المحكمة الخاصة بلبنان من منظور سوري: أي دروس؟

وإلى جانب اللبنانيين، راقب عن كثب عدد كبير من السوريين حكم المحكمة الخاصة بلبنان، نظرا إلى الشكوك في أن النظام السوري ربما كانت له يد في اغتيال الحريري. لكن الدافع الأكبر وراء هذه المراقبة هو الاهتمام المتزايد للعديد من السوريين بالخيارات الدولية لتحقيق العدالة في الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت في سوريا منذ عام 2011. تبحث هذه الورقة الدروس التي يمكن للسوريين أن يستفيدوا منها – بالنظر إلى تجربة المحكمة الخاصة بلبنان – في سعيهم إلى تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سوريا.
ari-mansour-syrian-perspective-stl-lessons-learnt
نظرة عامة للمحكمة في لايدسندام خلال جلسة خاصة للمحكمة الخاصة بلبنان التي تدعمها الأمم المتحدة وهدف الجلسة قرار إجراء محكمة غيابية لأربع اعضاء حزب الله اتهموا بالإغتيال السياسي للرئيس اللبناني السابق رفيق الحريري، قريب من لاهاي، هولندا، 11 تشرين الثانينوفمبر 2011. © EPA/PETER DEJONG / POOL

أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان حكمها في 18 آب/أغسطس 2020 بعد عقد ونصف على تفجير 14 شباط/ فبراير 2005 الذي أدى إلى مقتل 22 شخصاً، من بينهم رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. نطق القاضي بحكم غيابي أدان فيه متهماً واحداً هو سليم عياش وبرّء المتهمين الثلاثة الآخرين، مع غيابهم جميعاً عن قاعة المحكمة.

لم يكن اللبنانيون وحدهم من انتظر قرار المحكمة، بل شاركهم السوريون أيضاً نظرا لشبهات تورط النظام السوري باغتيال الحريري ولاهتمام المتزايد لدى فئة من السوريين بالخيارات الدولية للعدالة كوسيلة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها نظام الأسد منذ عام 2011. فما هي الدروس التي يستطيع السوريون الاستفادة منها بالنظر إلى تجربة المحكمة الخاصة بلبنان في سعيهم لمحاسبة المسؤولين عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟

البحث عن العدالة الدولية للسوريين

سبل العدالة الوطنية ليست متاحة في سوريا، فالقضاء السوري غير مستقل وغير نزيه ويخضع بشكل مباشر للسلطة التنفيذية وأفرعها الأمنية، كما تفرض "المحكمة الخاصة بقضايا الإرهاب" الهجينة والقضاء العسكري ولايتهما على معظم المحاكمات المتعلقة بالأحداث في سوريا منذ عام 2011، وكليهما ينتهكان أبسط قواعد المحاكمات العادلة والإجراءات القانونية الواجبة.

لذلك توجه عدد من السوريين إلى البحث في الخيارات الدولية للعدالة، التي يندرج في إطارها عدة جهات قضائية من بينها المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، والمحاكم الدولية الخاصة والهجينة، والمحاكم الوطنية في دول أخرى تقبل الولاية القضائية العالمية.

لم تنجح محاولات إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب استخدام روسيا والصين حق الفيتو ضد الإحالة. كما أن تشكيل محكمة دولية خاصة بسوريا يتطلب شروطاً ليست متوفرة حالياً.

إلا أن طريق الولاية القضائية العالمية كان سالكاً وأفضى حتى الآن إلى إصدار ألمانيا مذكرات إلقاء القبض على بعض كبار المسؤولين الحاليين في نظام الأسد، ومحاكمة عناصر سابقين في أجهزة المخابرات السورية، في محكمة كوبلنز الألمانية بشأن التعذيب. كما أن هناك شكاوى مقدمة إلى الجهات القضائية في عدة دول أوروبية بناءً على مبدأ الولاية القضائية العالمية من بينها ألمانيا بشأن جرائم العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي واستخدام السلاح الكيماوي، والسويد والنرويج في قضايا متعلقة بجريمة التعذيب وغيرها من الجرائم الدولية. كما قررت هولندا مؤخراً مساءلة سوريا بموجب القانون الدولي لانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان وبخاصة التعذيب بالتوجه إلى محكمة العدل الدولية.

