العراق: مؤسسات منحلّة، استقطاب طائفي ووصاية إيرانية

لقد أرست التجربة السياسية الحديثة في العراق أسس تستند إلى التجاذبات الطائفيّة والعِرقيّة. أتت فكرة المحاصصة كتعاهد متبادَل بين القوى العراقيّة المتعارضة، وأداة إدارية لتوزيع السلطة غير منصوص عليها في الدستور العراقي. ومِن ثَمّ، يمكن الالتفاف على هذا التعاهد متى تغيّرت موازين القوى بين الأطراف العراقيّة. أدّى هذا الأمر إلى هيمنة الأغلبية في المؤسسات الحكومية وبالتالي تقويض مبدأ الفصل بين السلطات. وشجعت الوصاية المتزايدة لإيران على العراق الجهات السياسية الحاكمة على استخدام الدستور وحالة الطوارئ وقانون مكافحة الإرهاب لاستهداف المجموعات السنية وتعزيز المصالح الدينية ومصالح الأمن القومي لإيران في العراق. وقد زاد هذا الاستهداف مع وصول الدولة الإسلامية (داعش)، مما ساهم بشكل أكبر في تكريس طَوْءفة الحقل السياسي، وكبّل أداء المؤسسات الوطنية العراقية.

Arab Reform Initiative - العراق: مؤسسات منحلّة، استقطاب طائفي ووصاية إيرانية
نائب الرئيس الإيراني في لقاء مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، طهران، أكتوبر/تشرين الأول 2014،© EPA

بدأت التجربة السياسيّة العراقيّة في خضمِّ الحرب الأهليّة بعدما أصدر الحاكم المدنيُّ الأمريكيّ بول بريمر (2003- 2004) قراراً بحَلّ الجيش العراقي وقانون اجتثاث البعث (16 نيسان/إبريل 2003) الذي دخل في الدستور الدائم 2005 تحت المادّة 135. وعقب الحرب الطائفيّة عام 2008، تمَّ تبديله بقانون المساءلة والعدالة الذي تمَّ تطبيق النقاط المتعلِّقة بالاجتِثاث منه بتوجيهِها نحوَ مكوِّن عراقيّ دون غيره. وهذا ما عكسَته الشعارات التي ظهرت ضدَّ هذا القانون في اعتِصامات المحافظات السنّيَّة عام 2011.

إنّ حلّ الجيش أتى بنتائج عكسيّة. فمن باب المقارنة مثلاً مع اليابان الذي تعرّض لقرار أميركيّ مماثل سنة 1945، لم يَتمكّن الاقتِصاد العراقيّ من إنجاز ما فعله الاقتِصاد الياباني الذي امتَّصَ - بجزأيه المهنيّ والزراعيّ - الجنود والضبّاط اليابانيّين الذين سُرِّحوا من وظائفهم إثر هذا القرار، بل وجد الجنود والضبّاط العراقيّون أنفسهم بلا عمل (400.000 موظّف عسكري). ناهيك عن الجرح النرجسي الذي حدث للطائفة السنّيّة التي اخُتِزلت في مجرَّد مِلّة بعثيّة صدّاميّة، فأعاد حزبُ البعث تنظيمَ نفسه سرّيّاً وظهرَت قيادات عسكريّة بعثيّة في صفوف القاعدة وداعش من بعدها.

كبّلَت هذه الحال قدرة العراق على إدارة تجربته السياسية بعيداً عن التجاذب الطائفيّ والإثنيّ، فأتت فكرة المحاصصة كتعاهد متبادَل بين القوى العراقيّة المتعارضة، وأداة إدارية لتوزيع السلطة غير منصوص عليها في الدستور العراقي. ومِن ثَمّ، يمكن الالتفاف على هذا التعاهد متى تغيّرت موازين القوى بين الأطراف العراقية، وهذا أمرٌ سرعان ما ظهر. حيث بدأه رئيس الحكومة الانتقاليّة إبراهيم الجعفري 2006، ورَسّخَهُ خَلفهُ نوري المالكي الذي حكم لدورتين متتاليتين (2006-2014) مُركِّزاً السلطة التنفيذيّة في يده.

