيات من العنف الجنسي.102Egypt's fight against sexual harassment bearing fruit, The National, 2016. Available at: thenational.ae تمت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.

وفي عام 2009، أنشأ المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان خالد علي، الذي كان يشرف على التقاضي بشأن حقوق العمّال في مركز هشام مبارك للقانون، المركزَ المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنذ تأسيسِه، مثّل المركزُ العمّالَ أمام محاكم مختلفة في حالات الفصل التعسّفي والإضرابات، والمطالبة بتعويضٍاتٍ عن سوء تصرّف أصحاب العمل، وغير ذلك من موضوعات. ولعب المركز دوراً رئيسياً في تطوير التقاضي الاستراتيجي في مصر بطريقةٍ غير مسبوقة، ونجح في تحويل المطالب القديمة للحركات العمّالية بشأن الحدّ الأدنى للأجور واستقلال النقابات إلى حقوقٍ مُعترَف بها ومنصوص عليها في الدستور والقانون.103موقع قضايا: أهم المبادئ القضائية التي أرستها محكمة القضاء الإداري في حكم وضع حدّ أدنى للأجور. متوفّر على الرابط:  qadaya.net تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.

3.2 العلاقة الجدليّة بين الحركات الاجتماعيّة ومحاميها

كان المحامون المدافعون عن الشأن العامّ ولا يزالون عاملاً رئيسياً في دعم الحركات الشعبية، وقد ساهموا بشكلٍ مباشر في تحقيق انتصاراتٍ قانونية ملحوظة شكّلت خطوط المعركة في المشهد السياسي المصري، وفي التأثير بشكلٍ دائم على العلاقات بين الحركات الاجتماعية والنقابات والأحزاب السياسية والدولة.

ومن ناحيةٍ أخرى، أثّرت الحركات الاجتماعية أيضاً على تفكير المحامين وموقفهم. والحقيقة أن موجة التعبئة الجماهيرية التي اندلعت في أعقاب ثورة 2011 ساهمت على وجه الخصوص في زيادة التركيز على دور المحاماة في قضايا المجال العام والاهتمام به. فبينما كان التركيز في التقاضي الاستراتيجي قبل ثورة 25 كانون الثاني/يناير ينصبّ في الغالب على حقوق العمل والقضايا ذات الطابع الجنائي؛ امتدّ تركيز الدفاع عن الشأن العامّ بعد عام 2011 إلى سيادة الدولة وحقوق الانتخابات وحرية تداول المعلومات وغيرها من الموضوعات.

ويقدّم هذا القسم تحليلاً للعلاقة بين الحركات الاجتماعية ومحاميها، من خلال التدقيق في المعارك القانونية الحاسمة والانتصارات التي حقّقها المحامون بالنيابة عن الأفراد والحركات الجماعية.

اعتمدت العديد من الحركات الاجتماعية في مصر على خبرة المحامين المهتمّين بالشأن العام الفنّية للحصول على اعتراف الدولة بمطالبها. واستغلّت الحركة العمّالية قاعات محاكم القضاء الإداري كميادين قتالٍ لكفاحها في سبيل عدالة الأجور واستقلال النقابات. كما استفاد الناشطون المستقلّون والجماعات السياسية من خدمات هؤلاء المحامين لمواجهة الاعتقال التعسّفي والمحاكمات الجائرة التي تهدف إلى إسكات معارضي الدولة. واستخدمت المنظّمات السياسية وجماعات المعارضة، بدورها، محاماة الشأن العام للمحافظة على الروابط الوثيقة مع قواعدها الداعمة. وعمل المحامون أيضاً على التمكين القانوني للأقليّات الدينية، ودعموا النساء في نضالهنّ ضد الإطار القانوني التمييزي، كما عملوا من أجل تجريم التحرّش الجنسيّ.

تحويل المطالب الاجتماعية إلى حقوقٍ مُعترَف بها: نجح المحامون الحقوقيّون في مصر في تحويل مطالب اقتصادية وسياسيّة محدّدة إلى حقوقٍ مُعترَف بها، ليس فقط بموجب القانون، ولكن من خلال منح هذه الحقوق الحماية الدستورية أيضاً. وارتبط المسار القضائي لبعض القضايا التي اعتمدها محامو الشأن العامّ بظهور بعض الحركات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، مهّدت احتجاجات العمّال من عام 2006 إلى عام 2011 الطريق لقرار القضاء الإداري بشأن الحدّ الأدنى الوطني للأجور واعتراف الدولة بالاتحادات المُستقلّة عن اتحاد النقابات الموالي للحكومة. كما أتاحت ثورة 25 كانون الثاني/يناير مزيداً من الفرص للتقاضي الاستراتيجي. ولعل أحد أهمّ الأمثلة على القضايا التي فاز بها محامون مصريّون ذلك المُتعلّق بقرارات القضاء الإداري السماح للمصريين المُغتربين بالتصويت في الانتخابات.104أحمد راغب، تصويت المصريين في الخارج.. الحق العائد، 2012. متوفّر على الرابط:  ahmdragheb.blogspot.com تمّت زيارته في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.

بعد ثلاث سنوات من تنامي حركة العمّال بشكلٍ غير مسبوق – بدءاً من إضراب عمّال النسيج في مدينة المحلّة في عامي 2006 و2007، وإضراب عمّال مصلحة الضرائب العقارية في عام 2008 احتجاجاً على عدم نقل تبعيّتهم من المجالس المحليّة إلى وزارة المالية، مما أثّر على رواتبهم ومزاياهم الاجتماعية الأخرى – باتت مسألة الأجور هي المُسيطِرة على المعارضة المصرية والناشطين العمّاليين.105محمود مراد، قراءة في احتجاجات العمّال، الاشتراكيّ، 2007. متوفّر على الرابط: revsoc.me تمّت زيارته في 24 أيلول/سبتمبر 2018. ومن المعلوم أنّ المادة 34 من قانون العمل تنصّ على التزام الحكومة بإنشاء مجلسٍ وطني للأجور، مكلّف بتحديد الحدّ الأدنى للأجور.106محكمة القضاء الإداري، القضية رقم 21606 من السنة القضائية 63. متوفّر على الرابط: goo.gl

وفي شباط/فبراير 2009، رفع المحامي خالد علي دعوى أمام محكمة القضاء الإداري بالنيابة عن الناشط العمّالي ناجي رشاد، مطالبًا بإلغاء قرار الحكومة السلبي الذي امتنع عن وضع حدٍّ أدنى للأجور رغم الارتفاع المطرد في أسعار السلع الأساسية، وباتّخاذ التدابير اللازمة لتحقيق التوازن بين الأجور والأسعار.107المرجع السابق.

وعلى الرغم من أن الحكومة لم تصدر أي قرارٍ بشأن رشاد أو غيره من العمّال، فقد استخدم المدّعي ومحاميه خالد علي تكتيكاً قانونياً لاستصدار قرارٍ إداري والطعن عليه باستخدام سوابق قضائية. ووفقاً للمادة 10 من قانون مجلس الدولة، يتمتّع القضاء الإداري بالولاية القضائية على جملة من الأمور، منها الطلبات الواردة من الأفراد والهيئات لإلغاء القرارات الإدارية النهائية التي تتّخذها الحكومة.108القانون رقم 49 للعام 1972.ووفقاً للفقه القضائي، تستطيع الحكومة أن تصدر قراراتٍ نافذة عندما تقوم بإجراءٍ إيجابي يؤثّر على وضعِ قانوني قائم، وتكون قراراتها قابلة للطعن أيضاً عندما تمتنع عن اتّخاذ إجراءٍ كان ينبغي اتّخاذه، وهو ما كانت عليه الحال في ادّعاء رشاد.109المحكمة الإدارية العليا، القضية رقم 9847 و9896 من السنة القضائية 48. متوفّر على الرابط: laweg.netولتحديد ما إذا كان القرار الإداري قابلاً للطعن؛ اعتبرت المحكمة أن تجاهل الحكومة برقيّة كان رشاد قد أرسلها بصفته عاملاً في شركة مطاحن جنوب القاهرة إلى وزير التخطيط في كانون الأول/ديسمبر 2008، مُطالِباً بحدٍّ أدنى للأجور على المستوى الوطني، امتناعاً سلبياً.110محكمة القضاء الإداري، القضية رقم 21606 من السنة القضائية 63، مرجع سابق.

وجادل خالد علي بأن المادة 34 من قانون العمل رقم 12 لعام 2003 تنصّ على وجوب أن تنشئ الحكومة مجلساً وطنياً للأجور مُكلَّفًا بتحديد الحدّ الأدنى للأجور على المستوى الوطني. وردّت الحكومة أمام المحكمة بأن المادّة المذكورة كانت تهدف ببساطة إلى تشجيع الدولة على إيلاء المزيد من الاهتمام بالأجور، ولكنّها لا تُلزِم الحكومة بوضع حدٍّ أدنى للأجور للعمّال جميعاً. غير أن المحكمة اعتبرت أن المادة تُلزِم بشكل واضح الحكومة بمراجعة الحدّ الأدنى الوطني للأجور كلّ ثلاث سنوات لتتماشى مع الزيادة في الأسعار.111المرجع السابق. كما استند خالد علي إلى العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيما يتعلّق بحق العمّال في أجورٍ عادلة، والذي كان مصدراً رئيسيّاً للقضاة المصريين في التقاضي الاستراتيجي.

ومن الجدير بالذكر أن احتجاجات العمال من عام 2006 إلى عام 2008 على انخفاض الأجور الفعليّة، وقرار المحكمة المذكور آنفاً، قد شجّع المعارضة السياسية على إيلاء الأولوية لحقوق العمّال. وكان هذا واضحاً في الاحتجاجات التي نظّمتها العديد من المجموعات السياسية في نيسان/إبريل 2010 أمام مقرّ مجلس الوزراء، داعيةً الحكومة إلى وضع حدٍّ أدنى وطني للأجور لا يقلّ عن 1200 جنيه شهرياً، الذي اعتُبِر وقتها الحدّ الأدنى المقبول لتأمين أبسط تكاليف المعيشة الأساسية.112المصري اليوم، “عمال مصر” يتظاهرون أمام مقرّ الحكومة للمطالبة بحد أدنى للأجور.. ويهدّدون بالاعتصام في أيار/مايو (2010). متوفّر على الرابط: almasryalyoum.com تمّت زيارته في 25 أيلول/سبتمبر 2018.

وتعاون محامو الشأن العامّ والحركات العمّالية مرّةً أخرى بعد الاعتصام التاريخي الذي قام به عمّال الضرائب العقارية في أيلول/سبتمبر2007. وكان إضراب عمّال قطاع الغزل والنسيج في عام 2006 قد ألهم عمّال الضرائب العقارية استخدام التكتيك نفسه من خلال تنظيم اعتصام، ليس في أماكن عملهم، بل أمام مقرّ مجلس الوزراء في وسط القاهرة، الذي يضمّ معظم المكاتب الحكومية أيضاً، من أجل جذب المزيد من الاهتمام.113جيهان شعبان، موظفو الضرائب العقارية يحكون قصة اعتصام حسين حجازي، الاشتراكي، 2008. متوفّر على الرابط: revsoc.me وتمحورت مطالبهم حول تغيير انتمائهم الوظيفي أسوةً بغيرهم من العاملين بالضرائب، ليصبحوا تابعين لوزارة المالية.114المرجع السابق.

وطوّر العمّال نموذجاً تنظيميّاً متقدّماً، بما في ذلك تشكيل لجنةٍ عليا للإضراب، مثّلت العمّال في المفاوضات مع الحكومة واتّخذت القرارات بشأن مدّة الاعتصام.115المرجع السابق. وتأسّست هذه اللجنة في الواقع للتحايل على عدم وجود نقابةٍ مستقلّة تمثّل العمال؛ حيث وقفت النقابة التي تسيطر عليها الحكومة وقتها في وجه الاعتصام، إذ كانت عضوةفي اتّحاد النقابات الموالي للحكومة مثل جميع النقابات العمّالية الأخرى في مصر.116المرجع السابق. وفي ذلك الوقت، لم يكن قانون النقابات يسمح بالتعدّدية النقابية، وكان من الواجب تسجيل جميع النقابات العمّالية في إطار الاتّحاد الموحّد المُرتَبط بالحكومة.117القانون 35 للعام 1976. وكانت المادة 7 من القانون تنصّ على أنّ اتحاد النقابات يقبع في أعلى الهرم الهيكلي للنقابات. ولذلك، لم يسمح القانون المحلّيّ لعمال الضرائب العقارية بإنشاء نقابة خاصّة بهم.