يجدر ذكر الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 71/248 للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا منذ آذار/مارس 2011. رغم أن هذه الآلية ليست محكمة بحد ذاتها إلا أنها قد تكون المرجع الأول للأدلة والتحقيقات، وستلعب دوراً رئيساً في التحضير لمحاكمات مستقبلية ان كانت دولية أو وطنية.

القبول بالقضاء الدولي أو القضاء ذي الطابع الدولي بأشكاله الهجينة يتضمن توقع وقبول عدة نقاط مهمة من بينها طول فترة المحاكمة، وقيود الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان كإسقاط حكم الإعدام وتأمين الحق في محاكمة عادلة. لذلك يجب أن يعي السوريون مسبقاً هذه التفاصيل، فمثلاً منهم من يرفض الإعدام كوسيلة للعقوبة ومنهن من يصرّ عليه. من الضروري توضيح هذه النقاط كي تكون آراء السوريين قائمة على معلومات وتوقعات دقيقة.

أي دروس تقدمها المحكمة الخاصة بلبنان؟

قرار محكمة لبنان الخاصة ذات الطابع الدولي أتى صادماً لكثير من السوريين، وانطلقت المقارنات واسقاطات محكمة لبنان على الوضع في سوريا وتطلعات السوريين إلى العدالة. شملت هذه المقارنات تساؤلات كبيرة عن جدوى العدالة الدولية، وربما هٌزّ إيمان بعضهم بمبدأ العدالة الدولية بمجمله. استندت هذه الآراء أيضاً إلى توقعات وآمال مسبقة عن ولاية المحكمة ومهامها.

لكن هل يمكن مقارنة محكمة لبنان بالمحاكم الدولية المتوقعة لسوريا؟ يمكن ذلك - من حيث المبدأ - على اعتبار كليهما جزء من مسمّى العدالة الدولية عموماً، إلا أن الفوارق بينهما كبيرة على عدة مستويات. كما أنه لا يجب اختصار العدالة الدولية في محكمة لبنان، فهناك محاكم دولية أخرى ولها تجارب مختلفة عن هذه المحكمة. رغم أنّ المحكمة الخاصة بلبنان - وتركيزها على اغتيال شخص - قد لا تكون الأقرب للحالة السورية التي من المفترض أن تشمل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ما يجعل الحالة السورية أقرب إلى تجربة محاكم يوغسلافيا أو رواندا الدولية أو المختلطة/الهجينة مثل كمبوديا وسيراليون، إلا أن تجربة لبنان تطرح عدّة أسئلة.

هل تستحق المحكمة الخاصة بلبنان هذه التكلفة المادية نظراً إلى نتائجها؟ ولماذا ارتفع ثمن العدالة الدولية إلى هذا الحد وطال انتظارها؟ وهل كانت هناك خيارات أخرى؟ ماذا عن جدوى المحاكمات الغيابية التي كانت متاحة في المحكمة الخاصة بلبنان بينما عادة مرفوضة في باقي المحاكم الدولية وقدرة تواصل المحكمة مع الضحايا؟

تقدم التجربة اللبنانية درساً هاماً في العدالة الدولية، وخاصة للسوريين الذين يعملون في هذا الاتجاه، وتشكل حالة قيمة للدراسة والبحث.

يمكن تحليل عدة نقاط مرتبطة بالمحكمة الخاصة بلبنان ومقاربتها إلى الوضع السوري:

  • التأسيس والولاية
  • محاسبة المتورطين وتحديات الحكم الغيابي
  • الضحايا والتعويض
  • التكلفة المادية والزمنية

التأسيس والولاية

أتى تأسيس المحكمة الخاصة بلبنان بطلب من الحكومة اللبنانية، وهي الخطوة التي لا يبدو أن أي حكومة في ظل نظام الأسد ستتخذها. كما أن المحكمة أتت نتيجة لقرار صادر عن مجلس الأمن تحت البند السابع، والذي يتطلب عدم اعتراض روسيا والصين.

