النّقابات كلاعب جمعوي في الجزائر: قراءة في الأدوار

الجزائر - 16 سبتمبر 2022: شارع بوليفارد تشي جيفارا، مبنى مقر الولاية. (c) سي.ام.اس

مقدّمة:

إنّ البحث في شأن النقابات الجزائرية قائم منذ التأسيس الأوّل، زمن البدايات التي مهّدت لبلورة مشروع نقابيّ يسهم في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضا وإن بطرق غير مباشرة، ومن آثار البدايات الأولى على سبيل المثال، ما عرفته النقابات العمالية في الجزائرية منذ حراك 5 كانون الثاني/ يناير 2011، وإن لم ترفع النقابات خلاله شعارات سياسية، إلاّ أن مشاركتها أضمرت نوايا سياسية؛ وهذا ما نبين عنه لاحقا في هذا المقال. كما تصدّرت في هذه الفترة واجهة الحراك الاجتماعي في الجزائر بشكل تدريجي يظهر تارة ويختفي تارة أخرى، تحت قيادة النقابات المستقلّة خاصة في قطاعات التربية والصحة والإدارة العمومية؛ إذ أسهمت في تنفيذ إضرابات، أدت أغلبها إلى تحقيق مطالب مهنية متعلقة برفع الأجور ومسائل تخص السُلَّم الوظيفي، كما كان لها حضورا لافتا يتعلق أساسا بالدّفع التعبوي والاحتجاجي.

خلال الفترة ما بين 2012 إلى غاية 2019، كَبُر طُموح النَّقابات المستقلة، حتى وصلت إلى قوة جاذبة للمحتجّين ومهدِّدة للسلطة، لذا سارعت الأخيرة إلى التّضييق لأي فعل احتجاجي أو إضرابات عمالية، في المقابل أعادت النقابات المستقلة الاعتبار للعمل النقابي جزئياً على الأقل، ومنحه شرعية أكبر لدى الطبقة الشغّيلة الجديدة على العمل المطلبي.1إلياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لمنهيي الصحة، في حوار خاص 2023 يقول:" لعبت النقابات المستقلة دورا مهما في دعم الحراك الشعبي 2019 ولم تتأخر في الانخراط فيه رسميا من خلال اجتماع 28 فبراير 2019 والذي انتهى ببيان صدر نفس اليوم وأعلنت فيه كونفدرالية النقابات الجزائرية (قيد التأسيس) دعمها المطلق للحراك ودعت منتسبيها للمشاركة في مسيراته بقوة مع إقرار تأجيل المطالب المهنية والاجتماعية وتأخيرها، لأن الأولوية صارت للمطلب الوطني الشعبي".

واستطاعت هذه النقابات احتواء أعدادا كبيرة من الموظفين داخل هياكلها المحلية والوطنية، نظرا لإسهامها في تحسين ظروف عدة فئات مهنية بالحصول على زيادات معقولة في الأجور، وابتعادها عن هياكل الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي استمر حاضراً من دون فعالية كبيرة وسط هذه القطاعات، وتوجه أثناءها أكثر لإنجاز الأدوار السياسية المرتبطة بمرافقة استراتيجيات النظام السياسي الرسمي وتنفيذ أجندته.

كما أن الزّخم الشّعبي الذي شهدته الجزائر في سنة 2019، دفع بعض الفاعلين في الساحة السياسية، إلى النّظر في القوانين النّاظمة للحريات السياسية والإعلامية والنقابية.2أنظر محمود بلحيمر، "الانتقال الديمقراطي في الجزائر"، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، 2017.

الثابت أن ضمان مساحة الحريات الفردية والجماعية بما فيها الحريات النقابية، مرهون باستقلالية فعلية للعمل النقابي.3عبد العزيز رحابي، دبلوماسي ووزير الإعلام سابق، من الشخصيات الوطنية التي شاركت في العديد من الندوات واللقاءات الخاصة بالتنسيقية من أجل التغيير الانتقال الديمقراطي 2014، كما شارك في ندوات الانتقال الديمقراطي في 2019 ووفق تلك الرؤية، نتساءل عن حالة النّقابات المهنيّة في ظلّ الانفتاح السياسي الذي شهدته الجزائر في 1990، وما أفرز بروز نقابات مستقلّة، وحالتها اليوم بناء على قانون تنظيم النقابات الجديد في 2023، ونبحث أيضا عن الدور الجمعوي الذي اضطلعت به هذه النقابات، ومدى قدرتها على مواجهة أهم التحدّيات، وفاعليّة العمل النّقابي في مشروع التغيير.

 

أولا- النقابات كفاعل جمعوي.. من الانفتاح إلى التضييق

مهّد الوضع الاجتماعي والاقتصادي للجزائر، لبروز تفاوت اجتماعي كبير، إذ شهدت البلاد موجات من الاحتجاجات ذات أشكال مطلبية عبر السنوات، واتخذت أشكالا مختلفة، منها ما تعلق بالجانب الاجتماعي، انبثقت عن أحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988،4احتجاجات شهدتها الجزائر، في فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد (1979-1992) إذ خرج المواطنون للشوارع في معظم الولايات الجزائرية، وأطلق عليها البعض "ثورة الخبز" لأنّها اندلعت كردّ فعل شعبي على أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، خاصة بعد انهيار أسعار النّفط عام 1986، استهدفت الاحتجاجات كل ما يرمُزُ إلى الدولة ومقرّات الحزب الحاكم "جبهة التحرير الوطني"، مما أدى إلى تدخّل قوات الجيش لقمع المتظاهرين، أعلن على إثرها الرئيس بن جديد إصلاحات شاملة، للمزيد، راجع: ناصر جابي، "لماذا تأخر الربيع الجزائري؟"، منشورات الشهاب، الجزائر، 2012،  ص–ص 142-146، كما مثّلت هذه الأحداث انفجارا علنيا للصراع الخفيّ الذي ساد في تلك المرحلة داخل السّلطة في الجزائر منذ بداية الثمانينات، كما أعتبرها المؤرخون والساسة أحداث نقلت الجزائر من حكم الحزب الواحد، وهو "جبهة التحرير الوطني"، إلى التعددية السياسية والإعلامية، بعد إقرار أول دستور تعددي، في 23 فيفري 1989. لتفاصيل أكثر أنظر: محمد لونيسي، "ظاهرة العنف السياسي في الجزائر (1988-1999)"، دار الهضاب للنّشر، الجزائر، 2007، ص-ص 165-178. تبعتها جملة من الإصلاحات، أهمها تعديل الدستور في23 شباط/فبراير 1989، وإقرار التعددية الحزبية، من خلال قانون الأحزاب الصادر في تموز/ يوليو 1989، الذي نصّ في المادة 40:"حقّ إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به". ولكن بسبب الأزمة الأمنية التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي (1992-2002)، لم تعترف السلطة بالنقابات قانونيا، وانحصرت أدوارها آنذاك في المطالب الفئوية من رفع الأجور وتحسين الأداء المهني، إلى غاية احتجاجات 2011، التي وُسِمت إعلاميا بـ"أحداث الزيت والسكر"،5أحداث شهدتها الجزائر في 5 كانون الثاني/يناير 2011، بالتّزامن مع موجة ما سمي إعلاميا بـأحداث "الربيع العربي" التي شهدتها عدة بلدان عربية، إذ عرفت عديد المدن الجزائرية أعمال تخريبية انطلقت من حي "باب الوادي" وهو أكبر الأحياء الشعبية في العاصمة الجزائرية، كردّ فعل من عدة فئات شعبية ضد رفع أسعار "الزيت والسكر"، وهما المادتان الأساسيتان اللّتان تدعمهما الحكومة، وخلّفت أعمال العنف 6 قتلى، للاطلاع أكثر أنظر: تقرير لجنة التحقيق البرلمانية الجزائرية حول: "ندرة بعض المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع في السوق الوطنية الجزائرية وارتفاع أسعارها"، المجلس الشعبي الوطني، (تشرين الأول/أكتوبر 2011). إذ انخرطت النقابات في هذا الحراك الذي دام شهرا واحدا، وشاركت عقب تلك الفترة المضطربة اجتماعيا، في العديد من اللقاءات السياسية والمبادرات.

