النشاط المحلي في مصر بعد عام 2011

تشكل مختلف أشكال الناشيطة المحلية في مصر تحدياً لأوجه القصور في الحكم المحلي ولانعدام أي رؤية حضرية تنموية.  تتناول هذه الورقة ثلاثة أمثلة من أحياء مختلفة في الجيزة والقاهرة التي ينخرط عمل كل منها في مقاومة السياسات الحضرية الإقصائية ومحاولتها التغلب على عدم وجود وسائل سياسية للتعبير عن إحباطاتها المتزايدة وسط غياب المجالس المحلية منذ عام 2011.

سكان جزيرة الوراق جنوب القاهرة يواجهون قوات الأمن احتجاجا ً على هدم منازلهم، تموز/يوليو 2017.© مؤمن سمير

* تنشر مبادرة الإصلاح العربي هذه المقالة بالتعاون مع تشاتام هاوس، وهي جزء من سلسلة تتناول مستقبل الحوكمة والأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتأثيرهما على دور الدولة في المنطقة.

كيف يعترض المصريون على الاستبداد اليومي وعلى منظومة الحُكم التي عادةً ما تتّسِم بالعجرفة وأوجه القصور في الحوكمة الاعتيادية؟ لم يولِ المحللون في مصر وخارجها سوى القليل من الاهتمام لمسائل الحكم المحلي في غياب المجالس المحلية المنتخبة منذ عام 2011. (قضت محكمة إدارية بالقاهرة بحل المجالس القائمة في حزيران/يونيو 2011 ولم تُجرَ الانتخابات لاستبدالها). وبينما يعكس حل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم والمجالس المحلية المنتخبة على خلفية الفساد - وإن جزئياً على الأقل، المطالب "الثورية" القادمة من ميدان التحرير - إلاَّ أن شيئاً لم يحلّ محلّ قنوات التمثيل هذه.

وفي الواقع، لم يكن الحزب الوطني الديمقراطي ولا المجالس المنتخبة بمثابة هيئات ديمقراطية أو تمثيلية في ظل حكم مبارك. بدلاً من ذلك، ومن خلال شبكات العملاء، كان الحزب والمجالس يعملون ببساطة كقنوات اتصال بين الدولة والمجتمع، وقد تمكنوا من خلال تلك الشبكات - إلى حد ما - إمّا من استيعاب المظالم الاجتماعية أو إرضائها قبل تصاعد حدّتها. وفي أعقاب ثورة 2011، نظرت عدة مجموعات سياسية (بما في ذلك مجموعات الشباب) إلى الانتخابات المحلية باعتبارها وسيلة حاسمة لإضفاء الطابع الديمقراطي على النظام السياسي من الأسفل؛ لا بل إنهم وجدوا أن إجراء هذه الانتخابات من شأنه أن يتيح لهم فرصة لتعلّم السياسة انطلاقاً من القواعد وممارستها على المستوى المحلي، بيدَ أنّ هذه الانتخابات لم تُجرَ على الإطلاق.

تتجلى أوجه القصور الخطيرة في الحكم المحلي اليوم إلى حد ما في تصاعد المظالم التي تتراوح بين تدهور الخدمات الاجتماعية وانعدام أي رؤية حضرية تنموية. وإزاء هذا الواقع، ظهرت أشكال مختلفة من النشاط المحلي تُجسّد هياكل تعبوية مختلفة منذ عام 2011. يتناول هذا المقال ثلاثة أمثلة بالاستناد إلى ثلاثة أحياء مختلفة في الجيزة والقاهرة، يلجأ كل منها إلى هياكل ومجموعة مختلفة من الإجراءات، إلا أنّ لجميعها هدف مشترك هو تحدي الحكم الاستبدادي، غير الناجع، والجائر في إحدى الحالات، الذي لا يلقي بالاً لمطلبهم المشروع بالإدماج والتنمية، ولا يولي سوى القليل من الاهتمام لاحتياجاتهم. وتتشاطر هذه الحركات الثلاث أهداف مقاومة السياسات الحضرية الإقصائية، في حين أنها تتصدى لمشكلة رئيسية هي عدم وجود وسائل سياسية للتعبير عن الإحباط المتزايد على المستوى المحلي حينما تكون أبواب السلطات موصدة أمام الأشكال التقليدية وغير التقليدية للمشاركة السياسية، وسط غياب المجالس المحلية منذ عام 2011 وتضاؤل الحيّز السياسي منذ عام 2014.