ورغم ذلك، لجأ العمّال مع محاميهم هيثم محمدين إلى المعايير الدوليّة لمنظّمة العمل الدولية (ILO) لإيجاد حلٍّ لمعضلة العمّال.118جيهان شعبان، موظفو الضرائب العقارية يعلنون نقابتهم المستقلّة، الاشتراكي. متوفّر على الرابط:  revsoc.me تمّت زيارته في 25 أيلول/سبتمبر 2018. وحوّل العمّالُ اللجنة العليا للإضراب إلى نقابة مستقلّة، ودعوا العمّال إلى الانسحاب من النقابة الموالية للحكومة والانضمام إلى الهيئة الجديدة. وكان لا بدّ من الحصول على موافقة الحكومة من أجل الانفصال عن اتحاد النقابات الرسمي وإنشاء هيكلهم الخاصّ. لكن المحامين جادلوا بأنّ القانون المحلّي ينتهك اتفاقيةَ منظّمة العمل الدولية المتعلِّقة بالحرية النقابية وحماية حقّ التنظيم رقم 87 لعام 1943، وهي اتفاقيّةٌ تضمن التعدّدية النقابية، كما ينتهك حريةَ تكوين النقابات للعمّال وأصحاب العمل. ومع بدء الاعتصام بتغطيةٍ إعلامية لم يسبق لها مثيل، واهتمامٍ من الحكومة والمعارضة، شكّل العمّال وفداً للقاء وزير العمل، وسلّموه الوثائق المتعلّقة بتأسيس نقابتهم الجديدة. وبذلك تجاهلوا القانون رقم 35 لعام 1976 الذي ينصّ على وجوب اعتراف اتحاد النقابات بأيّ نقابةٍ عمّالية جديدة حتى تنال الشخصية الاعتبارية.119المرجع السابق.

كان هذا الحادث بمثابة بداية عهدٍ جديد من المواجهات بين النقابات المستقلّة والدولة، فأنشأ العديد من العمّال من مختلف القطاعات والصناعات نقاباتهم المستقلّة واتحاداتهم النقابية الخاصّة بهم منذ 2008 إلى 2012. ولكن مع وصول الرئيس السيسي إلى السلطة في تمّوز/يوليو 2013، شنّت الدولة حملةً ضدّ الحركة العمّالية والنقابات المستقلة.120علاء عبد التواب، حركة النقابات المستقلّة: كيف بدأت وكيف انتهت، الفصل الثالث في “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية: العمال والسياسة والدولة في مصر 2006-2016"، دار مرايا للإنتاج الثقافي، 2017، ص 79– 118. وبحلول عام 2016، تلقّت محكمة القضاء الإداري دعوى رفعها اتّحاد النقابات الموالي للحكومة يُطالِب فيها وزير العمل بحلّ النقابات المستقلّة. وجادل الاتّحاد بأنّ الوزير انتهك، بسماحه بوجود نقابات مستقلّة، المواد 4 و7 و13 و63 من قانون النقابات رقم 35 لعام 1976، الذي ينصّ على وجوب تسجيل النقابات ذات الشخصية الاعتبارية لدى اتّحاد النقابات. وتدخّل محامون تحت قيادة المحامي البارز خالد علي في القضية، ودعوا المحكمة إلى إحالة هذه المواد إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في عدم دستوريّتها. واستجاب القضاء الإداري لمطالبهم في انتصارٍ جديد للمحامين والحركات العمّالية.121المرجع السابق.

وتُوّج هذا الكفاح باستبدال قانون النقابات رقم 35 لعام 1976 بالقانون رقم 213 لعام 2017 الذي يسمح للنقابات بالتعدّدية والاعتراف بالنقابات المستقلّة. وعلى الرغم من حملة القمع المستمرّة على الحركات العمّالية والنقابات المستقلّة على مدى السنوات الخمس الماضية، وتدخّل الحكومة في آخر انتخاباتٍ عمّالية، إلا أنّ تعديل القانون يمثّل تحوّلاً من مطلبٍ طال أمده إلى حقّ مُعترَفٍ به، وإن اقتصر الحق على النصّ القانوني فقط دون تفعيله في الواقع.122القانون رقم 213 لعام 2017، الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2017.

الفصل الثالث: المحامين المشتغلين بالشأن العامّ في سياق الثورة المضادّة: تحدّياتٌ وآفاق

1.3 حدود المحامين المشتغلين بالشأن العامّ وتناقضاتهم في أعقاب الثورة المصرية

أظهرت الفصول السابقة أهميّة اتقان الحركات الاجتماعية النضال على الجبهة القضائية كما على الجبهات الأخرى؛ مثل الاحتجاجات في الشوارع أو الإضراب في أماكن العمل أو انتقاد السلطات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت جميعها وسائل فعّالة في إجبار السلطات على الاعتراف ببعض الحقوق. ولكن جرّ الدولة إلى المحاكم يوفّر بعداً مختلفاً في مساءلة الإيديولوجية القانونية للدولة ذاتها، ويطرح وجهات نظرٍ مختلفة لمواجهتها ولحشد الجهود من أجل الوصول إلى تفسيراتٍ قانونية ديمقراطية بديلة في حقل الحقوق والحريّات. ومع ذلك، فإن المحامين المشتغلين بالشأن العام مرهونين ببعض الحدود والتناقضات التي سنعرض لها في هذا الفصل.

تُظهر مراجعةُ تاريخ المحامون المشتغلون بالشأن العام في مصر الدورَ الحاسم الذي تلعبه الحركاتُ الاجتماعية البارزة في علاقاتها مع الأطراف النشطة التي تطالب بحقوقها في غالبية القضايا. وكان ذلك واضحاً في السنوات التي سبقت ثورة 25 كانون الثاني/يناير، التي تميّزت بانتصاراتٍ ضدّ خصخصة شركات القطاع العامّ، ولصالح الحدّ الأدنى للأجور والاعتراف بالنقابات المستقلّة. وشجّع زخم الحركات العمّالية رفعَ تلك القضايا في المحاكم؛ إذ مهّدت الطريق للمحامين، وشحذت إبداعهم في إضفاء الصبغة القانونية على القضايا العامة الاقتصادية والسياسيّة. ولا بدّ من النظر إلى دور المحامين في النضال العامّ من أجل العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتباره جزءاً من سياق الحركة الاجتماعية الأوسع، دون تضخيم مساهماتهم أو التقليل من شأنها.

ومن المؤكّد أنّه لم يكن لهؤلاء المحامين القدرةُ على إحداث تغييرٍ حقيقي دون وجود الحركات الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن المحامين أنفسَهم ليسوا متجانسين، وهم يعتنقون معتقداتٍ سياسيّة واجتماعية مختلفة، وإن تبنَّوا ممارساتٍ قانونية مشتركة. ولعلّ مصطلح “المحامين المشتغلين بالشأن العامّ” أكثرَ دقّةٍ من مصطلح “المحامون الحقوقيون” في وصف جماعة المحامين المصريّين الذين يعملون بطريقةٍ تتجاوز المصلحة المباشرة للموكل، ويوسِّعون نطاقَ عملهم ليشمل مصالح مجموعات معيّنة في المجتمع.

ومن المفيد في هذا الصدد الإشارة إلى أنّ هناك مصطلحاتٍ أخرى استخدِمت للإشارة إلى هؤلاء المحامين قبل أن تظهر عبارة “المحامون الحقوقيون” “ في منتصف التسعينيات، مع نشأة منظّمات حقوق الإنسان التي تقدّم المساعدة القانونية. استُخدِمت مثلا ً عبارة محامي “العمّال” أو “الحريّات” أو “المتطوّعين". في الواقع، قد يكون هذ التمييز في المصطلح أكثرَ ملاءمةً للإشارة إلى تلك الفئة من المحامين، إذ إنه يعكس الاختلافات الكبيرة داخل حركة محاماة الشأن العامّ، والتي ترقى أحياناً إلى حدّ التناقضات، كإحجام بعض المحامين عن العمل في قضايا معيّنة. فامتنع مثلاً بعض المحامين عن تقديم المساعدة القانونية لمؤيّدي جماعة الإخوان المسلمين خلال حملة القمع التي شنّتها السلطات على أنصار الجماعة بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، بينما دعَم آخرون فرضَ عقوبة الإعدام في بعض الحالات، وامتنع بعض المحامين عن الدفاع عن أفراد مجتمع الميم (مثليّات، ومثليّون، ومزدوِجو المَيل الجنسيّ، والمتحوِّلون جنسيّاً).

ويبدو واضحاً هنا أنّ الثورة المضادّة في مصر لعبت دوراً مهمّاً في توسيع الاستِقطاب السياسي بين المحامين، و في تقييد استخدامهم للتقاضي الاستراتيجي نظراً لاعتمادهم على الحركات الاجتماعيّة للحصول على الدعم.

1.3.أ اليد العليا للحركات الاجتماعية

تُجادِل بعض الجماعات السياسية في مصر بأنّ “النضال القانوني"، ولا سيّما من خلال جماعات حقوق الإنسان، يسيء فعلياً إلى الحركات الاجتماعيّة؛ إذ يتمُّ دمجها في إيديولوجيّة الدولة القانونيّة التي تَهدف إلى إعادة إنتاج القمع الاجتِماعيّ والسياسيّ. بَيد أن التجربة في مصر تُظهِر كيف ألحق المحامون المدافعون عن الشأن العام هزائم عديدة بالسلطات في العديد من المعارك الحقوقية، ومكّنت الحركات الاجتماعية في نضالها لتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية. بيْد أنَّ للنضال القانوني حدود. فعلى سبيل المثال، في حالات تجريم مجتمع الميم، لم يتمكّن المحامون من المُطالَبة علانيّةً بالاعتراف بالعلاقات الجنسية المثليّة، وركَّزوا بدلاً من ذلك على الطعن في قانونية اعتِقال الأفراد بسبب ميولهم الجنسيّة “المُتَصوَّرة"، وعدم اتِّباع الإجراءات القانونية الصحيحة. وكذلك الأمر في الدفاع عن حقوق المُدَّعى عليهم في عدم التعرّض للتعذيب أو سوء المعاملة.

ترتبط قدرةُ محامي الشأن العامّ على إحراز انتِصاراتٍ قانونية للحركات الاجتماعية في مصر بقدرةِ تلك الحركات على مواجهة سياسات الدولة من خلالِ احتجاجاتٍ مُختلفة، كالإضرابات والاعتصامات والتظاهرات ومدى قابلية البيئة السياسيّة لهذه الأنشطة، بما في ذلك قدرة بعض الجماعات على رفع مطالبها علانيّةً ​​دون التعرّض للقمع الشديد.

وتطرح  النقابية والناشطة اليسارية فاطمة رمضان في بحثها حول العلاقة بين نضالات الحركة العمّالية والتقاضي الاستراتيجي هذه المسألة. فترى أنه، في حين استطاع  المحامون الحصول على أحكامٍ قضائية مواتية للعمّال، اعتمد تطبيق هذه الأحكام على قدرة هؤلاء  العمّال على تنظيم أنفسهم والاحتجاج وبناء ائتلافاتٍ سياسيّة أوسع نطاقاً مع النشطاء والمحامين.123فاطمة رمضان، التقاضي الاستراتيجي: العمّال وخصخصة القطاع العامّ بين السياسة والقانون، الفصل الرابع في “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية: العمال والسياسة والدولة في مصر 2006-2016"، دار مرايا، 2017، ص. 167. وتذهب رمضان إلى ما هو أبعد من ذلك، مشيرةً إلى أنّ تنامي عدد الاحتجاجات العمّالية في السنوات التي سبقت ثورة 25 كانون الثاني/يناير أثّر على موقف القضاء الإداري بشأن عمليّة الخصخصة التي بدأت في منتصف التسعينيّات. وترى أن المدّة الفاصلة بَين بيع شركات القطاع العام إلى مستثمرين من القطّاع الخاصّ وقضايا المحكمة كانت كافيةً لإثبات كذب الوعود التي قطعتها الدولة بشأن فوائد عمليّات الخصخصة.

