الحق في المدينة والسياسة المحلية في مصر: دراسة حالة مثلث ماسبيرو

أشخاص يمشون فوق أنقاض المنازل المهدمة في حي مثلث ماسبيرو بالقاهرة، مصر- أبريل/نيسان 2018.© EPA-EFE / خالد الفقي

مقدمة

أثناء زيارتي إلى مصر في أواخر مارس/آذار 2018 طرأ أمران متزامنان: هدم مثلث ماسبيرو – الحي الذي كان مسرح دراسة الحالة التي أجريها؛ وإعادة انتخاب عبد الفتاح السيسي، لفترته الرئاسية الثانية. كانت هناك لافتة انتخابية كبيرة، واحدة من لافتات كثيرة غمرت شوارع القاهرة، عليها وجه عبد الفتاح السيسي مصحوباً بشعار "أنت الأمل". كانت هذه اللافتة المعلقة على كوبري 6 أكتوبر تشرف على الحي الذي راحت الجرافات تهدم فيه بنايات كانت على مدار سنوات طويلة بيوتاً لأكثر من 4000 أسرة، كل أسرة منها مكونة من عدّة أجيال. كنت في تاكسي، أحاول التقاط الصور في الخفاء للافتة الانتخابية وأنا أتساءل عمّا سيقوله الناس لي عندما أسألهم عن رأيهم في هذا الوعد بالأمل المُطل على تدمير بيوتهم. ودار في ذهني شريط الأحداث غير المعقولة. في عام 2011 كانت منطقة ماسبيرو من أكثر المناطق مشاركة في الثورة، كأحد أحياء وسط البلد والقاهرة القديمة (Ismail, 2013)، التي دافعت عن اعتصام ميدان التحرير. بما أن الحيّ كان مجاوراً للميدان، فقد لعب دوراً جوهرياً في الحفاظ على الاعتصام أثناء الـ 18 يوماً. وبعد سبع سنوات على اندلاع الثورة، ها هو الحي يواجه المحو الكامل. كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ إنني في هذه الورقة أحاجج بضرورة النظر إلى السياسة في مصر عبر عدسة "الحسّ" (Affect) كطريقة محتملة لإجابة عن هذا السؤال. كما حاجج لاسكوفسكي وريفز في كتابهما المكون من مقالات مُجمّعة بعنوان "حالات الحسّ" [Affective States] (2017) فإن "الحسّ [Affect] في القلب من تلك اللحظات التي تزحف فيها السياسة علينا وتغمرنا فجأة أو عندما تتركنا شاعرين بالذهول التام، متسائلين أين نحن وكيف وصلنا إلى هنا ومتى أصبح كل هذا طبيعياً هكذا".

إنني في هذه الورقة أفحص لحظة من هذه اللحظات، وهي لحظة هدم منطقة ماسبيرو التي تزامنت مع إعادة انتخاب عبد الفتاح السيسي في وقت مبكر من عام 2018. أبحث في العلاقات بين الدولة والمجتمع والتحولات على امتداد تلك اللحظات، عن طريق النظر إلى كيف تفاوض سكان أحد الأحياء على بقاءهم عبر لحظة إجلائهم عن المنطقة. ومثل السياق الاجتماعي الاقتصادي الأعرض في مصر وقصة الثورة المصرية نفسها، فإن ماسبيرو هي قصة إخفاق تم التفاوض معه ومحايلته. إنها حركة بقيادة الشباب طالبت بالحقوق الأساسية واستنفدت جملة من التكتيكات السياسية مع الحكومة وأخفقت في تحقيق أهداف النضال الأوسع، لكن تمكنت من إحراز بعض النجاحات – مثل قدرة نحو 900 أسرة على العودة إلى ماسبيرو بعد انتهاء مشروع تطوير المنطقة. أحاجج هنا بأن قضية ماسبيرو قادرة على كشف الكثير عن التقلبات السياسية الأوسع منذ عام 2011. إنها حالة تقدم لنا عدسة نرى من خلالها الفرص السياسية وحملات القمع والتضييق وأجندة النظام الحالية لضمان ألا يتكرر ما حدث في 25 يناير/كانون الثاني 2011. أدّعي أن أحد تكتيكات النظام هي التفكيك الممنهج لسياسة مهمشي الحضر، وهو التكتيك الذي لعب دوراً كبيراً أثناء الثورة (Ismail 2013)، من خلال إعادة تشكيل العمران الحضري فضلاً عن الاستعانة بأساليب قديمة وأخرى جديدة للاستيعاب والإكراه.

في تحليلها عن العلاقات بين الدولة والمجتمع تحاجج سيليا هاردرز بأن "العلوم السياسية تنزع إلى تفضيل المنظورات الماكرو/الكلية" ما يجعل من مهمشي الحضر ذوات سلبية لا أكثر تحركهم التحولات السياسية (Harders 2003). إنني هنا أدّعي بأن هذا الأمر لم يتغير في تحليل الفترة التالية على الثورة. ناقشت دراسات قليلة دور فقراء الحضر في الثورة (Ismail 2013)، لكن أهمل باحثون كثيرون تسييس مهمشي الحضر (urban subaltern) أثناء تحليلهم لتحول – أو ركود الحركة التحولية – في السياسة المصرية على مدار السنوات الأخيرة. بعد 8 سنوات تقريباً، يبدو الوضع كئيباً والمهمة عبثية. للقول بحدوث أي نوع من التغيير – ناهيك عن القول بتحقق تحولات – فلابد أن يكون المرء أعمى لا يرى التنكيل الشرس بأية محاولات لتعظيم أية مكتسبات مؤقتة للثورة. القصة الوحيدة المتبقية يبدو أنها قصة الفشل والإخفاق – الإخفاق المُطبق والكامل لحركة إصلاحية في فرض ولو حتى أجندتها الجزئية للتغيير (Bayat 2017).

على أن حالة منطقة ماسبيرو ورابطة شباب ماسبيرو تسمح لي بتعقب الثورة إلى السياسة اليومية للمواطنين في كفاح طاحن مع النظام، لفحص ما إذا كانت الثورة قد أدت إلى قلقلة السبل التقليدية غير الرسمية للخوض في السياسة. وبدلاً من فحص منظومة رسمية راديكالية أو حتى إصلاحية أو تغيرات قانونية راديكالية أو إصلاحية في السياسة المحلية، فإنني هنا أفحص السياسة غير الرسمية وطبيعة اضطراباتها. "إنه النطاق المحلي الذي تصبح فيه علاقات القوة ملموسة ويمكن فيه رصد وملاحظة المفاهيم المجردة من قبيل الدولة والسياسة" (Hoffmann, Bouziane & Harders 2013, 3). بالبناء على عمل الباحثين حول السياسة اليومية وسياسة الشوارع والسياسة من الأسفل، فإنني ألتفت هنا إلى الشارع وتحديداً إلى حي مجاور للتحرير عاش الثورة بكل تقلباتها، حي تأثر بالثورة وأثر فيها.

إنني أرى شُغل سلوى إسماعيل حول دور مهمشي الحضر في الثورة مهماً لفهم وتعقب "الحياة اليومية" في الثورة المصرية. "البنى التحتية للحشد والحراك والاحتجاج تكمن في العمليات الميكرو [متناهية الصغر] للحياة اليومية على مستوى الحي، وفي أشكال الحوكمة على هذا النطاق وفي بنية المشاعر التي تتطور إزاء حكومة الدولة" (Ismail 2012, 450). مقولة إسماعيل تسلط الضوء على الأحياء كمختبرات سياسية مكانية تتراكم فيها لدى مهمشي الحضر عبر التفاوض المحكم والمواجهات "اليومية" مع مختلف أذرع الدولة، المعرفة حول وسائل الحُكم وكيفية مقاومتها. كان هذا واضحاً وجلياً في دور مهمشي الحضر في الثورة وانعكس في السرديات الخاصة لمن تحدثت إليهم  من الأهالي وسلط عليه الضوء بعض الباحثين فيما دوّنوه عن الثورة. في رواية إسماعيل (2012) حول "الشوارع الخلفية للتحرير"، تسرد بعض "المعارك" المهمة في أحياء عشوائية ترى أنها كانت ضرورية لنجاح الثورة. هذه "المعارك" تجسد لحظة التقاء المظالم القائمة محلياً على جانب والسياسة الخاصة بالثورة على نطاق الدولة على جانب آخر. "إن السردية الخاصة بالمعارك مفيدة في لفت الانتباه إلى مكانة الأحياء الشعبية في جغرافيا المقاومة، والغرس المكاني لسُبل الناشطية الشعبية" (Ismail 2012, 446). أهمية سردية إسماعيل تكمن في ربط المقاومة الشعبية بالسمات "المكانية" للحي، ما يُبرز السؤال حول ماذا سيحدث للمقاومة الشعبية عندما يختفي الحي؟

