الحركة الحقوقية والسياسة التّنازعيّة في مصر (2004-2014)

Arab Reform Initiative - The Human Rights Movement and Contentious Politics in Egypt (2004-2014)
epa01536299 Textile workers protests at Mahala Textile Factory in Mahala city, 130km north of Cairo, Egypt, 30 October 2008. The workers held the protest against privatization. EPA/STR© EPA

ملخص

أصابت حركة الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة في مصر قدرًا من النّجاح في التّعامل مع الحركات التّنازعيّة المتصديّة للسياسات والترتيبات المؤسسية العامّة، ومع ذلك لم تنشأ علاقة عضويّة بين الاثنتين. فالحركات الاحتجاجية لم تلجأ إلى التبني الاستراتيجي لإطار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على النحو الذي كان من شأنه أن يُمكِّن لها تجاوز خصائصها المحلية اللا مؤسساتيّة واللا مُسيّسة تجاه برنامج وطني شامل.

أما الحركة الحقوقية فقد عجزت في نهاية الأمر عن مد جسور تنظيمية أو خطابية متينة ومتصلة تربطها بالحركة الاحتجاجية الأوسع نطاقًا، وتقيها الردة إلى الاستبداد مثل التي وقعت بعد يوليو 2013.

والأطروحة الرئيسيّة هنا هي أن المكاسب المُتحقّقة لحركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، من اتخاذ قالب المنظمات غير الحكومية/المجتمع المدني، والمهنيّة المتزايدة (الحصول على الاعتراف والموارد)، قد أتت مقابل ثمنٍ فادحٍ، وهو الاغترابُ عن قواعد المحتجّين الاجتماعيّة؛ الامر الذي عرقل نشوء الروابط العضوية بين الحركتين، فظل الرأس مفصولاً عن الجسم الكبير المفتقر إلى قيادة.

هذه الورقة عن مصر هي الاولى في مجموعة أوراق عن العلاقة بين الفاعلين في مجال حقوق الإنسان وبقية مكونات وفاعلي المجتمع المدني. وستتناول الورقتان القادمتان تونس والمغرب.

اقرأ المزيد

تهدف هذه الورقة إلى تقديم كشف حساب وصفي وتحليلي ونقدي لمختلف جوانب التفاعل بين الحركة الحقوقية الحركات التنازعية في مصر طوال العقد الماضي (2014-2004).

وتستخدم الدراسة تعريفًا ضيقًا للاحتجاج كممارسة سياسية، يحيل إلى الأطراف الفاعلة وأفعال المقاومة والاحتجاج ضد تنفيذ إجراءات تستند إلى أساس نيوليبرالي من جانب الدولة وحلفائها (مثل المؤسسات المالية العالمية، والمستثمرين الأجانب، وبنوك التنمية، ورجال الأعمال المحليين.. إلخ). وقد اتخذت السياسة التنازعية أشكالاً عديدة منذ اشتداد وتيرة الخصخصة وتحرير الأسواق في سنوات حكم مبارك الأخيرة (2010-2004). ثم توسعت أفعال التنازع عقب خلعه في 2011 ونتيجة للتراجع (الذي ثبت لاحقًا أنه مؤقت) في سطوة الدولة البوليسية بين 2011 و2013. كانت الحركات التنازعية تضم مئات الآلاف من الناس في المواقع الصناعية والبيروقراطية الحكومية والأحياء في المدن والقرى والمجتمعات المحلية، وقد اتخذت احتجاجاتها أشكالاً عديدة تراوحت من الإضراب والاعتصام وقطع الطرق والتظاهر إلى أشكال أكثر عنفًا في مواجهة الدولة ورأس المال وممثليهما. كما تبنت تلك الحركات طيفًا واسعًا من المطالب والمزاعم، كان بعضها يتعلق بعمال القطاع العام وموظفي الحكومة المطالبين بأجور أعلى أو بالتثبيت في الوظائف أو بظروف عمل أفضل، بينما امتد بعضها الآخر إلى مجالات الإسكان والوصول إلى الخدمات العامة وحيازة الأرض وقضايا البيئة.

وعلى الطرف الآخر كانت تقف الحركة الحقوقية، التي تتبنى الدراسة لها تعريفًا فضفاضًا، يجعلها تضم جميع الأطراف الفاعلة من جماعات المناصرة والمنظمات غير الحكومية والمحامين والمهنيين إلى الساسة والنشطاء وشبكات الأفراد والتنظيمات المعنية بترقية حقوق الإنسان في المجال العام. إن المعيار الرئيسي لإدراج تلك الأطراف تحت عنوان هذه الحركة (وبالتالي استبعاد غيرها منها) هو تبني جدول أعمال سياسي واجتماعي اقتصادي متسق ومتماسك وشامل، يستند صراحة إلى المبادئ والمواثيق والالتزامات الحقوقية الدولية. وسوف تسلط هذه الورقة الضوء على فرع بعينه من فروع الحركة الحقوقية ظل منشغلاً على نحو متصل وممنهج بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية طوال الفترة موضوع الدراسة. وتطلق الورقة على هذه الشبكات والمنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث، إلى جانب التجمعات الأقل مؤسساتية أو اللا مؤسساتية من المهنيين والمحامين والنشطاء، والتنظيمات الشعبية التي تبنت خطابًا حقوقيًّا، تطلق عليها كلها اسم حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (أو الحركة الحقوقية، اختصارًا، فيما يلي).

كانت الحركة الحقوقية حاضرة في المشهد العام منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين بينما شهدت حركات الاحتجاج الاقتصادي الاجتماعي توسعًا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وانفجرت في حجمها ونطاقها في أعقاب ثورة يناير 2011.وخلال فترة الدراسة كانت أنماط التفاعل بين الحركتين العريضتين متباينة، تتخذ أشكالاً عديدة تتراوح بين التقاضي الاستراتيجي والمساعدة القانونية والخدمات التنظيمية والمناصرة والحملات الإعلامية، والتشبيك والتنسيق ضمن أنشطة أخرى.

غاية هذه الورقة أن تقدم وصفًا وتحليلاً، بأكثر الطرق نقدًا ودينامية، لأنماط التفاعل بين الحركة الحقوقية والحركة التنازعية العريضة في مصر. ويستند اختيار حقبة الدراسة بحيث تغطي الفترة من 2004 وحتى 2014 إلى سببين: فقد اتُخذ التاريخ الافتتاحي، 2004، في المقام الأول نقطةً فاصلةً في تقسيم الحلقة الأحدث من حلقات السياسات التنازعية والاحتجاج الاجتماعي في مصر، لأنه كان عام تولي حكومة أحمد نظيف، بأجندة نيوليبرالية صريحة للتحول الاقتصادي والاجتماعي. وقد عمل اشتداد وتيرة تحرير الاقتصاد على توفير السياق العريض لتزايد التنازع كما في سائر أجزاء العالم النامي.1Almeida, P.D. “The Role of Threats in Popular Mobilization in Central America”.Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America, 2015, p.109. وظلت تلك الديناميات فاعلة حتى 2009 حينما تعطل البرنامج بسبب الأزمة المالية العالمية وتبعاتها. ومع ذلك فقد برزت على السطح دينامية أخرى تتعلق بالاحتجاج على نظام مبارك لإفراطه في الفساد والاستبداد. وتم القران بين الاحتجاج الاقتصادي الاجتماعي والاحتجاج السياسي لأول مرة في المحلة الكبرى، في أبريل 2008. ثم عاود الظهور، وإن على نطاق أكبر بكثير، في فبراير 2011، وتحديدًا في العاشر من فبراير حين قام الإضراب الذي عم أرجاء البلاد بدور حاسم في توجيه الضربة القاصمة إلى مبارك ونظامه، وتنحى مبارك في اليوم التالي.

والدافع الثاني لاختيار هذه الحقبة هو ثورة 2011، التي أدت إلى انفتاح سياسي قصير وجزئي حتى منتصف 2013. تمددت سياسات التنازع إلى حد كبير بالنظر لانخفاض مخاطر القمع نسبيًّا وانفتاح قنوات سياسية للاعتراض، فشهدت تلك الفترة فسحة وجيزة وإن كانت استثنائية من التوسع والنشاط بالنسبة للحركة الحقوقية، بما في ذلك المنشغلين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولعل تمكن حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من العمل بمخاطر منخفضة نسبيًّا، وبقيود أقل، في ساحة سياسية مفتوحة، أن يمثل تجربة وخبرة مثيرة تسمح باستغلالها في المقارنة مع السنوات السابقة واللاحقة، سنوات الاستبداد الصريح وتشديد القبضة الأمنية.

2.  سؤال البحث

على الرغم تحقيق حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لبعض النجاح في التعامل مع الحركات التنازعية، خصوصًا في مجالات التصدي للسياسات والمؤسسات العامة، إلا أنه لم تتكون علاقة عضوية بين الحركتين. فمن جهة، لم تلجأ الحركة التنازعية إلى التبني الاستراتيجي لإطار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي كان من شأنه تمكينها من تجاوز طابعها المحلي، واللا مؤسسي واللا مسيس، نحو استهداف سياسات الدولة ومؤسساتها على نطاق البلاد كلها. ومن جهة أخرى عجزت الحركة الحقوقية في النهاية عن مد جسور قوية تنظيمية أو حتى على مستوى الخطاب السياسي خطابية ومتصلة تربطها بالحركة التنازعية الأوسع نطاقًا، على النحو الذي كان من شأنه أن يمنحها العمق والثقل اللازمين لمجابهة الردات السلطوية المحتملة، مثل التي وقعت بعد يوليو 2013.

وتتصدى الورقة باختصار لسؤالين رئيسيين: ما نوعية التفاعلات التي تمت بين الحركتين؟ وما الذي كان يمكن أن يتم بدلاً عنها؟

وإذا كان موضوع هذه الورقة هو تقييم حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مصر في العقد الأخير، فما الذي يصلح لأن يكون معيارًا لهذا التقييم؟ لعل أفضل تقييم لحركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هو المستمد من رسالتها المعلنة أو سبب وجودها كما صرح به مؤسسوها وشخوصها وقادتها أنفسهم وهو ترقية مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المعرَّفة عادة بالإحالة الصريحة إلى مواثيق حقوقية دولية، وترجمتها إلى مناصرة تطالب بسياسات عامة وإصلاحات قانونية وقرارات معينة. ومع ذلك فقد يتعذر أو يستحيل التوصل إلى روابط سببية واضحة بين تغيرات من هذا النوع في تصرفات الدولة، من جهة، ونشاط الحركة الحقوقية وأطرافها المؤثرين على تصرفات الدولة في ذلك المجال، من جهة أخرى. فبعض هذه التصرفات تنبع من قلب البيروقراطية الحكومية، بينما ترجع تصرفات أخرى إلى أصول مجتمعية، قد تتأثر بحركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها لا تتماهى معها أو تتحد بها تمامًا بالقطع، من قبيل النقابات المستقلة أو حتى بعض الأشكال الأقل مؤسساتية من الاحتجاجات والتعبئة الجماهيرية.

بل إن الحركة الحقوقية هي، في واقع الأمر، مُدخل واحد ضمن مدخلات عديدة قد تفيد في تفسير المُخرجات السياسية، وخصوصًا في فترات التقلب العاصف كفترة ما بعد ثورة 2011، التي اتسمت بقدر كبير من التهافت في مؤسسات الدولة والنظام السياسي، والسيولة السياسية إن لم تكن الفوضى الصريحة. علاوة على هذا فإن حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لم تكن قط في موضع يسمح باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في تلك المجالات، بالنظر إلى تاريخ وجودها القصير نسبيا، والقيود على حصولها على الموارد البشرية والمادية، مقارنة بغيرها من الأطراف السياسية الفاعلة، سواء كانت حكومية أو غير حكومية. ولإضفاء مزيد من التعقيد على المسألة فإن قدرة الحركة الحقوقية على التأثير في تصرفات الدولة كانت إلى حد بعيد مرهونة بالفرص التي أتاحها الشلل الذي أصاب الدولة البوليسية في أعقاب ثورة 2011. ومن ثم فقد اعتمدت قدرة التأثير في العملية السياسية، وفي المخرجات السياسية بالتبعية، على عوامل نبعت من خارج الحركة الحقوقية وظلت تتخطى قدرتها على التأثير أو التطويع.