غالباً ما ركَّزت البحوث المتعلقة بالنشاط المحلي في مصر بعد عام 2011 على حركات العمل والشباب على المستوى الوطني، ونادراً ما درسَت أطرها وهياكلها التعبوية، وأنماط التحالفات، وإستراتيجيات الإدماج الاجتماعي والسياسي على المستوى المحلي. وعلى الرغم من الدور الهام الذي تلعبه بعض "اللجان المحلية" (اللجان الشعبية) والنشاط المماثل الذي شهدته انتفاضة 2011 وما تلاها، إلا أن الباحثين لم يبيّنوا كيف تطورت هذه الكيانات منذ ذلك الحين. وإذا كان باستطاعتنا القول إن الاحتجاجات التي اندلعت في 20 أيلول/سبتمبر 2019 كان سببها "فقراء الضواحي الشباب"، فما الذي نعرفه عن النشاط المحلي في الأحياء الأخرى التي تُقارع الحكم غير العادل؟

المثال الأول الذي سأقدمه هو الائتلاف الشعبي لأرض اللواء، الذي تأسس في 18 شباط/فبراير 2011 في أعقاب الانتفاضات مباشرة على أيدي خمسة شبان من سكان أرض اللواء، وهي منطقة عشوائيات تقع في منطقة العجوزة في محافظة الجيزة. كان الهدف الرئيسي لائتلاف أرض اللواء التخطيط للمشروعات الإنمائية واقتراحها وتنفيذها. وبعد بضعة أشهر من تأسيسه، أصبح عدد أعضاء الائتلاف قُرابة 30 عضواً. تعاني منطقة أرض اللواء من عقود من الإهمال وسوء الإدارة ونقص البنية التحتية، وقد لجأ أعضاء الائتلاف إلى حشد الجهود لممارسة الضغط على السلطات المحلية (أي محافظة الجيزة) وكذلك السلطات الوطنية لتنفيذ المشاريع التي تتراوح ما بين تحسين مستوى البنية التحتية (أي تمهيد المنطقة وإنارتها) إلى المزيد من المشاريع التنموية (على سبيل المثال، تحويل آخر 12 فداناً من الأراضي الفارغة إلى ما أطلقوا عليه اسمَ "مجمع تنموي" يضمّ مدرسة ومستشفى ومساحة للأنشطة الثقافية وحدائق لخدمة السكان). وقد نجح الائتلاف في تموز/يونيو 2014 في تنفيذ مشروع الرصف وإضاءة أرض اللواء من خلال جهود التعبئة التي بذلها. وقد تلقّى هذا المشروع التمويل من صندوق تنمية الأحياء الفقيرة (صندوق تطوير العشوائيات) التابع لمجلس الوزراء. (منذ تأسيسه في عام 2008، عمل الصندوق على دعم العديد من المشاريع في مناطق العشوائيات بالتعاون مع المحافظات المعنيّة.)