إنني أحاجج بأن إزالة أحياء بالكامل هو أمر له غرض سياسي، يتمثل بالأساس في تفكيك المختبرات السياسية المذكورة أعلاه وسحق السياسة على مستوى الشارع. في سياق مناقشة معارك التحرير، تبرز منطقة بولاق أبو العلا بقوة فيما يتعلق بإيواء النشطاء والدفاع عن اعتصام الميدان والاشتباك في معارك الشوارع المطولة التي استنزفت قوة الشرطة وحالت دون إعادة سيطرتها على الميدان. تربط إسماعيل (2012, 448) بين جعبة الحي من المقاومة، وتاريخها في الوطنية الذي يعود إلى زمن مقاومة الحملة الفرنسية. هي هنا تسلط الضوء مرة أخرى على التراكم المرتبط مكانياً للمعرفة المنتقلة عبر الأجيال، وسِجل "الحسّ" (affective) الخاص بالمقاومة الشعبية. الهدف من حديثي هذا ليس مجرد تسليط الضوء على دور مهمشي الحضر في الثورة والتسييس وإنهاء التسييس بعد الثورة وما يمكن أن يتعلمه الباحثون من هذا. إنما يتمثل هدفي أيضاً في ربط هذا بما تعلمته الدولة عن مناوئة أية محاولة في المستقبل للحشد والحراك، من أجل فهم استراتيجيات الدولة الخاصة بالتبديل الراديكالي للسبل "المتصلة بالحياة اليومية" للحُكم وسبل مقاومتها، وربط هذا بسعيها المحموم إلى عمليات إعادة تشكيل الحضر في القاهرة على مستوى غير مسبوق منذ التسعينيات.

يستكشف آصف بيات (2012) سياسة مهمشي الحضر هذه في "المدن النيوليبرالية" في حالة النظم السلطوية. يقدم بيات مفهوم "اللاحركات الاجتماعية"، لتحليل سياسة الشارع (2012, 119). طبقاً لـ بيات، فإن الشارع مهم كل الأهمية لمهمشي الحضر. "مركزية الشارع تتجاوز مجرد التعبير عن المعارضة والتحدي، إنما قد يكون الشارع في حقيقة الأمر بمثابة رأسمال لا غنى عنه في أيديهم للبقاء وإعادة إنتاج حياتهم الاقتصادية والثقافية معاً" (2012, 119). يصف بيات النزاع القائم على الفضاء العام بين الدولة ومهمشي الحضر بصفته "سياسة شوارع" (Bayat 2009). هذه العمليات الجارية في نهاية المطاف تخلق "شارع سياسي"، أي أن المواطنين العاديين يصبحون مسيسين عبر نضالاتهم الخاصة المتصلة بالفضاء/المكان الحضري. بعض الأسئلة المثارة هنا والتي تعكس الحدود المفروضة على ما قدم بيات من حجج ومقولات في هذه اللحظة من التاريخ، هي: ماذا سيحدث لـ "سياسة الشارع" عندما يخسر مهمشو الحضر "شارعهم السياسي"؟ بالتطبيق على حالة مثلث ماسبيرو، ماذا يحدث للتسييس والمصادرات للمقدرات الثقافية والاقتصادية عندما يُنقلون إلى الأسمرات، الحي المُسوّر البعيد عن وسط القاهرة، وعندما يخسر فقراء الحضر "رأسمالهم"، فماذا يحدث لسياستهم؟ ثم ما نوع السياسة و"الحسّ" المكاني المرتبطين ببعضهما في هذه الحالة من الاستلاب؟

من تحديات دراسة ماسبيرو فهم الارتباطات العاطفية والحسية بين الناس والحي. بالبناء على أدبيات سياسة الشوارع ومفهوم آصف بيات عن "زحف" المهمشين الهادئ (encroachment) (2009)، يمكنني أن أفهم بشكل مادي الأسباب وراء اعتبار إجلاء الناس قسراً عن بيوتهم تجربة صادمة مؤذية لهم. لكن وأنا أشاهد كيف راحوا يرثون الحي أصبح واضحاً لي أن هناك أسباب متجاوزة لما يمكن للأدبيات الأكاديمية المتوفرة أن تقدمه.

ها هنا، يمكن أن تكون نظريات "الحسّ" مفيدة. تدعو يائيل نافارو ياشين إلى "إعادة تشكيل مفاهيم العلاقة بين البشر والمكان" (2012, 6). تنتقد ياشين ما تصفه بـ "الخيال المبني اجتماعياً" في تركيزه على فهم المكان حصراً عن طريق ما يُسقطه البشر عليه. بالبناء على شُغل تيريسا برينان حول تنقل وانتقال "الحسّ"، تحاجج ياشين بوجود منطق حسّي قائم بين البشر وبيئتهم. إلا أنها لا تلجأ إلى المقاربة التي تركز على "الموضوع" (object) إنما تمزج بين المقاربة الذاتية البشرية ومقاربة تستكشف ذلك "الفائض" في البيئة المحيطة التي تدرسها بعدسة الحسّ. إن دراسة ياشين للامتزاج بين "الوهمي/الخيالي" و"المادي" ضرورية كل الضرورة لفهم "الحسّ" في سياق الحي. طبقاً لياشين فإن "التخييل حقيقي" (2012, 10). بتطبيق هذا على حالة ماسبيرو، فإن الارتباطات الحسّية لسكان الحي مبنية على المادي، وعلى ما يمكن تسميته بالزحف الهادئ لمقاومتهم لمدّ السلطة و كذا على الشبكات الاجتماعية، وإن كانت تتجاوز كل هذا. بالنسبة إليهم، فإن ماسبيرو هو وطنهم ومنطقتهم. فيما يلي يوضح لي أحد محادثيني، من السكان الذكور لمثلث ماسبيرو في الثلاثينيات من عمره، ارتباط الناس بمثلث ماسبيرو.

"نحن ننتمي إلى هذا المكان، وهو جزء منّا ونحن جزء منه. هذا المكان فيه ذكرياتنا وطفولتنا. هو شيء لن يفهمه المسؤولون إطلاقاً. لكننا نشعر به. في هذا المكان كنت ألعب، وعندما أشعر بالضيق أجلس هنا، وأتحدث مع أصحابي. نحن مرتبطون بهذا المكان، ليس فقط لقربه من أماكن عملنا. نحن مرتبطون روحياً به ، قلوبنا مرتبطة به. لا أريد الخروج منه. لا أريد العيش في الزمالك حتى، وهي قريبة منّا للغاية. لا أريد أن أعيش هناك. نحن مرتبطون بهذا المكان".

يشدد نايجل ثريفت (2007) على أهمية دراسة "الحسّ" في المدن و"المدن الحسّية" لتعقب كيف يتواشج الحسّ والمدن لإنتاج السياسة. التفاعلات بين المكان والأجساد والحسّ مرتبطة بعواقب سياسية معينة. ويمضي ثريفت قدماً ليوضح الهندسة السياسية للحس في الحضر في الحياة اليومية؛ وهو الشيء الذي قد يبدو لنا "جمالياً" لكنه هنا له دور سياسي محدد. هذه الهندسة للحسّ قد تكون لها جملة من الأهداف السياسية: محو التواريخ العاطفية للناس، وخلق سجلات حسّية جديدة أو حشد وتعبئة سجلات حسّية قديمة على صلة بالمكان عبر إعادة تشكيل المكان الحضري (Thrift 2007, 172). من ثم، فليس من المبالغة القول بأن إعادة التشكيل الحضري للمدن عملية مرتبطة بمحاولات انتزاع أو تثبيط ردود فعل سياسية معينة من الناس. إن الخطة مهولة الحجم الخاصة بالحكومة المصرية، بتغيير منطقة وسط البلد في القاهرة تغييراً عميقاً – وهو المكان الذي شهد الثورة – هي إذن خطة متصلة كل الاتصال بإحراز أهداف سياسية و"حسّية". إنها خطة تهدف إلى محو السجل الحسّي لثورة المصريين في 2011 وتثبيط سياسة فقراء الحضر.