حيدر العبادي: حصر السّلطات ومخالفات دستورية

تسلَّمَ حيدر العبادي الحكم من أمينه العام في حزب الدعوة نوري المالكي سنة 2014، واستأنف إقصاء الخصوم السياسيين وتركيز السلطة في يده. تجلَّت هذه السياسة في أزمة استفتاء الاستقلال الذي نُظّم في إقليم كردستان العراق، فلم يعترف العبادي بوساطة المؤسّسات الرئاسية الأخرى، أكانت وساطة رئيس الجمهورية ونائبيه أم وساطة السلطة التشريعية. كما سارع العبادي في سلب الإقليم صلاحياته الدستورية، إذ تبيّن أنه ليس للإقليم الكرديّ سلطة على مطاراته - على عكس مطار النجف - ولا على منافذه الحدودية التي ينظّمها الدستور العراقي في مادّته 114، ولا على قطاع الاتصالات وحركة الذهب والعملة الأجنبية. كما أقدم العبادي على انتهاك المادّة 9 من الدستور باستخدامه الجيش وميليشيات الحشد الشعبي للسيطرة على المناطق الكردستانية المُتنازع عليها (16 تشرين الأوَّل/أكتوبر 2017)، عوضاً عن تطبيق المادّة 140 من الدستور التي تُعالج النزاع في تلك المناطق، والتي عطّل المالكي تنفيذها سنة 2007.

هذا ولم تُعرف الجهة التي أمرت قوّات من الحشد الشعبي بالمشاركة في مناورات عسكريّة مشترَكة مع الجيش الإيراني داخل الأراضي الإيرانية، في المنطقة الحدوديّة المواجهة لمعبر برويزخان الدولي التابع لمحافظة السليمانيّة (2 تشرين الأوَّل/أكتوبر 2017). وفي باب التجاوزات أيضاً، يجمع رئيس الحشد الشعبي هادي العامري - زعيم كتلة بدر البرلمانية (22 مقعداً) والناطق الرسمي باسم الحشد الشعبي - ومعه عضو البرلمان أحمد الأسدي بين منصب عسكريّ وآخر برلماني، وهذا ما يمنعه البند السادس من المادّة 49 من الدستور العراقي.

تصدُّعات في ركائز الدولة

ليس النسق السياسي الحاليّ في العراق مستقلّاً عن مرجعيّاته الدينيّة بمختلف طوائفها. فلا يمكن للفعل السياسي فيه أن يكون سياسيّاً محضاً. ولأن هذه المرجعيّة مُتعارضة مذهبيّاً ومُحترِبة تاريخيّاً؛ فهي تُعمِّق الشرخ المجتمعي وتقضي على المسارات المُمكنة لبناء مصلحة مشترَكة في ظلِّ سلطة تتناوب الاحتكار وتفتح باب الثارات على مصراعَيْه. مما يؤدّي إلى تعطيل الدستور وتجميد القوانين كأدوات وسيطة بين المصالح المُتنازِعة، ويفقِد التعاهد بين المكوِّنات العراقية أساسَه. فيتحوّل التعارض بين القوى العراقية إلى ديناميّة للتصفية المتبادَلة. وأكَّدت التحالفات العابرة التي ظهرت بين المكوّنات الرئيسيّة إثنيّاً ومذهبيّاً غيابَ التعدُّدية السياسيّة عن التجربة العراقية بعد 2003. إذ أنّ هذه التعدُّديّة تتحقَّق في مجتمع قادرٍ على التعايش دونَ أن تبطش إحدى مكوِّناته بالأخرى، هذه المكوّنات التي تتعاهد بالتساوي بينها وفقاً للقانون العامّ، وتُعنى بالمصلحة العامّة على أنها أدنى بنود هذا التعاهد.

