الدنيا أفقر من دون حسان عباس

حسان عباس

عمداً سأغفل الجانب العاطفي حتى أسهّل على نفسي المهمة،  الأمر لا يشبه رثاء عابراً ولا واجباً تقليداً حينما تمسك القلم وتكتب عن حسان عباس.

لم يسبق وأن تعرفت عليه عندما كنت أسمع طلابه الموفدين إلى أوروبا  يتحدثون عنه بشغف بعد مغادرتهم سوريا ولسنوات وكما لو أنهم يتحدثون عن معلم دمشقي مهم، إلى أن تعرفت عليه في تسعينات القرن الماضي  في المعهد الفرنسي بدمشق وكنت ألتقيه في كل زيارة لي إلى سوريا، أو حينما كان يتردد على فرنسا. تكللت لقاءاتنا بعد أعوام بتأسيس مبادرة الإصلاح العربي عام 2005، واتفقت مع زميلي وصديقي سلام كواكبي على ضرورة أن يكون حسان عباس في حلقة الباحثين الرئيسية  لما يمتلكه من زخم وأفكار خلاقة، وكنت سعيدة وفخورة بموافقته على التعاون معنا فصار من كتاب المبادرة المنتظمين وفيما بعد غدت رابطة المواطنة كمؤسسة بحثية سورية شريكنا  الدائم في كل المشاريع.

مع الوقت والتواصل الدائم في سياق عملنا، خاصة ما يتصل منه بموضوع المواطنة، اكتشفت حساسية حسان المفرطة تجاه أي وصف أو إشارة أو عنوان يوحي ويفاضل الانتماء الديني أو الطائفي لأي شخص، سورياً كان أم عربياً.  كنت أتوجّس ردة فعله حينما أضطر للمرور على جانب طائفي نتيجة ضرورات بحثية تخص عملنا،  الأمر بالنسبة له كان بمثابة إلغاء تام للإنسان نفسه. على الفور يتدارك  تلك التعريفات والتلميحات،  معتبرا ذلك داء خطيرا ينبغي أن نتّقيه. يفعل ذلك ليس من باب نفي أو تجاهل التنوع في المجتمعات العربية وإنما على العكس في طريقة تناولها ومعالجتها.

جاءني يوماً مقترحا تبني المبادرة تنفيذ مشروع بحثي أطلق عليه اسم الخارطة الثقافية لسوريا، وكان قد أنجز جزءاً مهماً من البحث لوحده بناء على معرفته الاستثنائية والدقيقة للتاريخ والجغرافيا السورية وميراثها الوطني، ثم راح يشرح لي فكرته من خلال أمثلة استمدها من أحياء دمشقية ومن مجموعة من قرى الساحل السوري تقطنها فئات سورية مختلفة، دينية وإثنية وثقافية، يعيش أهلها في جيرة من الوئام والحميمية فيما بينهم ويتبادلون منتوجاتهم وبضائعهم منذ أكثر من ألف سنة.

لم يكن مشروعه ذاك  يهدف الى مجرد وصف هذه الفسيفساء النادرة ظاهريا،  بل يستند إلى شرح العلاقات التجارية والاجتماعية والثقافية التي كانت تربط بين هذه القرى والمبنية على أسس من التكامل الاقتصادي بالدرجة الأولى. كانت فكرة حسان ترمي الى تفعيل هذا التراث الثقافي وإحياء العلاقات القديمة بين هذه القرى بما في ذلك التبادل التجاري ليشكل بها وسيلة تعيد بناء السلم والتكامل الاجتماعي خلال مرحلة ما بعد النزاع.