وبرزت ميدانيا عندما أعلنت صراحة في 2014 رفضها تمديد العهدة الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، إلا أن تلك الدعوات تم إخمادها بعد استمرار بوتفليقة في الحكم، لتعود النقابات إلى الإضرابات مجددا واستمرّ غليان الوضع على نار هادئة إلى حين تقدم الرئيس بطلب الترشح لعهدة رئاسية خامسة، وهو المطلب الذي فجرّ الشارع الجزائري وجرّ الآلاف في مسيرات سلمية تطالبه بالتنحي عن الحكم، وشحذت النقابات منخرطيها في هذا المسار والانضمام إلى صوت الشارع.

وفي هذا الإطار شاركت النّقابات المستقلة في الجزائر في مختلف اللقاءات التنسيقية التي جمعتها مع الأحزاب السياسية ومختلف تنظيمات المجتمع المدني للخروج من الأزمة مع تواصل المسيرات، وكان أهمها لقاء "منتدى الحوار"، الذي انعقد بتاريخ 6 تموز/ يوليو 2019 في "عين البنيان" بالعاصمة الجزائرية، لمناقشة سبل التعامل مع القضايا المتعلقة بتمثيل الحراك الشعبي وكيفية تأطيره في الشارع وتحديد مطالبه من جهة، ومواجهة سياسة السلطة القائمة آنذاك من جهة أخرى.

كما نظّمت النقابة المستقلة حركات احتجاجية في عدد من الولايات وخاصة بالمناطق الصناعية، كوهران غربي البلاد وبجاية وتيزي وزو وعنابة وبرج بوعريريج شرقي البلاد. وطالبت هذه التجمعات بالإفراج عن الموقوفين في السجون بسبب الاحتجاجات. وفي السياق نفسه، قال مسعود بوديبة، الأمين الوطني المكلف بالإعلام بـ"المجلس الوطني المستقل لأسلاك التربية"، وهو أكبر التنظيمات النقابية في قطاع التربية في الجزائر: "الحركة الاحتجاجية العمالية تأتي في سياق تسجيل موقف داعم لمطالب الشعب الجزائري المرفوعة منذ شباط/فبراير 2019، ورفض محاولات الالتفاف على هذه المطالب، عبر فرض مسار حلّ لا يلقى الإجماع من كل الجزائريين"، مشيرا إلى أنه من بين مطالب الجزائريين ضرورة احترام الحقوق السياسية ورفع التضييق عن الحريات."6مقابلة في سياق بحث شامل حول الممارسة السياسية والنقابية في الجزائر قي الذكرى الرابعة للحراك الشعبي 2019، تمت يوم 14 جانفي 2023.

ومن هنا تجلّت أعمال النقابات المستقلة وانحازت عبر منزعها المطلبي إلى صفوف المعارضة السياسية، بل وحلّت مكانها في الكثير من المناسبات، وإن ضمنيّا، لأنّ أغلب تحركاتها التي سبقت الحراك الشعبي ناتجة عن دعوات بتلبية مطالب اجتماعية أغلبها ينضوي تحت مضلة تحسين الظروف المهنية والاجتماعية، بيد أنّ حضور بعض ممثلي النقابات في ندوة "الانتقال الديموقراطي" الأولى في 2014 والثانية في 2016، 7ندوة " مزفران الأولى" 10 جوان 2014: نظمتها " هيئة المتابعة والتشاور التابعة للمعارضة" بمشاركة عدد من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية. في تحالف أنشئ عام 2013، للمطالبة بالانتقال السلمي السلس للسلطة في الجزائر. كان دليلا واضحا على انخراطها في العمل السياسي، إذ جمعت هاتان الندوتان  عدة قوى سياسية ونقابية وشخصيات وطنية، في حوار مستمر دام عدة أشهر بين سنوات 2014-2017، نتج عنها مطلب ملح تمثّل في التأسيس إلى انتقال ديمقراطي، يحاكي بقية الانتقالات في البلدان المجاورة وتعزّز من خلالها حضور النّقابي في مسار الانتقال الديمقراطي أو الحراك السياسي.

وينسجم ذلك مع بعض أهداف النّقابات المتمثّلة في بعض المطالب الاجتماعية سواء تعلّق الأمر برواتب الموظفين أو الأجور العمالية أو حقّها في العمل النقابي وما يترتب عنه من احتجاجات وإضرابات، هذا بالرغم من بوادر إفلات النقابات العمالية وغير العمالية من تضييق الحكومة خلال تلك الفترة، إلاّ أنّ عزوف بعض الوجوه الجديرة بالعمل النقابي وإن التحق بعضها في وقت متأخر، قد حافظ على وتيرة العمل النقابي الخافت، الذي لم يتعدّ حيز التمثيل الصوريّ لبعض النقابيين أثناء التحاقهم بالمجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان) كممثلين لتيارات حزبية مختلفة، أو حضورهم المتكرّر في بعض المحطات التلفزيونية.