وتفترض رمضان أن التقاضي الاستراتيجي ارتبط بالحركة العمّالية، ليس فقط إبّان صعودها، ولكن أيضاً في أفولها.124المصدر السابق. وتستشهد في ذلك بقضية شركة عمر أفندي، بوصفها قصة نجاحٍ للتقاضي الاستراتيجي الذي دعمته حركةٌ قويّة ساعدت في إنفاذ حكم القضاء الإداري بإعادة الشركة إلى القطاع العام بسبب الفساد الظاهر إبّان بيع الشركة. على أن عمّالاً  آخرين كانوا قد فازوا بأحكامٍ مماثلة لم يتمكّنوا من تطبيق تلك الأحكام بسبب البيئة السياسيّة، خاصةً بعد احتجاجات 30 حزيران/يونيو 2013، مع تقلّص الحيّز العامّ وتشديد القيود المفروضة على احتجاجات العمّال.

كما تعطي رمضان مثالاً آخر، وهو شركة المراجل البخارية التي تمّت خصخصتها في عام  1994 في صفقةٍ فاسدة. لم يكن عمّال الشركة يُدرِكون حينها عواقب الخصخصة، كما لم تسمح البيئة السياسية في ذلك الوقت بأيّ شكلٍ من أشكال الاحتجاجات بحجّة مكافحة الإرهاب. وعندما تغيّرت الظروف بعد ثورة 2011، لجأ العمّال مرّةً أخرى إلى المحاكم. لكن أصول الشركة نفسَها كان قد تمّ تفكيكُها وبيعُها بالفعل، ولم يعد هناك شركةٌ فعليّة لإعادتها إلى القطاع العام، رغم إلغاء القضاء لعقد البيع واستعداد العمّال للنضال من أجل عودة الشركة إلى القطاع العام.125المصدر السابق.

لا ينطبق هذا النمط على خصخصة الشركات العامّة وحسب، بل على العلاقة القوية بين المحامون المشتغلون بالشأن العام وصعود الحركات الاجتماعية الثورية أيضاً. ويمكن القول إنّ الحركات الشعبيّة ألهَمت المحامين وزوّدتهم بالقدرة على الإبداع القانوني أمام المحاكم، ابتداءً من النقابات العمّالية المتعددة في أربعينيات القرن العشرين، مروراً باحتجاجات الطلّاب العارمة في أوائل السبعينيات، وانتفاضة الشعب عام 1977، وإضراب عمّال المحلّة عام 2006، واعتصام موظفي مصلحة الضرائب العقارية عام 2007، وصولاً إلى ثورة 2011 . وكان واضحاً أن تقلُّص فاعلية هذه الحركات خلق بيئةً مكّنت المحاكم من الحكم ضدّها، أو على الأقلّ حفَّز الدولة على تجاهُل قرارات المحكمة غير المواتية.

يشكِّل النضال من أجل الاعتراف بحقوق أعضاء مجتمع الميم في مصر مثالاً واضحاً على الصلة بين تنامي الحركات الاجتماعية ونجاحِ المحامين في انتزاع الاعتراف القانوني بهذه الحركات من خلال أحكام المحاكم. فلم يكن ثمّة تقاضٍ استراتيجيٍّ أمام المحاكم المصرية ضدّ تجريم العلاقات الجنسية المثليّة في مصر. ومن النادر أيضاً أن تبرّئ المحكمة شخصاً متّهماً بالدخول في علاقةٍ جنسية مثليّة.126المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المصيدة: عقاب الاختلاف الجنسي في مصر، 2017. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018. وأمام استحالة المطالبة بحقوق البالغين الراغبين في الدخول في علاقاتٍ جنسية مثليّة بنجاح أمام المحاكم، بحث المحامون عن ثغراتٍ لإلقاء الشكوك على سلامة إجراءات الاعتقال والتفتيش والاستجواب.

ويشير عادل رمضان، محامي المبادرة المصرية للحقوق الشخصيّة، إلى أن إثارة مسألة حقّ الأفراد في الاختيار الجنسي من شأنها أن تستفزّ القضاة. فهؤلاء القضاة يعتبرون تلك الهويّات أو السلوكيّات مخالفة لمعتقداتهم الدينية ومعاييرهم الاجتماعية الذكوريّة عادةً، ممّا يؤدّي إلى حبس موكّليهم. ولذلك، ومن أجل تفادي مثل هذه الخسائر المحتملة، كما يقول رمضان، ركّز المحامون على قضايا تعذيب وإساءة معاملة المعتقلين التي تجعل اعترافاتهم لاغية.127مقابلة مع عادل رمضان في 17 آب/أغسطس 2018. ويتّفق المحامي محمود سعيد مع رمضان، مضيفًا: “امتنع بعض المحامين عن الجدال بشأن باستخدام “الفحوص الشرجيّة” ضدّ الأفراد المُعتَقلين بسبب ميولهم الجنسيّة الفعلية أو المُتَصَوَّرة قبل ثورة 25 كانون الثاني/يناير، بدعوى الخوف من تزايد احتمالات الإدانة في حال إثارة مثل هذه المسائل أمام المحكمة المعنيّة".128مقابلة مع المحامي محمود سعيد في 15 أيلول/سبتمبر 2018. (تمّ تغيير الاسم لحماية هويّة المحامي).

1.3.ب المحامون المدافعون عن الشأن العامّ وما بعد 2011: الاستقطاب وغياب التماسك السياسي

أتاحت ثورةُ 25 كانون الثاني/يناير الفرصة للمحامين المشتغلين بالشأن العامّ لتوسيع شبكتهم وتعزيز قوّتهم، حيث اجتذبوا أعضاء من خارج دوائر النشاط السياسيّ التقليديّة، أي اليساريّين والناصريّين. ومع ذلك، حمل ذلك التوسّع تحدّياً لهذه الجماعة فيما يتعلّق بالحفاظ على نهجها الشامل في مجال حقوق الإنسان، في مواجهة التغيّرات السياسية العنيفة التي شهدتها مصر منذ عام 2011.

دارت النقاشات باستمرار بين المحامين  حول قضايا مثل حدود حريّة التعبير، وما إذا كان بإمكان “محامي حقوق الإنسان” رفع قضايا تشهير ضدّ صحفيين أو سياسيين يُحرِّضون الحكومة أو الجمهور ضدّ النشطاء السياسيين. وكان الاتّجاه السائد في مجتمع الحقوقيّين هو أن  "الكلام لا ينبغي أن يذهب إلى المحكمة".129عمرو عزّت، ولماذا -أصلاً- يذهب الكلام إلى المحكمة؟ مدوّنة ما بدا لي، 2007، متوفّر على الرابط: mabadali.blogspot.com تمّت زيارته في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018. ومع ذلك، جادلت بعض الأصوات أن هذا الرأي يشكّل نوعاً من المثالية، وخاصّةً حين يتضمّن الخطابُ المعني تحريضاً على العنف أو الكراهية؛ إذ لا يجب على المحامين الحقوقيّين الاكتفاء بالدفاع عن الضحيّة، بل مقاضاة الجناة أيضاً حتى لو كانوا أطرافًا فاعلة غير حكومية.

دارت تلك النقاشات في نطاقٍ ضيّق للغاية، حتى اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في 30 حزيران/يونيو 2013 التي أدّت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي والانقلاب العسكري. وفي أعقاب اعتقال الآلاف من أنصار مرسي وقتل ما لا يقل عن 900 شخص أثناء فضّ اعتصامهم، أُثيرت أسئلةٌ حول دور المحامين المنتمين إلى جماعاتٍ حقوقيّة وشاركوا في الاحتجاجات التي أطاحت بمرسي.

رفضت عدّة شخصياتٍ بارزة في مجموعات حقوق الإنسان وأدانت القوّة المفرطة والعنف ضدّ الإخوان المسلمين. في حين انضمّت شخصيّاتٌ أخرى إلى مؤيّدي الدولة، ودعت إلى تفريق اعتصامات الإخوان المسلمين،. بل وحضر بعض هذه الشخصيات اجتماعات وزارة الداخلية قبل عملية الفضّ.130البوابة نيوز، الداخلية تدعو الحقوقيين لحضور عملية فضّ اعتصام رابعة، 2013. متوفّر على الرابط: albawabhnews.com تمّت زيارته في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018. شكّلت تلك اللحظة بداية انقسامٍ وتناقضٍ داخل جماعة المحامين المهتمّين بقضايا الشأن العامّ. تجلّى ذلك في بيانٍ أصدرته جبهة الدفاع عن متظاهري مصر، وهي شبكة محامين تأسّست في 2008 خلال احتجاجات المحلّة بهدف تنسيق الدفاع عن معارضي الدولة. واستخدمت المجموعة لغةً عدائيّة للغاية ضدّ مؤيّدي الإخوان المسلمين الذين استهدفتهم قوّات الأمن في شوارع مصر.131بيان من محامي جبهة الدفاع عن متظاهري مصر عن الأحداث الأخيرة، متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 2 تشرين الثاني/أكتوبر 2018.

تلقّى المحامون المهتمّون بقضايا الشأن العامّ قبل ثورة 2011 بعض التثقيف السياسي من خلال منظّماتهم أو حركاتهم التي تساعدهم في الحفاظ على نهجٍ قائم على حقوق الإنسان. لكن مع وفود المحامين الجدد عشيّة الثورة وخلالها، لم تكن الحركة تمتلك الآليّات اللازمة لاستيعاب الجيل الجديد من المحامين الذين انخرطوا في قضايا الشأن العام دون أن تتناسق بالضرورة معتقداتُهم السياسيّة مع النهج الشامل لحقوق الإنسان، والذي يشمل الدفاع عن قضايا لا تتمتع بشعبيّةٍ كبيرة، كحقوق مجتمع الميم أو معارضة عقوبة الإعدام.

يلاحظ المحامي محمود سعيد أنّ المحامين المُنتمين إلى مدارس فكريّة ماركسيّة أو فوضويّة كانوا على استِعدادٍ للدفاع عن أعضاء مجتمع الميم، في حين أن بعض الذين انضمّوا إلى حركة حقوق الإنسان بعد الثورة تجنّبوا الاشتباك مع هذه القضايا. ويرى المدير السابق لمؤسّسة حرّيّة الفكر والتعبير عماد مبارك أن مصطلح “محامي حقوق الإنسان” لا ينطبق على جميع العاملين في المنظّمات التي تدافع عن تلك الحقوق. فبعضهم انتقائيّون في الدفاع عن حقوق مُعيّنة دون أخرى، اعتماداً على الهويّة السياسية للضحيّة أو الموقف الشخصي للمحامي. ويعتقد أن من الضروري التمييز بين محامي حقوق الإنسان والمحامي المشتغل بالشأن العام، حيث يعتبر النوع الأخير إطاراً أوسع يضم الحقوقيّين لكنه ليس مقصوراً عليهم، لفهم محفّزات البعض في اتّخاذ مواقف تتعارض مع معايير حقوق الإنسان، كتلك التي تبلورت تجاه الاعتقالات التي حدثت أثناء فض اعتصام ميدان رابعة العدوية.

وترى المحامية النسوية عزّة سليمان، وهي مؤسِّسة “مؤسّسة قضايا المرأة المصرية"، أنّ حقوق المرأة مسألةٌ تكشِف التناقضات بين المحامين المدافعين عن الشأن العامّ في مصر. وتضرب مثلاً على ذلك ابتعاد بعض المحامين عن الانخراط في قضايا التحرّش الجنسي.132مقابلة مع المحامية عزّة سليمان، في 24 أيلول/سبتمبر 2018.

1.3.ج الدفاع عن الإسلاميين في عاصفة ما بعد تمّوز/يوليو 2013: صعود جيلٍ جديد من المحامين المدافعين عن الشأن العامّ

ترك الانقلاب العسكري في 3 تموز/يوليو 2013 الذي أطاح بالرئيس السابق محمد مرسي أثرَه على جميع مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، بما في ذلك الدفاع عن الشأن العامّ. وتمثّل ذلك في:

أوّلاً- تجاوَز حجمُ انتهاكات حقوق الإنسان قدرةَ المنظّمات القائمة على تقديم خدماتها القانونيّة بسبب ارتفاع عدد الضحايا وأنواع الانتهاكات التي تُرتَكب ضدّهم، مثل الاختفاءِ القسريّ وعمليات الإعدام خارج نطاق القانون.133مقابلة مع المحامي محمد الباقر، في 15 أيلول/سبتمبر 2018.