واقع الأمر أن قانون إدارة الدولة العراقيّة في مرحلة ما بعد بريمر يتضمَّن الآلية الديمقراطية الضروريّة لعبور المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الدستور الدائم (2005). وكان هذا القانون مشروطاً بإدارة البلاد على أساس مبدأ فصل السلطات. لكنَّ الممارسات ما لبثت أن أدّت إلى الحرب الطائفية (2006-2008)، وفتحت السبيل إلى تحوُّل العراق إلى دكتاتوريّة دستوريّة مسنودة بعملية انتخابية مرتكزة على التصويتين المذهبيّ والإثنيّ.

طَوْءفة الحقل السياسيّ

يشير داريوش شايغان إلى تناقض في اسم الثورة الإسلاميّة في إيران المجاورة،1داريوش شايغان، ما الثورة الدينية: الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة، ترجمة: محمد الرحموني، المؤسّسة العربية للتحديث الفكري/دار الساقي، بيروت 2004، ص 243. حيث تتعارض حداثة الجمهوريّة ووضعيَّتُها مع الجانب الإسلامَوي ومرشَّحِه المتمثِّل في المرشد الأعلى الذي يَعلو الدولة بمنصبه. على هذا الغرار، توجد في العراق مرجعيّات دينيّة شيعيّة متعدِّدة تجتمع لترعى المسار الطائفيّ للقيادة السياسيّة وتمدُّها بالشرعية اللازمة لتسلّم المناصب. ويتمُّ توارث المرجعية ضمن العائلة، كعائلتَي الحكيم والصدر. ولمواجهة نظام المحاصصة الذي مَكّنَ الطائفة الشيعية من إعادة صياغة الحكم وفقاً لمصالحها؛ أسَّس السنّة بعد 2003 هيئة علماء المسلمين. واستُعمِلت المادّة 4 من قانون مكافحة الإرهاب لملاحقة قيادات تلك المرجعية منذ 2006 مع بداية الحرب الطائفية.

بلغ التعارض أقصاه بعد الاعتصامات التي جرت في المحافظات السنّيّة وترحيب حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين بدخول تنظيم الدولة الإسلامي إلى مناطقهم. فتصادمت فتوَتان: فتوى سنية ترحِّب بداعش وأخرى شيعية تؤسِّس للحشد الشعبي ضدّ داعش. وقد أظهرت التقارير الحقوقية أنّ التنظيمَين المنبثِقَين من ضروراتٍ مذهبيّة في الظاهر يتماهيان سلوكيّاً فيما يتعلّق بانتهاكاتهما لحقوق الإنسان. مع فارق واحد، وهو أنّ المرجع الشيعي السيستاني أصدر قائمةَ ضوابط لسلوك الحشد الشعبي الذي لم يلتزم بها، فيما أعلن المرجع الشيعي الآخر المتمثل في مقتدى الصدر عن وجود ما وصفها بــ"مجموعات وقحة" داخل الحشد.

اختفى تدريجيّاً مبدأ فصل السلطات عن المؤسَّسات الرئيسيّة في العراق. وظهرت حكومة المالكي في ولايتِه الثانية سنة 2010 مؤلَّفةً منه رئيساً للوزراء وَوِزاراتٍ تُدار من قِبَله بالوكالة (الداخليّة والدفاع)، كما شهدت استقالةَ وزيرِ ماليَّته رافع العيساوي وإقالةَ حاكم البنك المركزي سنان الشبيبي. وبما أن الحكم في العراق برلماني يؤسِّس حكومته زعيم الكتلة الانتخابية الأكبر؛ يكاد التماهي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يكون كاملاً ومقوِّضاً لمبدأ فصل السلطات.