تُشكل المحاكم الدولية الخاصة عادة:

  • بموافقة مجلس الأمن، مثل "المحكمة الجنائية الدولية لرواندا" و "المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة"، وهذا الخيار غير متاح لاستمرار روسيا والصين باستخدام حق الفيتو ضد أي تحرك ضد نظام الأسد.
  • أو بالاتفاق بين الدولة المعنية والأمم المتحدة على تشكيل محكمة خاصة مختلطة أو هجينة مثل "محكمة جرائم الحرب في كمبوديا" و "المحكمة الخاصة بسيراليون"، وهو ما لا يبدو أن الحكومة السورية ستقدم عليه، لأنها متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولن تسعى إلى محاسبة نفسها.

الولاية

تختص ولاية المحكمة الخاصة بلبنان فقط بارتكاب جريمة إرهابية متعلقة بمقتل الحريري وضحايا تفجير 14 شباط/فبراير والاغتيالات المرتبطة بها، ولا تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من جميع الأطراف كما هو مفترض في ولاية أي محكمة دولية خاصة بسوريا. أما ولاية المحاكم الخليطة أو الهجينة فتحدد من خلال اتفاق تعقده الحكومة السورية والأمم المتحدة، وقد لا يشمل جميع الجرائم أو الأطراف. فمثلاً في كمبوديا نصت ولاية المحكمة الهجينة الخاصة بها أنه انطلاقاً من روح تحقيق العدالة والحقيقة والمصالحة الوطنية، يقتصر اختصاص المحكمة على كبار قادة الخمير الحمر، بالإضافة إلى الأشخاص من الخمير الحمر الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن ارتكاب الجرائم الدولية في كمبوديا. أي أن المحاكمة اقتصرت على طرف واحد وعلى عدد محدود من المرتكبين. طبعاً لم يأت هذا الاتفاق إلا بعد سقوط نظام الخمير الحمر، وهو ما لا يتوافر في الحالة السورية، إذ أن النظام الذي ارتكب أخطر الجرائم لا يزال قائماً.

محاسبة المتورطين وتحديات الحكم الغيابي

رغم كل الجهود والتكاليف والوقت الذي استغرقته المحكمة الخاصة بلبنان لم يُعاقب أحد، والمدان الوحيد طليق. كما أن المحكمة أدانت شخصاً واحداً من بين المتهمين الأربعة، ولم تستطع التوصل إلى "جميع المتورطين" رغم أن ذلك كان أحد أهداف تأسيسها. من بين المتورطين من أصدر أوامر القتل ووفّر أدوات الجريمة وسهّلها، ولا تنحصر الجريمة على المنفذين فقط. وهنا تبرز إحدى نقاط الاختلاف الرئيسة بين محكمة لبنان وأي محاكم دولية مستقبلية خاصة بسوريا. فطبيعة الجرائم المرتكبة في سوريا والتي من المفترض أن تعرض على المحكمة تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها بشكل ممنهج عدد كبير من السوريين الموظفين في أجهزة حكومية بأوامر وتوجيهات من القيادات العليا، بما يفرض محاسبة هذه القيادات حسب مبدأ مسؤولية القيادة.

الحكم الغيابي

سمحت المحكمة الخاصة بلبنان بالمحاكمات الغيابية؛ فحسب قوانين المحكمة: "في حال الحكم بالإدانة غيابيا، يحق للمتهم الذي لم يعين محامي دفاع من اختياره أن يطلب إعادة محاكمته حضوريا أمام المحكمة الخاصة، ما لم يقبل بالحكم الصادر بحقه". كما يمكن استئناف الحكم، أو طلب إعادة المحاكمة ضمن شروط محددة.