مناهج البحث

يعتمد هذا المقال على البحث الميداني الإثنوغرافي في إطار المشروع البحثي "المشاركة السياسية والمشاعر والحسّ في سياق التحولات الاجتماعية-السياسية" الممول من مؤسسة البحوث الألمانية الاتحادية (DFG). يسعى المشروع إلى تحليل أهمية الديناميات العاطفية والحسّية للمشاركة السياسية أثناء المظاهرات الحاشدة في "التحرير" (2011) و"تكسيم" (2013) في كل من مصر وتركيا. بيانات هذه الورقة تم جمعها على مدار فترة عامين بين 2016 و2018 أثناء البحث الميداني الخاص برسالة الدكتوراه الخاصة بي. ولقد استخدمت المناهج الإثنوغرافية مثل الملاحظة التشاركية (participatory observation) لأنشطة رابطة شباب ماسبيرو. أجريت مقابلات معمقة نصف مهيكلة مع قادة ائتلاف ماسبيرو والمشاركين فيه، ومع لجنة حي بولاق أبو العلا الشعبية. كما أجريت زيارة ميدانية لحي الأسمرات وقمت بإجراء مقابلات مع سكان مثلث ماسبيرو الذي نُقلوا إلى هناك.

تاريخ موجز لمثلث ماسبيرو: التنظيم محلياً لمواجهة الإخلاء القسري

تم إنشاء صندوق تطوير المناطق العشوائية (ISDF) في عام 2008.1 للصندوق مجلس إدارة يضم ممثلين عن وزارات الإسكان والتخطيط والتنمية المحلية والمالية والكهرباء والتعاون الدولي، فضلاً عن 3 خبراء و3 مندوبين عن المجتمع المدني وقطاع الأعمال، يقوم باختيارهم رئيس الوزراء. الرئيس الحالي للصندوق هو وزير الإسكان ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي. للصندوق رئيس تنفيذي مكلف بالاضطلاع بأعمال الوزير وبتمثيل الصندوق قانونياً. طبقاً لصندوق تطوير المناطق العشوائية، فإن حي مثلث ماسبيرو يعتبر منطقة غير آمنة بسبب عدم ملائمة ظروف الحياة فيه. يقع مثلث ماسبيرو في جنوب منطقة بولاق أبو العلا في وسط البلد، إلى جوار ميدان التحرير، وإلى جوار وزارتي اتحاد الإذاعة والتلفزيون والخارجية. منذ مطلع التسعينيات، راح سكان مثلث ماسبيرو يقاومون الإخلاء القسري والنقل إلى منطقة أخرى، مع المطالبة بتطوير المنطقة في ظل وضع سكانها في القلب من مشروع التطوير. حاججت أمنية خليل (2018) بأنه ورغم تصوير إخلاء مثلث ماسبيرو بصفته مشروع تطوير تشاركي، فقد تبين أنه عملية إخلاء قسري هدفها هو ما وصفته بالإحلال الطبقي العمراني (gentrification) للمنطقة. مثلث ماسبيرو منطقة تاريخية تعود إلى القرن الخامس عشر، وهي حقيقة كثيراً ما أبدى السكان ومحادثيني أثناء البحث الرغبة في تسليط الضوء عليها والفخر بها. أضر زلزال عام 1992 بمثلث ماسبيرو مثلما أضرّ بالكثير من المناطق التاريخية في القاهرة. ورغم حاجة الكثير من البيوت إلى إصلاحات، فقد رفضت الحكومة منح تصاريح الصيانة للملاك والمستأجرين. ولقد روى لي أحد سكان ماسبيرو تجربته مع محاولة إصلاح بيته.

"ليس مسموحاً لنا منذ عام 1992 بإصلاح بيوتنا. كلما ذهبنا لنطلب من المجلس المحلي أو المحافظة تجديد البيت، يقولون إنه محظور إصدار تصاريح بهذا. ولمّا سألت عن السبب قالوا إن المنطقة خاضعة للتطوير. لم يقدموا لنا معلومات إضافية (...) كانت الخطة متمثلة في أن يتهدم البيت على رؤوسنا ونبيعه للشركات. في عام 2008 انهار بيتان على رؤوس الناس بسبب عدم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. أي شخص يحاول إصلاح بيته يفرضوا عليه جزاءات وقد يتعرض للسجن. لكي تعيش في أمان في هذا البلد مع أولادك، فأنت معرض لخطر العقاب".

كما توضح هذه الشهادة، كانت سنة 2008 نقطة تحول لحي ماسبيرو. كثفت محافظة القاهرة من الإخلاءات القسرية بسبب عدم أمان ظروف الإسكان. وفي محاولة لتنظيم أنفسهم وتنسيق رد الفعل، تم إنشاء رابطة شباب مثلث ماسبيرو ففرضت وثبتت "تحالف طوعي بين الشباب والناس في ماسبيرو للدفاع عن حقوق الأرض والمسكن". في المجتزأ التالي المستعرض لبعض المعلومات، يروي أحد مؤسسي الرابطة قصة إنشاء المجموعة.

"في عام 2008 انهار بيتان، ومات رجل وزوجته وأولاده، فأدى هذا إلى حالة من الغضب مع رغبتنا في اتخاذ موقف، فبدأنا في السعي للتواصل مع المسؤولين والسكان الآخرين الذين كانوا قد رفعوا بالفعل قضايا. كانت عندنا فكرة تتمثل في إنشاء منظمة والبدء في العمل من خلالها. كنا أربعة أو خمسة من الشباب لدينا أفكار متقاربة عما يجب فعله. كان الناس خائفون، وبصفة خاصة من القمع المنتظر، نظراً لغياب الحريات السياسية حينئذ. اتفقنا على إنشاء مساحة لنا، سميناها "ةرابطة شباب ماسبيرو للدفاع عن الأرض والحق في السكن"، فظن بعض الناس أننا مجانين، ورأى البعض أنه سيتم القبض علينا لا محالة. لكننا قررنا إنشاء الرابطة لنرى ماذا يمكننا فعله بالتعاون مع الناس. بدأنا في الحديث مع أهالي ماسبيرو والقيادات المحلية لنخبرهم بفكرتنا وما نهدف إلى عمله، فدعم بعض الناس أفكارنا وظننا البعض مجانين. بعد شهور قليلة بدأنا في جمع التوقيعات من الناس في ماسبيرو ضد الإخلاء القسري. بدأنا في رفع شعار "لا للتهجير، نعم للتطوير". لم نكن ضد تطوير المنطقة طالما سيتم تطويرها بنا، إنما كنا ضد الإخلاء القسري للناس، وبدأنا في توضيح هذه الفكرة لهم وللمسؤولين والصحفيين. كنا نريد البقاء في المنطقة. جمعنا أكثر من 4000 توقيع (...). عندما أسسنا الرابطة بدأنا في إعداد معايير كيفية تشارك السلطة في الرابطة وقسمنا المسؤوليات. كنا نريد أن يكون لنا شخص من كل شارع أو حارة بحيث يتم تمثيل الجميع وبحيث يصل كل ما نقوله إلى كل بيت، لكي نوعي الناس، ولتصل مناقشاتنا إلى المثلث بالكامل. جاءتنا فكرة إنشاء صفحة على الفيسبوك، وهو أمر مهم جداً، ويمكننا من التواصل مع الناس في المثلث ومن خارج الحي، مثل الصحفيين والنشطاء الحقوقيين. زادت شهرة الرابطة وذاع العلم بقضية ماسبيرو. كنا راغبين في مشاركة جميع سكان المنطقة وكنا نريد أن تكون رابطةً من الناس، وليس منظمة من الخارج تتحدث نيابة عنهم. مثّلت الرابطة مساحة يديرها سكان ماسبيرو بأنفسهم".

وفي العام نفسه [2008] اقترحت الحكومة المصرية خطة تطوير/تحويل حضري تسمى القاهرة 2050، وفي سياق هذه الخطة برزت بوضوح أهداف الإحلال الطبقي العمراني لمثلث ماسبيرو وتحويله إلى مركز سياحي.

ماسبيرو في الثورة: قلقلة الأوضاع السياسية والاجتماعية القديمة وفتح مساحات جديدة للحراك

كان حي ماسبيرو في عام 2011 من أهم أحياء وسط البلد والقاهرة القديمة المشاركة بقوة في الثورة (Ismail 2013) التي دافعت عن اعتصام ميدان التحرير. بصفته مجاور للتحرير، فقد لعب دوراً مركزياً في استمرار الاعتصام على مدار الـ 18 يوماً. فيما يلي وصف أحد سكان بولاق أبو العلا لدورهم أثناء الثورة.

"تمثل دورنا في جمعة الغضب، في 28 يناير 2011، في تيسير مهمة الناس الذين كانوا يريدون الوصول إلى الميدان. نحن نعتبر وسط البلد، وأي شخص يريد الوصول إلى الميدان عليه أن يمر من هنا، وقد ضربتنا الشرطة بقوة. رحنا نساعد الناس في الوصول إلى الميدان، ونخبرهم بالحواري والشوارع التي يمكنهم السير فيها حتى لا يضلوا الطريق. حدث نفس الشيء في مثلث ماسبيرو".

وروى أحد السكان الآخرين من مثلث ماسبيرو كيف شهد الحي على الثورة.