ثانياً- تزايدت الانقسامات الصارخة في صفوف المجموعات الحقوقية المهتمّة بقضايا الشأن العامّ بسبب مواقفها المتباينة تجاه حق أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومؤيّدي الرئيس المخلوع “محمد مرسي” في الحصول على الدعم القانوني في مواجهة أسوأ حملةٍ قمعيّة تعرّضوا لها في تاريخهم.134المرجع السابق.

ثالثاً- صعّدت الحكومة من حملتها ضدّ العاملين بمجال حقوق الإنسان في عام 2014، حيث تنبّهت إلى الدور الذي لعبه توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في مصر في تنامي النضال ضدّ قمع الدولة بين عامي 2005 و2011. كما اتّهمت الحكومة منظّمات حقوق الإنسان بتحريض المجتمع الدولي على السلطات المصرية، فمنعت السلطاتُ بعض المدافعين عن حقوق الإنسان من السفر، وجمّدت أرصدتهم، وأغلقت مكتبَ مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب، واعتقلت محاميَة حقوق الإنسان والنسويّة البارزة عزّة سليمان.135منظمة العفو الدولية، مصر: تجميد الأصول ذريعةٌ مشينة لإخماد أنشطة حقوق الإنسان. متوفر على الرابط: amnesty.org تمّت زيارته في 19 أيلول/سبتمبر 2018.

كل العوامل المذكورة ساهمت في توليد موجةٍ جديدة من منظّمات حقوق الإنسان، تستخدم التقاضي كاستراتيجيةٍ لحماية هذه الحقوق. وثمّة فرق رئيسيّ بين تلك المنظّمات وسابقاتها. فخلافاً للجيل السابق من المحامين المنتمين إلى اليسار في أغلبيتهم، ينتمي العديد من أعضاء الموجة الجديدة إلى تيّار الإسلام السياسي. و من بين الأسباب التي ساهمت في دعم هذا التوجّه، عجزُ المنظّمات القائمة على تغطية الانتهاكات، وتقاعسُ بعضها عن تقديم المساعدة القانونية لمؤيّدي الرئيس السابق بحكم الخلافات السياسية.

ويعتقد المحامي محمد الباقر أن هذه الفئة الجديدة من المحامين الحقوقيين تستخدم المحاماة كأداةٍ للنضال السياسي ضدّ حملة النظام على الإخوان المسلمين، لا سيّما وأن معظم الوافدين الجدد كانوا يعملون سابقاً في مكاتب محاماة خاصّة يملكها أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين أو الجماعات السياسيّة الإسلاميّة الأخرى. وخلال جلسات الاستجواب وجلسات محاكمة أعضاء الإخوان المسلمين في عامي 2014 و2015، التقى هؤلاء المحامون بمحامين يعملون في حركة حقوق الإنسان، فراقبوا تكتيكاتهم ومفرداتهم اللغوية واستراتيجياتهم في الدفاع عن ضحايا الانتهاكات الحقوقية.136مقابلة مع المحامي محمد الباقر، في 15 أيلول/سبتمبر 2018. مرجع سبق ذكره. ويؤكّد الباقر أن هذا التفاعل أثّر على موقف المحامين الإسلاميّين وجذبهم إلى اتِّخاذ المسار نفسِه الذي سلكه الجيل السابق، فأنشأوا منظّماتٍ لتكون مظلّةً لأعمالهم في المحاماة، واستخدموا لغة حقوق الإنسان في مرافعاتهم ومنشوراتهم.137المرجع السابق.

فتح التنظيمُ القويّ للإخوان المسلمين وشبكاتهم الواسعة في جميع المحافظات المصرية أمام هؤلاء المحامين مجال الوصول إلى المعلومات ووثائق القضايا القانونية، ممّا ساعدهم على توفير المساعدة القانونية لعددٍ كبير من الضحايا. وتقاطعت هذه الميزة مع تعرّفهم على مجتمع حقوق الإنسان، مّما حثّهم على تبنّي نموذج منظّمات حقوق الإنسان لتنظيم خدماتهم. القانونية.138المرجع السابق.

وتُعتبر “التنسيقيّة المصريّة للحقوق والحريّات"، التي أُنشِئت في آب/أغسطس 2014 في القاهرة، في طليعة هذه المنظّمات. وركّزت على تقديم المساعدة القانونية المجّانية لأقارب ضحايا الاختفاء القسري، الذي تحوّل إلى ظاهرةٍ وبائيّة بعد اغتيال النائب العامّ السابق هشام بركات في حزيران/يونيو 2015.139The Middle East Monitor, 254 cases of 'enforced disappearance' in Egypt since the beginning of 2017, 2017. Available at: middleeastmonitor.com تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.

1.3.د حدود الدولة المزدوجة: قضيّة تيران وصنافير

في نيسان/إبريل 2016، اتَّخذت الحكومة المصرية قراراً بتسليم جزيرتَين في البحر الأحمر (تيران وصنافير) إلى المملكة العربية السعودية. وقد أقام المحامي خالد علي دعوى قضائية ضد هذا القرار الذي أثار غضباً شعبياً عارماً.

ورغم استماتة محامي الحكومة المصرية لإثبات أنَّ الجزر ليست مصرية، حكَم القضاء الإداري في 21 حزيران/يونيو 2016 بمصرية الجزيرتين وبطلان الاتّفاقية بين الحكومة المصرية ونظيرتها السعودية، لأنّها لم تكن من اختصاصات الرئيس، الذي أساء استخدام سلطته وواجباته الدستوريّة في حماية سيادة الدولة على أراضيها.140حيثيات حكم القضاء الإداري ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، اليوم السابق، 2016. متوفّر على الرابط: goo.gl

حتى هذه المرحلة، كانت الدولة لا تزال تتمسّك باستراتيجيّتها القديمة، وهي “الدولة المزدوِجة". حيث حضر محامو الحكومة جلسات المحكمة وقدّموا حجَجهم أمام هذه المنصة التي تنتمي نظرياً إلى “دولة القانون". أما “دولة الصلاحيات” فكانت، من جانبها، تقوم خارج قاعة المحكمة بعملها الدؤوب لمطاردة خصوم الاتّفاق باحتجاز المتظاهرين والمحامين العاملين   في القضيّة، ومحاولة محو الآثار التي تُثبت ملكيّة مصر للجزيرتين. ويتّضح ذلك في التغييرات التي أُدخِلَت على كتب المدارس، حيث أزيل أيُّ ذكرٍ للجزيرتين المعروفتين سابقاً في كتب التاريخ المدرسيّة تحت مسمّى “المحميّات الطبيعيّة المصرية".141المرجع السابق.واستأنفت الدولةُ ضدّ حكم محكمةِ القضاء الإداري أمام المحكمة الإداريّة العليا، التي حكمت في 17 كانون الثاني/يناير 2017 بتأييد حكم القضاء الإداري.

في هذه المرحلة، قرّر النظام تهميش دور “دولة القانون” وإطلاقَ يدِ “دولة الصلاحيات"، ليس من خلال الأجهزة الأمنيّة كما هو معتاد، إنّما من خلال مؤسّسات “دولة القانون” ذاتها، مُمَثَّلَةً هذه المرّة في أعلى محكمةٍ لها: المحكمة الدستورية العليا. وكان محامو الحكومة قد حاولوا الجدال أمام القضاء الإداري بأنّ المحكمة غير مختصّة بنظر القضيّة نظراً لارتباط موضوع الدعوى بمسائل السيادة. ولمّا رفض القضاءَ الإداري هذه الحجّة وشرع في فحص القضية، قامت الحكومة برفع عدّة قضايا أمام محكمة الأمور المستعجلة، طالبت فيها بتعليق تنفيذِ قرارات القضاء الإداريّ على الرغم من الأحكام السابقة الصادرة عن القضاء الإداري والدستوري، والتي مفادها أن محكمة الأمور المستعجِلة لا سلطة لها على إنفاذِ القرارات القضائية الإدارية. ومع ذلك، حكمت محكمةُ الأمور المستعجِلة بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري، ممّا خلق نزاعاً حول اختصاصات القضاء الإداري ومحكمة الأمور المستعجلة. وبات حلّ مثل هذا النزاع من اختصاص المحكمة الدستورية العليا، وكانت هذه هي الاستراتيجية التي لجأت إليها الدولة.

وفي 3 آذار/مارس 2018، ألغت المحكمة الدستورية العليا جميع القرارات الصادرة عن محكمة القضاء الإداري ومحكمة الأمور المستعجِلة، مشيرةً إلى أن المعاهدة التي وقّعتها مصر والمملكة العربية السعودية كانت عملاً سياسياً غيرَ خاضعٍ لسلطة القضاء،  وإنَّما يخضع لولاية السلطتين التنفيذية والتشريعية المشتركة.142رنا ممدوح، «الدستورية» تُنهي النزاع القضائي حول «تيران وصنافير»، مدى مصر، 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 27 أيلول/سبتمبر 2018.

هكذا كشفت خسارة هذه القضية صراحةً عن محدوديّة قدرة المحامين المشتغلين بالشأن العامّ في مصر، وعجزهم عن تجاوزِ الحواجز التي يضعُها النظامُ القانوني، الذي هو نتاج علاقات القوّة في المجتمع.

2.3 تحدّي الإيديولوجيّة القانونية للدولة

رغم خسارة المحامين الحقوقيّين أمام المحكمة الدستورية العليا، عُدَّت تلك التجربة انتصاراً للرأي العامّ. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن قضية تيران وصنافير شكّلت مقياساً للدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه هؤلاء المحامون في تحدّي سرديات الدولة، وعلى نطاق أوسع، في تحدّي الإيديولوجية القانونية للدولة.

2.3.أ مواجهة سردّيات الدولة

جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة واعداً بإنقاذ الدولة من الانهيار، والحفاظ على مكانتها داخليّاً وخارجيّاً. ولإقناع المجتمع الثائر منذ عام 2011، اتّهم السيسي “أعداءه” بالعمل ضدّ “الدولة". بدأ هذا الاتّهام بالإخوان المسلمين، ثمّ امتدّ ليشمل جميع أطياف المعارضة، واستخدم النظامُ الحاجة إلى ضمان بقاء الدولة ورفاهها ذريعةً لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان وإساءة استخدام السلطة. وأصبحت كلماتٌ مثل “الوطنية” و"الدولة” و"الأمن القومي” وما إلى ذلك، كلماتٍ يردّدها جميع مؤيّدي الزعيم الجديد، في حين وُصِمَ أولئك الذين ينتقدونه بالخيانة والدفاع عن أجنداتٍ أجنبيّة وتأييد الإرهاب.143علي الرجّال، الذبح على محراب الدولة المقدّس، مدى مصر، 2015. متوفّر على الرابط: goo.gl ولعبت خلفيّة السيسي العسكرية دوراً مهمّاً في صناعة صورةٍ للنظامٍ ليكون مرادفًا للجيش المصري والمدافع عن الدولة ضد التهديدات الخطيرة المزعومة.

ورغم أن المحامي خالد علي الذي تولّى القضية استخدم التقاضي الاستراتيجي لأكثر من 20 عاماً في قضايا متعلِّقة بحقوق الإنسان، إلا أنّ قضية تيران وصنافير كانت مختلفة. فهذه القضية مثّلت صراعاً بين سرديّة الدولة التي تعتبر أنّ النشطاءَ والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين خوَنة، أو على الأقلّ أنهم لا يريدون خيراً بالدولة من جهة، وسرديّة المحامين المشتغلين بالشأن العامّ، التي تُظهِر أنّهم أكثر حرصاً على سلامة أراضي الدولة وسيادتها من النظام الحاكم، من جهةٍ أخرى.144أهداف سويف، جزر مصر المسلوبة: فضيحة نظام السيسي، نيويورك تايمز، 2017. متوفّر على الرابط: nytimes.com تمّت زيارته في 26 أيلول/سبتمبر 2018. علما بأن محامي النظام ناضلوا أمام المحكمة لإثبات أنّ الجزرَ ليست مصريّة، بحجّة أن مصر كانت قد أخذت الجزر عبر اتِّفاقٍ مع السعودية لحمايتها وتحقيق أهدافٍ سياسية وعسكرية خلال الصراع مع إسرائيل، وأصرّوا على أن المملكة العربية السعودية لم تتخلَّ عن ملكيّة الجزر وإن أعطَت مصر الحقَّ في إدارتِها لفترةٍ زمنيّةٍ محدَّدة.145المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتعاون مع المفكرة القانونية، حكمت المحكمة: تيران وصنافير مصرية، 2017. ص 17.