إلا أن أحكام المحكمة الصادرة غيابياً لا قيمة عقابية لها باستثناء ما يتعلق بحرية الحركة والسفر، كما أنها تنتهك مبادئ المحاكمات العادلة، وهذا يشير إلى عدم جدوى الهدف العقابي من المحاكمة الغيابية في محكمة لبنان، حيث أدرجت في قوانينها حق المدانين بطلب محاكمة جديدة إن سلّموا أنفسهم، بما يتماشى مع أصول المحاكمات العادلة. بالتالي المدان الوحيد، ونظراً لحقه في إعادة المحاكمة من جديد، يمكنه المجادلة بأنه غير مذنب لأنه لايزال من حقه خوض محاكمة أخرى تثبت براءته من عدمها. لا تقبل المحاكم الدولية عموماً، وعدة دول لجأ إليها السوريين للاستفادة من ولايتها القضائية العالمية، المحاكمات الغيابية. فألمانيا مثلاً، التي لا تقبل المحاكمات الغيابية، أصدرت مذكرات توقيف لضباط سوريين مسؤولين عن التعذيب من بينهم جميل حسن الذي كان رئيس المخابرات الجوية، لكن ألمانيا لن تصدر حكمها ضده ما لم يكن موجوداً. رغم ذلك، يلعب إصدار مذكرات توقيف في التحضير للمحاكمات دوراً هاماً في تقييد حركة المتهمين جغرافياً وسياسياً وخاصة إن كانوا مسؤولين رسميين في مناصب هامة. يُوجه الحكم الغيابي أيضاً ضد مسؤولين حكوميين رسائل إلى الحكومات والمرتكبين بأن جرائمهم أصبحت معروفة وفي طور المحاكمة التي قد تطالهم فعلياً يوماً ما.

الضحايا والتعويض

حسب قوانين محكمة لبنان، لن تقدم هذه المحاكمة تعويضاً للضحايا، بل تتيح لهم فقط المجال برفع دعاوى تعويض في لبنان الذي يعاني أصلاً من قضاء مسيّس. كما أن المحاكم الدولية لا تقدم تعويضات للضحايا، بل قد تصدر أحكاماً تأمر الدولة المعنية بتقديم تعويضات معنوية ومادية.

عدم التعاون من بعض الأطراف في لبنان وسوريا مع التحقيقات ومحكمة لبنان في تزويد الأدلة والشهود، ومحاولات إخفاء الأدلة وملاحقة الشهود وتصفيتهم، كلها عوامل أدى إلى قصور التحقيقات وعدم كفايتها، وبالتالي عدم القدرة على إعداد دعوى قضائية متماسكة وقوية، بما أدى إلى حكم اعتبره الكثيرون مسيئاً للضحايا ولمبدأ العدالة.

أما بالنسبة للحالة السورية فجميع الدعاوى المرفوعة اليوم في أوروبا بموجب الولاية القضائية قائمة على ادعاء ضحايا وشهود سوريين متواجدين في أوروبا. كان هذا العامل حاسماً في بدء هذه الدعاوى، إذ أن الشهود والضحايا مقيمون في أوروبا ويتمتعون بحرية الحركة والوصول إلى المحاكم، كما أنهم محميون من تدخل الجهات المرتكبة للجرائم. من المفترض أن هذه الحريات والحمايات للشهود والضحايا ستندرج أيضاً بما يتعلق بالمحاكم الدولية.

الكلفة المادية والزمنية

إنشاء المحاكم الدولية الخاصة ومن بينها الهجينة يتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً كبيرة وتمويلاً ضخماً وكفاءات وموظفين لوضع قوانينها الداخلية وولايتها القضائية وهيكليتها، وتوفير البنى التحتية كالمباني والمكاتب وتجهيزاتها. كلفت محكمة لبنان نحو 750 مليون دولار، دفع لبنان نحو نصف هذا المبلغ حسب ما هو موثق في تقارير المحكمة السنوية. كما وصل عدد موظفي المحكمة الى 456 عام 2016 و399 عام 2019.

بينما المحاكم الوطنية بما فيها التي تعترف بمبدأ الولاية القضائية العالمية مثل محكمة كوبلنز التي تحاكم سوريين متهمين بجرائم حرب، أو المحكمة الجنائية الدولية، لا تتطلب جميع هذه الجهود والإجراءات فهي قائمة بحد ذاتها مسبقاً.