إن التاريخ الاجتماعي-السياسي يُسوِّغ بقاء خيار الناخب العراقي ضمن بيئته المحلية التي هي بالأساس بيئة مؤدلجة عقائديّاً، وإذا أخذنا بالحسبان الدائرة المذهبيّة أو الإثنية لصوت الناخب؛ فسنرى كيف يدخل القضاء العراقي في نفق التبعيّة، إذ يُشتَرط أن يوافق مجلس النواب بأغلبية الثلثَين على تعيين القضاة في المحكمة الاتِّحادية وعلى كيفية اختيارهم، وفقاً للمادّة 92 من الدستور. وهكذا تأتي السلطة القضائية امتداداً للسلطة التشريعية التي تظهر في بيئة منقسمة إلى أغلبيّة مذهبيّة وأقليّة مذهبيّة.

ترجمت بعض القوانين التبعية هذه في أمرين: القانون رقم 4 المتعلّق بالإرهاب الذي اعتبرته المحافظات السنيّة قانوناً ثأريّاً ضدّهم، وقانون "اجتثاث البعث" الذي استُعمِل، في آليّة تطبيقه، كذريعة لفرض ولاءات جديدة. كما أن الإجحاف في استخدام هذين القانونين مُوثَّق بتلال من الأدلّة لدى المحكمة الاتِّحاديّة في بغداد.

"حالة استثناء" تؤسِّس لصراع أهلي؟

يعيش العراق حالة طوارئ مُستدَامة نظراً لتنابذ المكوِّنات العراقيّة وتعارض تصوُّراتها حول نظام الحكم. حروب داخليّة متنقّلة وفقاً لأسباب باتت من الثوابت، يمكن مقاربتُها مع التعريف الذي قدَّمه جورجيو أغامبين للشموليّة الحديثة على أنَّها "عمليّة تأسيس لحرب أهليّة قانونيّة من خلال تطبيق 'حالة الاستثناء' بما يُتيحُ إمكانيّة التصفيَة الجسديّة ليس فقط للخصوم السياسيّين؛ بل لشرائح كاملة من مواطنين تعتبرهم السلطة، لسبب أو آخر، غير قابلين للاندماج في النظام السياسي".2جورجيو أغامبين، حالة الاستثناء/الإنسان الحرام، ترجمة: ناصر إسماعيل، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2015، ص 44.

ينطبق هذا الوصف على ما حدث عام 2006، حين تمّ ابتكار حالة استثناء خاصّة بالمكوِّنَين العربي السنّي والكردي السنّي. كما تجلّى ذلك أيضاً تجاه الكرد مع حصار كردستان واجتياح كركوك في 16 تشرين الأوَّل/أكتوبر 2017، بذريعة تطبيق الدستور ولو من خلال قوّات غير دستوريّة. إذ تمَّ تعليق العمل بالدستور وتجاوز المادّة 9 التي تمنع استخدام الجيش لأغراض سياسية. أدَّت هذه الحال إلى وَصم الكرد بالانفصاليّين والسنّة بالإرهابيّين. واعتُبِرت ساحات اعتصامهم منصّات ترحيب بالإرهاب وفقاً لوصف رئيس الحشد الشيعي هادي العامري ووزيرِ الخارجيّة إبراهيم الجعفري. فاستقرّت، من خلال القانونَين المذكورَين (القانون رقم 4 لمكافحة الإرهاب واجتِثاث البعث)،"حالةُ استثناء" ارتبطت حُكماً بطائفة دون غيرها.