ولعل أهم ما ميَّز الاستراتيجيّة الدفاعيّة التي اتّبعها المحامون المشتغلون بالشأن العام في هذه القضية هو الطريقة التي جمعوا بها كلّ الوثائق الضروريّة لإقناع المحكمةِ بأنَّ الجزرَ مصريّةٌ بالفعل. وفي مقدِّمته لكتابٍ توثيقي عن القضية نشرَه المركز المصريّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، يقول خالد علي: “يــوم رفــع القضيــة كانــت المســتندات التــي بحوزتنــا قليلــة، بعضهــا يســتند إلــى الذاكــرة السياســية والقانونيــة والدوليــة، والبعــض الآخــر كان المواطنــون يقومــون بنشــره علــى مواقــع التواصــل الاجتماعــى، وقــد اعتمدنــا علــى جــزءٍ مــن هــذا وذاك يــوم كتابــة العريضــة الافتتاحيــة للقضيــة، لكــن ذلــك لــم يكــن كافيــاً بــأى حــالٍ لإقنــاع المحكمــة بمصريــة الجــزر أو مســاعدتها علــى إصــدار حكــمٍ بإبطــال الاتفاقيــة، فنشــرت وأعلنــت علــى صفحتــي بمواقــع التواصــل الاجتماعــى عــن احتياجنــا لمســتنداتٍ ووثائــق تتعلّــق بالجــزر أو بالصــراع فــي البحــر الأحمــر أو بالصــراع العربــى الإســرائيلي، وطلبنــا بعــض المســتندات والوثائــق والمراجــع بالاســم، وتزامــن مــع ذلــك قيــام العديــد مــن الباحثيــن المصرييــن بالمبــادرة بإعــداد أبحــاث ووثائــق عــن الجزيرتيــن ... ونشــرها علــى الإنترنــت... وبــادر مئــات المواطنيــن بتجميــع كل هــذه الوثائــق وإرســالها لنــا".146حكمت المحكمة، ص 12.

لقد رسّخت القضية في الوعي العام المصري أنَّ هاتين الجزيرتين مصريّتان، وأن الحكومةَ بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تخلّت عنهما بشكلٍ غيرِ شرعيّ لصالح دولةٍ أخرى. وقد يبدو النظام مُنتصراً ومُستقرّاً في الوقت الحالي، غير أنّه من المُرجَّح أن تكون قضية تيران وصنافير عاملاً مُحرِّضاً في النقاشات حول المساءلة أو الإصلاح السياسي في أيّ أزمةٍ سياسيّة داخليّة مُستقبليّة.

2.3.ب تفكيك الهياكل التمييزية

تسارعت الجهودُ المبذولة لتفكيك الهياكل القانونية التمييزية عامَ 1995، مع إنشاء مركز قضايا المرأة المصرية. حيث أنشأ المركزُ، وفقاً لمؤسِّسته عزّة سليمان، وحداتٍ قانونيةً في سبع محافظات، من أجل تزويد النساء بالاستشارات القانونية،147مقابلة مع المحامية عزّة سليمان، 24 أيلول/سبتمبر 2018. بالإضافة إلى توفير المساعدة القانونية للّواتي يواجهن التمييز في الطلاق والنفقة وحضانة الأطفال.148المرجع السابق. ولعب المركز دوراً رئيسيّاً في لفت انتباه الدولة إلى ما يُسمّى بـ"جرائم الشرف” التي تتعرّض النساء بسببها للعنف، بما في ذلك القتل من جانب أفراد العائلة بزعم أنهنّ يجلبن لهم العار، وذلك لعدّة أسباب؛ في مقدّمتها الدخول في علاقات خارج إطار الزواج. ويُطبّق القضاة في هذه الحالات المادّة 17 من قانون العقوبات، التي تمنحهم سلطة تخفيض العقوبة حسب تقديرهم، ممّا يؤدّي إلى إفلات الجناة من العقاب.149أمينة خيري، نساء “وضعن رؤوس الأهل في الطين". في الريف المصري وحده الدم يغسل العار، جريدة الحياة، 2004. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 25 أيلول/سبتمبر 2018.

وترى سليمان أنّ إثارة المسألة من قبل محامي المركز في المحاكم وفي تقرير الظلّ الذي أصدروه عن آليّات اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضدّ المرأة (CEDAW)، أجبرت الحكومة على الاعتراف بالمشكلة، حتّى وإن لم يؤدّي ذلك في النهاية إلى تعديل القانون.150مقابلة مع المحامية عزّة سليمان، 24 أيلول/سبتمبر 2018. مرجع سبق ذكره. كما نجح عمل محامي المركز في إدراج أسماء الأمّهات في شهادات ميلاد الأطفال، بعد أن أدّت إحدى القضايا التي تتعلّق بولادة طفلٍ خارجَ نطاق الزوْجيّة إلى تعديل قانون الطفل رقم 12 لعام 1996، للاعتراف بحقِّ الأمّ في الحصول على شهادة ميلاد لطفلتها المولودة خارج إطار الزواج المعترَف به شرعاً وقانوناً.151المرجع السابق.

تحتوي القوانين المصرية على العديد من الأحكامٍ التمييزيّة ضدّ المرأة والأقليّات الدينية والمجموعات المستضعَفة والمهمّشة اقتصادياً وأعضاء مجتمع الميم. وينبثق هذا التمييز من وظيفة القانون باعتباره نموذجاً للحفاظ على النظام الاجتماعي القائم وآليةً لضبط سلوك الأفراد في المجتمع المصري. فمن وجهة نظر الدولة، يجب على الأفراد اتِّباع المعايير الاجتماعيّة المقبولة على نطاقٍ واسع  كي يعتَبروا “مواطنين شرفاء". لذلك، يتعيّن عليهم الالتزام بالخصائص “الطبيعيّة” التي يُنظر إليها بوصفها خصائص أغلبية السكان، والامتناع عن التعبيرِ العلنيّ عن المعتقدات الدينية أو التفضيل الجنسيّ المُخالِف للنموذج الاجتماعي المُوحَّد. ويُعتبَر الانحراف عن هذه القواعد أمراً غيرَ مقبول، وقد يؤدّي إلى المسائلة الجنائية أو على الأقلّ إلى الحرمان من حماية الدولة من المضايَقات التي يمارسها الأفراد أو الجماعات المحافظة.152أحمد عزّت، السلطوية القانونية: الحقوق الشخصية والثقافة القانونية والقضاء في مصر، SOAS، جامعة لندن، 2016، ورقة غير منشورة.

وفقاً لهذا النموذج، تعيش النساء كذلك في ظلّ السلطة الأبويّة، ويتوقّف استحقاقُهنّ للحماية القانونية من العنف الجنسي والجندري على قبولهنّ لمكانتِهنّ وأدوارهنّ داخل المجتمع الأبويّ. فعلى سبيلِ المثال، يجرّم قانون العقوبات في المادة 306 (أ) مكرّر فعل التحرّش الجنسي، الذي كان يسمّى حتى عام 2014 “خَدش حياء الأنثى". ويعني هذا الوصف أنّ سلوك المرأة ينبغي أن يكون “لائقاً” وملتزماً بمعايير الحياء العام في المجتمع أولاً ليحقَّ لها أن تتمتّع بالحماية، وليُعتَبَر التحرّش الجنسي انتهاكاً.

ويؤكّد المحامي مصطفى محمود أنّه قبل تعديل هذه المادة في عام 2014، والذي أدخل مفرداتٍ جديدة عليها؛ لم يكن تعبير “التحرّش الجنسي” يلقى صدىً جيّداً في الدوائر الرسمية، حتّى عندما كانت الناجيات من التحرّش الجنسي تتقدّم بشكاوى في أقسام الشرطة ضدّ الجناة. حيث قُوبِلت الناجيات بالإنكار والإهمال ونقص الدعم،153مقابلة مع المحامي مصطفى محمود، 18 أيلول/سبتمبر 2018. وعلى وجه الخصوص عند استخدام لغة الحقوق. ويضيف محمود أن عمل المحامين الحقوقيّين المشتغلين بالشأن العامّ يدعم جهودَ الحركة النسائية المصرية ومنظّمات حقوق المرأة في نضالها من أجلِ وضع تعريفٍ قانوني للتحرُّش الجنسي في قانون العقوبات.154المرجع السابق.

وقبل تعديل عام 2014، كان المحامون التقليديّون يتجنّبون العمل في قضايا التحرّش الجنسي بسبب غياب الشهود أو أيّ أدلّةٍ أخرى لإثبات ادعاءاتهم. وكما يوضّح محمود، فإنّ المحامين الحقوقيّين أصرّوا على أن تقدّم السلطات للمحكمة محتوى الكاميرات التي سجَّلت حوادث متكرّرة من التحرّش الجنسي في الشوارع. وعلى الرغم من أن المحاكم لم تكن تستجيب عادةً لمثل هذه الطلبات، إلا أن إنّ إصرار المحامين على تولّي تلك القضايا بقدرٍ كبير من الجدّية ساعد في كسب بعض القضايا وضمان مساءلة الجناة.155المرجع السابق.

لم يكن من الممكن وضعُ تعريفٍ قانوني للتحرّش الجنسيّ دون نضال النسويّات المصريّات طويل الأمد، بعد حالات الاغتِصاب وغيرها من صور العنف الجنسي التي ارتُكِبت ضدّ النساء أثناء الاحتجاجات في ميدان التحرير بين عامي 2011 و2013. وبعد عامين من تعديل الموادّ 306 (أ) مكرّر و306 (ب) مكرّر من قانون العقوبات، قالت مديرةُ منظَّمة “نظرة للدراسات النسائية” مُزن حسن إنّ منظّمتها “قد انتصرت في أكثر من 50 قضية تحرّشٍ جنسي، معظمُها تنطوي على أحكام بالسجن، وذلك منذ أن جرّمت السلطات بشكلٍ مباشر التحرّش الجنسي في حزيران/يونيو 2014، قبل أيّامٍ من تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي".156Egypt Independent, Fight against sexual harassment in Egypt bearing fruit, 2016. Available at: egyptindependent.com تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.

وفي مجال الحريّات الدينية، تحتوي القوانين المصرية على العديد من الأحكام التي تميّزُ ضدَّ الأقليات الدينيّة، أو أولئك الذين لا يعتنِقون أيّ دين. حيث يجرّم قانون العقوبات انتِقاد شخصيّاتٍ دينية أو معتقداتٍ راسخة في الديانات الإبراهيمية، ويُعتَبَر التعبيرُ عن مثل هذه الآراء تجديفاً يُعاقَبُ عليه بالسجن لمدّةٍ تصلُ إلى خمس سنوات.157المادة 98 (هاء) من قانون العقوبات رقم 58 لعام 1937. ومنعت السلطات أفراد الأقليّات الدينية، مثل الشيعة، من تنظيم الاحتفالات الدينيّة العامّة أو المشاركة فيها، ومن إنشاء منظّماتٍ غير حكوميّة أو الحصول على اعترافٍ قانوني من أي نوع.158المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، “التنوع الممنوع في دين الدولة” الحرية الدينية للمصريين الشيعة نموذجاً، 2016. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 22 أيلول/سبتمبر 2018. كما أجبرت السلطات البهائييّن على الاختيار بين الإسلام والمسيحية عند قيدهم في الوثائق الرسمية.

