الشتات: قوّة عالميّة نابضة للدفع باتّجاه التحوّل الديمقراطيّ في الوطن العربيّ

*هذه المقالة هي الورقة الفائزة  في مسابقة مقال الطلاب لعام 2020.

 يحظى الشتات العربيّ بمجموعة متنوِّعة من المزايا القويّة القادرة على تعزيز أجندة التحوّل الديمقراطيّ العربيّ؛ وعلى رأسها التنظيم الذاتيّ الذي يُتيح لذلك الشتات تحقيق كامل إمكاناتهم

كان الربيع العربيّ لِيدقّ ناقوس الموت للأنظمة الاستبداديّة التي عمَّرَت عقوداً ابُتلي خلالها العالَم العربيّ. ولكن في نهاية المطاف، لم تمرّ سوى مصر وتونس بعمليّة انتقال ديمقراطيّ، ووحدَه الشعب التونسيّ هو الذي نجح في إقامة ديمقراطيّة حقيقيّة، وإنْ كانت ما تزال هشّة. توضّح هذه التجربة الإقليميّة صعوبة حفز التغيير الديمقراطيّ في الدول العربيّة. إذ تشارك العديد من الجهات الفاعلة في هذه العمليّات المعقّدة، ومنهم النخبة السياسيّة والجيش والدول الأجنبيّة. وعلى رأس هؤلاء يعتبر الشتات العربيّ لاعباً مهمّاً يمكنه أنْ يقوم بدورٍ أكثر تأثيراً من خلال التنظيم الذاتيّ. فما هي وسائل العمل الفعليّة والمحتمَلة لدى هذا الشتات؟ وكيف يمكن للتنظيم الذاتيّ أنْ يؤدّي إلى تعزيز نفوذهم؟

يتكوّن الشتات العربيّ من جميع العرب المقيمين بشكلٍ دائم في دول أجنبيّة والذين لا يزالون يحافظون على علاقاتهم وروابطهم مع أوطانهم الأمّ. هذه الشعوب، التي يُقدَّر تعدادُها بنحو 50 مليون نسمة، غير متجانسة بالمرّة: فهم يتركّزون في البرازيل وأوروبّا الغربيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة ودول الخليج؛ ولدى بعضهم أعمال وتجارة مزدهرة، فيما يعمل آخرون في وظائف بسيطة؛ وبعضهم محافظون، بينما البعض الآخر من المنفتحين. وأحياناً يمثّلون جزءاً مهمّاً ونسبة لا يستهان بها من سكّان بلادهم الأمّ؛ فالشتات اللبنانيّ والفلسطينيّ يُشكل أكثر من نصف سكّان البلدَين، مما يجعلهم في الواقع لاعبين مهمّين في السياسة الوطنيّة لبلدَيهما.

يأتي التحوّل الديمقراطيّ الكامل في العالم العربيّ نتيجةَ انتفاضةٍ شعبيّة، وتكون انتقالاً من نظام استبداديّ إلى الديمقراطيّة، وتعزيز وتوطيد لها. ويمكن للشتات العربيّ أنْ يشارِك في جميع تلك المراحل، من خلال الانخراط في ستّ مجالات استراتيجيّة، وهي: المجالات المدنيّة والإعلاميّة والفنّيّة وريادة الأعمال والمجالَين السياسيّ والفكريّ.

يجمع المجال المدنيّ أفرادَ الشتات المشاركين في عمليّات التعبئة المدنيّة في البلدان المضيفة لهم. والدعم الذي يقدِّمونه يرتبط ارتباطاً مباشراً بالاحتجاجات الجارية في العالم العربيّ. فيمكنهم جمع الأموال اللازمة للمحتجّين من أجل الحشد وزيادة وعي الرأي العامّ العالميّ، وذلك عبر تنظيم مظاهرات التضامُن وجذب اهتمام السلطة السياسيّة في بلدان المَهجَر من خلال تقديم العرائض والالتماسات. ويتجلَّى ذلك بوجهٍ خاصّ في حالة الشتات المغاربيّ في فرنسا، إذ يحظى بموارد قويّة وفعّالة للتعبئة والحشد.