إلا أن الحال تبدّل منذ نهاية عام 2015، إذ تجاهلت السلطات المحلية (أي المحافظ الجديد للجيزة) وكذلك الحكومةُ المركزيةُ الائتلافَ بنحوٍ متزايد. ولا يُعزى ذلك إلى مجرّد انكماش الحيّز السياسي لما بعد عام 2014، ولكن أيضاً إلى انخفاض قدرة الائتلاف التفاوضية بعد أن رفض البرلمان تشريع حكم محكمة النقض الذي أكد حق النائب المنتخب للائتلاف في شغل مقعده في البرلمان 2015. (عُقدت الانتخابات البرلمانية في الفترة بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر 2015). وكان النائب هو الحليف الرئيسي لهم بعد انتخابه لعضوية البرلمان عام 2012. ولمواجهة هذا الوضع الاستثنائي، اتَّبع بعض مؤسسي الائتلاف استراتيجية تقوم على تنويع التحالفات السياسية عن طريق التفاوض، على سبيل المثال، على المناصب القيادية داخل حزب المحافظين، الذي يرأسه عضو في برلمان عام 2015. ومن شأن هذا أن يساعدهم على نقل شكاويهم وتحويل رصيدهم الاجتماعي (أو القاعدة الاجتماعية التي تمكنوا من بنائها بين سكان أرض اللواء من خلال الخدمات التي يقدمونها لهم) إلى رصيد سياسي في الانتخابات المحلية القادمة (متى ما أُجرِيت).

تتعلق الحالة الثانية التي سأطرحها بتعبئة سكان حيّ الورّاق، وهي منطقة عشوائيات تضم جزيرة صغيرة في نهر النيل في محافظة الجيزة. في شهر حزيران/يونيو من عام 2017، وتحت ستار التعامل مع مشكلة المناطق العشوائية والأحياء الفقيرة، قررت الحكومة إجلاء سكان الجزيرة البالغ عددهم 60,000 نظراً لموقع الجزيرة على النيل، وهو ما يجعلها جذابة للمستثمرين المصريين والأجانب من القطاع الخاص. (استخدمت الحكومة مبرّراً مماثلاً قبل بضعة أشهر، في آذار/مارس 2017، عندما تحركت لإجلاء سكان منطقة ماسبيرو في وسط القاهرة، وهي منطقة عشوائيات تتمتع بموقع إستراتيجي على نهر النيل). وفي 16 تموز/يوليو 2017، داهمت قوات الأمن جزيرة الورَّاق لمباشرة عملية الإخلاء، ونتيجة لذلك، اندلعت مظاهرات واحتجاجات ضخمة في المنطقة. وأدت المصادمات بين الشرطة والسكان إلى مقتل أحد المحتجين خلال هذه الاحتجاجات، وهو ما دفَع بالغضب والاحتجاجات إلى مستويات أعلى، وفي 27 كانون الثاني/يناير 2017، أسست 74 أسرة من عائلات الجزيرة مجلس عائلات الورّاق. وقد لعِب المجلس دور الهيئة التمثيلية للسكان لتمكينهم من مواصلة المفاوضات مع ممثلي الحكومة أثناء تنظيم المظاهرات، إلى جانب ممارسة الضغط على السلطات في الوقت نفسه. وفي 29 تشرين الأول/أكتوبر 2017، أنشأ هذا المجلس صفحة على موقع فيسبوك لنشر المستجدات في هذا الوضع الشائك، حتى في الظروف التي ما تزال فيها حرية وسائل الإعلام شديدة التقييد.

وفي الوقت الراهن، تتواصل عملية الإخلاء وسط تراجع في المواجهات بين السكان وقوات الأمن. بينما يحلم سكان منطقة الورَّاق بالاندماج الاجتماعي والتنمية، تسعى السلطات السياسية - التي تهدف إلى تحسين المنطقة - إلى استبعادهم وإرسالهم إلى المدن الجديدة بعيداً عن عملهم ووسائل عيشهم. يشبه الأمر إلى حد كبير حالة ماسبيرو، إذ قالت السلطات إنَّ بإمكان السكان الاختيار بين الانتقال إلى استئجار شقق في مدينة 6 أكتوبر، الواقعة في محافظة الجيزة (تبعد حوالي 50 كم عن الورَّاق) أو مدينة العبور الواقعة في محافظة القليوبية شمال شرق القاهرة (حوالي 40 كم من الورّاق)، ويصعب الوصول إليهما، فضلاً عن ارتفاع أجور المواصلات التي يوفّرها قطاعا النقل العام والخاص أو قبول التعويض المالي، إلاَّ أن التعويض المقترح لا يزال غير كاف لشراء شقة جديدة.