ويشير المحامي عادل رمضان من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أنّ المحامين  المهتمّين بقضايا الشأن العام تمكّنوا من مساعدة الأقليّات الدينية لمواجهة قمع الدولة والتمييز قبل ثورة 2011. ويَضرب على ذلك مثلاً حين نجح محامو المبادرة في الإفراج عن العديد من الأفراد المُتّهمين بالتجديف دون إحالتهم للمحاكمة.159مقابلة مع المحامي عادل رمضان في 18 آب/أغسطس 2018. وفي عام 2009، أُلغِيَ القرار الإداريّ بإجبار البهائيّين على اعتبارهم مسلمين أو مسيحيّين في الوثائق الرسميّة، في قضيةٍ كانت قد رفعتها المبادرةُ قبل ثلاث سنوات. ونتيجة لهذا النصر القضائي، أصدر وزيرُ الداخلية مرسوماً يسمح للبهائيّين بإخفاء هويّاتهم الدينيّة بدلاً من إجبارهم على وضع دينٍ لا ينتمون إليه في وثائقهم الرسمية.160 هيومن رايتس ووتش، مصر: قرار بإنهاء التمييز ضد البهائيين في الوثائق الثبوتية، 2009. متوفّر على الرابط: hrw.org وتُعتَبَر هذه الحالة مثالاً مهمّاً لكيفيّة تأثير المحامين الحقوقيّين في حياةِ أفراد الأقليّات الدينية؛ فالوثائق الرسمية ضروريّة للوصول إلى حقوقٍ أخرى، منها الميراث والزواج والطلاق وغيرها من جوانب الحياة. وعلى الرغم من أنّ المرسوم الوزاري لم يسمح للبهائيين بالإشارة إلى دينهم الفعليّ في بطاقات هويّتهم؛ إلا أنه يُعتبر خطوةً مهمّة تمهّد الطريق أمام مزيدٍ من الانتصارات في المستقبل.

3.3 إتاحة المزيد من المجال أمام حريّة التعبير

يعمل محامو مؤسّسة حرية الفكر والتعبير منذ عام 2006 على توسيع نطاق حرية التعبير في مصر. ويَعتبِر المحامي عماد مبارك أنّ الوحدة القانونية بالمنظّمة هي الآلية المركزية لتنفيذ مهمّتها. وركّزت هذه الوحدة على تقديم المساعدة القانونية لضحايا انتهاك الحقّ في حرية التعبير، وتغيير سياسة الدولة من خلال التقاضي الاستراتيجيّ وتقديم الخبرة الفنيّة للأعمال البحثيّة للمؤسّسة.161مقابلة مع المحامي عماد مبارك في 17 أيلول/سبتمبر 2018. وقد بدأت الأخيرة بتقديم الدعم القانوني لأعضاء الحركات الطلابية، الذين واجهوا الطرد التعسّفي والاعتِقال وغيرَه من التدابير القمعيّة من قِبَل إدارات الجامعات والأجهزة الأمنية، نتيجةً لممارستهم النشاط السياسي في الحرم الجامعي أو لمحاولاتِهم التأثير على أنشطةِ اتِّحادات الطلاب التي كانت تسيطر عليها الأجهزة الأمنيّة162المرجع السابق. والطلّاب الموالون للحكومة.

وإلى جانب ذلك، شرعت مؤسّسة حرية الفكر والتعبير في استخدام التقاضي لتحدّي البيئة العدائية تجاه حريّة المعلومات. فرفعت القضايا أمام القضاء الإداري من أجل إلغاء القرارات الحكومية التي تَحرم الأفراد من ممارسة حقّهم في الحصول على المعلومات.163المرجع السابق. وتخصَّصت المؤسّسة في تقديم المساعدة القانونية للفنّانين في القضايا المُتعلِّقة بالانتهاكات المُرتَكبة ضدّ التعبير الفنّي،164المرجع السابق. بما في ذلك استخدام الحكومة لذريعة حماية الحياء العام والقيَم الدينية لفرض الرقابة على المحتوى الفني. وأطلقت المؤسّسة برنامجاً جديداً يركّز على الحقوق الرقميّة، واستخدَمت التقاضي للدفاع عن مُستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي، وتحدّي رقابة الحكومة على مواقع الإنترنت أمام المحاكم المصرية.165المرجع السابق.

وكما هو موضّح في الأولويات التي حدّدها محامو مؤسّسة حرية الفكر والتعبير، اعتمدت المؤسّسة استراتيجيّة التخصُّص في موضوعاتٍ بعينها. وكانت إحدى القضايا المهمّة التي فازت بها في عام 2017 هي القضية رقم 8830 للسنة القضائية 70 ضدّ قرار وزير العدل. وهو قرارٌ بمنح رؤساء النقابات الفنية السلطة التي تخوِّلهم اعتقال مشتبهٍ بهم جنائيّاً، إذا كانوا يلعبون أيّ دورٍ في أي عملٍ فنّي دون إذن النقابة. ويرى المحامي محمود عثمان أنّ قرار المحكمة في هذه القضية أفاد عدداً كبيراً من الفنانين الذين تأثّروا سلباً بقرار الوزير.

وكان الأثر الواسع لهذا القرار أحدَ الأسباب التي دفعت محامي المؤسّسة لرفع هذه القضية. وجادل عثمان بأنّ سلطة ضبط الجرائم وتوقيف مرتكبيها يجب أن تكون محصورةً بيد الشرطة، مع بعض الاستثناءات الممنوحة لموظّفي القطاع العامّ الآخرين، مثل موظّفي قطاع الضرائب. أمّا أعضاء نقابة المهن التمثيلية فلا يَملكون هذه الصفة لأنّهم ليسوا ممثِّلين للسلطة الحكومية. كما ذكر عثمان حجّةً أخرى تتلخّص في أنَّ القرار قد فرض قيوداً غيرَ ضرورية على التعبير الفنّي والفنانين؛ إذ لا يجب إجبارُهم على الحصول على أيّ تصاريح قبل أداء فنونهم. وقد ألغت المحكمة قرار وزير العدل، وأحالت مادّتين من القانون إلى المحكمة الدستورية العليا، الأمر الذي اعتُبِر نصراً كبيراً للمجتمع الفنّي في مصر.166مؤسّسة حرية الفكر والتعبير، القضاء الإداري يوقف قرارات منح النقابات الفنيّة صفة الضبطية القضائية ويحيل 3 مواد للدستورية العليا، 2016. متوفّر على الرابط: afteegypt.org تمّت زيارته في 26 أيلول/سبتمبر 2018.

الخلاصة:

يمكن النظر إلى حركة المحامين المصريّين المشتغلين بالقضايا التي تمس الشأن العامّ باعتبارها حركةً سياسيّة تهدف إلى مواجهة قمع الدولة وظلمها عن طريق القضاء. وهناك العديد من العوامل التي لعبت دوراً مهمّاً في تطوير هذه الحركة، بما في ذلك الخلفيّات السياسية للمحامين. علاوَةً على ذلك، فإنّ الدعم المؤسّسي والتربَوي الذي يتلقّاه المحامون من المنظّمات السياسية والحقوقية ييسّر عملَهم، ويعوّضهم عن المستوى المتدنّي للتعليم القانوني الذي تلقّوه في الجامعات المصرية، والدور المؤسّسي الضعيف لنقابة المحامين.

لقد تمكّن هؤلاء المحامون، على مدار تاريخهم، من تطوير لغةٍ وأساليب قانونيّة ساهمت في تشكيل هويّتهم كمؤيّدين للحركات الاجتماعية المختلفة، وكجزءٍ لا يتجزّأ من المجتمع المدني. ويشمل هذا تبنّي لغة حقوق الإنسان في السياق القضائيّ المصريّ، وزيادة الفرص التي توفّرها بعض المنصّات القضائية، ولا سيّما القضاء الإداريّ.

يوضّح تاريخ المحامين المشتغلين بالشأن العامّ في مصر في القرن العشرين كيف أثّرت الحركات الاجتماعية المختلفة على هذه المهنة. إذ ساهمت الحركاتُ العماليّة والمنظّمات السياسية في تطوير هويّة خاصّة بالمحامين منذ أربعينيات القرن العشرين. وشكّلت لجنة الحريّات بنقابة المحامين عاملاً مهمّاً في توسيع نطاق المحاماة ليتجاوز القضايا العمّالية. بيد أن دورَ نقابة المحامين تآكل في نهاية الثمانينيّات، وتغيّر المشهد السياسيّ في مصر بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي وصعود الحركة الإسلاميّة والانكِماش التدريجيّ للفضاء المدنيّ؛ وهو ما ساهم في ظهور الموجة الأولى من منظّمات حقوق الإنسان، التي تبنّت المحاماة كاستراتيجيةٍ رئيسيّة. وقد تأثّر المحامون المشتغلون بالشأن العامّ بازدهار الحركات الاجتماعيّة والسياسية في مصر وتراجعها، وكانوا في قلب المناقشات والتطوّرات السياسية؛ من إضرابات 2006-2007 في مدينة المحلّة إلى ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011. كما وجدوا أنفسهم منخرطين في قضايا مثل اعتِقال النشطاء السياسيّين، وكذلك في دعم العمّال في الدعاوى المرفوعة منهم ضدّ الخصخصة، ولعبوا دوراً في الجهود الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب، بما في ذلك محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك بتهمٍ تتعلّق بقتل المتظاهرين.

ألهمت قدرةُ الحركات الاجتماعية على مواجهة الدولة هؤلاء المحامين وعزّزت قوّتَهم في معاركهم أمام المنابر القضائيّة. وبالمقابل، أثّر ضعفُ الحركات السياسيّة في مواجهة قمع الدولة على فعاليتهم. وبالإضافة إلى التأثّر بالحركة السياسية الأوسع نطاقاً، لعبت طبيعة المجال القانوني في مصر دوراً في تصنيف المحاميين المشتغلين بالشأن العام كحركةٍ سياسيّة، ومهّدت البنيَة المزدوِجة للحقل القانونيِّ بين مؤسّسات دولة القانون ودولة الصلاحيّات السبيل أمام المحامين، الذين نجحوا في بعض الحالات في تحدّي السرديّة السائدة للدولة.

غير أنّ نجاح هؤلاء المحامين لم يأتِ من دون عوائق، فقد امتدّ الاستقطاب في صفوف الحركات الديمقراطية في مصر بسبب موقفِها من الانقلاب العسكري عام 2013 إليهم. وشهدت الحركةُ نقاشاً حادّاً أدّى إلى انقسامِها حول إمكانيّة الدفاع عن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين في مواجهة الاحتِجاز التعسّفي والاختِفاء القسري والتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء من قبل السلطات. وامتنَع بعض المحامين عن تقديم الدعم القانوني لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم بحجّة أنّهم أعداءٌ سياسيّون، وأنّهم مسؤولون جزئيّاً عن تدهورِ الوضع السياسيّ حين أقصوا الجماعات الأخرى من المشاركة السياسية أثناء وجودهم في السلطة. وعلاوةً على ذلك، أحجم بعض المحامين عن العمل في قضايا معيّنة، أو تبنّوا مواقف مبدئيّة في مجال حقوق الإنسان، ولا سيّما في القضايا التي تتعلّق بأفرادٍ من مجتمع الميم المُستهدَف من قبل الجهات الحكومية وغير الحكوميّة نتيجة ميلهم أو هويّتهم الجنسيّة. وتوضّح مثل هذه المواقف الفرق بين المحامين الحقوقيّين المشتغلين بالشأن العامّ – كمظلّةٍ عامّة تصلح لوصف جميع المحامين المنخرطين في الدعاوى القضائيّة المتعلّقة بالمصلحة العامّة –  ومحامي حقوق الإنسان الذين يدافعون عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان دون قيدٍ أو شرط.

ترى مقدمة هذا الكتاب أنه من الصعب وضع تعريف شامل لمحاكمة الأسباب نظراً للاختلاف في السياق بين أنواع مختلفة من المحاماة في الولايات المتحدة، وأن بعض أشكال المحاماة التقليدية قد تتشارك في سمات مشتركة مع قضية المحاماة.

وتجدر الإشارة إلى الدولة المزدوجة في السياق المصري، لا تشير فقط إلى التمييز بين المحاكم العادية والاستثنائية، ولكن أيضاً إلى الثنائية التي يمكن أن توجد في أيّ من هذه المؤسّسات. وكما ذكرنا أعلاه، فإنّ محكمة أمن الدولة العليا، التي لا يمكن الطعن في قراراتها، كانت في بعض الحالات ترفض تطبيق القوانين القمعية التي تنتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبالتالي فهي تجمع في داخلها آليتي الدولة المزدوجة في مؤسّسة واحدة.