- النقابات وجدلية الاتصال والانفصال مع السلطة:

في 2019، شهد الشارع الجزائري  تعبئة جماهرية، وازداد تفاعلا مع المسار الانتخابي  وتوقيفه على مرتين على التوالي: الأولى في الرابع من أبريل/ نيسان بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من الشهر نفسه، والثانية لما سعت السلطات الجزائرية إلى تنظيم انتخابات رئاسية في 4 تموز/يوليو، لكنها ألغيت بعدما وجدت سدًّا منيعا في الشارع و استمرار المسيرات التي جابت مختلف ربوع البلاد، في مقابل امتناع الوجوه الحزبية والوطنية عن الظّهور سياسيا للترشّح للاستحقاقات الرئاسية، ثم استقر بعدها النظام على إعلان تاريخ الـ12 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه كموعد لتنظيم الانتخابات التي كللت بفوز  عبد المجيد تبون لولاية رئاسية أولى ( 2019-2024).

على الأرض، أعلنت النقابات المستقلة في الجزائر عن إضراب عام في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ونظمت مسيرات في مختلف المناطق، كوسيلة ضغط على النّظام الذي عزم على تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها. والنّاظر في سيرورة الحراك الجزائري يأنس نزعة النقابات المستقلة نحو إيجاد مشروعية شعبية وقانونية لتمثيل الجمهور الغاضب، والاستفادة من الاحتجاجات. وفعلا استطاعت النقابات المستقلة‎ ‎‫ فرض وجودها كقوة تجنيد وتنفيذ عدة اضرابات خاصة في قطاع التعليم والصحة‎ ‎‫والإدارة العمومية والنقل.

وتبعا للظروف السياسية التي عرفتها الجزائر منذ بدء مسيرات يومي الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع خلال 2019، يلاحظ أن نجاح التجربة النّقابية المستقلة عند بعض النقابيين، متوقّف على إمكانية نجاح الانتقال الديمقراطي بالمزيد من الشّفافية والمدنية، فضلا عن فكرة القبول بالانتقال الديموقراطي التي لازالت مرفوضة من قِبل النّخب الرسمية الحاكمة في الجزائر، كما يعبّر عن ذلك خطابها السياسي والإعلامي، حتى وإن اعترفت بالمشاكل التي يعاني منها النّظام السياسي الذي تسيّره، كما حدث أكثر من مرّة بمناسبة استفحال أزماته.8أنظر محمود بلحيمر، " الانتقال الديمقراطي في الجزائر" أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الجزائر 3، 2017

يبقى على رأس أوليات المجتمع المدني في الجزائر محاولة توفير الأطر المنظمة للمشاركة في رسم السياسات العامة وتفاعله معها وفي إدارة شؤون المواطنين، وكذلك التأثير في القرارات وتحقيق مصالحهم، إضافة إلى ضمان أكبر قدر ممكن من الحريات الفردية والجماعية للجزائريين، بما فيها الحريات النقابية التي لا يمكن تصور تطورها نحو الأحسن دون استقلالية فعلية للعمل النقابي.9عبد العزيز رحابي، دبلوماسي ووزير الإعلام سابق، من الشخصيات الوطنية التي شاركت في العديد من الندوات واللقاءات الخاصة بالتنسيقية من أجل التغيير الانتقال الديمقراطي 2014، كما شارك في ندوات الانتقال الديمقراطي في 2019

وهكذا تمكّنت النقابات المستقلة في الجزائر كتنظيمات اجتماعية من فرض نفسها داخل الكثير من القطاعات؛ كالصحة والتربية والتعليم بمختلف مراحله والإدارة العمومية، بعد أن انضمام عشرات الموظفين إلى الممثليات النقابية المستقلة سواء المحلية أو الوطنية.

وكما أشرنا سابقا، فقد الاتحاد العام للعمال الجزائريين العشرات من المنتمين إليه والموظفين في قطاعات الصحة والتعليم والإدارة أيضا، نظرا للعبه أدوارا سياسية ما جعله يشهد من الداخل حالة من التنافس النقابي لم يتعود عليها في السابق، بسبب الانقسامات في صفوف كوادره، في مقابل تشكيل المنشقين عن أكبر قوة نقابية في الجزائر لنقابات مستقلة برزت بشكل لافت في العقد الأخير.

واعتبر الباحث عيد الكريم سراي[10] بأن هذه النقابات على الرغم من عدم استقلاليتها المطلقة إلا أنها استطاعت أن تنشط خارج أطر حددتها السلطة، وأصبحت مرتكزا للحياة اليومية للمهنيين والموظفين في قطاعات تضم الملايين من العمال، دون خضوعها المباشر للسلطة.

ووجب الإشارة هنا، إلى أن تنفيذ النقابات لسلسلة الإضرابات والتحركات والاحتجاجات المطلبية، فضلا عن مشاركتها في صياغة المشاريع السياسية، من أهم العوامل التي مهدت للحراك الشعبي، وانخرطت النقابات في قلب المسيرات الشعبية منذ أولى مظاهراته في 22 شباط/فبراير 2019. وهو انخراط "متثاقِل" منوط بثلاثة أسباب جوهرية: أولها تعددية النقابات في القطاع الواحد أو تشكيل منظمات نقابية غير متجانسة فيما بينها، بل أحيانا متصارعة في قيادة العمال والتفاوض مع السلطة في القضايا المهنية؛ أما السبب الثاني فيعود إلى عدم مقدرة هذه النقابات في التكيُّف مع المعطيات السياسية والاقتصادية في البلاد، وثالثها وجود نقابات موازية تم تطويعها للعمل في صالح توجهات الحكومة.

وهكذا سجّلت النقابات حضورها في مشاركتها في المسيرات الشعبية، وإسهاماتها في النقاشات الإعلامية حول الانتقال الديمقراطي وحضورها اللافت في اجتماعات قوى المعارضة في آذار/مارس 2019 وشهر تموز/ يوليو في مؤتمر "عين البنيان" في السنة نفسها.10الوثيقة الختامية لـ" منتدى الحوار الوطني" المنعقد على مستويين في مارس ثم جويلية 2019، بمنطقة "عين البنيان" غرب العاصمة الجزائرية، أسفر على وضع مقترحات للخروج من الأزمة السياسية في البلاد عقب استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وضرورة تأسيس هيئة وطنية مستقلة لتنظيم والإشراف على الانتخابات وأهمية استقلاليتها السياسية والإدارية والمالية. فضلا عن تعويض رموز النظام التي مازالت على رأس مؤسسات الدولة بشخصيات توافقية، وتعيين حكومة كفاءات لتحضير انتخابات رئاسية حرة وشفافة من شأنها تمكين الشعب الجزائري من التعبير عن رأيه بكل حرية، في آجال معقولة.