أمّا الحالة الثالثة فتشمل سكان إحدى المناطق البرجوازية من الطبقة الوسطى في حي النزهة الواقع في حي مصر الجديدة في القاهرة. فبينما لا تعاني المنطقة من التهميش الاجتماعي مثلما يعاني الحيان الآخران، إلا أنها تفتقر إلى الوسائل السياسية لمعالجة انعدام الأمن المتزايد والانفلات المتزايد الذي يشهده الحي. ومن الأمثلة على ذلك، تزايُد أعداد الباعة الجوّالين، وفشل سلطات المحلّة (رئاسة الحي) في زراعة الأشجار في الأماكن العامة، وانتشار كلاب الشوارع، والزيادة المقلقة في السرقات. وبينما يفتقر السكان إلى أي هيكل يمثلهم، تعمل وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لتبادل ومناقشة الأفكار حول كيفية مواجهة المشكلات التي يواجهونها بصورة جماعية. تُتيح هذه المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي إمكانية لبناء الشبكات الاجتماعية التي تُعد خطوة أساسية نحو بناء عملية تعبئة فاعلة. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، نظّم السكان العديد من المبادرات مثل إفطار في شهر رمضان، وسباق ماراثون، وفِرق كرة قدم في الأحياء. وفي حين أن لهذه المبادرات أهداف اجتماعية مباشرة، فإن لبعضها هدف على المدى البعيد، وهو تسخير هذه الشبكات الاجتماعية لزيادة الضغط على السلطات المحلية لتلبية مطالب السكان.

في الختام، على الرغم من القوة النسبية للدولة في مصر (على الأقل مقارنة ببعض الدول المجاورة)، إلا أن الحكم على المستوى المحلي يعاني من نقص كبير في الفعالية والكفاءة. فمن ناحية، أدى التوطيد المتزايد لحكم النظام المصري الاستبدادي بعد عام 2014 إلى جعل القرارات المتعلقة بالحوكمةِ مركزيةً، بل وجعلَها أقل شفافية وأكثر تمثيلاً لعقلية ومصالح النخبة الحاكمة، بخلافِ احتياجات ومطالب الناس. ومن ناحية أخرى فإن القيود التي تفرضها الدولة على سُبل المشاركة السياسية التقليدية (أي الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والانتخابات) والمشاركة غير التقليدية (أي المظاهرات والاحتجاجات) تجعل إمكانية محاسبة المسؤولين - سواء على المستوى الوطني أو المحلي - تكاد تكون ضرباً من المستحيل.

علاوة على ذلك فإن رفض النظام الحالي لأي قنوات تمثيل قائمة على النخبة أو الوساطة الاجتماعية السياسية (أي حزبٌ حاكم) يكون من شأنها على الأقل توجيه المطالب المجتمعية على أساس صيغة الكفيل-العميل؛ إنما يفاقم حالة الانفصال بين الدولة والمجتمع. لقد اعتمد نظام مبارك على الحزب الحاكم، وهو الحزب الوطني الديمقراطي، كأداة للحكم على الصعيدين الوطني والمحلي، وكذلك بكونه قناة للوساطة مع المجتمع على الصعيد التشريعي، من خلال البرلمان. والأهم من ذلك، من خلال شبكات المحسوبية والحظوة في البلديات. وعلى النقيض من هذا، رفض النظام الحالي إنشاء مؤسسة وساطة كهذه منذ البداية، وهذا ما أوضحه إعلان الرئيس السيسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 أنه لا ينوي بناء مثل هذا الحزب الحاكم. وبالتالي، ليس من المفاجئ أنّ بعض المناطق الحضرية في مصر قد شهدت ظهور حركات محلية كتلك التي عرضتُها هنا، وهي تهدف إلى محاربة هذا النمط من الحكم الإقصائي.