Footnotes   [ + ]

1. ومع ذلك، فإن المحكمة الدستورية العليا عكست هذه الانتصارات لأسباب فنية. وزعم حكم المحكمة أنّ المسؤولية عن تسليم تيران وصنافير تقع على عاتق السلطة التشريعية (مجلس النواب) وليس السلطة القضائية.
2. عمل الباحث محامياً متدرباً في مجال حقوق الإنسان في مركز هشام مبارك للقانون من 2004 إلى 2006، وفي المركز المصريّ للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو 2009، وفي مؤسسة حريّة الفكر والتعبير من 2007 إلى 2014.
3. شكّل المحامون جزء هام من موظّفي المنظّمات غير الحكومية الرئيسيّة مثل مركز هشام مبارك للقانون والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومؤسسة حرية الفكر والتعبير ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب خلال مراحل مختلفة من تاريخ هذه المنظمات.
4. منّة عمر، مهنة المحاماة في مصر بين شروط القيد وسوق العمل، المفكرة القانونية، 2017، متوفّر على الرابط: legal-agenda.com  تمّت زيارته في 23 آب/أغسطس 2018.
5. عمرو الشلقاني، تاريخ ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية “4-4"، 2012. متوفّر على الرابط:  shorouknews.com تمّت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
6. Mada Masr, 'Autopsy Shows Lawyer Was Tortured To Death At Matareya Police Station', (2015). Available at:  madamasr.com تمت زيارته في 23 آب/أغسطس 2018.
7. تُنظر متطلبات الانضمام إلى نقابة المحامين في قانون المحاماة رقم 17 لعام 1983، المادة 13.
8. Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the East Middle, Amsterdan University Press, Amsterdam, 2010, pp. 58-59.
9. يُنظر الفيديو المنشور على موقع Daily Motion، والذي يصور قمع المحامين أثناء احتجاجهم على مقتل أحد زملائهم عام 1994. متوفر على الرابط:  dailymotion.comتمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
10. مجلة الاشتراكية الثورية، نقابة المحامين والحراسة، 1999، متوفر على الرابط: revsoc.me تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
11. اليوم السابع، من يحدد أتعاب المحامين في مصر، 2017، متوفر على الرابط: goo.gl تمت زيارته في 24 آب/أغسطس 2018.
12. Peter J. Henning, 'Lawyers, Truth, And Honesty in Representing Clients' (2014) 20 Notre Dame Journal of Law, Ethics & Public Policy. p 213. يقول هيننغ في سياق المحاماة الأمريكية: إن هنالك قواعد معيّنة تفرض أن لا يقدّم المحامون أدلّة كاذبة أو يقومون بتضليل شخص ثالث أو يتصرفون بشكل مخادع أو احتيالي. ومع ذلك، فإنّ تلك القواعد لا ترشد أيّ محامٍ لضمان أن تعكس نتيجة التمثيل القانوني ما حدث بالفعل في المعاملة التي هي جوهر النزاع.
13. J Krishnan, “Lawyering for a Cause and Experiences from Abroad", in California Law Review, vol. 94, 2006, 575.
14. A Sarat & S Scheingold, Cause Lawyering: Political Commitments and Professional Responsibilities, (ed), Oxford, Oxford University Press, 1998, pp. 3-8.
15. تعني عبارة “الحركات الاجتماعية” هنا الأنشطة الجماعيّة المستمرّة من قبل مجموعة معيّنة من المحامين ضدّ السلطات لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية محدّدة في سياق سياسي واجتماعي يسمح بمثل هذه الأعمال. انظر: Sidney Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics (2nd ftn, Cambridge Univ Pr 1998). 10.
16. محمود قنديل محام كبير نشط في لجنة الحريات بنقابة المحامين خلال الثمانينيات والتسعينيات. وهو أيضاً عضو سابق في المنظّمة المصرية لحقوق الإنسان.
17. مقابلة مع المحامي محمود قنديل، 15 آب/أغسطس 2018.
18. قضية حوكم فيها 176 شخصاً بتهم التحريض على العنف ضدّ مؤسّسات الدولة خلال احتجاجات جماهيرية ضدّ قرار الرئيس برفع أسعار السلع الأساسية.
19. عصمت سيف الدولة، دفاع عن الشعب، 1977. متوفّر على الرابط:  slideshare.net تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
20. Judith Miller, Hisham Mubarak Dies at 35; Rights Campaigner in Egypt, The New York Times, 1998. Available at: nytimes.com تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر عام 2018.
21. هبة عفيفي، أحمد سيف: المقاتل الرحيم والمبدع القانوني، مدى مصر، 2014. متوفر على الرابط: madamasr.com تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
22. المفكرة القانونية، نصائح خالد علي: كيف أدافع عن الشأن العامّ، 2013. متوفّر على الرابط: legal-agenda.com تمت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
23. Tamir Moustafa, Rule by Law: The Politics of Courts in Organizitarian Regimes (Cambridge University Press 2008).
24. استخدم النظام المصري المحاكم والقوانين لمجابهة خصومه وحجبهم، إلا في حالات قليلة عندما استخدم أساليب خارج نطاق القانون مثل الإعدام خارج نطاق القضاء، يُنظر منظمة العفو الدولية، مدرِّس ينضمّ إلى أحدث ضحايا موجة مصر المخيفة من الإعدام خارج نطاق القضاء، 2017. متوفر على الرابط:  amnesty.org  تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.
25. مقابلة مع المحامي أحمد قناوي، في 15 آب/أغسطس 2018.
26. أحمد نبيل الهلالي، حرية الفكر والتعبير، هذه هي القضية، الطبعة الثانية، المصرية الجديدة، 1989.
27. المرجع السابق، ص. 26-27.
28. مقابلة مع المحامي أحمد راغب، في آب/أغسطس 2018.
29. مقابلة مع المحامي طارق عبد العال في آب/أغسطس 2018
30. المرجع السابق.
31. مقابلة مع المحامي أحمد قيناوي، في آب/أغسطس 2018.
32. علاء عبد التوّاب، تاريخ الإضراب بين العمال والسلطة.. النص والتطبيق، 2016. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.
33. في القضية رقم 4190 لعام 1986، أمام محكمة أمن الدولة العليا.
34. مذكّرة دفاع على موقع منتدى المحامين العرب مقدّمة في 26 شباط/فبراير 2016، وموجودة على الرابط: mohamoon-montada.com تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.
35. المرجع السابق.
36. أحمد سيف الإسلام حمد، الدفاع في القضية رقم 5498 لعام 2008. متوفّر على الرابط: qadaya.net
37. أحمد سيف الإسلام حمد، الدفاع في القضية رقم 5498 لعام 2008. متوفّر على الرابط:  qadaya.net
38. دفاع مؤسّسة حرية الفكر والتعبير أمام المحكمة الإدارية في القضية رقم 1430 للسنة القضائية رقم 56. متوفّر على الرابط: afteegypt.org
39. على خلاف فروع القانون الدولي الأخرى التي بدأ تدريسها في الجامعات المصرية.
40. من أمثلة ذلك المحاميان يوسف درويش وأحمد نبيل الهلالي.
41. ينتمي معظم المحامين البارزين الذين أسّسوا الموجة الأولى من منظّمات حقوق الإنسان إلى النزعة اليسارية، وكان بعضهم أعضاء في منظّمات يسارية.
42. هي هيئة داخل المؤسّسة المُكلّفة بمهمة الدفاع عن الشأن العامّ.
43. بيانات لجنة الحريّات في حزب التجمّع. متوفرة على الرابط: ahewar.org
44. يعترف الأكاديميون القانونيون أنفسهم بأن التعليم القانوني في مصر في حالة سيّئة. وعلى سبيل المثال، يقول أستاذ القانون عمرو الشلقاني: إن التعليم القانوني في كليّات الحقوق المصرية قد تدهور بشكل مستمرّ منذ عام 1952 من حيث متطلّبات الالتحاق بالكليات وجودة البحث القانوني والتدريس ونقص المواد في المكتبات القانونية وتوافر مصادر قانونية موثوق بها للأبحاث. يُنظر: عمرو الشلقاني، تاريخ ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية، 4-4، 2012، متوفّر على الرابط: shorouknews.com تمّت زيارته في 8 أيلول/سبتمبر 2018.
45. Tamir Moustafa, The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt, (Cambridge University Press 2007).
46. مقابلة مع المحامي مالك عدلي في آب/أغسطس 2018.
47. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 28 كانون الأول/ديسمبر: الحكم في قضية الفحص الطبي الإجباري كشرط للزواج... المبادرة المصرية: الإجبار ينتهك حقوق الإنسان والدستور وإقراره أدّى لانتشار الشهادات المزوّرة، 2010. متوفّر على الرابط:  goo.gl تمت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.
48. يمكن تعريف التقاضي الاستراتيجي بأنه رفع دعوى قضائية أمام محكمة معيّنة بغرض إجراء تغيير لصالح مجموعة اجتماعية، وليس فقط لصالح طرف في القضية المعروضة أمام المحكمة.
49. المصري اليوم، 4 منظمات حقوقية تطالب «القوى العاملة» بحلّ اتحاد العمال، 2011. متوفّر على الرابط: almasryalyoum.com تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.
50. التدخل المقدّم من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في قضية يوسف البدري ضدّ وزير الثقافة، 2009، متوفّر على الرابط: qadaya.net
51. محمد عادل سليمان، التوسّع في الصفة لقبول دعوى الإلغاء في مصر. متوفّر على الرابط:  legal-agenda.com تمّت زيارته في 9 أيلول/سبتمبر 2018.
52. تمّ تقديم مفاهيم الدولة الامتيازية والدولة المعيارية من قبل العالم الألماني أرنست فراينكل في دراسته للنظام القانوني في إطار الرايخ الثالث. أنظر:Ernst Fraenkel, The Dual State: A Contribution to the Theory of Dictatorship (The Lawbook Exchange 2010).
53. Tamir Moustafa, 'Law and Resistance in Authoritarian States: The Judicialization of Politics in Egypt' in Tom Ginsburg and Tamir Moustafa (eds), Rule by Law: The Politics of Courts in Authoritarian Regimes (Cambridge University Press 2008) 132–155.
54. على الرغم من تحليل هذه الثنائية للمرّة الأولى في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين؛ فإنّ نظرية أرنست فراينكل تزامنت وتعمّقت مع تحليل اثنين من المنظّرين الماركسيين المهمّين، اللذين ركّزا على آليات الدولة للهيمنة في القرن العشرين. حيث استخدم أنطونيو غرامشي ثنائيات القوة مقابل القبول، والدولة مقابل المجتمع المدني، من بين أمور أخرى لشرح كيف استطاعت الدول الغربية تحقيق الهيمنة على الجماهير. ومن ناحية أخرى، قدّم لويس التوسير نظرية إعادة إنتاج النظام الرأسمالي من خلال ازدواجية أجهزة الدولة القمعية مقابل أجهزة الدولة الإيديولوجية والقانون والمؤسسات القانونية في ظلّ الانقسام الإيديولوجي.
55. Khaled Fahmy, 'Justice, Law and Pain in Khedival Egypt' in Baudouin Dupret (ed), Standing Trial: Law and the Person in the Modern Middle East (I.B.Tauris 2004) 85–115.
56. Tamir Moustafa, The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt (Cambrige University Press, 2007).
57. Tamir Moustafa, Public Interest Litigation and the Egyptian Movement. in Anthony Tirado Chase and Amr Hamzawy (eds), Human Rights in the Arab World: Independent Voices (University of Pennsylvania Press c2006), p. 158.
58. Nathan J. Brown, The Rule of Law in the Arab World: Courts in Egypt and the Gulf (Cambridge University Press 2007) p. 73.
59. طارق البشرى، الحركة السياسية في مصر 1945-1952، الطبعة الثانية، دار الشروق، 2002، ص 81-144.
60. المرجع السابق.
61. طارق البشرى، الديمقراطية ونظام 23 تموز/يوليو 1952-1970، الطبعة الأولى، مؤسّسة البحث العربي، 1987، ص 66-84.
62. Tamir Moustafa, 'Law and Resistance in Authoritarian States: The Judicialization of Politics in Egypt' in Tom Ginsburg) (Cambridge University Press 2008) 132–155.