ثانيا- فاعليّة العمل النقابي في ظل التغيير بين الفعل وردّ الفعل

خاضت النقابات خلال العشرية الأخيرة، أدوارا مختلفة في تحريك الشارع من الاحتجاجات الشعبية التي سبقت مسيرات الحراك 2019، ارتبطت أساسا بتدني مستوى المعيشة، وضعف القدرة الشرائية، فضلا عن التضييق على بعض المكاسب العمالية المادية والمعنوية، خاصة في الوظيف العمومي، يعززها إقصاء النقابات من قبل الحكومة من مسارات الاستشارة والحوار، وتغييب النقابات عن المشاركة في ملف التقاعد، وقرار الثلاثية(الحكومة- أرباب العمل- الاتحاد العام للعمال الجزائريين حزيران/ يونيو 2016)؛ الذي ينص على إلغاء الحقّ في التقاعد النسبي والتقاعد دون شرط السنّ، كحافز مباشر لجمع شمل عديد النقابات، من كل القطاعات.

ومن جهة أخرى، لا يمكن الجمع بين مسبّبات الحراك النقابي والحراك الشعبي 22 شباط /فبراير 2019، فالحراك النقابي قديم -حديث في آن واحد، والحراك الشعبي حديث لم نعهده بذلك الزخم في الشارع من قبل. فلقد بدأ الحراك النقابي منذ 2001-2002، مذ أن استتبّ الأمن والاستقرار وانتشال الجزائريين من نفق الإرهاب الذي كانت تداعياته وخيمة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقد رمى هذا الحراك إلى تحسين المستوى المعيشي للعائلات، وهذا جوهر دور النقابات المستقلة التي أدت دورا محوريا في إتمامه، على خلاف بعض النقابات الموالية للنظام، التي سلكت مسلكا ناعما وداعما لسياسات الحكومات المتعاقبة، ومباركة سياساتها وتبريرها. وهذا ما أدى إلى صدام بين النقابات المستقلة والحكومة وتحجيم دورها، بالرغم من قوة ممثليها وقوة هياكلها في مختلف القطاعات.

وما من تضييق على هذه النقابات إلا وجُوبِه بمقاومة غير مسبوقة، أعدّ لها عدد غير قليل من النقابات المستقلة، وهذا ما ضمِن استمرارها على الصعيد الشعبي وعزّز حضورها إعلاميا، ما جعلها تشكّل قوة ضغط على الحكومة، وعامل جمع بالنّسبة للقاعدة الشعبية وللمواطنين، كما خلق ميزان تعبئة عن طريق ضغط التنظيم. وإمكانية صنع قوة من أجل التعبئة الجماهيرية التي ستسهم في صنع القرارات.

وفي هذا الإطار، لا يسعنا إلا التذكير بدور هذه النّقابات العمالية والمهنية في القضايا المرتبطة بالحريات والديمقراطية قبل 2019، إذ ركزت على أهمية ممارسة نقابية تعددية مستقلة، فضلا عن تكريس حرية التعبير وممارستها الفعلية بواسطة العمل على خلق وعي جماهيري بالحقوق والحريات داخل الأوساط العمالية والمهنية وخارجها.

ووفقا لذلك، كان للعمل النقابي دور كبير في الحراك الشعبي على الأرض، إذ دعمت النقابات المستقلة الحراك الشعبي منذ أولى مسيراتها في الشوارع الجزائرية في 2019، ويظهر ذلك جليا في انخراطها رسميا من خلال اجتماع 28 شباط/ فبراير 2019، الذي أسفر عن صدور بيان داعم لهذا الحراك عبر المسيرات، وفي المقابل أرجأت المطالب المهنية والاجتماعية، واضعة نصب أعينها الأولوية القصوى لمطلب الوطني الشعبي.

أما على الصعيد السياسي، أبدت النقابات المستقلة عدم اعترافها بشرعية رئيس الدولة عبد القادر بن صالح الذي تولى المسؤولية مؤقتا في الثالث من نيسان/ أبريل 2019، تطبيقا للمادة 102 من الدستور باعتباره رئيس مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) التي تنص على أن رئيس مجلس الأمة يتولى الرئاسة مؤقتا لمدة 90 يوما، يتم خلالها تنظيم انتخابات رئاسية لا يترشح فيها، وعدم اعترافها أيضا بالحكومة برئاسة نور الدين بدوي.

وأدت التطورات عقب استقالة بوتفليقة، إلى تصعيد النقابات العمالية لموقفها بمقاطعة كل النّشاطات المرتبطة بممثّليه في بعض القطاعات والوزارات، والدعوة إلى إضرابات في قطاعات واسعة كالتربية والصحة والتعليم العالي،  كما بادرت باقتراح حلول للخروج من الأزمة عبر مسودة تمثل خارطة طريق قابلة للنقاش مع القوى السياسية الممثّلة للفاعلين في الحراك الشّعبي، والدليل على ذلك، ما حدث في 15 حزيران/يونيو 2019، في لقاء المجتمع المدني وفاعليته، ولقاءات "عين البنيان" خلال تموز/ يوليو 2019، واللقاءات التي جمعت عدة مرات مختلف فعاليات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية خلال شهر أغسطس/أوت 2019، بقصر المعارض "سافكس" بالعاصمة الجزائرية، الذي لعبت فيها كونفدرالية النقابات المستقلة الجزائرية، دورا مهمّا من حيث العمل الجيّد لتقريب وجهات النظر وكسر التناقضات بين الأحزاب "القطب الديمقراطي- قوى التّغيير وبعض الشخصيات" لإيجاد نقاط اتفاق لإنجاح الحراك الشّعبي.11  انظر تغطية صحيفة "البلاد" للقاءات التشاورية لحلّ الأزمة السياسية، بعنوان: "فعاليات المجتمع المدني تتمسك بأرضية عين البنيان" بتاريخ 24-08-2019: https://www.elbilad.net/national

وساهمت النّقابات في فعاليات المنتدى الوطني للحوار، الذي ضمّ كتلة كبيرة من عدة أحزاب سياسية ومكونات المجتمع المدني فضلا عن شخصيات وطنية، في تشكيل "لجنة حوار وطني" بعد لقاءات "عين البنيان"، توجت بوثيقة اجتماعات عين البنيان" في 7 تموز/يوليو 2019 بإعلان توافق على استمرار رئاسة الدولة كمرحة انتقالية إلى غاية تهيئة الظروف لإجراء الرئاسيات، وتأسيس هيئة وطنية مستقلة لتنظيم والإشراف على الانتخابات.