الوصاية الإيرانيّة على القرار العراقيّ

لا يُعتبَر تفعيل "حالة الاستثناء" هذه نتيجةَ سيرورةِ المكوِّن الداخليّ والاحتِلال الأميركيّ فقط، إذ لعبت إيران دَوراً إقليميّاً لا يُستهان به في طَوءفة التفاعلات السياسيّة في العراق.مركَّبات الصراع داخل العراق معقَّدةٌ تاريخيّاً ومذهبيّاً،3جورج طرابيشي، هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية، الطبعة الأولى، دار الساقي، بيروت، 2008، ص 11. إذ كان للثورة الإيرانية عام 1979 دور محوري فرضت فيه الجمهورية الإسلامية نفوذها السياسي تدريجياً من خلال تثبيت نفسها كمرجعيّة مذهبيّة، ونشرها التشيُّعَ في المنطقة عبر استراتيجيّة تصدير الثورة، واستنزاف ميزانيَّتها لصالح آلتِها العسكريّة، تأهُّباً وتجنُّباً لتكرار حربِها الضروس ضدّ نظام البعث. وقد كانت المعارضة الشيعيّة التي قامت بالانتفاضة الشعبيّة عام 1991 - وفقاً للتسمية آنذاك - تُقيم أساساً في إيران. كما أنّ حزبَ الدعوَة والمجلسَ الأعلى الإسلامي وكافّة القيادات العراقيّة الحاكمة الآن خاضت مع إيران أو من إيران معاركَها ضدَّ حزب البعث الذي بات يُنظر إليه من منظورٍ طائفيٍّ مغلوط على أنّه كان سنّيّا محضاً.

كانت وظيفةُ "المستشار العسكري" الصفة الرسميّة التي تمَوِّه بها إدارة العراق التواجد الإيرانيّ، وتمنح الضباط الإيرانيّين حريّة الدخول والخروج من العراق وتحريك القطاعات العسكريّة وتصديرها إلى خارج العراق أيضاً. وقد كرّست حرب 2006-2008 الانقسامَ الطائفي في الجغرافية العراقيّة، بحيث لا تختلط المناطق الشيعيّة بالمناطق السنيّة في كلّ من الجنوب والعاصمة بغداد ووسط العراق. وأتت وجهة موجات النزوح الداخلية الأخيرة بعد الحرب على داعش في المناطق السنية - والتي بدأت في كانون الثاني/يناير 2014 بعد سيطرة داعش على الفلوجة - لتُترجم طبيعةَ هذا الشرخ. إذ اختارَ العرب السنة اللجوء إلى كردستان بدلاً من المناطق الأخرى في العراق.

نذكر على سبيل المثال وليس الحصر تجربةَ جسر بزيبز عام 2015 لنازحي محافظة الرمادي الذين مُنعوا من دخول بغداد إلّا بوجود كفيل، كما فضَّل نازحو الموصل اللجوء إلى كردستان بدلاً من العودة إلى الموصل تحت رايَة الحشد الشعبيّ، واختَفى الآلاف من شباب المحافظات السنّيّة في المناطق الخاضعة لهَيمنة الفصيل الشيعي.

فالعراق ركيزة إيران في المنطقة، ساعدتها معطيات الجغرافيا والتاريخ والتطوُّرات في العقود الأخيرة على بسط نفوذها فيه ومن خلاله. فحجمُ الأموال المحوَّلةِ من العراق إلى إيران، والمقدَّرةِ بـ 13 مليار دولار في 2015، يُحبط كلَّ الجهود الدوليّة لمحاصرة إيران. كما يملك "بنك ملي إيران"، وهو عصبُ العملة الأجنبية ومحرِّكُ التحويلات الماليّة الإيرانيّة، فروعاً عديدةً في المدن العراقيّة، وسط غموضٍ في أساس رأسِ المال وحجم الودائع وملكيَّتِها فيه. كما أنَّ جنوب العراق وبغداد بمجملِها أشبهُ بسوق مفتوح دون رقيب للبضائع الإيرانيّة الرديئة الصنع. ناهيك عن احتِكار السياحة الدينيّة في المراقد الشيعيّة - فنادق، شركات نقل - وشراءِ الكهرباء من إيران للمحافظات الجنوبيّة وبغداد بكلفة 1.2 مليار دولار. حتى مطار النجف، فهو يَخضع لمجلس المحافظة وليس لهيئة الطيران المدني، ممّا يجعلُه مطاراً موظَّفاً لأداء دورٍ أمني.