وعلى هذا فإن البديل الأكثر معقولية، وتواضعًا، هو تقييم الحركة الحقوقية من حيث تأثيرها المشاهَد في الحركة التنازعية المعاصرة والمناظرة لها، باستخدام عين الرسالة التي وضعتها الحركة الحقوقية لنفسها معيارًا للحكم عليها. وبعبارة أخرى، ستتولى هذه الورقة وصف وتحليل قدرة الحركة الحقوقية على التأثير في الحركة التنازعية الشعبية من حيث ترقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية بوصفها مطالب عامة، إزاء تصرفات الدولة وسياساتها التوزيعية.

في سبيل الإجابة على سؤال البحث الأساسي، تجمع هذه الورقة بين البحث المكتبي والعمل الميداني، فتستعين بالأدبيات المكتوبة عن المجتمع المدني، والسياسات التنازعية والحركات الاجتماعية وأنماط التفاعل بين حركة حقوق الإنسان وسياسات التنازع. كما اعتمد البحث على مقابلات شبه ممنهجة مع محامين حقوقيين مهنيين، وباحثين معنيين بقضايا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك مع نشطاء حقوقيين من غير المهنيين. واسترشد كذلك بخبرة المؤلف الشخصية كمدير سابق لوحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بين منتصف 2011 و2013. وغاية الورقة هي تقديم تقييم سليم وقائم على معلومات دقيقة لذلك الجناح المنتمي إلى الحركة الحقوقية والمعني بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مع إمكانية تقديم توصيات أينما كانت ذات صلة.

3.  قصة حركتين

3-1- الحركة التنازعية

شهدت مصر تصاعدًا في العمل التنازعي منذ منتصف الألفينيات، وقد يجوز القول إن أعمال الاحتجاج المتكررة واسعة النطاق، المدفوعة بمظالم اجتماعية واقتصادية ظاهرة، متصدية لتصرفات الدولة (من سياسات وقوانين ومراسيم..إلخ) هي حركة اجتماعية تشير إلى أعمال تنازعية جماعية ومظاهر للتضامن تقوم بها جماعات المغبونين على نحو دوري، باستهداف النخب وبغية تغيير سياسات الدولة. 2 أنظر: ظهرت الحركة بصفة عامة ردًا على اشتداد وتيرة الإصلاحات النيوليبرالية على يد حكومة أحمد نظيف حديثة العهد بالسلطة آنذاك (2011-2004). كانت تلك الحكومة تتكون من رجال أعمال وتكنوقراطيين من المدرسة النيوليبرالية، بتكليف واضح لدفع التحول الاقتصادي المصري بعد سنوات طويلة من التلكؤ في الإصلاحات، بعد تبني برنامج التكيف الهيكلي في 1991.

وهكذا تسارعت خصخصة الشركات المملوكة للدولة منذ 2004، وسيلةً لاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر. وساهم تحرير التجارة، وتخفيف قيودها، وخفض سعر العملة، في رفع معدلات التضخم الذي ضرب موظفي الدولة وعمال القطاع العام فهبط بأجورهم الحقيقية وبالتالي مستوياتهم المعيشية. وإلى جانب الإجراءات الأسبق، سهلت الحكومة وصول الشركات الكبرى، ذات الروابطالسياسية بنظام الحكم في أغلب الأحيان، إلى أصول الدولة في شكل أراض صحراوية وشركات عامة مخصخصة.3أنظر: عمرو عادلي 2012 أ،"دولة الفساد في عهد مبارك"، القاهرة، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وانطوت إعادة تعريف حقوق الملكية الخاصة على رفع مخاطر التشريد بالنسبة لبعض الفئات المهمشة، خصوصًا في مراكز المدن حيث أدت المضاربة على الأراضي إلى شحذ شهية المستثمرين للأراضي ذات الحيازة غير المستقرة. وكان جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتشجيع الصادرات يعتمد على الصناعات كثيفة الطاقة، الملوثة في أحيان كثيرة، مثل البتروكيماويات والإسمنت والحديد والصلب والسيراميك والأسمدة.4أنظر: عمرو عادلي 2012 ب،"دعم الطاقة في الموازنة المصرية نموذجا للظلم الاجتماعي"، القاهرة، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. فأوجد هذا الاتجاه مجالات جديدة للتنازع على التلوث وتدمير الموارد الطبيعية. وكان النزاع مع شركة "أغريوم/موبكو" في دمياط من الأمثلة الواضحة على تعبئة المجتمعات المحلية ضد شركة متعددة الجنسيات مخافة تدمير الأرزاق المعتمدة على السياحة الشاطئية المحلية وصيد الأسماك. كما ظهرت حالة مماثلة في إدكو بشمال البحيرة في 2012 وما بعدها، حيث تصدت المجتمعات المحلية لشركة بريتيش بتروليوم بسبب استخدام تقنيات التصديع frackingفي استخراج الغاز الطبيعي.5أشرف فكري وحمدي قاسم وياسر شميس (18/2/2012)، البترول: نقل مشروع غاز إدكو يكلف الدولة 4.3 مليار جنيه، المصري اليوم: almasryalyoum.com

لكن على الرغم من أن الحركة التنازعية استهدفت سياسات الدولة ومؤسساتها إلا أنها ظلت محلية، تتبنى بوجه عام مطالبًا اقتصادية قصيرة الأجل، وبين 2004 و2014 كانت الإضرابات والاعتصامات العمالية تنشأ على مستوى المصنع الواحد، وكانت المحلة الكبرى هي الاستثناء الكبير الذي يثبت القاعدة، حيث أمكن حشد المدينة الصناعية كلها ).6Beinin, J.The Rise of Egypt's Workers. Middle East: Carnegie Endowment for International Peace, 2012. أما بخلاف ذلك فقد ساد إخفاق عام في التوصل إلى إطار تنظيمي أو أيديولوجي يربط بين المئات من أعمال النضال العمالي خلال ذلك العقد. كانت معظم المطالب اقتصادية على نحو ضيق، منصبة على مصالح خصوصية تتعلق بعمال المصنع من قبيل رفع الأجور أو تحسين ظروف العمل أو تغيير الإدارة أو التراجع عن قرارات الخصخصة، أو بالمشاغل المباشرة للأحياء والمجتمعات المحلية. وأدت محلية الحركة التنازعية وفرط خصوصيتها إلى إضعاف فرصتها في تطوير جدول أعمال سياسي يستهدف التغيير المعمم للسياسات والمؤسسات العامة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، على غرار الحركة العريضة المناوئة للنيوليبرالية في أمريكا اللاتينية.7Von Bülow, M. and Rossi, F.M. eds, Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America. Ashgate Publishing, Ltd, 2015.

إذًا كانت الإصلاحات النيوليبرالية هي الخيط الضام الذي يمثل سياق السياسات التنازعية وانفجارها في الألفينيات وحتى ثورة 2011. لكن رغم تعطل الإجراءات النيوليبرالية بعد الثورة وإزاحة مبارك، إلا أن الوهن الذي أصاب آلة الدولة القمعية أدى إلى توسع غير مسبوق في الاحتجاجات التنازعية.8Almeida, P.D.“The Role of Threats in Popular Mobilization in Central America”. Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America,2015, p. 111. لقد نتج عن الانهيار شبه التام لقوة الشرطة، وإحجام الجيش عن استخدام القوة لقمع الاحتجاج الاجتماعي، تمدد المظاهرات والإضرابات وقطع الطرق في أنحاء البلاد كلها تقريبًا بين 2011 ومطلع 2014. ومع ذلك فقد كان التغير كمًّا أكثر منه كيفًّا، وظلت الحركة التنازعية محلية ضيقة الانكباب على المصالح الاقتصادية، ومحدودة القدرة أو الاهتمام بتطوير مطالب عمومية تتعلق بالسياسات العامة والترتيبات المؤسساتية. كما بقيت الحركة مفتتة، لا مؤسساتية وبدون هوية جامعة تتجاوز الروابط المحلية المباشرة على مستوى المصنع في حالة العمال، أو مستوى الحي والمجتمع المحلي في غير ذلك من حالات الحشد والتعبئة.

صحيح أنه كانت هناك محاولات لتسييس الحركة العمالية ومأسستها وهيكلتها في الألفينيات، وربما كانت أبرزها حركة النقابات المستقلة التي بدأت بمحصلي الضريبة العقارية بعد إضرابهم الناجح في 2008. في تلك الحالة نجح محصلو الضريبة في إنشاء هيكل تنظيمي دائم اعترفت به الحكومة فعليًّا نظيرًا تفاوضيًّا. وفي أعقاب النقابة المستقلة للضرائب العقارية ظهر عدد من التجمعات المهنية الأخرى، تشمل أصحاب المعاشات وموظفي الخدمات الطبية.9Adly, A, (forthcoming in 2018) "Street vendors in Cairo after the January Revolution: A social movement perspective", in Protestors and Protest Forms in Egypt after the January Revolution, Arab Reform Initiative, 2018.

في أعقاب ثورة 2011 أُنشئ الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، وأتيح للنقابات التسجيل لدى وزارة القوى العاملة، في تحد رسمي للمرة الأولى للاحتكار الممنوح للاتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي تهيمن عليه الحكومة. كما ظهرت محاولات لاستصدار قانون جديد للنقابات العمالية يضمن حرية تكوين الجمعيات، خصوصًا في ظل أحمد حسن البرعي، أول وزير بعد الثورة، الذي أبدى التعاطف الشخصي مع قضية النقابات المستقلة، ورشحته حركة العمال المستقلين.10مقابلة شخصية، كمال عباس (13/12/2016)، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، القاهرة، مصر. إلا أن الحكومة المؤقتة بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة منعت صدور القانون، ومدت في عمر الاتحاد العام الخاضع للحكومة بدون عقد انتخابات جديدة. واتبع الإخوان المسلمون الاستراتيجية نفسها خلال فترة حكمهم القصيرة (يوليو2012 ـ يوليو 2013). وعقب انقلاب يوليو 2013 وإزاحة الرئيس الإخواني محمد مرسي، أدت الارتكاسة السلطوية إلى إعادة احتكار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر لتمثيل العمال، والتراجع عن الاعتراف السابق بالنقابات المستقلة، وتشديد التدابير ضد التحركات العمالية بصفة عامة.

3-2-الحركة الحقوقية

وسعت حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من وجودها في سياق تصاعد النزاع الاجتماعي في الألفينيات، ولا سيما عقب ثورة 2011. ولا شك في وجود بشائر للحركة منذ بزوغ الحركة الحقوقية المصرية المعاصرة في مطلع ثمانينيات القرن العشرين. فقد كان لمجموعة النشطاء والمناصرين والمحامين الحقوقيين، المرتبطة برموز اليسار مثل يوسف درويش ونبيل الهلالي وأحمد سيف الإسلام، خبرة طويلة بالفعل في تقديم الدعم القانوني للعمال في القضايا الصناعية قبل وقت طويل من موجة التنازع الحديثة نسبيًّا في الألفينيات. إلا أن حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بدأت تتخذ سماتها الخاصة في سياق التنازع الاجتماعي المتصاعد، مع تخصص جناح من الحركة الحقوقية في التصدي للمظالم الاقتصادية/الاجتماعية، في افتراق واضح عن الانشغال الأولي، والسائد حتى الآن، بالحقوق المدنية والسياسية.

أما من الناحية التنظيمية فإن حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هي كيان فضفاض يضم العديد من المكونات المؤسساتية واللا مؤسساتية التي تتبنى التوجه الحقوقي كما أسلفنا. ومع ذلك فبوسعنا التسليم بأن قلبها ومكونها الأبرز والأوسع حيلة هو المنظمات غير الحكومية ذات الطابع المهني التي أدت دور المناصرة في عدد من المجالات منذ تسعينيات القرن العشرين، وخصوصًا في الألفينيات. "تتمايز منظمات المناصرة عن غيرها من المنظمات غير الحكومية الضالعة في أنشطة التنمية والإغاثة بأنها منظمات وحيدة القضية (على سبيل المثال منظمة العفو الدولية)، ومعها منظمات أخرى حقوقية وبيئية، تحاول التأثير في السياسات العامة".11Cleary, E.L. The struggle for Human Rights in Latin America.Greenwood Publishing Group, 1997.