وفي غضون ذلك، استمرت الحكومة في تنفيذ أجندتها بإعلان تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية، نهاية 2019، وإعلان فوز عبد المجيد تبون، الذي تعهد بفتح قنوات الحوار مع كل النقابات والشركاء، كما دعا النقابات، إلى "التحلي بروح المسؤولية ومراعاة الظروف الاقتصادية والصحية التي تمر بها البلاد". كما أكد في حزيران/جوان 2020 على أولوية مراجعة القوانين الأساسية للمنتسبين لقطاع التربية والتعليم العالي من المعلمين والأساتذة بالطور الابتدائي إلى الجامعة في أقرب وقت، محذرا من عواقب السقوط في دائرة توظيف الوضع الاجتماعي الصعب، لأغراض سياسية لضرب استقرار الدولة والبلاد وترويع المواطنين الذين ما صدقوا وأن استعادوا الأمل في إصلاح ما هدم خلال العقود الماضية.12 انظر حوار الرئيس عبد المجيد تبون مع وسائل الإعلام المحلية بتاريخ 12 حزيران/ يونيو 2020، على الصفحة الرسمية لمؤسسة الرئاسة الجزائرية، https://web.facebook.com/AlgerianPresidency

وبعد استتباب المؤسسات عقب استفتاء الدستور في الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ثم الانتخابات التشريعية في 12حزيران/ يونيو 2021، ثم الانتخابات المحلية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أطلق الرئيس تبون مسار حوار موسع مع النقابات العمالية والهيئات الدستورية، بهدف إعداد مسودة قانون جديد يتعلق بممارسة العمل النقابي والحريات النقابية وفصل الأنشطة النقابية عن الأحزاب والنشاط السياسي في الجزائر، بغية "وضع حد لاختراق الصف النقابي واستغلال ذلك في الاستحقاقات الانتخابية".

ورغم معارضة النقابات المستقلة، صادق البرلمان الجزائري بالأغلبية على مشروع القانون رقم 23-02 المؤرخ في 25 نيسان/أبريل 2023، المتعلق بممارسة الحق النقابي وقانون الحق في الإضراب، وطالبت بسحب مواد القانون ووصفتها بأنها "جريمة في حق العمال والحركة النقابية"،13وقفة احتجاجية نظمتها 20 نقابة مستقلة في الفاتح مايو 2023، بقلب العاصمة الجزائرية، تنشط في قطاعات التعليم والصحة والإدارة والتكوين والشؤون الدينية والتضامن، وهي أول حركة احتجاجية للنقابات منذ الحراك الشعبي 2019. لاسيّما أنها غُيِّبت عن مناقشات إعداد مسودة القوانين النّاظمة للعمل النقابي، كما تتوجس 20 نقابة تابعة لقطاعات شغيلة من الخلفيات التي تعتمد عليها السلطة في التعامل مع النقابات في المستقبل، والدليل على ذلك استمرار مسلسل التضييق على النشطاء النقابيين.14إلياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لمنهيي الصحة، في حوار خاص 2023 يقول:" مشاريع القوانين المقترحة من طرف الحكومة في أهدافها مع روح الدستور، تتناقض مع الخطاب السياسي العام الى جانب التعارض مع الاتفاقيات الدولية للمكتب الدولي للعمل (الاتفاقيات 87 و98). انها مشاريع قوانين تأسس لتلجيم الفعل النقابي ومنع حق ممارسة الإضراب في قطاعات واسعة سيحددها التنظيم لاحقا.

تذهب بعض قيادات نقابات التربية في تفسير بنود ومواد هذا القانون، إلى اعتباره قراءة هادئة للحكومة لما يحصل في الميدان كمحاولة لامتصاص حركة النشطاء النقابيين خصوصا لانخراطهم الصريح مع مسيرات الحراك الشعبي، والاعتراف بأن النقابات استطاعت فرض تحركاتها كقوة تجنيد بناء على الإضرابات المتكررة التي شهدتها قطاعات النقل والتربية والصحة والبريد وأدت إلى شللها؛ كما أنّ هذه القوانين نابعة من قلق السلطة الحالية من سيطرة النقابات المستقلة على هذه القطاعات الشغِّيلة الكبرى.

ومن خلال مواد القانون الأخير، استجابت الحكومة لبعض المطالب الاجتماعية والمهنية، وألغت شروط التمثيل النقابي الذي يفرض على النقابة أن تحوز 20 في المائة على الأقل من عمال وموظفي القطاع كي تكون نقابة قابلة للتفاوض مع السلطات في القضايا المهنية والمطالب الاجتماعية، إلا أن النقابات المستقلة ترى أن تلك الاستجابة غير كافية وتطالب بـ"تعزيز الحقوق المكتسبة للعمال وحماية المندوب النقابي ضد أي قرار تسريح تعسفي، وأن تكون التعديلات مدعمة للحريات النقابية، ومراجعة لعملية التمثيل النقابي، والسماح بتأسيس فيدراليات، وكونفدراليات واتحادات عمالية".[16]

ثالثا/ تحديات النقابات ورهاناتها..

تقف النقابات أو العمل النقابي، أمام عدّة تحدّيات، منها ما يُناط بالتشريعات الجديدة 2023، التي تفصل العمل النقابي عن الفعل السياسيّ، وهو فصل وإن بدا منهجيّا وتنظيميّا، يحدّ من أدوار النقابات في الضّغط على الحكومة، فضلا عن تحديد مهام النقابات صلب المؤسسات الحكوميّة والخاصة، والتقليل من الاحتجاجات والإضرابات، ومنها ما يتعلّق بصورة النقابات لدى العمال والموظّفين.

ويبدو أن استمرار النقابات في الميدان، لا ينفي إرادة الحكومة في إبطال هذه الشرعية، وسعيها نحو التضييق على العمل النقابي، وهو ما تبينه القيود القانونية المنظِّمة للساحة السياسية والإعلامية والجمعوية والمحددات التشريعية الجديدة المؤطرة للعمل النقابي، بالإضافة إلى العلاقات الوظيفية بين المؤسسات.15لمزيد من التفاصيل انظر: ورقة:" النقابات في الجزائر: قوانين للاحتواء أم للضّبط؟"، https://www.arab-reform.net/ar/publication

وفي ضوء ذلك، ألغت هذه التشريعات أغلب بنود الفعل النقابي المعمول بها منذ أكثر من 33 سنة، وتتضمن ضبطا جديدا للمفاهيم بهدف إعادة تكييف النشاط النقابي مع الوضع الجديد، واعتبرته بعض الأطراف السياسية في البلاد بـمنع سيطرة الأحزاب السياسية داخل التنظيمات النقابية، ومحاولة واضحة لفصل النقابات عن دورها الوطني في القضايا والخيارات الوطنية الكبرى والاستحقاقات المصيرية للبلاد.16تصريحات نقابيين خلال اجتماعات للنقابات المستقلة تجاوز عددها 16 نقابة في قطاعي الصحة والتربية، عطفا على طرح مسودة مشروع قوانين العمل في 2023. ووجب التذكير هنا، برفض 30 نقابة مستقلة للمواد المتعلقة بممارسة الحق النقابي والوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وحق الإضراب.17 وصف بيان النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية مواد القانونين بـ"الخطيرة"، وأفاد بأنه "إلى جانب التضييق المباشر على حرية الممارسة النقابية من خلال مشروع قانون جديد يحدد شروط العمل النقابي، فهناك مشروع قانون آخر لا يقل خطورة كونه يعد تقييداً لحق أساسي من حقوق المواطن الدستورية، وهو حق الإضراب".