ونظراً لحجم الفساد الذي حطّم مؤسّسةَ الجيش العراقيّ أثناء فترة حكم المالكي، وسقوط الموصل بيَد داعش، وانعدامِ الثقة بالمؤسّسة العسكرية والجيش، أضحَت الحاجة إلى ظهور ميليشيات رديفة مذهبية أمراً مُلحّاً، تباركُها فتوى المرجعيّة وتوفِّر لها داعش التسويغ. صرَّح المالكي في لقاء تلفزيونيّ (قناة دجلة، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2016) أنَّه مؤسِّس الحشد الشعبي. وبرزت قيادات عراقيّة تابعةٌ لفيلق القدس، أي تحت إشراف إيراني4عَمِل هادي العامري بوصفه "معاون مسؤول قوّات الإمام الخميني" قبل أن يصبح قائداً لفيلق بدر، وتولّى التحقيق مع الجنود العراقيين الأسرى لدى الحكومة الإيرانية أثناء الحرب. أمّا أبو مهدي المهندس الذي يفتخر بكونه جندياً من جنود قاسم سليماني، فاسمه مدرج على قائمة الإنتربول ضمن الشخصيات الأكثر خطورة، عاد إلى العراق بعد 2003، وخاض الانتخابات على قائمة حزب الدعوة برئاسة نوري المالكي، دخل البرلمان العراقي 2005 باسم مستعار، كشفته القوّات الأمريكية وحاولت اعتقاله، فهرب إلى طهران ولم يدخل العراق إلّا بعد انسحاب القوّات الأمريكية في 2011. (هادي العامري وأبو مهدي المهندس)، لإدارة هذا الفصيل الذي يعمل كجيش موازٍ. وبذلك أصبحَ لإيران قوّةٌ عسكريّة رديفة في العراق، تخوض معارك تصبُّ استراتيجيَّتُها في مصلحة إيران، أو في مصلحة الأمن القوميّ الإيرانيّ وفقاً للصيغةِ المفضَّلة لدى الإعلامِ والقيادةِ العراقيّة.

وقد قدّمَ المتحدِّثُ الرسميُّ باسم الحشد أحمد الأسدي، وكذلك نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، تسويغاً جديداً للدور الإيراني في القرار العراقي على أنَّه مستحَقٌّ ضمنَ فكرة الأمن القوميّ للجمهورية الإسلامية. ولأنّ ميزانيّةَ تلك المعارك عراقيّةٌ وجنودَها عراقيّون؛ فهي استراتيجيّةٌ أكثرُ نفعاً من تلك التي اعتُمِدت تجاهَ حزب الله اللبناني، إذ أنّ الأخيرَ يُكلِّف الخزينة الإيرانية عتاداً وأموالاً. بينما يُغذّي العراق، من ميزانيَّته وأبنائه ومن العتاد الأمريكي الذي تَسلمَّهُ لمحاربة الإرهاب، أبعادَ إيران الاستراتيجية المتعلِّقة بفرض هيمنتِها في المنطقة.

>من هنا، ظهرت في الأوساط الثقافيّة العراقيّة تساؤلات حولَ جذورِ الإرهاب، وقضيّةِ محاربتِه التي تؤدّي في النتيجة إلى تقوِيَةِ إيران. ومع سهولة ظهور تنظيم الدولة وتمدُّده، فُتحَت الطريق أمام الخطاب المناسب تماماً، القائل إنَّ داعش مشروعٌ يجب تدميرُه، وإنَّه إرهابٌ موجَّهٌ من طائفة ضدَّ الطوائف أخرى. لولا ذلك، لما استطاعت إيران أن تُجيِّش الطائفة الشيعيّة لمصلحتِها من خلال المؤسّسات العراقيّة الرسميّة: رئيسِ الوزراء والقائد العام للجيش الذي ربط الحشد بمنصبِه، والبرلمانِ الذي أقرَّ قانون الحشد، ناهيك عن المرجعيّة العراقيّة الشيعيّة صاحبة فتوى تأسيس الحشد.5في 13 حزيران/يونيو 2014 أصدر المرجع الشيعيّ الأعلى علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي" التي اعتمدتها الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي لتأسيس ميليشيا الحشد الشعبي. وفي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، صوّت مجلس النواب على قانون هيئة الحشد الشعبي.