يدعم انخراط مجموعات الشتات العربيّ في المجال الإعلاميّ كلّاً من الانتفاضات الشعبيّة وعمليّات الانتقال الديمقراطيّ التي تعقبها. إذ يمكنهم المشاركة في وسائل الإعلام المكتوبة والمنطوقة من أجل رفع الوعي لدى الجماهير حِيال الأحداث الجارية في العالم العربيّ. وعلى مستوىً أعمق، يمكن لمجموعات الشتات تأسيس محطّاتهم الإعلاميّة الخاصّة للتأثير في آراء الجماهير، سواء العربيّة أو الأجنبيّة. فممّا يُوضّح مدى أهمّيّة واستراتيجيّة المشاركة في المجال الإعلاميّ كَون الصحف العربيّة الشعبيّة، مثل صحيفة رأي اليوم والشرق الأوسط والعربيّ الجديد، تصدر جميعها من لندن.

يمكن أيضاً أنْ يكون المجال الفنّيّ مصدراً حيويّاً لدعم عمليّة التحوّل الديمقراطيّ في الوطن العربيّ. إذ يعيش بالفعل عدد كبير من الفنّانين العرب الناشطين في الخارج، حيث يجدون بيئةً أفضل لازدهار أعمالهم الفنّيّة. فحرّيّة التعبير التي يستفيدون منها في دول المَهجَر تُساعِدهم على انتقاد الاستبداد العربيّ بحرّيّة، وعلى رفع وعي مجتمعاتِهم الأصليّة والمجتمعات المستضيفة لهم.

سلّطت قضيّةُ المُغنّية الجزائريّة وكاتبة الأغاني والنَّاشطة (والمحامية!) المشهورة رجاء مزيان، التي تعيش في العاصمة التشيكيّة براغ، الكثيرَ من الضوء على قوّة الفن في هذا الصدد. وسرعان ما أصبحت أغنيتها الناجحة "ألو سيستام" (ألو، النظام)، التي تندّد فيها بالسلطة في الجزائر، نشيداً وشعاراً للحراك الشعبيّ الجزائريّ.

وعلى صعيد ريادة الأعمال، تستطيع مجموعات الشتات دعم الانتفاضات الشعبيّة من خلال التبرع مباشرة للمتظاهرين بالأموال التي يحتاجون إليها لدعم حراكهم. فضلاً عن ذلك، يستطيع رواد الأعمال توطيد الديمقراطيّة من خلال الاستثمار الجماعيّ في بلدانهم الأصليّة بمجرد تحوّلها إلى دول ديمقراطيّة. والواقع أنّ الأنظمة الديمقراطيّة الشابّة لا تترسّخ بقوة إلا إذا نجحت في تلبية المطالب الشعبيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ومن الممكن أنْ يضطلع روّاد الأعمال بدور أساسيّ في هذا السياق. وذلك ينطبق على وجه الخصوص بالنسبة للشتات السوريّ واللبنانيّ، الذين يوجد بينهم نسبة عالية من رجال الأعمال الناجحين.

يمكن أنْ يحظى التحوّل الديمقراطيّ العربيّ بقدر أكبر من الدعم من قِبَل مجموعات الشتات الذين يشاركون في المجال السياسيّ في البلدان المضيفة لهم. وسوف يخلِّف هذا تأثيراً ملموساً إذا ما شاركوا في المجال السياسيّ للدول التي تلعب دوراً حاسماً في المنطقة، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. وبوُسع الجاليات المغترِبة أنْ تسعى إلى التأثير على السياسات الخارجيّة لتلك الدول من خلال الانخراط المباشر في دوائر صنع القرارات. إذ يمكنهم حينها، من الداخل، تعزيز رؤية متجدِّدة للعلاقة التي يمكن أنْ تُقيمها البلدان المضيفة لهم مع بلدانهم الأمّ. قد يكون ذلك مناسباً أيضاً لمجموعات الشتات في دول الخليج، مع أنّه يتّسم بقدرٍ كبير من الحساسية والتعقيد.