"كان المثلث معنا (أي الثوار). كان هذا واضحاً في 28 يناير. فالمنطقة أصبحت مستشفى كبير للمتظاهرين بسبب قربها من الميدان. لم يتبق أي طعام في المحلات، وتم استخدام كافة الأدوية المتوفرة في الصيدليات، وفتحت المستوصفات الصغيرة أبوابها للمصابين. وكأن الثورة انطلقت من هنا. بدأ الدخول إلى التحرير من مثلث ماسبيرو، فقد كانت المنطقة تحمي المتظاهرين والثوار. مثلت المنطقة مكاناً للمتظاهرين يختبئون فيه إذا أصيبوا أو إذا احتاجوا أي شيء، وشعروا بأن الناس في ماسبيرو معهم لأن الناس هنا تعرضوا بدورهم للظلم. وفي الفترة من 24 إلى 28 يناير، لم نذهب إلى البيت، وجاء الناس إلينا من المناطق العشوائية لمساعدتنا. كنا جميعاً خائفين، فالمصادمات كانت مهولة، كان أكبر مواجهة مع وزارة الداخلية، ولقد تضامن جميع سكان الحي معاً".

جددت الثورة المصرية في 2011 السياسة المحلية واستفاد شباب ماسبيرو من ذلك الحراك في الدفاع عن قضيتهم. علقت باحثة معنية بمثلث ماسبيرو على الوضع في المنطقة بعد الثورة قائلة:

"منذ عام 2008 والناس في المنطقة يشعرون بالمهانة الشديدة، لكن منذ 25 يناير أصبحوا يشعرون بالفخر البالغ لكونهم ساعدوا الكثير من المتظاهرين الذين اختبأوا وهربوا من الشرطة في المنطقة أثناء الـ 18 يوماً (...). بدأ الناس في ماسبيرو في تنظيم الاعتصامات والمظاهرات وإيقاف الطرق من بعد اندلاع الثورة. لم يكن هذا ممكناً لهم إطلاقاً قبل الثورة".

ثم وبعد انهيار البيتين في ديسمبر/كانون الأول 2011، نظمت الرابطة ماسبيرو مظاهرة على كورنيش النيل. قال أحد محادثيني عن هذا: "في الرابع من ديسمبر 2011 انهار بيت بسبب سياساتهم وبسبب حظر الصيانة والإصلاحات، ومات بعض الناس. عقدنا اجتماعاً مع أهالي المنطقة في 9 ديسمبر 2011، ونظمنا مظاهرة سلمية أمام مبنى ماسبيرو على الكورنيش. أدت المظاهرة إلى اجتماع مع المسؤولين". لكن هذه الاجتماعات لم تسفر عن أي نتائج. في 2013 بدأت "منصة مد"، وهي فريق من الباحثين في الحضر والمعماريين المستقلين، في مشروع تشاركي بالتعاون مع المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي ومع رابطة ماسبيرو لشرح إمكانات تطوير المنطقة دون الإخلاء القسري للسكان. كما تعاون كل من المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي ورابطة ماسبيرو ومنصة مد عن كثب مع وزارة التطوير الحضاري والعشوائيات التي تشكلت حينئذ وتولتها ليلى إسكندر. تكرر ذكر سكان ماسبيرو لأنه خلال تلك الفترة تجددت آمالهم في أن يتم تطوير الحي وهم فيه. ذكروا أن إسكندر زارت المنطقة كثيراً وتحدثت كثيراً مع الناس. نظّمت الرابطة عدة مؤتمرات في المنطقة، وكان الناس يؤمنون بمشروع التطوير، وأعرب أغلب السكان عن أملهم بالبقاء في المنطقة بعد تطويرها. بدا أن الأمور تسير في مسار تطوير المنطقة مع ضمان حقوق السكن الخاصة بسكانها، وبدأت الوزارة بالتعاون مع منصة مد وشركاء آخرين في تنظيم مسابقة دولية لمشروع تطوير ماسبيرو وفازت بالمشروع شركة بريطانية. لكن حدث تغيير وزاري في عام 2016 وتم تغيير وزيرة التطوير الحضاري والعشوائيات. انتقل مشروع تطوير ماسبيرو مرة أخرى إلى صندوق تطوير المناطق العشوائية ووزارة الإسكان، التي كانت لديها فلسفة مختلفة كل الاختلاف في التعامل مع المشروع ومع السكان. حينئذ بدأ السكان يفقدون الأمل في العملية وبالتزام الحكومة بالحفاظ على حقوقهم في السكن أثناء تطوير الحي. وبعد سنوات من الارتباك وغياب اليقين حول مستقبل المنطقة وسكانها، ومع انتشار شائعات كثيرة حول إمكانية الإخلاء القسري، عقد نائب وزير الإسكان في عام 2017 اجتماعاً مع أهالي ماسبيرو وأعلن 3 بدائل. البديل الأول هو التعويض المالي، بمبلغ 100 ألف جنيه مصري ، والثاني هو النقل إلى الأسمرات، والثالث هو شقة في مثلث ماسبيرو بعد مشروع التطوير. أدى عدم اليقين وانعدام الثقة في خطة الحكومة بالكثيرين إلى اختيار التعويض المالي أو الانتقال إلى الأسمرات. أنهى هذا أغلب أحلام السكان بالبقاء في ماسبيرو بعد تطويرها، فلم يتبق بالمنطقة سوى 900 أسرة اختارت البقاء في الحي. وما زلنا لا نعرف إن كانت الحكومة ستعطي للسكان وحداتهم السكنية الموعودة أم لا.

حالات حسّية: تفكيك "الشعب" وصناعة البلطجي

على سبيل النقد للتحيز النخبوي المنصرف عن الاهتمام بدور فقراء الحضر في الحراك السياسي وما يعقبه من فترات، فإنني لا أريد الانصراف عن دور الدولة. على النقيض، فإنني أزعم أن في الوقت الذي راح فيه مهمشو الحضر يطورون ممارسات سياسية جديدة وفي لحظة ظهور ذوات سياسية جديدة، كانت الدولة تتعلم بإمعان. إنني لا أدعو إلى إغفال الدولة من تحليلنا للفترات التالية على اللحظة الثورية، إنما أدعو إلى النظر إلى الدولة وممارساتها عبر عدسة فقراء الحضر وتجاربهم وليس العكس. أرى أن من شأن هذا التحليل أن يسلط الضوء على بعض ممارسات وعمليات الدولة التي يسهل تخطيها وتجاوزها إن لم نلجأ لهذا التحليل.

في "الحالات/الدول الحسّية" (2008) تحاجج آن ستولر بأن السياسات السياسية والاجتماعية للسلطات الكولونيالية كانت مغروسة في إدارة الحالات الحسّية وفي تقنيات السيطرة الحسّية (2008، 6). طبقاً لـ ستولر، فإن دور الدولة لا يقتصر على ما قاله غرامشي عنها كونه "تعليم الموافقة" للناس، إنما يتمثل أيضاً في تهيئة وتقديم المواقف الحسّية المطلوبة لتحقيق تلك الموافقة ولقطع الأواصر الحسّية التي تعيق توفر هذه الموافقة. "لم يكن فن إدارة الدولة متعارضاً مع الحسّي، إنما تمثّل في إتقان إدارة الحالات الحسّية" (2008، 9-10). كانت القوى الكولونيالية تعرف أهمية تصميم نظم حسّية للاحتفاظ بحكمها. أزعم هنا أن الدولة ما بعد الكولونيالية في مصر استفادت من ميراث الحكم الكولونيالي واستخدمت تراكم "المعرفة الحسّية" للاستمرار في تقاليد وأساليب تصميم المواقف الحسّية للناس لصالح تحقيق السيطرة السياسية. كما أنه ليس من المدهش أن الكثير من السجلات الحسّية التي استغلتها الدولة المصرية في الغالب من أجل "تعليم [الناس] الموافقة" على بعض السياسات، مثل الخوف من الإسلاميين، كانت أقدم من الدولة الأمة ذاتها ونرى جذورها في حقبة الاستعمار البريطاني. بناء على أفكار آن ستولر ولاسكوفسكي وريفز (2017، 2-3) فإنني أدّعي بأهمية دور الحسّ والمشاعر في تحويل الدولة وإنتاج الخيالات والحالات الذاتية السياسية لدى الناس. وتبرز الشحنة الحسّية التي تعتمدها الدولة في كل من الحياة اليومية لمواطنيها وفي المواجهات الاستثنائية القادرة على تبديل المنظومات والسجلات [الحسّية] التي تُعرّف بل وحتى تعضد قوة الدولة. لقد مثلت الثورة المصرية أزمة مشروعية للدولة ولحظة طعنت على الموروث الكولونيالي من الأمزجة الحسّية للحكم. كانت فرصة لإعادة التفاوض على المشاعر حول الدولة وعنها، ولتجاوز المنظومة الحسّية السابقة على نشوء الدولة ما بعد الكولونيالية المبنية على غرس مخاوف بعينها والتلاعب بها لأغراض السيطرة الحسّية على الناس. وعلى وجه التحديد، هناك السردية الحسّية حول الجموع المدينية المارقة غير المتحضرة بل وحتى غير القابلة للحكم التي تمثلت في خطاب "البلطجي". على أن الدولة سرعان ما عززت سردية "البلطجي" لإنجاز ثلاثة أهداف أساسية. أولاً، لتحدي أي "تضامن حسّي" وكل تضامن حسي (Juris 2008) قد يتطور، أو يتم الاحتفاء به أثناء اعتصام الـ 18 يوماً – لا سيما في أوساط الطبقات الوسطى ومهمشي الحضر. ثانياً، لتهيئة مواقف حسّية جاهزة يتبناها الناس، وهي المواقف المطلوبة لتبرير العنف الجماعي ضد المتظاهرين، لا سيما فقراء الحضر. ثالثاً، لإعادة تفعيل الدولة كقوة شديدة البأس لا اعتراض عليها، لا تتسامح مع المظاهرات الجماهيرية أو تتقبل المعارضة الصريحة. كان هذا إذن سعي لمحو أية شحنة حسّية متبقية من اللحظة الثورية. أزعم أن دور البلطجي ضروري كل الضرورة لفهم العلاقة بين الفقراء المهمشين والدولة والقلقلة التي أحدثتها الثورة. لقد تم استخدام السرديات الخاصة بـ "البلطجة" لشيطنة فقراء الحضر ولتقويض ممارساتهم السياسية. وفي المجتزأ التالي، يروي لي أحد المشاركين في البحث كيف تم استخدام سردية "البلطجة" في تبرير الإخلاء القسري.