غير أن ذلك لم يسمح للنقابات المستقلة لترجمة مواقفها على أرض الواقع، إذ لم تنقل تحركاتها إلى الشارع أو إلى بيئة العمل النقابي، وبقيت مواقفه النقابات لمواجهة هذه التشريعات الجديدة، منحصرة ضمن إطار التحركات والاجتماعات التنسيقية والبيانات التوضيحية للموقف، لعرض عدم وملاءمتها مع الساحة الجزائرية وتأثيراتها السلبية على الممارسة النقابية والحريات في الجزائر، ولتوضيح مستوى التراجع عن المكاسب المحققة في هذا الإطار، وضرورة سحبها أو تعديلها.

وعلى خلاف مواقفه الداعمة للسلطة، أعلن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، النقابة المركزية في البلاد، موقفا معارضا للمواد الناظمة للفعل النقابي المستحدثة في 2023، وهو موقف مخالف لخيارات السلطة التي تعود على اتخاذها، إذ اعترض الاتحاد على عدم إشراكه من قِبل الحكومة في المشاورات بشأن نص القانون، بالإضافة إلى رفضه لمضمون بعض البنود في القانون لأنها تحدّ من النشاط النقابي، لكن وجب التوضيح أن اعتراض النقابات المستقلة على القانون كان مبني على قاعدة المساس بالحريات النقابية، غير أن اعتراض الاتحاد العام كان مبني على قاعدة إلغاء الانتدابات النقابية، وحرمان النقابيين من التفرغ للعمل النقابي.

هذا البند يلغي الكثير من الامتيازات التي كان يحصل عليها النقابيون وتمسهم في مصالحهم مباشرة، خاصة أنه الهيئة الأكثر اعترافا به من قبل الحكومة. ذلك ما يفسّر على أنه قانون فيه مساس مباشر بالمصالح والامتيازات النقابية أكثر منها بالممارسة الفعلية النقابية، ولكن أعقب هذا الموقف بضغوطات حكومية على الاتحاد العام للعمال الجزائريين أدت إلى استقالة الأمين العام سليم لباطشة في الرابع من آذار/ مارس 2023، والذهاب إلى مؤتمر عمالي وانتخاب اعمر تاقجوت، أمينا عاما للاتحاد العام للعمال الجزائريين لعهدة خمس سنوات، في 23 تموز/ يوليو 2023.

واللافت للنظر، أن التنظيمات النقابية مستقلة عن الأحزاب والإدارة، وهذا مكرس في قوانينها الأساسية المصادق عليها من طرف السلطة الإدارية، وهو أمر كفيل بإبعاد العمل النقابي عن الجدل الإيديولوجي والسياسة الحزبية.18إلياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لمنهيي الصحة، في حوار 2023، يقول:" يجب أولا أن تضبط وتعرف المصطلحات حتى نضع حدودا بين النشاط النقابي والفعل السياسي الحزبي الى جانب مراعاة امر مهم وهو مطابقة قوانين الجمهورية لمواد دستور 2020 من جهة ولبنود المعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف بلدنا وهي لا تمنع الجمع بين النشاطين.  هذا تدخل في الشأن الداخلي للنقابات والاحزاب السياسية على حد سواء ويجب أن يترك البث في مثل هذه الأمور لها من خلال هيئاتها التنظيمية ومنخرطيها بعيدا عن توجيهات او ضغوطات السلطات"

وفي خضم هذا القانون، أكدت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون أن عملية الفصل بين الفعل النقابي والسياسي "غير ديمقراطية" لارتباط كليهما عضويا، إذ تساءلت حول عقلانية منع قيادي في حزب سياسي أن يكون إطارا نقابيا في الوقت نفسه أو لقيادي نقابي ألا يكون في قيادة حزب سياسي؟ هل القيادي في نقابة ما، يفقد حقوقه السياسية ويحرم من التفاعل مع كل ما يجري في بلاده فقط لكونه نقابيا؟".19 تصريحات أدلت بها خلال اجتماع للأمانة العامة للحزب ديسمبر 2022.

إن الحديث عن دور النقابات وفعاليتها يسمو إلى عدّة مستويات تشرّع لذلك، إلا أن السؤال المطروح حيال قانون النقابات الصادر مؤخرا: هل تقصد السلطة منع النّقابات فقط من التعبير عن مواقف سياسية معارضة أو ترفض الانخراط في حركية سياسية أو مبادرات أو أي تعبيرات ذات صلة بالشأن السياسي مثل الحريات أو حرية التعبير؟ بينما قد تغضّ الطرف إذا كانت مواقف السياسية للنقابات تدعم خيارات السلطة؟

بالرغم من أن القانون الصادر في 2023، الذي يمنع النّقابات من ممارسة أي نشاط ذو صلة بالشأن السياسي ويحصر نشاطها في الشّأن النقابي والعمالي فقط، إلاّ أن عدة نقابات شاركت في مبادرة سياسية تتعلق بلم الشمل ووسمت بـ" تعزيز التلاحم وتأمين المستقبل"،20مبادرة قادتها "حركة البناء الوطني" تهدف تحصين الجبهة الداخلية وحماية البلاد من التوترات الإقليمية، وإسناد مؤسسات الدولة، ودعم السياسات التي تنتهجها الحكومة، وشاركت فيها غالبية الأحزاب الخمسة المشكلة للحزام الحكومي: حركة البناء الوطني، جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وصوت الشعب، إضافة إلى حزمة أحزاب موالية للسلطة: الفجر الجديد، والكرامة، وتجمع أمل الجزائر، والتحالف الجمهوري، وجبهة الجزائر الجديدة. كما ضمت المبادرة نقابات عمالية أبرزها: الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ونقابات مستقلة، ومنظمات وطنية كالمجاهدين (قدماء محاربي الثورة)، وأبناء شهداء الثورة، والكشافة الإسلامية، وقوى من المجتمع المدني. غير أن غالبية  النقابات التي شاركت في هذه المبادرة هي قريبة من السلطة وداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، واعتبرت سعي المبادرة يتمثل في رصّ الجبهة الوطنية، مبررة مشاركتها بأنها معنية كنقابات بهذا المسعى الوطني وبكون السياسات التي نفذها الرئيس تبون في صميم الاعتناء بالطبقة العاملة من حيث زيادة الأجور وتحريك عجلة الاقتصاد وتوفير مناصب الشغل، لكن من جانب آخر هناك اعتراضات على مشاركة النّقابات في هذا المسعى ذو الطابع السياسي، على اعتبار أنها خرق واضح لقانون العمل النقابي الذي ينص على منع النقابات من الممارسة في أي نشاطات ذو طابع سياسي.