وهي تشترك في هذا الملمح مع الحركة الحقوقية الأوسع، وبالذات جيلها الأول الذي يرجع إلى أوائل الثمانينيات، والذي يمكن أن ينسب إليه بدء المنحى "المنظماتي" لحركة حقوق الإنسان. كانت تلك المنظمات تسجل عادة على أنها شركات مدنية لتجنب القيود الواردة في قوانين الجمعيات الأهلية،12Abdelrahman, M.M., Civil Society Exposed: The Politics of NGOs in Egypt(Vol. 40), IB Tauris,2004. مما أخضعها للضرائب لكنه منحها حرية أكبر في التحرك.13Langohr, V.“Too Much Civil Society, Too Little politics: Egypt and Liberalizing Arab Regimes”. Comparative politics,2004. وقد اكتست معظم هذه المنظمات صبغة مهنية، بمكاتب وعمالة دائمة من السكرتارية والباحثين والمحامين، مستندة إلى قدرتها على توفير الخدمات القانونية أو البحثية بأيدي موظفين مدربين ومؤهلين.

بيد أن المنظمات غير الحكومية لا تمثل إلا المكون الأكثر تنظيمًا من مكونات الحركة الحقوقية، لكن جناح الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثله مثل الحركة الحقوقية الأعرض، اعتمد في العمل وتداول المعلومات وحشد الموارد على شبكات كثيفة، ممتدة وغير نظامية، على أسس الصداقة أو الزمالة السابقة في سنوات الدراسة الجامعية، أو في مسيرة النضال عبر الانتماء إلى تنظيمات سياسية (عادة ما كانت تنظيمات يسارية سرية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين). ولهذا فإن التعريف المستخدم في هذه الورقة هو تعريف فضفاض وديناميكي بقدر الإمكان، لاستيعاب جوانب الحركة المؤسساتية واللا مؤسساتية على السواء، والتي تتقاطع وتتداخل في المعتاد ويتعذر الفصل بينهما.

عمل اكتساب الحركة الحقوقية للطابع المنظماتي ومن ثم المهني، خصوصًا في أعقاب ثورة 2011 مباشرة، على اجتذاب الباحثين والمحامين والمدراء المهنيين المتمتعين بالطموح المهني إلى الحركة الحقوقية، بما في ذلك جناحها؛ الاقتصادي والاجتماعي. وبما أن تزايد المهنية كان سببًا ونتيجة على السواء لتزايد الوصول إلى التمويل الأجنبي ومناصرة السياسات وذيوع الصيت محليًّا وعالميًّا، فقد حظيت بعض المنظمات الحقوقية بالموارد الكافية لتعيين أشخاص من ذوي القدرات الرفيعة، ولكن دون التزام مسبق أو انتماء أيديولوجي إلى الحركة الحقوقية.14Edwards, B. and McCarthy, J.D. “Resources and Social Movement Mobilization”.The Blackwell Companion to Social Movements,2004,p. 137. وعلى الرغم من أن هؤلاء المهنيين ساهموا في إخراج أبحاث حقوقية وفي تنمية الموارد البشرية والتنظيمية للمنظمات الحقوقية، إلا أنه من الصعب اعتبارهم جزءًا من"المجتمع الحقوقي"، حيث يحيل هذا المجتمع في المقام الأول إلى شبكات غير نظامية من الأشخاص الملتزمين أيديولوجيًّا بمناصرة حقوق الإنسان، وعادة ما يكون لهم تاريخ شخصي، وأحيانًا عائلي، طويل، من التفاعل عبر الصلات الشخصية بطريق الزواج و/أو الصداقة. ويجوز لنا أن نعتبر أن المجتمع الحقوقي هو المَعين الذي صدر عنه مؤسسو المنظمات والنشطاء السياسيون والمحامون والساسة المستقلون من ذوي الأجندة الحقوقية.

وقد كان تزايد المهنية امتدادًا منطقيًّا لاستراتيجية المنظماتية (أي التحول إلى منظمات مجتمع مدني) التي تبناها النشطاء الحقوقيون في مصر، وفي العديد من بلدان الجنوب العالمي أيضًا. لكنه ازداد وضوحًا، على الأقل من حيث السعي إلى مزيد من المهنية في الأفراد والمنتجات والهيكل التنظيمي، في الألفينيات. ولا يمكن فصل مقولة "المهنية أفضل" عن السياق الدولي السائد منذ ثمانينيات القرن العشرين، حين كانت حكومات الشمال ومنظماته تبحث عن شركاء موثوقين في الجنوب، مما شكل حافزًا ماليًّا وتنظيميًّا لتحول المنظمات غير الحكومية إلى منظمات مهنية.15أنظر: علاوة على هذا فإن الروابط الفكرية القائمة بين المنظمات الحقوقية في الشمال وفي الجنوب، إما من خلال خبرة العمل أو التدريب أو الدعم الفني أو الانتماء إلى تحالفات واسعة من المنظمات، بدت كلها وكأنها تدفع في اتجاه التحول المهني للمنظمات الحقوقية.

لكن هذا التحول، كما سيتضح، صار قيدًا على الحركة الحقوقية كما تحول إلى مصدر للتوتر في تفاعلاتها مع الحركة التنازعية. فقد كان تزايد المهنية، أولاً: يمثل حالة من حالات استيراد النموذج الأمريكي في التحول المنظماتي، في سياق انفضاض حركة الحقوق المدنية بالولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين. أما المقابل المصري فكان مختلفًا كل الاختلاف، من حيث الظروف التي تعمل فيها الحركة الحقوقية المصرية، حيث يتعذر الفصل بين "المدني" و"السياسي". ثانيًا: وكأثر جانبي للنقطة الأولى، أدى تزايد المهنية إلى المزيد من الاغتراب بين المنظمات الحقوقية، وخصوصًا تلك المنشغلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبين دوائر الجمهور الاجتماعي التي تزعم أنها تخدمها، كما أسلفنا.

وثمة أمثلة على جماعات تنازعية تبنت خطابًا حقوقيًّا على نحو متماسك ومتسق، مثل "أطباء بلا حقوق"، وبعض الجماعات المستندة إلى مجتمعات وأحياء محلية التي ظهرت بعد ثورة 2011. وقد شكلت تلك الجماعات والشبكات تداخلاً بين الحركتين التنازعية والحقوقية، فعادة ما يتم استقاء أعضائها من وسط المجموعة المغبونة، وكثيرًا ما تتعلق مطالبها بالمصالح المباشرة للأعضاء، إلا أنها تصاغ بلغة حقوقية. ويفصلها هذا بوضوح وحسم عن النشطاء والمنظمات والشبكات القائمة على المناصرة والعاملة بغرض التأثير في السياسات العامة، دون أن تستفيد من هذا التغيير بصفة خاصة، إن استفادت.

بدأت أطباء بلا حقوق تجمعًا غير نظامي لأطباء من العاملين في القطاع الحكومي، الذين احتشدوا في أواخر الألفينيات للمطالبة بتحسين ظروف العمل إضافة إلى الإصلاح الشامل لنظام الرعاية الصحية، مستشهدين بالتزامات الحق في الصحة المكرسة في الدستور إلى جانب تعاهدات مصر الدولية. وقد كان استشهادهم بحقوق الإنسان، ومطالبهم المتعلقة بسياسات عامة (إصلاح نظام الرعاية الصحية)، متسقا ويتجاوز الاستغلال الانتهازي لمثل هذا الخطاب ويتعداه إلى صياغة هوية للمجموعة داخليًّا وفي علاقتها بالعالم الخارجي أيضًا.

ويصدُق هذا أيضًا على دار الخدمات النقابية والعمالية، المنشأة في 1990 كجمعية أهلية تهدف إلى تقديم الخدمات الاجتماعية والقانونية لعمال حلوان. استعانت الدار بموظفين من العمال بجوار المحامين والساسة اليساريين،16أنظر المرجع رقم 10. واتخذت الشكل القانوني للجمعية الأهلية (المسجلة كشركة مدنية) بسبب تعذر إنشاء نقابة مستقلة في ذلك الوقت. لكنها فعليًّا كانت تعمل بتلك الصفة، فتدعو إلى الإضراب وتقدم الخدمات القانونية للعمال المفصولين. وقد أغلقت على سبيل المثال في عهد مبارك، سنة 2007، عقب إضراب المحلة الكبرى.

ثم شهد هذا النموذج، نموذج الجماعات التنازعية القائمة على خطاب حقوقي، توسعًا وانتشارًا شعبيًّا في أعقاب ثورة 2011، حيث احتشدت مجموعات على مستوى الأحياء، والقرى في أحيان نادرة، تحت راية مطالب الوصول إلى الخدمات العامة أو الإسكان أو حيازة الأرض، ضمن إطار حقوقي. وفي عدد من أحياء القاهرة الفقيرة والممثلة للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، انتظمت مجموعات مكونة من شباب شاركوا في الثورة، للضغط من أجل تحسين الخدمات العامة ومن أجل إقرار الحيازات العقارية أحيانًا. وقد تمكن المؤلف من مقابلة ناشط ينتمي إلى مجموعة كهذه من ميت عقبة، كانت تتخذ شكل لجنة شعبية فضفاضة التنظيم، بين 2011 و2012. ضغطت المجموعة على السلطات المحلية للوصول إلى المرافق، بما في ذلك تحسين الطرق والانضمام إلى شبكة الغاز الطبيعي.17مقابلة شخصية، محمد دعبس (7/9/2016)، عضو سابق بلجنة شعبية في حي ميت عقبة، القاهرة، مصر. كما تكشفت قصص مشابهة في أرض اللوا وعزبة علام القريبتين، وفي كل تلك الحالات كرس شباب النشطاء وقتهم وجهدهم للتفاوض مع السلطات المحلية في سبيل أهداف ضيقة التحديد ومتعلقة بأحوال الحي المعيشية مباشرة. لم تكن تلك المجموعات بحاجة إلى موارد مالية ضخمة حيث كان بوسع النشطاء الاستفادة من المعارف المحلية للمجتمع والثقة التي حظوا بها من تمثيل المصالح أمام السلطات المحلية. وبحسب أحد المصادر18أنظر المرجع السابق. فإن العامل المفتاحي المسؤول عن ظهور تلك الجماعات الأحيائية هو الانفتاح السياسي قصير العمر الذي أعقب ثورة 2011. كانت السلطات المحلية في تلك الفترة ضعيفة أمام المطالب الشعبية، ومستعدة لاستقبال المواطنين والتفاعل الإيجابي مع مطالبهم. لكن هذه الفرص تبخرت بعد انقلاب يوليو 2013، مع عودة نموذج الحكم السلطوي القديم، نموذج الحكم من أعلى، وتعذر التفاوض مع السلطات المحلية. وبإضافة هذا إلى الانقسامات السياسية العميقة التي تلت خلع الإخوان المسلمين، واشتداد قمع الجمعيات وقنوات الحشد الشعبي، اندثرت معظم تلك المجموعات، مع تسلل الإحباط إلى أعضائها وانعدام التسامح لدى السلطات.

4.  جسم بدون رأس ورأس بلا جسم

على الرغم من النجاحات الجزئية للحركة الحقوقية في التعامل مع السياسة التنازعية إلا أنه لم تنشأ علاقة عضوية بين الحركتين، حيث أن الحركة التنازعية، من جهتها، لم تتبن خطاب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على أي نحو كان من شأنه تمكينها من تجاوز خصائصها المحلية، اللامؤسساتية واللامسيسة، نحو استهداف شامل لسياسات الدولة ومؤسساتها. من جهة أخرى عجزت الحركة الحقوقية عن مد جسور متينة ومتصلة، خطابية أو تنظيمية، تربطها بحركة التنازع الأعرض على النحو الذي كان بوسعه إمدادها بالعمق والثقل اللازمين لاتقاء الارتكاسات السلطوية المحتملة كالتي وقعت بعد يوليو 2013.