"لقد استخدموا [أي الدولة] الإعلام والجرائد وخصوصاً جريدة الأهرام، ليقولوا إننا بلطجية، حتى يشوّهوا صورتنا ويبرروا إزالة الحي. نحن أطباء ومهنيين ومعلمين. استخدموا حكاية أننا بلطجية. في تلك الفترة حاولت مناوئة هذه الفكرة وأن أشرح للناس أنهم يريدون تصويرنا بهذا الشكل. لا نريد أن نظهر بهذه الصورة".

لقد كان مهمشو الحضر أو القوى الشعبية في القلب من كلمة "الشعب" في سياق شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" (Ismail 2013). وأثناء 18 يوماً احترق نحو 100 قسم شرطة في الأحياء الشعبية بالقاهرة. ترفض إسماعيل السرديات الرسمية التي اتهمت "البلطجية" في هذه الأعمال. لكنني أختلف مع إسماعيل، إذ أرى أن مسألة مَن حرق أقسام الشرطة أثناء الـ 18 يوماً قد تمثل مدخلاً لطرح التساؤلات حول هوية "البلطجية" بدلاً من أن نكتفي بوضعهم في تضاد مع "الثوار". فاللحظة الثورية غيبت الخطوط الواضحة بين من هو البلطجي ومن هو الثوري. وبما أن جميع المتظاهرين كانوا خارجين على القانون؛ فقد أصبح الكُل بلطجية. أقول بأنها كانت لحظة تمرد وإعادة تفاوض على المواقف الحسّية إزاء فقراء الحضر. تقول هيمينجز (2005) بأن الأجساد تسيطر عليها البنى الحسّية وتعلق فيها. لكن اللحظة الثورية مثلت فرصة للتفاوض الواضح والصريح للأجساد، لا سيما أجساد فقراء الحضر المهمشين. إنني أدعي أن فحص السجلات الحسّية المتصلة بتكوين تصور "البلطجي" والإرهابي أمر ضروري لفهم الثورة المضادة. فهذا يسلط الضوء على إمكانات اللحظة الثورية وعلى أسباب مسارعة الدولة إلى إعادة السردية التاريخية حول "البلطجي" إلى الصدارة، كمجرم خطير، حتى تبرر العنف الجماعي المرتكب، ولتنقل اللوم إلى أطراف أخرى ولتسرع عجلة مشروعات التحول العمراني. يسمّي بول آمار هذا بمسمى "أثر البلطجي" (2011، 308). إنها استراتيجية من استراتيجيات الدولة لشيطنة المظاهرات التي بدأت من قبل الثورة، بحيث تغذي التصور الذي تفضله عن "الشارع العربي" كونه "جموع مجنونة من الرجال القساة، "الإسلاميين" بشكل مبهم، وغير العقلانيين بكل شراسة" (Amar 2011, 308). ما إن أصبحت المظاهرات خطرة للغاية، وما إن تقطعت أواصر التحالفات الاستراتيجية والروابط الحسّية النابعة من الثورة، فما تبقى من الكتلة الحرجة من "الشعب" أصبح هو مهمشو الحضر والإسلام السياسي. عن طريق إدارة القوالب الحسّية المنشودة وتصميمها، أصبح من السهل للدولة المطالبة بالدعم المحلي والدولي اللازمين لسحق الإرهابيين والبلطجية المزعومين وحشد الدعم المطلوب لحل مشكلة "العشوائيات" في القاهرة عن طريق مشروعات التطوير العمراني العملاقة. ومن ثم الانتقال إلى الأسمرات.

الأسمرات: سجن مفتوح

كان حل مشكلة "العشوائيات" القاهرية من بين وعود السيسي المتكررة. بدأ مشروع إسكان الأسمرات في 2016 وعُرض حينئذ بصفته حلا للمشكلة المذكورة. الأسمرات الواقعة بمنطقة المقطم بالقاهرة، شيدتها محافظة القاهرة والهيئة الهندسية بالقوات المسلحة، بهدف استضافة سكان عشوائيات القاهرة. تم تخطيط المشروع بحيث يستوعب 20 ألف وحدة سكنية عند اكتماله. يستوعب المشروع حالياً نحو 10 آلاف عائلة من مختلف مناطق القاهرة، ومنها مثلث ماسبيرو ومنشية ناصر والدويقة. وداخل كتل العمائر نرى أسماءً مختلفة لمجموعات متباينة من البنايات، بألوان متعددة، وكل كتلة تستضيف سكان منطقة معينة. سكان الدويقة على سبيل المثال يقطنون في المباني الخضراء، وهي المنطقة المسماة "البنفسج"، في حين أن البنايات المخصصة للوافدين من بولاق أبو العلا ومثلث ماسبيرو فلونها برتقالي وتسمى "الياسمين". أتيح للعائلات المنقولة من ماسبيرو اختيار الذهاب إلى الأسمرات ودفع رسوم 300 جنيه شهرياً، وهو إيجار باهظ نسبياً لا يناسب الكثيرين ممن يعيشون من المعاش الحكومي. أول شيء لفت نظري وأنا أدخل الأسمرات هو شعار "تحيا مصر" الظاهر في كل مكان وعلى جميع كتل المباني المتماثلة. "تحيا مصر" هو الشعار غير الرسمي الذي استخدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2014 في حملته الانتخابية الأولى، وهو المسمى الرسمي للأسمرات. هذا في حد ذاته يؤشر بمدى أهمية المشروع للرئيس.