الوقت الطويل الذي تستغرقه المحاكمات يرتبط عادة بإجراء التحقيقات والبحث عن الأدلة وبناء الملفات، الأمر الذي باشرت به منذ سنين المنظمات الحقوقية السورية والدولية وكذا الآلية الدولية الخاصة بسوريا و"لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية". العمل الذي قامت به هذه الهيئات سيختصر الوقت المطلوب لاي محاكمة مستقبلية. لذلك من الهام جداً أن تطور المنظمات السورية آلية توثيقها واعتمادها التوثيق القانوني بأعلى المعايير. كما يجب توجيه جزء من جهود السوريين إلى متابعة الآليات الأممية العاملة على جمع الادلة وجدية عملها.

بالنظر إلى المعطيات المتعلقة بالعدالة الدولية وخياراتها المعقدة والمتعددة وتجربة لبنان، تبرز أهمية توجه السوريين إلى الدراسة المتأنية والبحث العميق في هذه الخيارات في ظل الظروف الراهنة والمستقبلية، والتشاور بين جميع السوريين العاملين في ملف الدعاوى القضائية لتنسيق رؤيتهم وجهودهم بمشاركة الضحايا وعائلاتهم، ومحاولة البحث في الاستراتيجيات المطلوبة والتعلم من الخطوات الهامة التي تم إنجازها إلى الآن. لا ينبغي انتظار اليوم الذي تتوافر فيه خيارات العدالة، بل لا بد من الإعداد والتحضير المدروس المسبق لعدة سيناريوهات تتطلب اتجاهات مختلفة للمحاسبة والعدالة، قد يكون من بينها:

  • استمرار نظام الأسد بدعم من روسيا تحت عزلة دولية:

يحتّم هذا السيناريو استحالة تحقيق العدالة ضمن المحاكم الوطنية السورية أو المحاكم الهجينة المتفق عليها مع الحكومة، وبالتالي يبقى أمام السوريين خيارات المحاكم الدولية الخاصة التي تتطلب قراراً من مجلس الأمن (وهو يفترض عدم استعمال روسيا الفيتو في مجلس الأمن)، أو المحكمة الجنائية الدولية إن قبلت الولاية القضائية على طريقة ميانمار وبنغلاديش، والولاية القضائية العالمية المطبقة اليوم في عدة بلدان وإن كانت محدودة في قدرتها على محاكمة أي شخص موجود خارج هذه البلدان .

لكن يمكن استخدام المحاكم الوطنية في المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة السورية، بشرط أن تحترم شروط المحاكمات العادلة. فالمحاكم في هذه المناطق ليست خاضعة لسيطرة نظام الأسد ويمكنها قبول دعاوى ضده. مع الأخذ بعين الاعتبار قصور النظام القانوني السوري من حيث النصوص والخبرات بمحاكمة الجرائم الدولية والقصور في قدرات هذه المحاكم حاليا واتباعها مراجع قانونية مختلفة. في هذه الحالة يمكن النظر بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في تعديل القوانين وتدريب الكوادر القضائية. بالإضافة إلى إشكالية الجدوى العقابية للمحاكمات في هذه المناطق إن تمت بشكل غيابي. قد لا تكون الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم الوطنية ذات قيمة عقابية اليوم، وخاصة أن نظام الأسد لن يتعاون معها. لكنها ستكون تجربة ثرية وتحمل جانب توثيقي قانوني، وتسهم في تحضير ملفات القضايا وحفظها بما فيها أقوال الشهود والضحايا. قد تكون هذه الممارسة أحد الوسائل الهامة لحفظ الذاكرة وبشكل قانوني إن تمت بإشراف أو تعاون وثيق مع منظمات دولية مختصة ومع الأمم المتحدة، أو مع أجهزة قضائية في دول ذات أنظمة قضائية متطورة. فمثلاً، تدعو اليوم سلطات الحكم الذاتي شمال شرق سوريا إلى إنشاء محكمة خاصة بجرائم داعش. يمكنها البحث في خيارات محاكمة جرائم نظام الأسد وليس داعش فقط.