لكن الملاحظة البارزة أن السلطة السياسية باعتبارها الضامنة لتطبيق القوانين لم تبد أي اعتراض على مشاركة النقابات ولم تنبه لما يمكن أن يوصف بـ"التجاوز"، لأن مواقف هذه النقابات يتقاطع مع مواقف السلطة، بينما من المحتمل لو شاركت هذه النقابات في نفس النشاط السياسي مع أحزاب معارضة وكان مضمونه مناوئ للسلطة لكان من المحتمل أن تتلقى اعتراضات من الحكومة.

وعليه فإن السلطة لا تريد التعامل مع هذا الخرق لكونه موجه لدعم سياساتها وهو ما يطرح سؤالا آخر، يتعلق بتطبيق هذا المبدأ القانوني إن كان يخضع لاعتبارات سياسية، أي متى كانت المواقف السياسية للنقابات تخدم السلطة بصفتها الجهة الضابطة والناظمة للعمل النقابي والعاملة على تطبيق القانون لا حرج في ذلك بينما إذا كانت المواقف في اتجاه مختلف أو نقدي للسلطة قد تعمد هذه الأخيرة الى اتخاذ تدابير قانونية ضد النقابات وتلوح بالقانون. وهذا ما يفسّر القراءة السياسية للقوانين.

خاتمة

تواجه النقابات في الجزائر معضلات مرتبطة بإخفاقها المسجل على المستوى السياسي وتشظيها بين عدد لا يستهان به من النقابات، ما يسهل التحكم فيها أولا وإخماد فعاليتها في الميدان ثانيا، الأمر الذي يفرض عليها التنسيق فيما بينها لتوحيد الأهداف، وذلك ما يجرّنا هنا إلى فتح الباث أمام طرح التساؤل الآتي: هل سيصبِح حضور النقابات شكليا مقارنة لما قبل حراك 2019؟

بالرّغم من القيود التي تفرضها الحكومة، إلا أن العمل النّقابي يبقى عملا مشروعا، بيد أنّ استمراريته وقوّته مرتبطتان بما تُفرزه قواعده من مواقف قادرة على تطوير الفعل وقوة الطرح في الميدان، وقادرة أيضا على مجابهة السلط السياسية في تناغم مع حاجة العمال والموظفين المهنية والاجتماعية، ولن يتحقّق ذلك إلا ببناء قواعد نقابية مستنيرة وقوية نظريّا وعمليّا.

انبثقت عنها وثيقة "مزفران" التي نصت على المطالبة بمرحلة "انتقال ديمقراطي في البلاد والفصل بين السلطات، وتحرير القضاء، وإنشاء هيئة مستقلة تشرف على تنظيم الانتخابات الرئاسية"،https://www.youtube.com/watch?v=pafadKcBHTg

أمّا ندوة " مزفران الثانية" 30 مارس 2016: التي شاركت فيها قوى المعارضة منضوية تحت ما وسم بـ:" تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي"، انتهت بضرورة ضمان انتقال ديمقراطي "سلس وسلمي" في الجزائر، مع تجديد مطلب بإنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات لضمان شفافيتها ونزاهتها.

 [10]- باحث في علم الاجتماع السياس- جامعة الجزائر- تمّ اللقاء في ندوة علمية حول السياسات المهنية في الجزائر وآفاق التسيير، بجامعة البليدة، مايو 2023.

 