ولدى سكان مثلث ماسبيرو المقيمين في الأسمرات حالياً عدة شكاوى، إذ قال لي أحد السكان "الكثيرون منا ندموا على اختيار الانتقال إلى هنا". الشكاوى كثيرة لكن يمكنني تجميعها في 3 فئات أساسية متصلة ببعضها: الخدمات والأمن والبطالة؛ فغياب الخدمات شيء يشعر به كافة سكان الأسمرات، لا سيما النساء. لا يوجد مستشفى بالمدينة، ليس أكثر من عيادة صغيرة غير مجهزة لتقديم الرعاية الصحية العاجلة في حالات الطوارئ. الحضانات كلها حضانات خاصة وباهظة الثمن على أغلب العائلات بالمنطقة. كان لدى السكان الوافدين من مثلث ماسبيرو كل ما يحتاجوه على مسافة قريبة، لكنهم الآن عليهم ركوب أكثر من أتوبيس ليصلوا إلى أقرب الأسواق. المحلات داخل المدينة لا توفر كل الاحتياجات. كما أنه كلما حاول السكان واسعو الحيلة سد هذه الفجوة والترتيب للانتقال بعربات طعام إلى أقرب الأسواق لجلب السلع للأسمرات وبيعها داخلها؛ تفرض عليهم البلدية عقوبات ثقيلة، وهو ما ينتقل بنا إلى الفئة الثانية من الشكاوى: الأمن أو العلاقات بالدولة. الأسمرات مشروع هدفه حل مشكلة "العشوائية" أو "المعاملات غير الرسمية" (informality) وليس فقط الإسكان العشوائي، بل إن أي "عشوائية" – حسب مسمى الدولة – لن يتم قبولها. أقول هنا بأن هذا الأمر يؤشر بتحول في علاقات الدولة والمجتمع وطريقة حُكم فقراء الحضر في القاهرة منذ سنوات طويلة. من الأمثلة البيّنة على هذه المسألة، المحلات داخل الأسمرات. فأغلب السكان السابقين بمثلث ماسبيرو يعملون في وسط البلد، وهم إما خسروا وظائفهم عندما انتقلوا أو اضطروا للاستقالة بسبب ارتفاع أسعار المواصلات نسبياً مقارنة برواتبهم. لحل مشكلة البطالة في أوساط الشباب في الأسمرات، راحوا يسألون عن الدكاكين المغلقة في المدينة وحاولوا التفاوض مع الحكومة على طريقة للاستفادة بأنفسهم من هذه الدكاكين، وهي في رأيهم تسوية قد تحل مشكلة الخدمات ومشكلة البطالة في آن. في مقابلة مع "مدى مصر"، طُرح على خالد صدّيق – المدير التنفيذي لصندوق تطوير المناطق العشوائية – سؤال حول هذه المحلات، وكان جوابه: "لقد أخّرنا افتتاح هذه المحلات لأننا نعمل على توحيد واجهاتها، بحيث تبدو متماثلة ومتفقة مع صورة المجتمع المثالي. لن نسمح بأي مجال لعودة العشوائية في هذه المنطقة. سوف يتم طرح هذه المحلات لاحقاً في مناقصات".2 انظر: https://madamasr.com/en/2018/08/04/feature/politics/interview-on-justice-in-the-development-of-the-maspero-triangle-and-the-future-of-the-asmarat-housing-project/

تصريحات صدّيق تشير إلى منهج الدولة في حل مشكلة العشوائية على إطلاقها. الأسمرات مشروع إسكان غرضه تهيئة مجتمع مثالي وتقويم الناس الذين كانوا يعيشون في العشوائية – أي خارج النظام – على مدار سنوات طويلة. لن يكون هناك أي تقبل لأي طريقة أخرى. بالطبع فإن صندوق تطوير المناطق العشوائية والمجلس المحلي على علم بأن طرح المحلات في مناقصات يعني على الأرجح أن السكان لن يتمكنوا من دخول المناقصات لشراء المحلات. لكن لا تبدو هذه في نظرهم مشكلة طالما المحلات موحدة الواجهات والمشروع صورة للمجتمع المثالي. وفي الوقت نفسه، يُحظر على السكان الانخراط في أية ممارسات اقتصادية غير رسمية مثل تلك التي لجأوا إليها في حيهم السكني السابق لسد الثغرات في الخدمات، مثل شراء توك توك لنقل السكان إلى أقرب محطة حافلات أو إدارة عربة فول لجلب الطعام لمن لا يمكنهم الذهاب إلى السوق. هناك شكوى متصلة بهذا الأمر، هي كيف فقد كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة منظومة الدعم التي اعتمدوا عليها على مدار سنوات في أحيائهم السكنية القديمة. فالدولة في سياق حربها ضد العشوائية شنت حرباً على الكثير من الممارسات الاجتماعية الضرورية للحفاظ على النسيج الاجتماعي للحي السكني. كانت البلدية رافضة لأي تجمعات اجتماعية من أي نوع في الشوارع. ورغم قيام السكان في أحيائهم السابقة بعقد الجنازات وحفلات العرس والإفطار الجماعي في رمضان والأنشطة الجماعية الأخرى في الشارع، فقد أصبح هذا ممنوعاً في الأسمرات. يتأكد يوماً بعد يوم غياب سيطرة الناس في الأسمرات على بيئتهم الخاصة بهم ويظهر بوضوح التغير الكبير في العلاقة بالدولة، وهي تجربة زاخرة بنزع التمكين وزيادة قلة الحيلة. إنها تجربة تجعلهم يشعرون وكأنهم يعيشون في "سجن مفتوح" كما وصف الكثيرون حياتهم الحالية في الأسمرات. ويظهر هذا أيضاً في رد الدولة الغاشم على أية بادرة للاحتجاج أو الرفض. ففي عام 2018 اشتكى بعض السكان من الإيجار ومشاكل أخرى تخص العقود، فنظموا وقفة داخل المدينة وامتنع البعض عن سداد الإيجار على سبيل الاحتجاج. تحركت البلدية سريعاً وأصدرت إخطارات إخلاء لمن امتنعوا عن دفع الإيجار. للأسمرات بوابات عند مداخلها، وأحياناً تقف الشرطة هناك لفحص أوراق السكان ولسؤال الضيوف إلى أين يذهبون ومن سيزورون. وفي أي وقت، يمكن فضّ أي تجمع مشتبه به في الشارع ويمكن القبض على الشباب ونقلهم إلى أقسام الشرطة المحلية. هناك إحساس لدى السكان بأن عين الدولة مسلطة عليهم بلا هوادة وأنها تراقب كل حركة وكل نفس يخرج منهم.

كيف تنظم المجتمعات المحلية نفسها ضد المحو الجماعي؟

في معرض مقاومة إزالة الأحياء وسبل عيش الناس واستلابهم المادي والحسّي، انخرطت المجتمعات المحلية في سبل رسمية وسبل بديلة للمقاومة. في هذا القسم، أستعرض بإيجازبعض هذه التقنيات المتنوعة التي يتبدى في تنوعها وتباينها طبقات القمع التي راح الناس يتعاملون معها، وتعقد التحديات المفروضة على المجتمعات المحلية في صراعها من أجل البقاء.

استخدام الفن في الدفاع عن الهوية المُهددة

ألهمت حملات الجرافيتي المتنوعة التي انتشرت في وسط البلد بالقاهرة سكان مثلث ماسبيرو، وهي الحملات التي أكدت على الحق في المدينة وتم استخدامها في نشر وتعميم مختلف الرسائل السياسية. من ثم وبعد فترة وجيزة من اندلاع الثورة، قام اتحاد شباب ماسبيرو بالتنسيق مع فناني الجرافيتي وأهالي ماسبيرو لتنظيم حملة جرافيتي، من كتابات ورسوم على جدران الحي، منها شعار "لا للتهجير [الإخلاء القسري]، نعم للتطوير". كان توظيف الجرافيتي من السبل التي تمكنت الرابطة من خلالها من بث رسالتها بشكل تشاركي مع أهالي الحي. تُظهر شعاراتهم القوية موقفهم الواضح من تطوير المنطقة وتنزع الإبهام عن مفهوم أنهم ضد مشروع التطوير. لكنهم أكدوا ما ذكروه لي مراراً في عدة مناقشات: يجب أن يتركز أي مشروع تطوير على سكان الحي ويجب أن ينسق مع المجتمع المحلي، لا ضدهم. لقد فهموا وعمموا فكرة أن من الضروري أن يكونوا في صدارة مشروع التطوير لا أن يسقطوا ضحايا له. ليس استخدام الجرافيتي إلا وسيلة من عدة وسائل نرى من خلالها الثورة متجسدة في الحي، مع الاستفادة من وتوظيف الممارسات التي استخدمتها الثورة، وتخصيصها لصالح قضيتهم. وفي حالات عديدة، تبين إيمان المجتمعات المحلية بأن نضالها جزء من النضال الثوري ويجب ألا يتم تحييده أو أن يُنظر إليه بصفته مطالب فئوية. من المثير للاهتمام أن الناس في الأسمرات – ممن جاءوا من ماسبيرو – مستمرون في الكتابة على الجدران. لا يمكنهم تنظيم حملات جرافيتي لأن البلدية لن تسمح لهم، لكنهم يكتبون في الخفاء معلنين وجودهم في محاولة للسيطرة على جدران حيهم الجديد.