إنّ ضعف الجيش العراقي وتنظيم هيكليَّتِه المذهبيّة والإثنيّة جعله غيرَ جدير بالثقة. بالإضافة إلى توسُّع داعش في محافظة الأنبار التي وصفها وزيرُ خارجيّة العراق إبراهيم الجعفري في كلمتِه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتَّحدة (23 أيلول/سبتمبر 2017)، بأنَّها محافظةُ الإرهاب، واستجداء الخبرة العسكريّة الإيرانيّة لإدارة الحشد. كلُّها عواملُ جعلت الجنرال سليماني يتنقَّل بين مدينة القائم العراقيّة ومدينة البوكمال السوريّة كتنقُّلِه بين مدينة قُم وأصفهان. ناهيك عن أن تسريباتٌ إعلاميّة تقول إنَّ الفكرة كانت قد ظهرت في طهران أثناءَ الحربِ الطائفيّة عام 2007، في حين أنَّ المالكي كان قد صرّح أنه قد طرح فكرة الحشد سنة 2012.

خلقت إيران في مناطق نفوذها المذهبيّ بيئاتٍ حاضنةً مُرتكزة على الجهل، ومجتمعات متطيِّرة تنتظر إماماً وتندب آخر، مجردة من الحياة المدنيّة والتعليم، ومتمحوِرة حول المرجعيّات الدينية التي تعمل على ضخِّ المؤثِّرات الخاصّة بعقدة الذنب التاريخيّة. ولدعم ذلك، ظهرت أكثرُ من 44 قناة فضائيّة دينيّة عراقية تغذي هذه الذهنية. وأوجَز القياديُّ البارز في حزب الدعوة العراقي عزَّت الشابندر نقدَه لهذا الأمر في الآتي: "أكبر مكسب حصّله الشيعة من حكم العراق هو حريّة اللطم والمشي من البصرة إلى كربلاء".

ظهرت داعش عام 2014، في السنة الأخيرة من ولاية نوري المالكي الثانية، الذي وسّع من صلاحيّات السلطة التنفيذيّة إلى دكتاتوريّة دستوريّة وصارَ لديه سلطاتٌ كاملة، جيشٌ وجهازُ استخبارات وماليّة. ومنذ ذلك الحين، بدأ نسقٌ سلطَوي هجينٌ يُمكن وصفه بـ "اللاهوت السياسي"، يُحدِّد البنيَة السياسيّة الجديدة في العراق.

والمالكي هو أمينُ عام حزب الدعوة الذي يَنتمي إليه رئيسُ الوزراء حيدر العبادي، وتوارثَت قيادات هذا الحزب منصبَ رئاسة الوزراء على مدار 14 سنة الماضيَة. وعلى الرغم من خسارتِه الانتِخابية أمامَ إياد العلاوي سنة 2010 (91 مقعداً مقابل 89)؛ فإنّ إيران أصرَّت على أن يبقى المالكي رئيساً للوزراء. وصرَّح أحمد الجلبي في لقاء تلفزيوني بأنَّ إزاحةَ العلاوي لصالح المالكي حدثَت بضغطٍ إيرانيٍّ ومباركةٍ أمريكيّة داخل السفارة الأمريكيّة في بغداد. كما أنَّ امتناع رئيس الجمهوريّة جلال الطالباني عن التوقيع من أجل سحبِ الثقة من المالكي سنة 2012 أتى أيضاً بطلب إيراني. علماً أن ملفَّ المالكي يَنفتح على أكبر قضيّة فساد وجرائم تسلَّمته المحكمة الاتِّحاديّة في بغداد عام 2015 والتي قدَّمها القاضي رحيم العكيلي. رغم ذلك، انتقَل المالكي من منصب رئاسة الوزراء لدورتَين متتاليَتين إلى منصب نائب رئيس الجمهوريّة. ويتمُّ التحضير لعودته مرَّة أخرى إلى رئاسة الوزراء في الانتِخابات المقبلة في نيسان/إبريل 2018.