ولعل أفضل وصف للحركة التنازعية العريضة منذ منتصف الألفينيات أنها جسم بلا رأس، فقد ضمت مئات الآلاف من الأشخاص وتوزعت على عشرات المواقع، ومنها مصانع ومراكز صناعية ومجتمعات ريفية وأحياء حضرية، لكنها افتقرت إلى أي هيكل تنظيمي يمتد بعرض البلاد، وإلى خطاب سياسي مشترك أو قيادة واضحة.19Look : في المقابل كانت الحركة الحقوقية بعامة وجناحها المعني بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية خصوصًا أشبه برأس عديم الجسم، إذ كانت الحركة، المكونة من نواة صلبة من القادة والنشطاء الملتزمين سياسيًّا، ذوي الخلفية الأيديولوجية اليسارية الواضحة، والأجندة التي تستهدف التغيير الاقتصادي والاجتماعي استنادًا إلى المراجع الحقوقية الدولية، معنية بتصرفات الدولة لكنها مع ذلك تتوجه إلى دوائر المغبونين والمحرومين التي تتجاوز أعضائها المباشرين.20أنظر المرجع رقم 13.

كانت حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إذًا رأسًا يبحث عن جسم، وكان دورها المركزي يتمثل في الوساطة: التنسيق والترجمة، بالإضافة إلى القيادة أيضًا، للحركة التنازعية العريضة، المحلية واللا مسيسة. تكفلت الحركة الحقوقية بصياغة وإنتاج ونشر خطاب سياسي قادر على التقاط المظالم المحلية وتحويلها إلى مطالب متماسكة قائمة على الحقوق، تتوجه إلى المجال العام بتعريفه على أنه تصرفات الدولة. ومع ذلك، وعلى الرغم من النجاح الجزئي في مجالات من قبيل التقاضي الاستراتيجي وتقديم الخدمات القانونية، والتشبيك والحملات الإعلامية، ظل انفصال الرأس عن الجسم قائمًا وعصيًّا على التغيير، حتى برغم الانفتاح السياسي قصير العمر بين 2011 ومنتصف 2013.

والطرح الأساسي لهذه الورقة هو أن الاغتراب بين الحركتين يلخص الأسباب الكامنة خلف الإخفاق في تطوير علاقة عضوية بين الحركة الحقوقية والحركة التنازعية. ويمكن تعريف الاغتراب هنا بأنه وعي متبادل بالافتقار إلى هوية مشتركة بين عناصر الحركتين، ومن هنا نشأ التباين المحتمل أو الفعلي في الاهتمامات والأهداف والنظرة العامة والخطاب المستخدم، على نحو يقوض تفاعلها كعناصر في حركة واحدة تهدف إلى التغيير الاقتصادي والاجتماعي، أو يحد منه على الأقل. وقد نتج هذا الاغتراب عن عوامل مختلفة، يرجع بعضها إلى السياق الاجتماعي العريض مثل طول مدة الحكم السلطوي، والتغييب المستمر للسياسة، وإضعاف المجتمع المصري ككل. إلا أن بعض العوامل تتعلق في واقع الأمربالاستراتيجيات المتناقضة وضعيفة التماسك التي اتبعتها الحركة الحقوقية في التصدي لتلك القيود، بحيث أدت إلى إدامة القيود بدلاً عن التغلب عليها. وقد تمثل التناقض الرئيسي في اتباع نموذج منظمات المجتمع المدني، وسيلةً لاستئناف النضال السياسي اليساري.

لم تفصل حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بين عملها في المجتمع المدني وفي المجتمع السياسي، وبالتالي بين ما هو سياسي وما هو تنازع على الحقوق، فكانت المنظمات والشبكات المعنية بالمناصرة الحقوقية بمثابة بديل عملي وامتداد للمنظمات والشبكات اليسارية، ذات المواقف الأيديولوجية الواضحة من الصراع الطبقي في السبعينيات والثمانينيات، مع توجه خاص نحو دوائر العمال ـ والفلاحين إلى حد أقل.21Langohr, V.“Too Much Civil Society, Too Little politics: Egypt and Liberalizing Arab Regimes”. Comparative politics, P194,2004.

أما في الثمانينيات والتسعينيات فقد كانت المناصرة الحقوقية، والطابع المهني الذي اكتسته تلك المنظمات، أقرب إلى أن يكون اختيارًا استراتيجيًّا تم بغرض التغلب على القيود القانونية والمؤسسية التي فرضها نظام الحكم السلطوي، قليل التسامح مع النشاط السياسي، سواء ضمن الأحزاب أو خارجها. ومن ثم فقد ورثت حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التحدي التاريخي الذي واجهته الحركة اليسارية في مصر (وفي غيرها من البلدان النامية) في محاولتها المستمرة لربط النزاع الاجتماعي بالسياسي، عن طريق تطوير تنظيمات وخطابات وجداول أعمال سياسية على أسس طبقية. لكن هذا التحول، كما اتضح، عرقل تحقيق الأهداف الأصلية للنضال السياسي حيث أنه فاقم من الاغتراب الفعلي والظاهري بين الحركة الحقوقية وجمهورها الأصيل من المغبونين. وكان مصدر الاغتراب مزدوجًا: النزاع على توزيع الموارد، وعلى التمثيل، وخصوصًا فيما يتعلق بوظائف الوساطة الخارجية من قبيل التغطية الإعلامية وإطلاق الحملات والمناصرة السياسية، كما أسلفنا.

4-1- النزاع على توزيع الموارد

شكل التفاوت في الوصول إلى الموارد أحد المصادر الكبرى للاغتراب بين الحركة الحقوقية والحركات التنازعية في مصر، فقد تمتعت المنظمات والتجمعات الحقوقية باستمرار بنفاذية أعلى إلى الموارد المالية والمادية والبشرية والاجتماعية ورأس المال الثقافي، بفضل خلفية مؤسسيها وأعضائها وأنصارها المنتمين إلى الطبقة الوسطى. وكثيرًا ما كانت عملية تخصيص الموارد، من الحركة الحقوقية إلى الجماعات والأفراد المنخرطين في التنازع، تحفل بالتوتر وتثير مخاطر نشوء علاقات زبونية و/أو سلوك انتهازي، ربما من الجانبين.  كما أن مصادر تمويل منظمات المناصرة وتجمعاتها حاسمة الأهمية بالنسبة لمصداقيتها في أعين من يفترض أنها تدعمهم، خصوصًا وأن معظم التمويل أجنبي، ومن ثم فهو موضع للشبهات السياسية (وربما القانونية).22أنظر المرجع رقم 13. ومخاطر الزبونية مزدوجة: يتمثل جانبها الأول في التمويل الأجنبي حيث تعتمد التجمعات والمنظمات الحقوقية في تمويل أنشطتها على أموال واردة من الخارج، مما يخاطر بتحويلها إلى زبائن على نحو يقوض التزامها الصادق بترقية الأجندة الحقوقية. وباعث القلق الرئيسي هنا هو أن الاعتماد على التمويل الأجنبي من شأنه دفع تلك المنظمات غير الحكومية إلى تكييف هياكلها وجداول أعمالها وبرامجها مع اهتمامات مموليها، سواء كانوا حكومات أجنبية أو مؤسسات خاصة، بدلاً عن التصدي لمشكلات حقيقية في سياقها الصحيح. والتمويل الأجنبي خصيصة تشترك فيها المنظمات الحقوقية مع المنظمات التنموية والخدمية الخالصة، مما يُكسب الأدبيات المكتوبة عن الأخيرة صلاحية لانتقاد الأولى.

وقد شدد العديد من الباحثين في الثمانينيات والتسعينيات على تفاوت التفاعل بين المنظمات غير الحكومية في الجنوب ومانحيها وكفلائها في الشمال، سواء كانوا حكومات أو منظمات شمالية. وانصب النقد الأقسى على المنظمات غير الحكومية ولا سيما العاملة في مجالات الخدمات والتنمية، فوصفها غرين وماتياس (1996) بأنها منظمات كومبرادورية، كما أن ماركوسن (1996) ومن قبله كوتاري (1988)، اعتبراها عميلة للوكالات العالمية الكبرى المروجة للأجندة النيوليبرالية، وأدوات لإعادة تشكيل مجتمعات العالم الثالث. وانتُقدت تلك المنظمات أيضًا لتصديها لمعالجة أعراض المرض بدلاً عن أسبابه، بما أنها تقدم الخدمات للفقراء لكنها لا تتطرق إلى أسباب الفقر. وترافق هذا مع محاولة لنزع التسييس عن قضايا الفقر والتهميش والبطالة، من خلال معالجتها على أنها قضايا تقنية أو حالات فردية.

ورغم أن هذا الانتقاد الكلاسيكي للمنظمات الجنوبية أجنبية التمويل قد يصدق على بعض حالات، أو حتى بعض قطاعات، المنظمات الحقوقية، إلا أنه فيما يبدو لا ينطبق على المنظمات العاملة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. بل إن العكس تمامًا قد يكون صحيحًا فيما يتعلق بها، حيث كانت تلك المنظمات من بين الأكثر تسييسًا، ولها موقف أيديولوجي واضح، سواء كان ليبراليًّا فيما يمس بالحقوق المدنية والسياسية أو ديمقراطيًّا اجتماعيًّا فيما يتعلق بالاقتصاد. فضلاً عن هذا، كانت منظمات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتخذ موقفًا قويًّا ضد النيوليبرالية، وانصبت معظم أنشطتها على مقاومة الإصلاحات النيوليبرالية أو الرجوع عن سياساتها الأسبق. ومن ثم فقد كانت أقرب إلى مناوئة الهيمنة، هيمنة الحكومة المصرية أو هيمنة رعاتها النيوليبراليين مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو هيئة المعونة الأمريكية على السواء.23أنظر:

فضلاً عن هذا، عملت المنظمات الحقوقية على تسييس المطالب الشعبية الاقتصادية والاجتماعية، وترقية قضاياها من خلال مناصرة السياسات والإعلام والتقاضي الاستراتيجي، وفي كثير من الحالات تلقت بعض تلك المنظمات الحقوقية الدعم المالي والتنظيمي من حركات ومنظمات مناهضة للنيوليبرالية وللعولمة في التسعينيات والألفينيات. ومع ذلك فقد ظلت أخريات تتعامل مع المانحين والكفلاء من منظمات دول الشمال دون مساس باستقلاليتها وتبنيها لأجندة مناوئة للنيوليبرالية. ويمكن القول، في مجمل الأمر، إن التمويل الأجنبي لم يقوض تبني أجندات أصيلة ووطنية في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وهناك أيضًا أمثلة على التعاون عند التقاطع بين الحركتين، حيث قدمت الحركة الحقوقية الدعم القانوني واللوجيستي والتنظيمي للحركة التنازعية، واستغلت الأخيرة الموارد التي أتاحتها الأولى على نحو استراتيجي. ففي قضية القرصاية على سبيل المثال، استغل المجتمع المحلي الخدمات القانونية التي قدمها ائتلاف من المنظمات والشبكات الحقوقية (وعلى رأسها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية) في الوصول إلى الإعلام ومناشدة الجمهور العام. والقرصاية جزيرة وسط النيل في قلب القاهرة، يسكنها مجتمع محلي من المزارعين وصيادي السمك، وقد ادَّعت القوات المسلحة ملكيتها بدعوى أنها منطقة عسكرية، مما يضر بأرزاق المجتمع المحلي وحيازته للأرض. وكانت هناك محاولات أسبق، في ظل حكومة نظيف (2011-2004) لنزع الملكية من الأهالي وتخصيص الأرض لمستثمرين عرب. ودار حديث في 2012 عن أن مطالبة الجيش بالجزيرة تتعلق بشراكة مع المستثمرين العرب أنفسهم. احتشد المجتمع المحلي للاحتجاج، وحصل على خدمات قانونية من منظمات حقوقية ومحامين وغيرهم من تجمعات النشطاء اللا مؤسساتية، المعترضة على محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. وأصدرت المحكمة الإدارية العليا حكما يؤكد أحقية المجتمع المحلي في أرضه، لكن دون أن تحرم الجيش من وجوده على الجزيرة باعتبارها منطقة عسكرية.

وبالمثل كان لمجتمع الضبعة المحلي، على ساحل مصر الشمالي الغربي، تجربة مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 2011-2012، حيث تواصل المجتمع المحلي في الساحل الشمالي مع الحركة الحقوقية لدعم مطالبتهم بالأراضي التي صادرتها الحكومة في مطلع الثمانينيات لإنشاء محطة للطاقة النووية. وفي أعقاب ثورة 2011، اقتحم أفراد المجتمع المحلي الأرض المصادرة والمخصصة رسميًّا لإنشاء المفاعل، واستولوا عليها بالقوة. ثم تواصلوا مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لطلب المناصرة والتغطية الإعلامية والخدمات القانونية المحتملة. ثم انتهت التعبئة المحلية بعودة الجيش إلى السلطة وإحياء مشروع مفاعل الضبعة النووي. وكان مركز هشام مبارك للقانون، من قبل الثورة حتى، يقدم الخدمات القانونية واللوجستية للمحتجين من العمال المعتصمين أمام البرلمان بمطالب اقتصادية.