حينها تلقفتُ ما أسهب به حسان وصغته بحماس على شكل مقترح بحثي وقدمته الى جهات مانحة وكلي ثقة أن أي مانح سيلحظ أهمية المشروع  ويتولّى تغطية تكاليف تنفيذه، وبذلك أكون ساعدت حسان في تحقيق أمنيته ليس فقط من خلال تطوير هذه الخارطة الثقافية النادرة  فحسب، إنما  في بلورة واقع سوريا الأصيل الذي يجهله العالم، لا بل ويجهله جزء كبير من السوريين أنفسهم، للتأسيس لرؤية مستقبلية لمجتمع متصالح  مع نفسه يتشارك كل مواطنيه مشاعر الافتخار بما لديهم من إرث وتراث تفاعلي منذ قرون عدة.

مع الأسف  الغالبية في مجتمعاتنا - ويشاطرهم في ذلك المفكرون -  يتعاملون مع قضية التنوع من منطلقين إثنين، إما على اعتبارها قضية محورية وناظمة للمجتمع ولسلوك الإنسان العربي، أو على كونها غير موجودة سوى في مخيلة الدول المستعمرة وسياساتهم بهدف تمزيق وتدمير مجتمعاتنا. بينما جاء طرح حسان ليفتح أفقاً جديداً في التعامل مع قضية التنوع، وثغرة يجسّد بها فكرة أن تاريخ العلاقات الاجتماعية بين فئات المجتمع المتنوع، سوريا تحديدا، يشكل بحد ذاته ثروة يمكن إحياؤها لتكون منطلقاً  للتعايش السلمي والبدء بعقد اجتماعي ينشده الجميع.

مع الأسف لم يتثن لنا تنفيذ هذا المشروع المهم لأن أغلب الجهات المانحة كانت تركّز في عملها على مشاريع آنية ولحظية. ولم تستوعب حسب اعتقادي أهمية هذه المشروع ولا خصوصيته الاستثنائية في الحالة السورية.

حينما اندلعت الثورة، لم يكن حسان أقل حماساً من الشباب والشابات الذين نزلوا الى الشارع ليتظاهروا، لكنه اختار العمل بصمت وكان أقرب للعب دور الأب والملهم الروحي لفكر ثوري جديد، عمل على تطويره بثقة من خلال  بناء القدرة عند الناشطات والناشطين للصمود بما يلائم المدى والنفس  الطويل، و الناشطات تحديدا،  لأن حسان كان نسويا في العمق والنسويات يشهدن على ذلك.

من جهةٍ أخرى، كلمات حسان كانت تقلقني  منذ الأشهر الأولى من عمر  الثورة حينما كان يقول لي بقلق: "ستأخذ القصة سنوات عديدة قبل أن يظهر البديل الحقيقي لأن البديل غير موجود ويجب أن ينشأ وينمو في رحم الحراك الشعبي". كانت تنبؤاته  للمستقبل في غاية الإحباط بالنسبة لي فكنت على الدوام أحاول أن أبعدها عن ذهني معتبرة اياها معيقة للعمل الآني المطلوب منا جميعا في غمرة تسارع الأحداث. تبين لي فيما بعد أن  مشروع حسان كان مبني على رؤية بعيدة المدى يستعد لها عبر خلق و تطوير جيل ثوري أصيل من شأنه أن يحمل الفكر والقيم التي نزل من أجلها السوريون إلى الشارع، فكانت جهوده منصبة على تثبيت وترسيخ قيم تؤصل الفكر الديمقراطي الذي تم تشويهه في السنوات الأولى من الثورة وكان مقتنعاً أن وضوح المفاهيم هو الذي يؤسس للصلابة التي يحتاج إليها السوريون كي يتصدوا بوعي كامل للتأثيرات وللمشاريع المعادية للديمقراطية الحقيقية، أي تلك المبنية على المواطنة الكاملة.

لقد رحل ذلك الإنسان الرقيق الذي طالما خاطب وجداني، وفعّل مكامن مجهولة ومهملة داخل عقلنا السياسي. الحياة أفقر في غيابه، لكني أدرك أنه يقع على عاتقنا اليوم، نحن أصدقاؤه الذين آمننا بفكره، لنحمل عنه زوادة فكره ونكمل ما بدأ به.