وأخيراً، من الممكن أنْ يُساهم المغترِبون من ذوي الكفاءات الفكريّة أيضاً بصورة أساسيّة. أولاً، يمكنهم دفع الثقافة السياسيّة العربيّة نحو ثقافة أكثر ديمقراطيّة، وذلك من خلال التوفيق بينها وبين الحداثة بشكلٍ عامّ والمبادئ والممارسات الديمقراطيّة بشكل خاصّ. وقد يتّسم ذلك بقدر أكبر من الفعاليّة إذا ما انخرط المفكّرون في حوارٍ مع العناصر الفاعلة من العرب كافّة، بما في ذلك الإسلاميّون والتيّارات الدينيّة. والواقع أنّ المغترِبين من ذوي الكفاءات الفكريّة يتمتّعون بوضعٍ جيّد بشكلٍ خاصّ يسمح لهم بالقيام بهذه المهمّة؛ وتظهر تلك الإمكانيّة على أكمل وجه في شخصيّات مثل محمد أركون وعلاء الأسواني وأمين معلوف. وثانياً، من خلال الانغماس في المجال الفكريّ في البلدان المضيفة لهم، تستطيع الجاليات المغترِبة تفنيد الأفكار التي تجعل الدول الأجنبيّة تتوجّس خيفةً من دعم التحوّل الديمقراطيّ في الدول العربيّة؛ مثل الأفكار التي تزعم أنّ الاستبداد هو أفضل علاج لمواجهة الحركات الجهاديّة أو أنّ "العرب لا يصلحون للديمقراطيّة". يجسِّد كتاب إدوارد سعيد "مسألة فلسطين"، الذي يستهدف الجمهور الغربيّ بالتحديد، ذلك التأثيرَ الذي يستطيع المفكّر أنْ يمارسه في الخارج. إضافة إلى أنّ إنشاء مراكز بحثيّة وإصدار مجلّات أكاديميّة متخصّصة في الشؤون العربيّة يمكن أنْ يكون أسلوباً فعّالاً مُجدِياً في العمل. ثالثاً، يستطيع المفكّرون والخبراء في مجال السياسة العامّة أنْ يساهموا في تعزيز الديمقراطيّة من خلال تقديم خبراتهم إلى الساسة الجدد في الأنظمة الديمقراطيّة العربيّة الناشئة، سواء فيما يتعلّق بالسياسات الاقتصاديّة أو التعليميّة.

إلى حدٍّ ما، ثمّة سعي حثيث لمباشرة جميع مسارات العمل المقترحة هنا بالفعل: أحياناً بصورة تلقائيّة، وأحياناً أخرى بشكلٍ متعمَّد. بالتالي، فإنّ ما أودّ أنْ أدعو إليه في النهاية هو ضرورة أنْ تصبح مجموعات الشتات مدركة تماماً قوّتها الجمعيّة، وأنْ ينظّموا أنفسهم تنظيماً طبيعيّاً، من أجل إضفاء طابع منهجيّ على الإجراءات الموضَّحة أعلاه ومن أجل تحقيق التضافُر فيما بينها. لا شكَّ أنّ التنظيم الذاتيّ ليس أمراً سهلاً، وذلك لأنّ الجاليات المغترِبة غير متجانسة إلى حدٍّ كبير ومُسيَّسة بالفعل. ولكن نظراً إلى حاجة الشعوب العربيّة الماسّة إلى أنظمة سياسيّة تصون الشفافيّة وتعزِّز المساءلة وسيادة القانون، وأيضاً إذا أخذنا في الاعتبار العقبات القويّة التي ينطوي عليها المستقبل، فإنّ وجود مثل هذه المنظّمة المدروسة بعناية يصبح أمراً بالغَ الضرورة. فعلى أقل تقدير، يُمكنها أن تمثّل لمجموعات الشتات منتدىً للحوار لا يجدونه في بلدانهم الأصليّة. وفي أفضل الأحوال، ستدعم هذه المنظّمة التحوّل الديمقراطيّ مباشرةً من خلال مساعدة الديمقراطيّة على ترسيخ جذورها ومن ثَمَّ تزدهر في العالم العربيّ في نهاية المطاف.