وفي معظم تلك الحالات كانت الحركة الحقوقية تقوم بدور يقتصر على دعم الحركة التنازعية، ولم يُسمح للزبونية أو الانتهازية أو التنافس على تمثيل المصالح بأن تتغلب على التعاون. وكانت التدخلات في معظمها مهنية ـ بدلاً عن أن تكون زبونية أو سياسية ـ كما كانت تمكينية، عن طريق تزويد المتنازعين بالمواد التي يفتقرون إليها. في مجمل الأمر، لم يحدث تقويض لاستقلالية التنازع أو مصداقيته في تلك الحالات.

ولعله مما تنبه إليه هذه الدراسة أن ثمة حاجة إلى استكشاف مدقق وشامل لتأثير العوامل الأجنبية في نشاط المنظمات الحقوقية وهياكلها ووضع جداول أعمالها. والتمويل الأجنبي من الملامح المركزية بالطبع، إلا أنه ليس بحال من الأحوال الملمح الوحيد الفاعل، حيث تتمتع معظم الشبكات والمنظمات الحقوقية بروابط فكرية قوية مع منظمات الشمال (منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش على سبيل المثال) من خلال خبرات العمل السابقة أو الدورات التدريبية..إلخ. كما أن الكثير منها ينتمي إلى ائتلافات عالمية مثل الحركة المضادة للعولمة، أو "أتاك ـ جمعية فرض الضريبة على المعاملات المالية وتحرك المواطنين". ومما يثير الانتباه أن نفهم الدينامية المركبة لتفاعل تلك العوامل المختلفة بعضها مع البعض، وتشكيلها للحركة الحقوقية وبيئتها. وعلى سبيل المثال، كيف أمكن لحركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن تحتفظ بتمويلها الأجنبي رغم أجندتها المناهضة للنيوليبرالية، ودورها المركزي في منع بعض الإجراءات النيوليبرالية أو الرجوع عنها؟

4-2- التحول المهني والاغتراب على أساس طبقي

إن العامل الفعال الآخر، الكامن خلف الاغتراب، هو تمايز الخلفية الطبقية لأعضاء الحركتين على النحو الذي قد يؤدي إلى التباين، وربما التناقض، في الرؤية والمصالح. وإذا جاز التغلب على هذا الاغتراب الطبقي من خلال التعبير الصادق عن الالتزام الأيديولوجي بقضية المتنازعين، إلا أن هذا التعبير بذاته يصبح إشكاليًّا في ضوء التحول المنظماتي والمهني المتزايد للمنظمات الحقوقية.

فعادة ما كان يتولى مهنيون أو رواد أعمال طموحون من الطبقة الوسطى تأسيس وتشغيل معظم المنظمات غير الحكومية الجنوبية، بما فيها منظمات المناصرة الحقوقية، للتحدث نيابة عن المهمشين دون أن يشتركوا معهم في الكثير اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا. والمنظمات الحقوقية، مثلها مثل المنظمات التنموية التي تزعم تمكين الفقراء والمهمشين، تدعي أنها ترتقي بمصالح الفقراء والمنتهكين والمهمشين. وقد أدى هذا التناقض في المعتاد إلى نشوء الاغتراب والزبونية، حيث يقوم مديرو المنظمات باستغلال منتفعيها من الفقراء لتأمين الحصول على تمويل روتيني.

وقد شكل هذا مصدرًا واضحًا من مصادر الاغتراب، يحد من قدرة الحركة الحقوقية على إقامة تعاون حقيقي مع المنخرطين مباشرة في العمل التنازعي. وقد ذكر أحد مصادرنا غياب الالتزام طويل الأمد من جانب النشطاء الحقوقيين تجاه المجموعات التي يدعمونها ويخدمونها.24فاطمة رمضان (24/8/2016)، نقابية وناشطة حقوقية، القاهرة مصر. وعادة ما تتوقف استدامة التعاون على استمرار التمويل أو حتى استمرار وجود أشخاص بعينهم من المهتمين أو من الملتزمين أيديولوجيًّا أو من الحريصين على ترقية مسيرتهم المهنية. وللمؤلف خبرة شخصية مع جماعة من الباعة الجائلين في وسط القاهرة، أقامت صلات بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 2012، ثم انقطع التعاون بعد استقالة المؤلف ومغادرته للبلاد في سياق تحول مهني من البحث الحقوقي إلى العمل الأكاديمي في 2013. كما أبدى اثنان آخران من المصادر التي أجريت معها المقابلات نفس القلق بعد عملهم مع مجتمعات أو أحياء محلية أو عمال منخرطين في التنازع. كان هناك توجس عام من أفراد الحركة التنازعية حيال إقامة تعاون موثوق ومستمر وطويل الأجل مع المحامين والباحثين الحقوقيين.

4-3- بين تمثيل المغبونين وانتحال الصفة

سبق أن ذكرنا أن القدرة على القيام بدور الوساطة الخارجية كانت تقتضي من الحركة الحقوقية أن تفترض في نفسها تمثيل المجموعات التنازعية أمام العالم الخارجي (الدولة في المقام الأول، ولكن المجتمع الواسع أيضًا، عبر تسليط الأضواء الإعلامية). والتمثيل مسألة تحتوي على قدر من التوتر بطبيعتها، بالنظر إلى التوتر الكامن أو الظاهر الناتج عن الوصول إلى الموارد وتمايز الخلفيات الطبقية.

ويحضرنا هنا مثال دار الخدمات النقابية والعمالية، التي أنشأها في التسعينيات ناشط عمالي كمنظمة غير حكومية حقوقية متخصصة في تقديم الخدمات للعمال. قد تطورت المنظمة، بحسب أحد المصادر، إلى مصدر للتنافس أو حتى الخصومة مع الحركة العمالية بعد ثورة 2011، حيث حاول بعض موظفي البيروقراطية الحكومية إنشاء اتحاد للنقابات المستقلة (الاتحاد المصري للنقابات المستقلة)، فسارع كمال عباس، رئيس الدار، إلى إنشاء اتحاد منافس (رمضان). وأدى هذا التحرك إلى إضعاف حركة النقابات المستقلة، زيادة على ضعفها التنظيمي. كما رفع الغطاء، بحسب رمضان، عن توتر قديم متعلق بصاحب الحق في تمثيل العمال، وما إذا كان بوسع النشطاء وقادة المنظمات الحقوقية تولي هذا الدور، بالنظر لغياب طبقة قوية من النقابيين والساسة العماليين. بيد أن أعضاء الدار لم يعتبروا أنفسهم جمعية أهلية قط، رغم الشكل القانوني الذي اضطروا لاتخاذه نتيجة القيود المفروضة على النقابات العمالية المستقلة. وبحسب عباس فإن الدار كانت دائما تنظيمًا عماليًّا، تمكن من فرض حضور قوي منذ التسعينيات في مراكز صناعية مختلفة، تشمل المحلة الكبرى وحلوان وشبرا. وكان أفرادها دائمًا من العمال والنشطاء اليساريين من أصحاب الخلفيات الشيوعية.25أنظر المرجع رقم 10. ومن ثم فقد كانوا جزءًا لا يتجزأ من الحركة العمالية من البداية.

بل ربما يمكن تعقب المشكلة حتى التسعينيات والألفينيات، حين تولى أفراد الحركة الحقوقية تمثيل مطالب العمال (والفلاحين) في مؤتمرات خارج البلاد، مع أن دافعهم في هذا لم يقتصر على المصلحة الذاتية في سبيل الحصول على تمويل أفضل وذيوع أكبر بالخارج، بل كان الأمر يتعلق أيضًا بنقص في النقابيين القادرين على التحدث عن مطالب عامة تخص الحركة العمالية وتتجاوز المصالح الضيقة والمباشرة لجمهورهم المحلي.

ومن المنصف أن نقول إن العديد من العراقيل تعوق تولي الحركة الحقوقية تمثيل الحركة التنازعية، فليس بوسع النشطاء والمحامين الحقوقيين، ولا مهنيي المنظمات الحقوقية بكل تأكيد، أن يكونوا بديلاً عن الغياب الطويل للطبقة السياسية النقابية. علاوة على هذا فإن أفراد الحركة الحقوقية، على عكس الساسة اليساريين ونشطاء الأحزاب السياسية ومرشحيها، لا يتمتعون بدافعية التواصل مع الفئات المغبونة لاستجلاب الأصوات. ولا يمكن للحركة الحقوقية تأدية مهام تمثيلية إلا في قضايا معينة ضيقة التحديد (القضايا التي تتطلب خبرة الحركة الحقوقية ومواردها مثالاً) وبالتعاون مع الممثلين العضويين للمجموعات والمجتمعات الضالعة في التنازع.

ويرجع غياب طبقة القادة المسيسين، ذوي الرؤية الشاملة لعموم البلاد، إلى الإرث الطويل والمستمر من السلطوية ونزع التسييس عن التنازع الاجتماعي الاقتصادي، وتفتيته وحصره في الحدود المحلية في مصر على مستوى المصنع أو القرية أو الحي. ولن يتسنى كسر هذا القيد إلا في سياق التحول الديمقراطي، الذي قد يسمح بتسييس التنازع، وبزوغ حركات بعرض البلاد تطالب بتغييرات في السياسات. وقد سمح الانفتاح السياسي الوجيز بين 2011 و2013 ببدء عملية من هذا النوع، لكنه تعطل بحلول نهاية 2013. وربما يمكن لشخوص من الحركة الحقوقية أن تؤدي أدوارًا سياسية صريحة، وبالتالي أن تسعى إلى تمثيل جماهيرها، كما اتضح جليًّا مع ترشح خالد علي للرئاسة في 2012. ويجوز النظر إلى هذا كمحاولة لافتتاح مسيرة سياسية للمحامي اليساري، الذي كان يدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك فقد سمح سياق التسييس والحشد الشعبي المحتدم بظهور ساسة عضويين، جمعوا بين المعرفة المحلية بجمهورهم المباشر والنظرة الوطنية الشاملة. وانطبق هذا أكثر ما انطبق على حركات التنازع المنتمية إلى الطبقة الوسطى، كالتي خرجت من صفوف الموظفين العموم المهرة (مثل الأطباء والطيارين والمعلمين أيضًا)، ومن أحياء الطبقة الوسطى التقليدية المهددة بالانزلاق إلى دوائر الفقر، والمحتشدة من أجل الخدمات العامة على المستوى المحلي. أدت الخبرة الثورية إلى إيجاد نشطاء محليين من خلفية شبابية وجامعية، كان بوسعهم تأطير المطالب المباشرة، الاقتصادية وشديدة الخصوصية عادة، ضمن أجندة وطنية. كما كانوا ينتمون إلى شبكات أوسع من النشطاء الشباب وأعضاء الأحزاب السياسية. وقد أفاد هؤلاء النشطاء (أو الساسة المزمعين) بحدوث تفاعلات مرنة من النشطاء الحقوقيين، بالنظر إلى تشابه الخلفيات، وقلة الحاجة إلى الدعم المالي من المنظمات غير الحكومية.26أنظر المرجع رقم 17. وقد أثبتوا، إضافة إلى هذا، قدرتهم على تأطير المطالب بلغة حقوقية. وربما كان من شأن هذا أن يفتح ساحة جديدة لتأثير الحركة الحقوقية في المجتمع ككل على نحو يتجاوز الدائرة الضيقة للمنظمات المهنية، أو حتى المجتمع الحقوقي. إلا أن هذه السبل انسدت سريعًا مع عودة الحكم السلطوي اعتبارًا من منتصف 2013، واشتداد عملية نزع التسيييس التي مارسها الجيش على المجتمع وسط حملة قمعية على الإخوان المسلمين والاحتجاج الشعبي بصفة أعم.