63. المرجع السابق.
64. Hossam el-Hamalawy, Egypt's hidden history of dissent. The New Arab, 2015. Available at: alaraby.co.uk
65. Tamir Moustafa, 'Law and Resistance in Authoritarian States: The Judicialization of Politics in Egypt' in Tom Ginsburg) (Cambridge University Press 2008).
66. OHCHR, Status of Ratification Interactive Dashboard. Available at: indicators.ohchr.org وقد صدّقت مصر على العهدين الدوليين في عام 1982، وعلى اتفاقية مناهضة التعذيب في عام 1986، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 1981.
67. Nathan J. Brown, p. 98.
68. قدّم المفكّر الماركسي الثوري الإيطالي أنطونيو غرامشي مصطلح “المثقّف العضوي” للإشارة إلى الأفراد الذين يقدّمون إلى طبقاتهم أو جماعاتهم الاجتماعية التي ينتمون إليها الوعي والتمكين في المجال الاقتصادي وكذلك على المستويين الاجتماعي والسياسي. انظر: Valeriano Ramos, Jr, The Concepts of Ideology, Hegemony, and Organic Intellectuals in Gramsci’s Marxism, 1982. Available at: marxists.org تمّت زيارته في 1 كانون الأول/ديسمبر 2018.
69. أنطونيو غرامشي، مختارات من دفاتر السجون، ElecBook 1999. ص 134-135.
70. يُنظر: المرجع السابق. ولا يقتصر هذا على المحامين الذين يمثّلون المجموعات الضعيفة، ولكن يشمل أيضاً المحامين الذين يقفون إلى جانب الطبقات الغنية.
71. لجنة توثيق الحركة الشيوعية حتى عام 1965، العمّال في الحركة الشيوعية المصرية حتى عام 1965، 2001، ص 8-20. مرجع سبق ذكره. يجب الانتباه إلى أن دار الخدمات النقابية المقصودة هنا تختلف عن دار الخدمات النقابية التي أنشأت في القاهرة عام 1990 ويديرها النقابي السابق والحقوقي كمال عباس.
72. المرجع السابق.
73. Joel Beinin, 'Labor, Capital, And The State In Nasserist Egypt, 1952–1961', 1989, 21 International Journal of Middle East Studies. P. 75.
74. مرافعة أحمد نبيل الهلالي في قضية اغتيال رفعت المحجوب. متوفّرة على الرابط: qadaya.net
75. موقع البداية، كلمة أحمد نبيل الهلالي في مؤتمر لنقابة الصحفيين المصريين. متوفر على الرابط: albedaiah.com
76. المرجع السابق.
77. المرجع السابق.
78. جريدة الاشتراكي: 18 و19 يناير 1977.. دروس الانتفاضة، متوفّر على الرابط:  revsoc.me
79. مقابلة مع المحامي أحمد قناوي، في 25 آب/أغسطس 2018.
80. صلاح الأنصاري، اعتصام عمال الحديد والصلب 1 أب/أغسطس 1989، الحوار المتمدن، العدد: 2676. متوفّر على الرابط:  ahewar.org  تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
81. مقابلة مع محمود قنديل في 15 آب/أغسطس 2018.
82. المرجع السابق.
83. مقابلة مع أحمد قناوي في 25 أيلول/سبتمبر 2018.
84. خالد علي عمر، النقابات العمّالية: محاولة للفهم، مركز هشام مبارك، متوفّر على الرابط: drive.google.com تمّ الدخول إليه في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
85. مقابلة مع أحمد قناوي في 25 آب/أغسطس 2018، ومحمود قنديل في 15 آب/أغسطس 2018.
86. ياسمين شاش، مولد وتطوّر وتحديات الحركة الحقوقية في مصر، مبادرة الإصلاح العربية، 2017. متوفّر على الرابط: arab-reform.net تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
87. منظّمة العفو الدولية، مصر: حان وقت العدالة: نظام الاعتقال البغيض في مصر، 2011. متوفّر على الرابط: amnesty.org تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
88. ياسمين شاش، مرجع سابق.
89. المرجع السابق.
90. المرجع السابق.
91. Tamir Moustafa, Public Interest Litigation and the Egyptian Movement. in Anthony Tirado Chase and Amr Hamzawy (eds), Human Rights in the Arab World: Independent Voices (University of Pennsylvania Press c2006), P. 158.
92. المرجع السابق.
93. المرجع السابق، ص 159.
94. المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 59 لسنة 18 قضائية.
95. تامر مصطفى، دعاوى المصلحة العامة والحركة المصرية. المرجع السابق نفسه.
96. المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 77 لسنة 19. متوفّر على الرابط: hrlibrary.umn.edu
97. المرجع السابق.
98. Tamir Moustafa, ‘Public Interest Litigation and the Egyptian Movement’. p. 158.
99. مقابلة مع المحامي عادل رمضان.
100. الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. الموقع الرسمي: anhri.net
101. مقابلة مع عماد مبارك في 17 أيلول/سبتمبر 2018.
102. Egypt's fight against sexual harassment bearing fruit, The National, 2016. Available at: thenational.ae تمت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
103. موقع قضايا: أهم المبادئ القضائية التي أرستها محكمة القضاء الإداري في حكم وضع حدّ أدنى للأجور. متوفّر على الرابط:  qadaya.net تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
104. أحمد راغب، تصويت المصريين في الخارج.. الحق العائد، 2012. متوفّر على الرابط:  ahmdragheb.blogspot.com تمّت زيارته في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.
105. محمود مراد، قراءة في احتجاجات العمّال، الاشتراكيّ، 2007. متوفّر على الرابط: revsoc.me تمّت زيارته في 24 أيلول/سبتمبر 2018.
106. محكمة القضاء الإداري، القضية رقم 21606 من السنة القضائية 63. متوفّر على الرابط: goo.gl
107. المرجع السابق.
108. القانون رقم 49 للعام 1972.
109. المحكمة الإدارية العليا، القضية رقم 9847 و9896 من السنة القضائية 48. متوفّر على الرابط: laweg.net
110. محكمة القضاء الإداري، القضية رقم 21606 من السنة القضائية 63، مرجع سابق.
111. المرجع السابق.
112. المصري اليوم، “عمال مصر” يتظاهرون أمام مقرّ الحكومة للمطالبة بحد أدنى للأجور.. ويهدّدون بالاعتصام في أيار/مايو (2010). متوفّر على الرابط: almasryalyoum.com تمّت زيارته في 25 أيلول/سبتمبر 2018.
113. جيهان شعبان، موظفو الضرائب العقارية يحكون قصة اعتصام حسين حجازي، الاشتراكي، 2008. متوفّر على الرابط: revsoc.me
114. المرجع السابق.
115. المرجع السابق.
116. المرجع السابق.
117. القانون 35 للعام 1976.
118. جيهان شعبان، موظفو الضرائب العقارية يعلنون نقابتهم المستقلّة، الاشتراكي. متوفّر على الرابط:  revsoc.me تمّت زيارته في 25 أيلول/سبتمبر 2018.
119. المرجع السابق.
120. علاء عبد التواب، حركة النقابات المستقلّة: كيف بدأت وكيف انتهت، الفصل الثالث في “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية: العمال والسياسة والدولة في مصر 2006-2016"، دار مرايا للإنتاج الثقافي، 2017، ص 79– 118.
121. المرجع السابق.
122. القانون رقم 213 لعام 2017، الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2017.
123. فاطمة رمضان، التقاضي الاستراتيجي: العمّال وخصخصة القطاع العامّ بين السياسة والقانون، الفصل الرابع في “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية: العمال والسياسة والدولة في مصر 2006-2016"، دار مرايا، 2017، ص. 167.
124. المصدر السابق.
125. المصدر السابق.
126. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المصيدة: عقاب الاختلاف الجنسي في مصر، 2017. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018.
127. مقابلة مع عادل رمضان في 17 آب/أغسطس 2018.
128. مقابلة مع المحامي محمود سعيد في 15 أيلول/سبتمبر 2018. (تمّ تغيير الاسم لحماية هويّة المحامي).
129. عمرو عزّت، ولماذا -أصلاً- يذهب الكلام إلى المحكمة؟ مدوّنة ما بدا لي، 2007، متوفّر على الرابط: mabadali.blogspot.com تمّت زيارته في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018.
130. البوابة نيوز، الداخلية تدعو الحقوقيين لحضور عملية فضّ اعتصام رابعة، 2013. متوفّر على الرابط: albawabhnews.com تمّت زيارته في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018.
131. بيان من محامي جبهة الدفاع عن متظاهري مصر عن الأحداث الأخيرة، متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 2 تشرين الثاني/أكتوبر 2018.
132. مقابلة مع المحامية عزّة سليمان، في 24 أيلول/سبتمبر 2018.
133. مقابلة مع المحامي محمد الباقر، في 15 أيلول/سبتمبر 2018.
134. المرجع السابق.
135. منظمة العفو الدولية، مصر: تجميد الأصول ذريعةٌ مشينة لإخماد أنشطة حقوق الإنسان. متوفر على الرابط: amnesty.org تمّت زيارته في 19 أيلول/سبتمبر 2018.
136. مقابلة مع المحامي محمد الباقر، في 15 أيلول/سبتمبر 2018. مرجع سبق ذكره.
137. المرجع السابق.
138. المرجع السابق.
139. The Middle East Monitor, 254 cases of 'enforced disappearance' in Egypt since the beginning of 2017, 2017. Available at: middleeastmonitor.com تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
140. حيثيات حكم القضاء الإداري ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، اليوم السابق، 2016. متوفّر على الرابط: goo.gl
141. المرجع السابق.
142. رنا ممدوح، «الدستورية» تُنهي النزاع القضائي حول «تيران وصنافير»، مدى مصر، 2018. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 27 أيلول/سبتمبر 2018.
143. علي الرجّال، الذبح على محراب الدولة المقدّس، مدى مصر، 2015. متوفّر على الرابط: goo.gl
144. أهداف سويف، جزر مصر المسلوبة: فضيحة نظام السيسي، نيويورك تايمز، 2017. متوفّر على الرابط: nytimes.com تمّت زيارته في 26 أيلول/سبتمبر 2018.
145. المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتعاون مع المفكرة القانونية، حكمت المحكمة: تيران وصنافير مصرية، 2017. ص 17.
146. حكمت المحكمة، ص 12.
147. مقابلة مع المحامية عزّة سليمان، 24 أيلول/سبتمبر 2018.
148. المرجع السابق.
149. أمينة خيري، نساء “وضعن رؤوس الأهل في الطين". في الريف المصري وحده الدم يغسل العار، جريدة الحياة، 2004. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 25 أيلول/سبتمبر 2018.
150. مقابلة مع المحامية عزّة سليمان، 24 أيلول/سبتمبر 2018. مرجع سبق ذكره.
151. المرجع السابق.
152. أحمد عزّت، السلطوية القانونية: الحقوق الشخصية والثقافة القانونية والقضاء في مصر، SOAS، جامعة لندن، 2016، ورقة غير منشورة.
153. مقابلة مع المحامي مصطفى محمود، 18 أيلول/سبتمبر 2018.
154. المرجع السابق.
155. المرجع السابق.
156. Egypt Independent, Fight against sexual harassment in Egypt bearing fruit, 2016. Available at: egyptindependent.com تمّت زيارته في 20 أيلول/سبتمبر 2018.
157. المادة 98 (هاء) من قانون العقوبات رقم 58 لعام 1937.
158. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، “التنوع الممنوع في دين الدولة” الحرية الدينية للمصريين الشيعة نموذجاً، 2016. متوفّر على الرابط: goo.gl تمّت زيارته في 22 أيلول/سبتمبر 2018.
159. مقابلة مع المحامي عادل رمضان في 18 آب/أغسطس 2018.
160.  هيومن رايتس ووتش، مصر: قرار بإنهاء التمييز ضد البهائيين في الوثائق الثبوتية، 2009. متوفّر على الرابط: hrw.org
161. مقابلة مع المحامي عماد مبارك في 17 أيلول/سبتمبر 2018.
162. المرجع السابق.
163. المرجع السابق.
164. المرجع السابق.
165. المرجع السابق.
166. مؤسّسة حرية الفكر والتعبير، القضاء الإداري يوقف قرارات منح النقابات الفنيّة صفة الضبطية القضائية ويحيل 3 مواد للدستورية العليا، 2016. متوفّر على الرابط: afteegypt.org تمّت زيارته في 26 أيلول/سبتمبر 2018.