  • تشكيل حكومة انتقالية تشارك فيها المعارضة ونظام الأسد:

في هذه الحالة قد تتوصل المعارضة والنظام إلى اتفاق داخلي في إطار عملية عدالة انتقالية برعاية أو تسهيل أممي للنظر في مسألة المحاسبة. حسب المعطيات الحالية لن يرضخ النظام السوري لأي اتفاق يؤدي إلى محاسبة رؤوسه، وسيوجه الاتفاق الجهود بمعظمها إلى المصالحة الوطنية وإعادة الاستقرار الشكلي وربما تعويض الضحايا، بلا محاسبة جنائية حقيقية. كما أن جهود العدالة في هذه الحالة قد تتعرض لعدم تعاون وتعطيل من قبل الأجهزة التي يسيطر عليها الأسد. وسيأتي هذا الاتفاق بمقايضة العدالة باتفاق سياسي. في تونس مثلاً، واجهت عملية العدالة الانتقالية عدة عوائق منها عدم تعاون السلطات التنفيذية مع "هيئة الحقيقة والكرامة" المستقلة المفوضة بإرساء العدالة الانتقالية، ومحاولات تعطيل من قبل مسؤولين سابقين في حقبة بن علي الرئيس التونسي المخلوع.

  • إزاحة بشار الأسد عن الحكم:

قد يحمل هذا السيناريو عملية عدالة انتقالية جدية تنصف جميع الأطراف وتتضمن محاكمات جنائية في المحاكم الوطنية السورية. لكن قد تشوبه عدة مشاكل في صدارتها قصور النظام القانوني السوري من حيث النصوص والخبرات بمحاكمة الجرائم الدولية بما فيه إجراءات المحاكمات العادلة. وقد يدفع هذا إلى إنشاء هيئة قضائية هجينة أو مدعومة من الأمم المتحدة. بالإضافة إلى أن تقبّل جميع الأطراف وتعاونها مع المحاكمات في ظل نظام قضائي وطني وعادل يبدو رومانسياً اليوم؛ فجميع أطراف النزاع ارتكبت جرائم دولية. في ظل الظروف الراهنة لا يبدو أن أياً من الأطراف الرئيسية للنزاع في سوريا سيقبل بمحاكمات عادلة، والأرجح أن تعقد هذه الأطراف اتفاقات سياسية تمنع محاسبتها وتقوض العدالة الجنائية لأعداد كبيرة من السوريين.

خاتمة

تقدم المحكمة الخاصة بلبنان دروساً هامة للسوريين وللأمم الأخرى التي تسعى إلى العدالة الدولية. لكن أهم ما يمكن استنتاجه هو أن خيارات العدالة المتاحة اليوم ومستقبلاً إن أتت في الإطار الدولي أم في المحاكم الوطنية لن ترقى إلى مستوى المفهوم المطلق والرومانسي للعدالة التي تشمل الجميع والذي اعتقد أن كثيراً من السوريين يتبنوه. لا تقتصر السلبيات على العدالة الدولية، فالعقبات المتعلقة بالوضع في سوريا ومحاكمها الوطنية تقصي أحلام العدالة المطلقة، وتشمل عقبات كبيرة قد لا يمكن تجاوزها.

قد يكون تقييم العدالة من خلال تكاليفها المادية ونتائجها غير ممكن. بالمقابل ما لا يقبل الخلاف هو ضرورة العمل على مواجهة الأسباب التي أوصلت عملية العدالة إلى هذه المأساة. يجب أن يشمل العمل على دراسة سيناريوهات العدالة الممكنة جهوداً متعلقة بردع الجريمة بالأصل. تبرز هنا الأهمية الكبرى للعمل على ضمانات عدم التكرار في خطط العدالة الانتقالية، التي تقوم على فهم أسباب ما جرى ومحاولة علاجها أكثر من محاولة إصلاحها بعد وقوعها، بما يضمن العدالة على المدى الطويل ويحمي المجتمع ككل. أي جهود موجهة إلى تحقيق العدالة بلا تأسيس ضمانات عدم التكرار وحماية من الانتهاكات والجرائم ستكون منقوصة.