5.  وصف التفاعل بين الحركتين وتحديد مفاهيمه

يهدف هذا القسم إلى دراسة أنماط التفاعل والتداخل بين حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحركة التنازعية الأعرض في مصر طوال العقد الماضي، وسوف يصف أشكال التفاعل المختلفة ويحدد مفاهيمها، كما سيحاول القسم التالي تحليل تلك التفاعلات، من منظور إشكالي بالأحرى، في تمهيد لأطروحة شاملة.

بادئ ذي بدء، لم يكن التفاعل بين الحركتين الحقوقية والتنازعية على منوال واحد، فقد اتخذ شكلاً تعاونيًّا بصفة عامة، لكنه أظهر أيضًا حالات من التنافر بل حتى التنافس والخصومة. وقد أدت الحركة الحقوقية في المجمل وظيفتين عموميتين في تفاعلها مع حركة التنازع: الأولى هي وظيفة تقديم الخدمات (القانونية واللوجيستية، والمالية على نحو أقل تواترًا) للحركة التنازعية فقيرة الموارد والأفقر تجهيزًا بصفة عامة، والثانية هي وظيفة الوسيط، بمعنى تنسيق التحركات وتخصيص الموارد وتأطير المطالب فيما بين مختلف مكونات الحركة التنازعية، وفيما بينها وبين العالم الخارجي. ووقعت أيضًا حالات تنافس وخصومة داخل الحركة الحقوقية نفسها، لدواع شخصية وكذلك بسبب الوصول إلى الموارد الاقتصادية من المانحين الأجانب. وبحسب أحد المصادر التي أجريت معها المقابلات من داخل الحركة الحقوقية، أدت هذه الخصومات الداخلية إلى حالات عديدة من انعدام التنسيق في استخدام موارد محدودة، بحيث أمكن على سبيل المثال إجراء نفس الفعاليات مرتين، لخدمة جمهور أو منطقة واحدة.27مقابلة شخصية، محمد عادل (10/8/2016)، عضو المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، القاهرة، مصر. سنغطي الجوانب السلبية للتفاعل بين الحركتين باستفاضة أكبر في القسم التالي، المعني بإثارة إشكاليات التفاعل بين الحركتين. أما الآن فسوف نسلط الضوء على ذلك التفاعل كتعاون وتنسيق وتبادل.

5-1- تقديم الخدمات

تشير الوظيفة الأولى لمقدم الخدمات إلى تفاعل بسيط ومباشر، تتولى فيه منظمات الحركة الحقوقية وشبكاتها تقديم خدمات مختلفة للمجموعات والأفراد الضالعين في أعمال التنازع. وفي تلك الحالات تظل الكيانات الحقوقية في الخلفية، تقدم المساعدة والدعم للفاعلين الرئيسيين من الحركة التنازعية.

وقد شكلت الخدمات القانونية أكثر ما تم تقديمه من خدمات، وكانت تشمل الدفاع عن متظاهرين أو عمال مضربين عقب احتجازهم أو ملاحقتهم، إضافة إلى الاستشارات القانونية من محامين مهنيين لأفراد ومجموعات ضالعين في العمل التنازعي. والخدمات القانونية من مجالات الخبرة والنشاط التقليدية بالنسبة للجمعيات الحقوقية، منذ نشوء الحركة في مطلع الثمانينيات، وهكذا فإن ما كان ينطبق في البداية على قضايا الانتهاكات الحقوقية (مثل التعذيب ووحشية الشرطة) امتد فيما بعد إلى الدفاع عن العمال المضربين عند اعتقالهم، وعن الموظفين والعمال المفصولين لنشاطهم النقابي، أو لأي سبب تعسفي آخر.28يجب أن نذكر أن الدفاع عن عمال منخرطين في أعمال تنازعية يرجع على الأرجح إلى أربعينيات القرن الماضي، حين كان محامون من ذوي الميول الشيوعية واليسارية يؤدون تلك المهمة. في حالات معينة أخرى كانت الخدمات القانونية تقدم بشكل استباقي، مثل تمكين العمال من إنشاء نقابتهم المستقلة، أو الطعن القانوني على انتخابات يزعم أنها زورت داخل الاتحاد العام لنقابات العمال الذي تسيطر عليه الدولة.29أنظر المرجع رقم 10. حدث هذا مع دار الخدمات النقابية والعمالية، وجمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان في التسعينيات، ومع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية قبل ثورة 2011 مباشرة.

إلا أن الخدمات القانونية لم تكن الوحيدة التي قدمتها منظمات الحركة الحقوقية وشبكاتها، فقد قدمت أيضًا الخدمات اللوجيستية والتثقيفية والتنظيمية، وخدمات التشبيك. ومن أمثلة الخدمات اللوجيستية استضافة الاجتماعات أو تقديم الدعم العيني لأنشطة التنازع من قبيل الأغطية والمأوى والطعام للمعتصمين والمضربين (على سبيل المثال، دعم مركز هشام مبارك للاعتصام أمام البرلمان في 2009 و2010). كما اشتملت الخدمات اللوجيستية على أعمال التنسيق بين مختلف مكونات الحركة التنازعية، بالنظر إلى طبيعتها المحلية المفتتة. وعلى المنوال نفسه، قام المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بدور مركزي في تنسيق الحركة العمالية منذ إنشائه في 2009 ولا سيما بعد ثورة 2011.

ثم شكلت خدمات التشبيك نوعًا ثالثًا من الخدمات، حيث تتولى المجموعات والمنظمات الحقوقية توسعة القدرة الاتصالية للحركة التنازعية من خلال تعريفها على آخرين من الأطراف الفاعلة، سواء من داخل الدولة (بما فيها أعضاء البرلمان) أو في المجتمعين السياسي والمدني، من قبيل النقابات والأحزاب السياسية ومنافذ الإعلام.

على سبيل المثال، في 2012 فاتحت نقابة الباعة الجائلين في القاهرة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لطلب المساعدة القانونية والمناصرة في تعديل قانون الباعة الجائلين.30أنظر المرجع رقم 9. وقدمت المبادرة الاستشارات القانونية، لكن مساهمتها الرئيسية انتمت إلى مجال التشبيك، بالمشاركة في جهود ربط العديد من نقابات الباعة الجائلين في عدد من المحافظات بالجماعات الداعمة لها. وقد تم عدد من تلك الاجتماعات في مقر المبادرة، لتنسيق التحركات والتشاور في مشروع القانون في 2012. كما قامت المبادرة بتعريف الباعة الجائلين على مكتب للهندسة في وسط القاهرة، كان يضع نموذجًا اقتصاديًّا لباعة الشوارع يتناغم مع الاستخدامات الاجتماعية الأخرى للحيز العام. استمر نشاط الباعة الجائلين في وسط المدينة لبعض الوقت، حتى انقلاب يوليو 2013، حينما ارتدت السلطات عن انفتاحها على المطالب الشعبية، وتناقص تسامحها مع أشكال الاحتجاجات العامة أو التعبئة الجماهيرية، وهذا في سياق الحملة القمعية على الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الموالية لهم. ويبدو أن بنية للفرصة السياسية في ذلك الوقت هي الأقدر، مرة أخرى، على تفسير حالات [نجاح] التعبئة المحلية.

وقد كان تقديم الخدمات، رغم اقتصاره عادة على الأشكال غير المادية وغير النقدية، من أحفل المناطق بالتوتر في التفاعل بين الحركتين، فقد نشأت الحاجة إلى تقديم الخدمات أصلا من واقع التفاوت في توزيع الموارد بين منظمات الحركة الحقوقية من جهة، والحركات الضالعة في التنازع من جهة أخرى. وأدى هذا في أحيان عديدة إلى ظهور الاغتراب وسط عناصر الحركتين، كما أوجد مخاطر الزبونية والانتهازية التي تناقض التعاون الحقيقي في سبيل تغيير السياسات.

تعاملت الأدبيات المنشورة مع التوتر الناجم عن [تفاوت] توزيع الموارد بين الحركات الاجتماعية على نحو باهت، وتم التشديد على أن هذا التفاوت قد يكون مصدرًا للتعاون وللتوتر على السواء ،31Edwards, B. and McCarthy, J.D. “Resources and Social Movement Mobilization”. The Blackwell Companion to Social Movements, 2004. والتشديد أيضًا على ما يبدو أنه اتجاه عالمي داخل الحركات الاجتماعية، تنحرف بموجبه الموارد (المادية منها والبشرية، ورأس المال الاجتماعي والثقافي القابل للنقل من خلال التدريب أو إبداء التضامن أو التأييد السياسي من جانب الأطراف النافذة) في جميع الأحوال تقريبًا ناحية المجموعات والمنظمات المنتمية إلى الطبقة الوسطى، في المراكز الحضرية الثرية نسبيًّا، مقارنة بجماعات الأطراف والجماعات غير المنتمية إلى الطبقة الوسطى التي عادة ما تقود أعمال التنازع. ويعمل هذا التفاوت على إبراز الاغتراب وعدم التجانس الطبقي داخل الحركة، ومن شأنه أن يتزايد بتزايد تحول المنظمات الحقوقية إلى صيغ أكثر مهنية وبيروقراطية، حيث ترتفع احتمالات اصطدام الباحثين ومسؤولي الملفات الحقوقيين المتعلمين، الطموحين، بمشاكل في المصداقية لدى الفئات المغبونة التي يفترض أنهم يعملون على خدمتها وتمكينها.32Abdelrahman, M.M., Civil Society Exposed: The Politics of NGOs in Egypt(Vol. 40), IB Tauris,2004, p. 68. ويقدم القسم التالي معالجة أوفى لهذه الملاحظة.

5-2- الوساطة

بخلاف التقديم المباشر للخدمات، يمكن إدراج السبل الأخرى للتفاعل بين الحركتين بشكل أفضل تحت مفهوم الوساطة الذي تم تطويره في أدبيات الحركات الاجتماعية. وقد قدم33McAdam, D., Tarrow, S. and Tilly, C. “Dynamics of contention”. Social Movement Studies, 2(1), 2001. تعريفًا للوساطة بأنها "الربط بين اثنين أو أكثر من المواقع الاجتماعية غير المرتبطة حاليًّا، ببعضها البعض أو بموقع آخر". ويعني القيام بدور الوسيط أن تكتسب الحركة الحقوقية صفة مركزية في الربط بين مختلف الفاعلين في الحركة التنازعية، ببعضهم البعض كما بغيرهم من الفاعلين الخارجيين، سواء كانوا في تجمعات سياسية أو مدنية أو في أجهزة الدولة. وتوحي الوساطة الداخلية بتحول حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى مركز لتنسيق التحركات المشتركة، وتجميع الموارد وتخصيصها، و"التفاوض على الأطر المشتركة".34Lavalle, A.G. and von Bülow, M.“Institutionalized Brokers and Collective Actors: Different Types, Similar Challenges”, Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America, 2015, p.164. في المقابل، تنطوي الوساطة الخارجية على ترجمة مطالب الأعضاء والتعبير عنها ونقلها إلى خارج حدود الحركة التنازعية.

وتتسم الوظيفة الثانية بصبغة تشييدية أو بنائية، ألا وهي وظيفة ترجمة مطالب الأعضاء والتعبير عنها، وقد استعانت الحركة الحقوقية هنا بأساليب تتيح ترجمة المطالب المحلية، شديدة الخصوصية والضيقة واللا مسيسة، التي ترفعها المجموعات التنازعية الشعبية، إلى مطالب أكثر عمومية تمتد بعرض البلاد وتنصب على تصرفات الدولة العامة. وهذه عملية داخلية يقوم فيها النشطاء الأفراد، ومنظمات الحركة الحقوقية وشبكاتها، بدور الصياغة والوساطة لإيجاد هوية جامعة للحركة التنازعية والتفاوض عليها. كما أن لها بعدًا خارجيًّا تتولى فيه الحركة الحقوقية مهمة نقل مطالب الحركة التنازعية وتمثيلها أمام الرأي العام، إضافة إلى فاعلين آخرين من خارج الحركة التنازعية.

وقد ظهرت وظيفة الوساطة التي تولتها الحركة الحقوقية في عدد من الأساليب المستغلة خلال فترة الدراسة، بما فيها التقاضي الاستراتيجي، ومناصرة السياسات، والحملات الإعلامية.