الحطابة منطقة أخرى تواجه حالياً خطر الإزالة، وهي من أحياء القاهرة القديمة. هناك ناشط شاب يطالب بالحقوق الحضرية وهو ضد إزالة الحي، وقد استخدم قالباً فنياً مختلفاً لتوعية الناس بتاريخ المنطقة ولتصوير الحي على ضوء مختلف. محمد خليفة شاب في العشرينيات أنتج مهرجاناً (من القوالب الفنية الموسيقية غير الرسمية). وفي أغنيته3 https://www.youtube.com/watch?v=0KqAkHmGtFc "الحطابة عنواني" يأخذنا في جولة عبر الحي ويقدم لنا بعض سكان المنطقة. في الأغنية يسلط الضوء على تاريخية المنطقة ويعلن أن هذا حيّه السكني إذ يغني عن عائلته التي تعيش في المنطقة منذ ثلاثة أجيال. كما يناقش تنوع الحي ويذكر أن الأهالي ليسوا جميعاً "بلطجية". ومن خلال الأغنية يسلط محمد خليفة الضوء على التصورات المغلوطة عن الحي وكيف يتم تصويره كمكان خطر عامر بالمدمنين، وكيف يرتاب فيه الناس عندما يقول إنه من هذه المنطقة. ويدعو من يرونه بهذه الصورة أن يفهموه ويعرفوه بدلاً من الاستماع إلى البروباجاندا التي تتردد عن مثل هذه المناطق. إنه لا يفرض طابعاً رومانسياً على المنطقة، إنما يسلط الضوء على كونها مثل أي حي فيه الصالح والطالح من الناس. كما يغني عن كيف أصبح هدفاً سهلاً لاضطهاد الشرطة بسبب عنوانه في البطاقة، وكيف يُنظر إليه وكأنه مجرم لمجرد أنه يعيش في الحطابة. ويقول إن الحطابة حي تاريخي (مثل ادعاء سكان ماسبيرو) وإن الحكومة تصور المنطقة بصفتها منطقة عشوائية. كما يسلط الضوء على التنسيق بين المستثمرين والحكومة لإزالة المنطقة وتحويلها إلى مزار سياحي. ويستعرض الاستراتيجيات المختلفة التي استعانت بها الحكومة لتهميش السكان وللدفع بإزالة الحي. هذه الاستراتيجيات سلط عليها الضوء في حالات كثيرة أهالي مثلث ماسبيرو أثناء بحثي الميداني هناك. أولاً، لم يُسمح للأهالي بعمل أي صيانة لبيوتهم. ثانياً، تمت محاصرة مصادر دخلهم الأساسية من خلال إغلاق البوابة المفضية إلى القلعة التي كانت في الحي، وإغلاق أغلب الخدمات، مثل المدارس. ثالثاً، الإعلان عن إزالة الحي. يغني خليفة عن الأمل الذي شعروا به أثناء الثورة والذي تبدد بعدما سمعوا بقرار الإخلاء. وفي نهاية المهرجان يُعلن خليفة أن "مش ماشيين [لن نغادر]"، وهو تصريح قوي. في الأغنية تمكن خليفة من تقديم الحي، ومن استعراض حججه حول الانتماء للمنطقة، وفي كشف الاستراتيجيات الحكومية للتخلص من السكان، وأعلن موقفه ضد التهجير. إنه أسلوب قوي يصل إلى أهالي الحي والناس خارجه، يحدد المشكلة ويساعد في التوعية بقضية النضال الحضري. إنها أداة مناصرة مبتكرة مفهومة لقطاع كبير من الجمهور ويسهل تعميمها عبر تشارك الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا مثال واحد على كيف تستخدم المجتمعات المحلية وتوظف سبل التعبير البديلة للمساعدة في تعميم رسالتها ولمقاومة طبقات القمع المتعددة التي تواجهها.

الصورة 1: صورة لحملة جرافيتي نفذتها الرابطة في الحي: "لا للتهجير، نعم للتطوير".

صورة 2: من حي الأسمرات

 

استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في السعي للحفاظ على المجتمع المحلي المُشتت

قام خليفة بتحميل المهرجان المذكور مصحوباً بهاشتاغ #لا_لإزالة_منطقة_الحطابة. وفي الأغنية، يسلط الضوء على كونه شاب يفهم في التكنولوجيا ويستخدم الفيسبوك وتويتر وانستغرام للتواصل مع العالم. وفي مواجهة اتهامات التخلف، يؤكد خليفة في الأغنية على أنه ينتمي إلى المجتمع العالمي من خلال قدرته على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كان مهماً كل الأهمية لسكان الأحياء التي تواجه الإزالة، مثل الحطابة أو الوراق أو مثلث ماسبيرو. أغلب تجمعات واتحادات وائتلافات الأحياء السكنية أعدت صفحاتها الخاصة أو مجموعاتها (جروب) المغلقة على فيسبوك، لتشارك المعلومات حول الخطط الحكومية ولتشارك المقالات الصحفية التي تناقش أوضاع الحي، ولتشارك محاضر الاجتماعات والبيانات ولتيسير مناقشة البدائل واتخاذ قرارات مستنيرة. في حالة ماسبيرو، وهي المنطقة التي أزيلت بالفعل، تساعد مواقع التواصل الاجتماعي على خلق مجتمع افتراضي للناس بما أن المجتمع المادي القائم قد أزيل، ولإتاحة التواصل بين من ذهبوا إلى الأسمرات حتى يُعرّفوا بعضهم البعض بنضالهم. كان استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أساسياً للسكان في تعميم وتشاطر ما حدث لمناطقهم ولمناوئة السرديات الإعلامية السائدة التي تشيد بمشروعات التطوير العمراني العملاقة وتتجاهل في العادة ما تعرض له الناس.

توثيق المقاومة

كذلك يستخدم السكان صفحات ومجموعات الفيسبوك لتوثيق نضالهم، ولتحميل مقاطع الفيديو والصور الخاصة بالمنطقة، وذكرياتهم عن الحي، ولأرشفة وجودهم ذاته في وجه المحو الكامل. على سبيل المثال، في مثلث ماسبيرو، بدأ الناس حملة صور فوتوغرافية قبل إزالة الحي مباشرة، حيث طلبوا من الجميع تحميل صور شوارعهم ومناطقهم المفضلة في الحي أو أفضل ذكرياتهم فيه. كان الهدف هو توديع الحي وتوثيق صلتهم الخاصة به. كانت النتيجة قوية، حيث تشارك السكان صوراً بلا حصر حول معنى المعيشة في مثلث ماسبيرو، فيما كانوا يودعون منطقتهم.

تنظيم المجتمع المحلي

كانت مسألة تنظيم المجتمع المحلي ضرورية أيضاً في جميع المناطق الحضرية التي تعرضت للإزالة تقريباً. في ماسبيرو، وكما سبق الذكر، كان السكان يعرفون أن هذا نضال جماعي والسبيل الوحيد لأن تُسمع أصواتهم هو العمل الجماعي. من ثم، أسسوا رابطة شباب ماسبيرو في 2008 ومن خلالها تمكنوا من التواصل مع الصحفيين والنشطاء الحقوقيين والتفاوض مع الحكومة وتوعية سكان المنطقة بالقضية وتنظيم المظاهرات وتنسيق رفع القضايا والاجتماع مع المسؤولين الحكوميين كلما أتيحت لهم الفرصة. كانوا يهدفون إلى إنشاء مجموعة عمل من أهل الحي لتمثيل الحي قدر الإمكان. حاولوا أن يضموا جميع الأطراف قدر إمكانهم. لكنهم واجهوا تحديات عديدة فيما بينهم بسبب الاختلافات السياسية وتهديد الأمن لبعض الأعضاء بسبب الدور الذي لعبوه في الرابطة. لكن التحدي الأكبر تمثل في أنه وبعد مضي الحملة لفترة طويلة ضد الإزالة وبعد الكثير من العمل في المنطقة، أن أغلب السكان اختاروا التعويض أو شقة في الأسمرات بدلاً من البقاء في ماسبيرو. ولقد تفهّموا سبب اتخاذ الناس لهذه القرارات: أدركوا أن انعدام الثقة في الخطة الحكومية قد أدى بالكثيرين إلى اختيار خيارات أخرى بدلاً مما راحت الرابطة تطالب به لفترة طويلة، ومن ثم قرروا السير وراء اختيارات أهالي المنطقة وتعاونوا معهم لضمان حصول كل منهم على البديل الذي اختاره. يسّروا التواصل مع الحكومة لدى الحاجة إليه، وسووا مشكلات المنطقة التي ظهرت أثناء عملية التعويض، وبذلوا قصارى جهدهم لتعريف الناس بمجريات الأمور. ومن ثم، لعب الاتحاد دوراً مركزياً في ضمان تمثيل مصالح أهالي مثلث ماسبيرو.

مناوئة سردية الدولة

لقد تم تنظيم مبادرة مشابهة في جزيرة الوراق. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017، تم إنشاء مجلس عائلات جزيرة الوراق للمطالبة بحقوق السكان في السكن ولطرح سردية مناوئة لتلك التي صورها الإعلام المؤسسي. مثل رابطة شباب ماسبيرو، قام مجلس عائلات جزيرة الوراق بتنظيم المؤتمرات الأهلية وتنظيم الوقفات وإصدار البيانات التي توضح مواقف الناس في المنطقة، والتواصل مع الإعلام لتقديم وجهة نظرهم فيما يحدث بالجزيرة ولمحاولة تمثيل مصالح الأهالي. كما دأبوا على مكافحة سردية البلطجة المستخدمة لتشويه صورتهم. وحاول المجلس أيضاً أن يكون ممثلا للجميع قدر الإمكان؛ إذّ طلب من كل عائلة كبيرة ترشيح خمسة أشخاص منها وأضاف إلى المجلس قيادات شابة لضمان تمثيل الشباب.