خلاصة وتوصِيات

يغذّي الإقصاء المتبادَل بين المكوِّنات العراقية الثلاثة، حالةَ الصراع التي تضرب استقرار البلد، كما أن نزعة التصفيَة المتبادلة تُفقِد العراق قدرتَه على إنتاج هويّة جامِعة وعابرة لتلك المكوِّنات. فتستمرُّ المؤسَّسات المتهَيْكِلة في العملية السياسية (برلمان ومجلس وزراء وقضاء) في تقوِيَة النسَق الطائفيّ أو الإثني على حساب النسَق الوطنيّ. ويَظهر تطابق المؤسَّسة مع المصلحة الفئويّة حادّاً ومتعارضاً.

من هنا نجد أنّ هذه الحال بطبيعتها ترشِّح الآتي:

  • لن يستقرَّ العراق دون إدناء السنّة والكرد من المؤسَّسات السياديّة. والاستِلاب السياديّ المتعلِّق بالوصاية الإيرانيّة الاستشارية لن يتمكّن من ترسيخ الهيمنة المذهبيّة الشيعية إلّا بإبقاء العراق دَولة فاشلة. فالعراق يُحافظ منذ سنوات على مركزه في قائمة الدول الأكثر فساداً. وتَشمل انتهاكات حقوق الإنسان كافّة المجالات. وقد خرج العراق منذ 2015 من قائمة جَودة التعليم وفقاً لمؤشِّر دافوس.
  • من الضروري العمل على تحرير المؤسَّسات الحكومية في كلّ من بغداد وأربيل من المرجعيات التقليديّة التي تديرُها.
  • رغم اختلاف كرد العراق على مصير إقليمهم داخليّاً؛ فإنه لا يمكن المساس بالحصانة الدستورية لفيدرالية الإقليم إلّا بحرب طاحنة ستؤول نتيجتها مرة أخرى إلى فَدرلة الإقليم وربما أبعد. لذلك لا غنى بالنسبة إلى بغداد وأربيل عن التنسيق لترتيب مصلحتهما المشتركة على الأسس الدستورية المُمكنة.

Footnotes   [ + ]

1. داريوش شايغان، ما الثورة الدينية: الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة، ترجمة: محمد الرحموني، المؤسّسة العربية للتحديث الفكري/دار الساقي، بيروت 2004، ص 243.
2. جورجيو أغامبين، حالة الاستثناء/الإنسان الحرام، ترجمة: ناصر إسماعيل، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2015، ص 44.
3. جورج طرابيشي، هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية، الطبعة الأولى، دار الساقي، بيروت، 2008، ص 11.
4. عَمِل هادي العامري بوصفه "معاون مسؤول قوّات الإمام الخميني" قبل أن يصبح قائداً لفيلق بدر، وتولّى التحقيق مع الجنود العراقيين الأسرى لدى الحكومة الإيرانية أثناء الحرب. أمّا أبو مهدي المهندس الذي يفتخر بكونه جندياً من جنود قاسم سليماني، فاسمه مدرج على قائمة الإنتربول ضمن الشخصيات الأكثر خطورة، عاد إلى العراق بعد 2003، وخاض الانتخابات على قائمة حزب الدعوة برئاسة نوري المالكي، دخل البرلمان العراقي 2005 باسم مستعار، كشفته القوّات الأمريكية وحاولت اعتقاله، فهرب إلى طهران ولم يدخل العراق إلّا بعد انسحاب القوّات الأمريكية في 2011.
5. في 13 حزيران/يونيو 2014 أصدر المرجع الشيعيّ الأعلى علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي" التي اعتمدتها الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي لتأسيس ميليشيا الحشد الشعبي. وفي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، صوّت مجلس النواب على قانون هيئة الحشد الشعبي.