 [16]مسعود عمراوي، العضو القيادي في نقابة الاتحاد الوطني لعمال التربية، 2022

Endnotes

Endnotes
1 إلياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لمنهيي الصحة، في حوار خاص 2023 يقول:" لعبت النقابات المستقلة دورا مهما في دعم الحراك الشعبي 2019 ولم تتأخر في الانخراط فيه رسميا من خلال اجتماع 28 فبراير 2019 والذي انتهى ببيان صدر نفس اليوم وأعلنت فيه كونفدرالية النقابات الجزائرية (قيد التأسيس) دعمها المطلق للحراك ودعت منتسبيها للمشاركة في مسيراته بقوة مع إقرار تأجيل المطالب المهنية والاجتماعية وتأخيرها، لأن الأولوية صارت للمطلب الوطني الشعبي".
2 أنظر محمود بلحيمر، "الانتقال الديمقراطي في الجزائر"، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، 2017.
3 عبد العزيز رحابي، دبلوماسي ووزير الإعلام سابق، من الشخصيات الوطنية التي شاركت في العديد من الندوات واللقاءات الخاصة بالتنسيقية من أجل التغيير الانتقال الديمقراطي 2014، كما شارك في ندوات الانتقال الديمقراطي في 2019
4 احتجاجات شهدتها الجزائر، في فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد (1979-1992) إذ خرج المواطنون للشوارع في معظم الولايات الجزائرية، وأطلق عليها البعض "ثورة الخبز" لأنّها اندلعت كردّ فعل شعبي على أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، خاصة بعد انهيار أسعار النّفط عام 1986، استهدفت الاحتجاجات كل ما يرمُزُ إلى الدولة ومقرّات الحزب الحاكم "جبهة التحرير الوطني"، مما أدى إلى تدخّل قوات الجيش لقمع المتظاهرين، أعلن على إثرها الرئيس بن جديد إصلاحات شاملة، للمزيد، راجع: ناصر جابي، "لماذا تأخر الربيع الجزائري؟"، منشورات الشهاب، الجزائر، 2012،  ص–ص 142-146، كما مثّلت هذه الأحداث انفجارا علنيا للصراع الخفيّ الذي ساد في تلك المرحلة داخل السّلطة في الجزائر منذ بداية الثمانينات، كما أعتبرها المؤرخون والساسة أحداث نقلت الجزائر من حكم الحزب الواحد، وهو "جبهة التحرير الوطني"، إلى التعددية السياسية والإعلامية، بعد إقرار أول دستور تعددي، في 23 فيفري 1989. لتفاصيل أكثر أنظر: محمد لونيسي، "ظاهرة العنف السياسي في الجزائر (1988-1999)"، دار الهضاب للنّشر، الجزائر، 2007، ص-ص 165-178.
5 أحداث شهدتها الجزائر في 5 كانون الثاني/يناير 2011، بالتّزامن مع موجة ما سمي إعلاميا بـأحداث "الربيع العربي" التي شهدتها عدة بلدان عربية، إذ عرفت عديد المدن الجزائرية أعمال تخريبية انطلقت من حي "باب الوادي" وهو أكبر الأحياء الشعبية في العاصمة الجزائرية، كردّ فعل من عدة فئات شعبية ضد رفع أسعار "الزيت والسكر"، وهما المادتان الأساسيتان اللّتان تدعمهما الحكومة، وخلّفت أعمال العنف 6 قتلى، للاطلاع أكثر أنظر: تقرير لجنة التحقيق البرلمانية الجزائرية حول: "ندرة بعض المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع في السوق الوطنية الجزائرية وارتفاع أسعارها"، المجلس الشعبي الوطني، (تشرين الأول/أكتوبر 2011).
6 مقابلة في سياق بحث شامل حول الممارسة السياسية والنقابية في الجزائر قي الذكرى الرابعة للحراك الشعبي 2019، تمت يوم 14 جانفي 2023.
7 ندوة " مزفران الأولى" 10 جوان 2014: نظمتها " هيئة المتابعة والتشاور التابعة للمعارضة" بمشاركة عدد من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية. في تحالف أنشئ عام 2013، للمطالبة بالانتقال السلمي السلس للسلطة في الجزائر.
8 أنظر محمود بلحيمر، " الانتقال الديمقراطي في الجزائر" أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الجزائر 3، 2017
9 عبد العزيز رحابي، دبلوماسي ووزير الإعلام سابق، من الشخصيات الوطنية التي شاركت في العديد من الندوات واللقاءات الخاصة بالتنسيقية من أجل التغيير الانتقال الديمقراطي 2014، كما شارك في ندوات الانتقال الديمقراطي في 2019
10 الوثيقة الختامية لـ" منتدى الحوار الوطني" المنعقد على مستويين في مارس ثم جويلية 2019، بمنطقة "عين البنيان" غرب العاصمة الجزائرية، أسفر على وضع مقترحات للخروج من الأزمة السياسية في البلاد عقب استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وضرورة تأسيس هيئة وطنية مستقلة لتنظيم والإشراف على الانتخابات وأهمية استقلاليتها السياسية والإدارية والمالية. فضلا عن تعويض رموز النظام التي مازالت على رأس مؤسسات الدولة بشخصيات توافقية، وتعيين حكومة كفاءات لتحضير انتخابات رئاسية حرة وشفافة من شأنها تمكين الشعب الجزائري من التعبير عن رأيه بكل حرية، في آجال معقولة.
11   انظر تغطية صحيفة "البلاد" للقاءات التشاورية لحلّ الأزمة السياسية، بعنوان: "فعاليات المجتمع المدني تتمسك بأرضية عين البنيان" بتاريخ 24-08-2019: https://www.elbilad.net/national
12  انظر حوار الرئيس عبد المجيد تبون مع وسائل الإعلام المحلية بتاريخ 12 حزيران/ يونيو 2020، على الصفحة الرسمية لمؤسسة الرئاسة الجزائرية، https://web.facebook.com/AlgerianPresidency
13 وقفة احتجاجية نظمتها 20 نقابة مستقلة في الفاتح مايو 2023، بقلب العاصمة الجزائرية، تنشط في قطاعات التعليم والصحة والإدارة والتكوين والشؤون الدينية والتضامن، وهي أول حركة احتجاجية للنقابات منذ الحراك الشعبي 2019.
14 إلياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لمنهيي الصحة، في حوار خاص 2023 يقول:" مشاريع القوانين المقترحة من طرف الحكومة في أهدافها مع روح الدستور، تتناقض مع الخطاب السياسي العام الى جانب التعارض مع الاتفاقيات الدولية للمكتب الدولي للعمل (الاتفاقيات 87 و98). انها مشاريع قوانين تأسس لتلجيم الفعل النقابي ومنع حق ممارسة الإضراب في قطاعات واسعة سيحددها التنظيم لاحقا.
15 لمزيد من التفاصيل انظر: ورقة:" النقابات في الجزائر: قوانين للاحتواء أم للضّبط؟"، https://www.arab-reform.net/ar/publication
16 تصريحات نقابيين خلال اجتماعات للنقابات المستقلة تجاوز عددها 16 نقابة في قطاعي الصحة والتربية، عطفا على طرح مسودة مشروع قوانين العمل في 2023.
17  وصف بيان النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية مواد القانونين بـ"الخطيرة"، وأفاد بأنه "إلى جانب التضييق المباشر على حرية الممارسة النقابية من خلال مشروع قانون جديد يحدد شروط العمل النقابي، فهناك مشروع قانون آخر لا يقل خطورة كونه يعد تقييداً لحق أساسي من حقوق المواطن الدستورية، وهو حق الإضراب".
18 إلياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لمنهيي الصحة، في حوار 2023، يقول:" يجب أولا أن تضبط وتعرف المصطلحات حتى نضع حدودا بين النشاط النقابي والفعل السياسي الحزبي الى جانب مراعاة امر مهم وهو مطابقة قوانين الجمهورية لمواد دستور 2020 من جهة ولبنود المعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف بلدنا وهي لا تمنع الجمع بين النشاطين.  هذا تدخل في الشأن الداخلي للنقابات والاحزاب السياسية على حد سواء ويجب أن يترك البث في مثل هذه الأمور لها من خلال هيئاتها التنظيمية ومنخرطيها بعيدا عن توجيهات او ضغوطات السلطات"
19  تصريحات أدلت بها خلال اجتماع للأمانة العامة للحزب ديسمبر 2022.
20 مبادرة قادتها "حركة البناء الوطني" تهدف تحصين الجبهة الداخلية وحماية البلاد من التوترات الإقليمية، وإسناد مؤسسات الدولة، ودعم السياسات التي تنتهجها الحكومة، وشاركت فيها غالبية الأحزاب الخمسة المشكلة للحزام الحكومي: حركة البناء الوطني، جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وصوت الشعب، إضافة إلى حزمة أحزاب موالية للسلطة: الفجر الجديد، والكرامة، وتجمع أمل الجزائر، والتحالف الجمهوري، وجبهة الجزائر الجديدة. كما ضمت المبادرة نقابات عمالية أبرزها: الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ونقابات مستقلة، ومنظمات وطنية كالمجاهدين (قدماء محاربي الثورة)، وأبناء شهداء الثورة، والكشافة الإسلامية، وقوى من المجتمع المدني.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.