هذان مثالان على التنظيم المجتمعي في المناطق الحضرية التي تواجه خطر الإزالة، ولو حتى في ظل المناخ السياسي القمعي القائم ومع اقتصار السبل وفي مواجهة تحديات كثيرة منها التهديدات الأمنية الجسيمة. وتستمر المجتمعات المحلية في المناطق الحضرية في القاهرة وحولها في التنظيم الجماعي لمحاولة الكفاح لأجل قضاياها. تفهم المجتمعات المحلية أنها تخوض نضالات جماعية، ما يعني أن عليها اللجوء إلى التنظيم والتواصل أيضاً مع أطراف أخرى خارج المنطقة. في مثلث ماسبيرو، تمكّن الأعضاء الناشطون في رابطة شباب ماسبيرو من تهيئة شبكات تضامن مع منظمات حقوق الإنسان المعنية بالحق في السكن، ومع باحثين عمرانيين وصحفيين. كما تواصلوا مع المجتمعات المحلية بمناطق أخرى تواجه نفس القضية، مثل الحطابة، لتبادل الأفكار والاستراتيجيات والدروس المستفادة. كانت شبكات التضامن هذه ضرورية كل الضرورة لمناوئة السرديات الإعلامية المؤسسية، ولتعميم المعلومات، وللحصول على المشورة القانونية والنصائح الفنية المغايرة لتلك التي قدمتها لهم الحكومة حول قضية الإسكان.

الخاتمة

حاولت في هذه الورقة تسليط الضوء على العواقب السياسية لمشروعات التطوير العمراني السريع التي أضرت بفقراء الحضر في القاهرة. حاججتُ بأن إزالة أحياء بالكامل مثل مثلث ماسبيرو هي عملية كانت لها آثار سلبية على السياسة المحلية، وسوف تؤدي إلى المزيد من التهميش السياسي لفقراء الحضر مع خسارتهم لسياسة الشوارع الخاصة بهم (Bayat 2009).

إنني أزعم أن من التكتيكات التي يستعين بها النظام، التفكيك الممنهج لسياسة مهمشي الحضر الذين لعبوا دوراً بارزاً في الثورة (Ismail 2013) من خلال إعادة تشكيل المناطق السكنية وكذلك بالاستعانة بأساليب جديدة وأخرى قديمة للإمالة الحسّية للناس والإكراه على حد سواء. أقول بأن الثورة زلزلت الوضع القائم وكانت لحظة مثمرة فيما يخص سياسة الشوارع التي راحت تتطور على مدار السنوات في القاهرة (Bayat 2009, Ismail 2006). ربما لم تؤد اللحظة الثورية إلى ممارسات سياسية جديدة، لكن من المؤكد أنها مثلت ملعباً سياسياً تطورت على أرضه بعض الممارسات السياسية من خلال تصادم عوالم سياسية مختلفة على أرض الميدان. إنني بالأساس أركز على استغلال مفهوم "البلطجي" أثناء الثورة. فدور البلطجي أساسي في فهم العلاقة بين الفقراء المهمشين والدولة والقلقلة التي أحدثتها الثورة. وأقول بأن السرديات المحيطة "بالبلطحة" قد استخدمت لتشويه صورة فقراء الحضر وتقويض ممارساتهم السياسية.

 

إنّ الدولة لديها تصوّر عن مجتمع مثالي تهدف من خلاله – هذا التصور – إلى إصلاح الجموع العنيدة المارقة. إنه تصوّر يُنفذ حالياً من خلال إزالة أحياء سكنية بالكامل تحت مسمى التطوير العمراني وبناء على تصور مختلف لفرض السيطرة الأمنية. إن نضال مثلث ماسبيرو الذي ناقشته الورقة ليس إلا مثالاً واحداً من بين عدة وقائع تشهدها القاهرة حالياً. ربما يواجه سكان مناطق أخرى مثل الحطابة والوراق مصيراً مماثلاً. في مواجهة الجرافات، يستخدم المواطنون سبلاً جديدة وقديمة للسياسة المحلية للكفاح من أجل حقوق الإسكان، ضد الإخلاءات القسرية وتفكيك أحيائهم بما تتسم به من نسيج اجتماعي فريد. تؤشر مشاريع التطوير العمراني الحالية والانتقال إلى الأسمرات بتحول في علاقات الدولة-المجتمع بما ستكون له آثار هائلة على سياسة الشارع في القاهرة. وبالنسبة إلى الكثيرين من فقراء الحضر كانت سياسة الشارع هي القناة السياسية الوحيدة المتاحة لهم. من ثم، فسوف يغير هذا الأمر من خريطة السياسة المحلية وسيفرض تحدٍ على المنظرين والباحثين الذين سيحاولون تقديم تأطير مفاهيمي جديد لتحولات الديناميات السياسية في شوارع القاهرة.

 

المراجع

Afify, H. (2019). On Warraq Island, popular democracy defies secret state plans. [online] Mada Masr. Available at: https://madamirror10.appspot.com/madamasr.com/en/2017/11/19/feature/politics/on-warraq-island-popular-democracy-defies-secret-state-plans/ [Accessed 17 Apr. 2019].

Bayat, A., 2017. Revolution without revolutionaries: making sense of the Arab Spring, Stanford, CA: Stanford University Press.

Bayat, A., 2012. Politics in the City-Inside-Out. City & Society, 24(2), pp.110–128.

Bayat, A. (2009). Life as politics.

Harders, C. (2013a): Bringing the Local Back in – Local Politics Between Informalization and Mobilization in an Age of Transformation in Egypt. In: Bouziane, M.; Harders, C.; Hoffmann, A. (Hg.): Local Politics and Contemporary Transformations in the Arab World. Basingstoke: Palgrave MacMillan, 113-136.

Ismail, S. (2013). Urban Subalterns in the Arab Revolutions: Cairo and Damascus in Comparative Perspective. Comparative Studies in Society and History, 55(04), pp.865-894.

Ismail, S., 2012. The Egyptian Revolution against the police. Social Research, 79(2), pp.435–462.

Juris, J.S. (2008): Performing Politics: Image, Embodiment and Affective Solidarity During Anti-Corporate Globalization Protests. In: Ethnography 9 (1): 61-97

Khalil, O. (2018). From Community Participation to Forced Eviction in the Maspero Triangle. [online] TIMEP. Available at: https://timep.org/commentary/analysis/from-community-participation-to-forced-eviction-in-the-maspero-triangle/) [Accessed 15 Mar. 2019].

Laszczkowski, M. and Reeves, M. (2017.). Affective states.

Navaro-Yashin, Y., 2012. The make-believe space: affective geography in a postwar polity, Durham, NC: Duke Univ. Press.

Mohie, M. (2018). Interview: On developing the Maspero Triangle and the future of the Asmarat housing project. [online] Mada Masr. Available at: https://madamasr.com/en/2018/08/04/feature/politics/interview-on-justice-in-the-development-of-the-maspero-triangle-and-the-future-of-the-asmarat-housing-project/ [Accessed 19 Mar. 2019].

Mohie, M. (2018). Asmarat: The state's model housing for former 'slum' residents. [online] Mada Masr. Available at: https://madamasr.com/en/2018/06/18/feature/politics/asmarat-the-states-model-housing-for-former-slum-residents/ [Accessed 17 Mar. 2019].

Thrift, N., 2007. Non-representational theory: space, politics, affect, London: Routledge

Footnotes   [ + ]

1.  للصندوق مجلس إدارة يضم ممثلين عن وزارات الإسكان والتخطيط والتنمية المحلية والمالية والكهرباء والتعاون الدولي، فضلاً عن 3 خبراء و3 مندوبين عن المجتمع المدني وقطاع الأعمال، يقوم باختيارهم رئيس الوزراء. الرئيس الحالي للصندوق هو وزير الإسكان ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي. للصندوق رئيس تنفيذي مكلف بالاضطلاع بأعمال الوزير وبتمثيل الصندوق قانونياً.
2.  انظر: https://madamasr.com/en/2018/08/04/feature/politics/interview-on-justice-in-the-development-of-the-maspero-triangle-and-the-future-of-the-asmarat-housing-project/
3.  https://www.youtube.com/watch?v=0KqAkHmGtFc