5-2-1- التقاضي الاستراتيجي

يشير التقاضي الاستراتيجي إلى الدعاوى القانونية المرفوعة أمام المحاكم بغرض تغيير قواعد اللعبة وإعلاء الالتزامات الحقوقية، وقد شكل التقاضي الاستراتيجي إحدى الأدوات المؤثرة في أداء وظيفة الترجمة السياسية داخل الحركة التنازعية وكذلك خارجها. ويقوم التقاضي الاستراتيجي على إثارة التناقضات بين التزامات الدولة المصرية الدستورية والدولية في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وسياساتها الفعلية من جهة أخرى، وقد أثبت تمتعه بإمكانية الفعالية في استحداث سياسات وإجراءات من جانب الدولة أو في التراجع عنها. كما شكل قناة مهمة لترجمة المطالب الخصوصية والمحلية التي ترفعها مكونات مختلفة للحركة التنازعية إلى مطالب وطنية تتعلق بسياسات الدولة.

ومن أبرز أمثلة التقاضي الاستراتيجي، نجاح المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في استصدار حكم من المحكمة الإدارية العليا يلزم الدولة بوضع حد أدنى لأجور العاملين في القطاعين العام والخاص. وكان هذا مثالاً على تمكن مجموعة من المحامين المهنيين ـ مدفوعين بدوافع أيديولوجيةـ من الخروج بمكسب وطني من حركة متصاعدة وسط عمال القطاع العام وموظفي الجهاز الإداري للدولة للمطالبة بتحسين الأجور. استطاع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية استغلال متانة علاقاته بحركة النقابات المستقلة، وبالدوائر الأوسع للنشطاء العماليين واليساريين، في التوصل إلى مطلب معمم يتعلق بالحد الأدنى للأجور، ويخاطب مطالب القوى العاملة كلها، وخصوصًا في القطاع العام، على نحو شامل. وكان الحد الأدنى للأجور قد تحول إلى أجندة سياسية على المستوى الوطني لحركة النقابات العمالية المستقبلة قبل ثورة 2011. ويمكن تفسير النجاح المتحقق بالوضوح في تقسيم المهام بين المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية كمنظمة حقوقية قانونية مهنية، وبين حركة النقابات المستقلة كتنظيم قوي ظهر من قلب الحركة العمالية.

وثمة مثال آخر للتقاضي الاستراتيجي من قبل الثورة، هو تدخل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مجال الحق في الصحة في 2007-2008. طعنت المبادرة على قرار الحكومة بتحويل هيئة التأمين الصحي إلى شركة قابضة تتولى مسؤولية الرعاية الصحية، حيث اعتبر القرار تمهيدًا لخصخصة الهيئة الحكومية القائمة بأعمال التأمين الصحي، ورفعت المبادرة دعوى أمام المحكمة الإدارية، تطلب إلغاء قرار رئيس الوزراء، الدعوى التي ربحتها في 2008،35المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (15/9/2008)، حيثيات حكم القابضة للرعاية الصحية، منشور على موقع qadaya.net مما أوقف قطار الخصخصة في مجال الرعاية الصحية. وقد تم هذا التقاضي الاستراتيجي في تعاون وثيق مع المنظمات المعنية بالحق في الصحة في مصر، إلا أن القضية لم تكن واسعة الشعبية كما كانت قضية الحد الأدنى للأجور، المنطوية على منفعة مباشرة لعموم الحركة العمالية.

بحلول نهاية عقد الألفينيات كان المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية قد أتقن فن التقاضي الاستراتيجي، لكن جذوره تعود فيما يبدو إلى أحمد سيف الإسلام، الذي كان يطلق عليه "التقاضي الدستوري".36أنظر المرجع رقم 27. وينطوي التقاضي، على عكس الخدمات القانونية المباشرة، على تفاعل مباشر بين المحامين الحقوقيين ومكاتب المحاماة الحقوقية من جهة، وبين نظام المحاكم المصري من جهة أخرى، بغرض تغيير القوانين واللوائح أو الطعن عليها في مجالات معينة تقيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

تم استغلال التقاضي الاستراتيجي في مجالين رئيسيين خلال السنوات الماضية، أولها مأسسة أو شرعنة المكاسب المادية التي حققتها الحركة العمالية، وبالتحديد قضية 2009 التي تلزم الدولة بوضع حد أدنى لأجور العمال بمقتضى قانون العمال رقم 12 لسنة 2003. وقد شكل هذا الحكم مثالاً للنجاح في ترجمة إضرابات عمت أرجاء البلاد منذ 2004، للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، لكنها كانت مفرطة الخصوصية وخالية من التنسيق. أما المجال الآخر للتقاضي الاستراتيجي فكان دحر سياسات نيولبرالية سابقة، خصوصًا في مجال خصخصة المشروعات المملوكة للدولة. جاءت أكبر النجاحات في هذا بعد ثورة 2011، ولا يمكن فهمها خارج سياقها العام. وقد قامت المحكمة الإدارية العليا في تلك الحالات بإبطال عدد من العقود الحكومية التي تعمل على خصخصة مشروعات مملوكة للدولة، وأمرت الحكومة باستعادة الأصول المباعة.37عمرو عادلي 2012، "دولة الفساد في عهد مبارك"، القاهرة، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

إذًا كان التقاضي الاستراتيجي أداة مؤثرة، لها وقع بعيد الأثر لا في كيفية تصرف الدولة تجاه السوق فقط، بل أيضًا في تسييس مطالب الحركة التنازعية الشعبية وترجمتها إلى مطالب مجمّعة على مستوى السياسات العامة. وقد اشتمل أيضًا على نجاحات في رد بعض السياسات إلى الوراء، من خلال استهداف إلغاء عقود الخصخصة، فقد فاز مركز واحد بسلسلة من الأحكام، مما تسبب في التراجع الفعلي عن بعض صفقات الخصخصة السابقة على الثورة. بل إن المحكمة أرغمت الدولة على استعادة أصولها المباعة، كما حدث في حالة شركتي طنطا للقطن، والمراجل البخارية.

ومن هنا يجوز القول إن بصمة الحركة الحقوقية، في تلك الحالات، تمثلت في ترجمة مطالب متفرقة ولا مسيَّسة إلى مطالب تتعلق بالسياسات العامة، وهو الدور التاريخي الذي أدته، في سياقات أكثر انفتاحًا سياسيًّا، الأحزاب والتنظيمات اليسارية، التي كانت تقوم بوظيفة الطليعة القيادية للطبقة العاملة (وصوغ هويتها الجماعية). كانت الحركة الحقوقية مرتبطة أيديولوجيًّا ومدينة تنظيميًّا لجهود الجيل الأسبق من نشطاء الشيوعيين الذين كان لهم موقف واضح وروابط قوية مع طبقة العمال (والفلاحين). ويبدو إذًا أن الهدف في الألفينيات كان التواصل مع حركة شعبية تضم مئات الآلاف من العمال وكذلك المجتمعات المهمشة، للاحتجاج على سياسات الدولة، ومحاولة الخروج بمشروع سياسي من هذا الحراك.

بخلاف التقاضي الاستراتيجي، كانت أعمال التنسيق والترجمة تتم من خلال مناصرة السياسات والحملات الإعلامية، وهما تكتيكان اتبعتهما الحركة الحقوقية ولا سيما في أعقاب ثورة 2011.

5-2-2-  مناصرة السياسات

يشير هذا المصطلح إلى حالات الانخراط المباشر، من جانب التجمعات والمنظمات الحقوقية والنشطاء الأفراد الحقوقيين، في جهود المناصرة بغرض تغيير السياسات، من خلال التأثير في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو غيرهما من الأطراف السياسية ذات الصلة، مثل الأحزاب السياسية.

وقد كان الحيز المتاح لمناصرة السياسات ضئيلاً قبل ثورة 2011، بالنظر إلى انغلاق هياكل وضع السياسات، وفرط تركز السلطة في يد فرعها التنفيذي، والقيود الأمنية على وسائل الإعلام. لكن الوضع تغير على نحو درامي بعد الثورة، وصارت وسائل الإعلام والصحف الخاصة وقنوات التلفاز، ومواقع التواصل الاجتماعي أيضًا، أكثر تسيسًا وانفتاحًا على التداول في شأن السياسات العامة. يضاف إلى هذا أن السلطات صارت أكثر تقبلاً للمطالب الشعبية. وتزايدت قنوات الدخول إلى النظام السياسي نسبيًّا، ولا سيما مع برلمان 2011/2012 قصير العمر، فكثف العديد من المنظمات الحقوقية جهود المناصرة المطالبة بتغييرات تشريعية في مجالات أساسية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل القوانين واللوائح العمالية، بما فيها قوانين النقابات العمالية التي أشرنا إليها أعلاه. ومع ذلك فقد اتسمت تلك المحاولات بالمحدودية، بالنظر إلى عودة السلطة للتركز في السلطة التنفيذية مجددًا، بعد حل البرلمان في يونيو 2012. كانت مناصرة السياسات تتم من خلال الحلفاء السياسيين بعد الثورة، وبوجه خاص أحزاب اليسار ويسار الوسط (على سبيل المثال، الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي)، والنواب المعتنقين لقناعات أعضاء الحركة الحقوقية وقادتها أحيانًا، كما كان حال الحزبين المذكورين. إلا أن غياب الحلفاء السياسيين من ذوي النفوذ أثبت أنه نقطة ضعف وضعت حركة الحقوق الاقـتصادية والاجتماعية موضع الاستضعاف إزاء أي ردة نحو السلطوية.

لقد حاولت حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حتى بعد انقلاب يوليو 2013، أن تؤدي دورًا في مناصرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، فاستؤنفت محاولات حركة النقابات العمالية المستقلة، وحلفائها الحقوقيين، للضغط من أجل قانون جديد للنقابات، باستغلال وجود كمال أبو عيطة، القائد التاريخي لحركة النقابات المستقلة ومؤسس أول نقابة مستقلة في 2008، وزيرًا للقوى العاملة في 2013. وجرت مفاوضات حول إحياء المسودة القديمة الموضوعة في 2011. إلا أن تلك الجهود لم تسفر عن شيء، بالنظر إلى تركز السلطة الحقيقية في يد الجيش، وهيمنة الأجهزة والمخاوف الأمنية على عمل الحكومة. كما وقع تطور مشابه في الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع دستور جديد للبلاد في 2014، فقد حاولت المنظمات الحقوقية ممارسة بعض النفوذ واستغلال وجود شخصيات وساسة متعاطفين في الجمعية، ونجحت بالفعل بعض أعمال المناصرة في مجال الرعاية الصحية والتعليم، جزئيًّا على الأقل. لكن العملية برمتها كانت محكومة من أعلى، وكانت القدرة الفعلية للجمعية التأسيسية محدودة فيما يتعلق بصياغة الدستور، لحساب الجيش الذي كان يحمل معظم المفاتيح.

ومع ذلك فمن الضروري أن نراعي الطبيعة الإشكالية للمناصرة، ووظيفتي الترجمة والتعبير بصفة عامة، من حيث إن أداءها يشترط حدًا أدنى من الصفة التمثيلية. لأن مسألة تمثيل التجمعات والمنظمات الحقوقية للجماهير المغبونة التي أرادت التواصل معها من عدمه هي مسألة لا يمكن أخذها مأخذ المسلمات، ففي حالات عديدة لم تكن الحركتان تشتركان لا في المصالح ولا في الرؤية العامة. علاوة على هذا فإن الصفة التمثيلية تفترض وجود قنوات متطورة للتواصل والتنسيق، بحيث يتسنى لطرف من الاثنين أن يقوم بدور المناصرة. وليس واضحًا إن كان لهذا وجود في معظم الوقت. سنتصدى لهذه النقطة بتفصيل أكبر في القسم المعني بإبراز إشكاليات التفاعل بين الحركتين.

5-2-3- الحملات الإعلامية

وهي جهد يتسنى فيه للنشطاء الحقوقيين والمنظمات الحقوقية أن يساهموا في صياغة السياسة التنازعية، وتمثيلها وتوصيلها، في خطاب متسق يخاطب السياسات والمؤسسات العامة. وقد ارتبطت الحملات الإعلامية على نحو وثيق بفترة الانفتاح السياسي في مصر ما بعد ثورة 2011، بل كادت أن تكون مشروطة بهذا الانفتاح. وقضية الحملات الإعلامية شديدة الأهمية، لا فقط من حيث أثرها المحتمل في تحقيق أهداف الحركتين، بل أيضًا لفحص التفاعل فيما بينهما، الذي قد يشكل عنصرًا من التعاون، يقوم فيه المحامون والنشطاء والباحثون الحقوقيون باستغلال رأسمالهم الثقافي الأكثر تطورًا بغرض التمثيل العمومي لقضايا التنازع المحلية. ومع ذلك فإن الحملات الإعلامية، مثلها مثل المناصرة، يمكن أن تشكل مصدرا للتوتر، يتعلق بمدى تمثيلية الحركة الحقوقية للتجمعات والأفراد المنخرطين في التنازع.

6.  خلاصة ختامية: أقرب إلى اليد من الرأس

تمحور الصراع الاجتماعي على توزيع الموارد الاقتصادية في مصر حول الدولة وسياساتها وترتيباتها المؤسساتية، ثم اكتسب عنفوانًا جديدًا في الألفينيات مع تسارع إيقاع الإصلاحات النيوليبرالية واتساع نطاقها. ومع ذلك فقد ظل التعبير عن الصراع والتنازع الاجتماعي محليًّا ومنصبًا على مصالح اقتصادية ضيقة، ولا مسيس إلى حد بعيد. وقد نجم هذا عن إرث طويل من السلطوية، منذ خمسينيات القرن العشرين، عمل على تقويض القدرات التجمعية للمجتمع وشل حركته، سواء ضمن المجتمع السياسي بما فيه الأحزاب وغيرها من التنظيمات، أو ضمن المجتمع المدني بما فيه النقابات العمالية. وأدى ضعف القدرة التجمعية إلى إعاقة نشوء خطاب مسيس يتوجه إلى الجمهور العام من جهة، كما حصر السياسة التنازعية في حدود الاقتصاد الأخلاقي الناصري، القائم تاريخيًّا على نزع التسييس من المجتمع واستبدال مكاسب اقتصادية بالحقوق السياسية، جزءًا من عملية أعرض للتحديث السلطوي بقيادة الدولة، من جهة أخرى.

وقد أدى نزع التسييس وضعف القدرة التجمعية إلى اختفاء أصحاب المشروعات السياسية، سواء كانوا من قادة الأحزاب أو من الساسة المحليين أو النشطاء النقابيين، الذين كان بوسعهم المساهمة في نسج المظالم المحلية ضيقة الخصوصية في مطالب تتوجه إلى تصرفات الدولة وسياساتها. وعملت هذه القيود الهيكلية، الناتجة عن أفعال بشرية في ظل سلطوية راسخة، على تمكين الحركة التنازعية في الألفينيات من التوسع الكمِّي على حساب التطور الكيفي. ولم تنجح ثورة 2011 في تغيير هذه الملامح العتيدة، بالنظر إلى قصر عمر الانفتاح السياسي بين 2011 و2013. ومع هذا فقد أبدت الأطراف السياسية الفاعلة، من قادة الأحزاب ورموز الثورة والنشطاء على السواء، وحتى بعد الثورة، عجزًا ملحوظًا عن التواصل مع جسم الحركة التنازعية، من خلال اجتذاب تلك الجماهير بخطاب وبرامج سياسية، سواء للتأييد الانتخابي أو لإعادة الاستقرار للاقتصاد. كانت القوى السياسية الكبرى أشد محافظة من أن تطور خطابًا كهذا، كما اتضح من إدانة الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية بعد خلع مبارك بدعوى فرط خصوصيتها أو حتى بدعوى أنها مؤامرة من شبكات النظام القديم. أما القوى السياسية الأخرى فكانت أشد انتهازية من أن تضفي أية مصداقية على هذا الخطاب. وفي كل الأحوال لم تشهد فترة الانفتاح السياسي أي تواصل تقريًبا من جانب الأحزاب السياسية مع الجسم العريض لحركة الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي، سواء على مستوى الخطاب أو من خلال روابط تنظيمية مستدامة.

وقد تفاعلت حركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مع تمدد الحركة التنازعية، حتى من قبل ثورة 2011 (وهو ما كان من أسباب نشوبها، بطريقة أو أخرى) بمحاولة ملء الفراغ الناجم عن غياب الساسة العضويين. فلجأت إلى التقاضي الاستراتيجي، والحملات الإعلامية، وبناء الائتلافات والتنسيق، والعديد من الخدمات الأخرى المقدمة إلى أولئك المتنازعين مع سياسات الدولة، في جهد لتحويل المطالب المحلية الاقتصادية المباشرة إلى خطاب سياسي يتوجه بمطالب عامة. وتحقق بعض النجاح في هذا، إلا أن الحركة كانت بدورها تواجه العديد من القيود النابعة من هيكلها الداخلي وثقافتها، أو من هيكل الحركة التنازعية، أو متعلقة بالسياق السياسي الأعرض في مصر.

وبصفة عامة جاءت المكاسب المتحققة من التحول المنظماتي والمهني (الوصول إلى الموارد والاعتراف) بثمن باهظ من الاغتراب عن الجماهير المغبونة المنخرطة في التنازع، ومن ثم فقد عرقلت إيجاد روابط عضوية بين الحركتين، وظل الرأس مفصولاً عن الجسم الكبير، المحروم من القيادة. لا يمكن للمجتمع المدني أن يؤدي دور المجتمع السياسي، كما لا يمكن للمنظمات غير الحكومية والمحامين المهنيين، وحتى النشطاء، أن يحلوا محل الساسة. لقد ظهرت أنجح حالات التدخل في مجالات الوساطة الداخلية، حيث أدت الحركة الحقوقية دور اليد المُعينة وليس الرأس الذييقود. ويقتضي هذا بالطبع أن يكون للجماعات التنازعية نفسها قادة عضويون من بين صفوفها، قادرون على الاضطلاع بالمهمتين، مهمة استشعار المظالم المحلية، ومهمة التعبير عنها بعبارات سياسية أوسع نطاقًا. غير أننا لا نستطيع ارتهان نجاح الحركة الحقوقية في عملها في انتظار ظهور المعجزة الخارقة، ألا وهي حركة تنازعية مسيسة ومنظمة على أسس قطاعية أو وطنية، ولها قيادات عضوية.

ولا شك أن استنبات طبقة سياسية هو أمر يتجاوز قدرات الحركة الحقوقية ومهمتها ومسؤوليتها، فغياب تلك الطبقة هو قيد يتعلق بعقود من الاستبداد والإضعاف العمدي للنشاط التجمعي والحياة السياسية الجمعية في مصر منذ خمسينيات القرن العشرين. ومع ذلك فمن اللازم أن ندرك أن استراتيجية التحول المهني والمنظماتي، التي تبناها اليساريون بابًا خلفيًّا يفضي إلى السياسة، لم تصادف نجاحا يذكر. "تحتاج التنظيمات الساعية لتحدي الحكم السلطوي إلى دعم شعبي واسع النطاق، أما منظمات المناصرة غير الحكومية، التي عادة ما تكون منظمات وحيدة القضية، بجماهير محلية ومحدودة، واعتماد كامل على سخاء المانحين الأجانب، فهي غير مؤهلة لقيادة التغيير".38أنظر المرجع رقم 13، ص 200. كما ثبت أن محاولة "انتحال صفة" المجموعات المتنازعة لا يعمل إلا على زيادة الاغتراب والنزاع بين الحركتين. وفي هذه الأثناء يتضح أن استنبات طبقة سياسية تقبل الوقوف تحت راية حقوق الإنسان هو أمر متوقف على تغيرات اقتصادية وسياسية شاملة، وهي عملية تستغرق الكثير من الوقت، وليست بسيطة أو مباشرة بحال من الأحوال. والسؤال هنا هو عما إذا كانت الحركة الحقوقية قادرة بالفعل على المساهمة في إيجاد هذه الطبقة من خلال تفاعلها مع جماعات التنازع، أو على الأقل تلك المنتمية إلى الطبقة الوسطى.

Tilly, C. “War making and state making as organized crime”. Violence: A reader, 1985.

McAdam, D., Tarrow, S. and Tilly, C. “Dynamics of contention”. Social Movement Studies, 2(1), 2001.

Sfakianakis, J.“The Whales of the Nile: Networks, Businessmen, and Bureaucrats during the Era of Privatization in Egypt”.Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited, 2004, (pp. 77-100). Palgrave Macmillan.

Diwan, I., Keefer, P. and Schiffbauer, M., “Pyramid capitalism: Political Connections, Regulation, and Firm Productivity in Egypt”. World Bank Policy Research Working Paper, (7354), 2015.

Springborg, R. “Gas and Oil in Egypt's Development. Handbook of Oil Politics”. Looney, R.E. ed, Handbook of Oil Politics. Routledge, 2012, pp.295-311

Walker, R.B. “On the Spatiotemporal Conditions of Democratic Practice”. Alternatives: Global, Local, Political, 16(2), 1991, pp. 243-261.

Kriesi, H. ed. New Social Movements in Western Europe: A Comparative Analysis(Vol. 5). University of Minnesota Press, 1995.

Minkoff, D.C.“Producing Social Capital National Social Movements and Civil Society”, American Behavioral Scientist, 40(5), 1997 pp.606-619.

Ramadan, F. and Adly, A., 2015. Low-Cost Authoritarianism: The Egyptian Regime and Labor Movement Since 2013.

Beinin, J. and Vairel, F. eds, Social Movements, Mobilization, and Contestation in the Middle East and North Africa. Stanford University Press, 2013.

Nelson, P. and Dorsey, E.“New Rights Advocacy in a Global Public Domain”, European Journal of International Relations, 13(2), 2007, pp. 187-216.

Pratt, N., 2005. “Hegemony and Counter Hegemony in Egypt: Advocacy NGOs, Civil Society, and the State”. NGOs and Governance in the Arab World, pp.123-50.

Footnotes   [ + ]

1. Almeida, P.D. “The Role of Threats in Popular Mobilization in Central America”.Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America, 2015, p.109.
2.  أنظر:
3. أنظر: عمرو عادلي 2012 أ،"دولة الفساد في عهد مبارك"، القاهرة، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
4. أنظر: عمرو عادلي 2012 ب،"دعم الطاقة في الموازنة المصرية نموذجا للظلم الاجتماعي"، القاهرة، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
5. أشرف فكري وحمدي قاسم وياسر شميس (18/2/2012)، البترول: نقل مشروع غاز إدكو يكلف الدولة 4.3 مليار جنيه، المصري اليوم: almasryalyoum.com
6. Beinin, J.The Rise of Egypt's Workers. Middle East: Carnegie Endowment for International Peace, 2012.
7. Von Bülow, M. and Rossi, F.M. eds, Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America. Ashgate Publishing, Ltd, 2015.
8. Almeida, P.D.“The Role of Threats in Popular Mobilization in Central America”. Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America,2015, p. 111.
9. Adly, A, (forthcoming in 2018) "Street vendors in Cairo after the January Revolution: A social movement perspective", in Protestors and Protest Forms in Egypt after the January Revolution, Arab Reform Initiative, 2018.
10. مقابلة شخصية، كمال عباس (13/12/2016)، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، القاهرة، مصر.
11. Cleary, E.L. The struggle for Human Rights in Latin America.Greenwood Publishing Group, 1997.
12. Abdelrahman, M.M., Civil Society Exposed: The Politics of NGOs in Egypt(Vol. 40), IB Tauris,2004.
13. Langohr, V.“Too Much Civil Society, Too Little politics: Egypt and Liberalizing Arab Regimes”. Comparative politics,2004.
14. Edwards, B. and McCarthy, J.D. “Resources and Social Movement Mobilization”.The Blackwell Companion to Social Movements,2004,p. 137.
15. أنظر:
16. أنظر المرجع رقم 10.
17. مقابلة شخصية، محمد دعبس (7/9/2016)، عضو سابق بلجنة شعبية في حي ميت عقبة، القاهرة، مصر.
18. أنظر المرجع السابق.
19. Look :
20. أنظر المرجع رقم 13.
21. Langohr, V.“Too Much Civil Society, Too Little politics: Egypt and Liberalizing Arab Regimes”. Comparative politics, P194,2004.
22. أنظر المرجع رقم 13.
23. أنظر:
24. فاطمة رمضان (24/8/2016)، نقابية وناشطة حقوقية، القاهرة مصر.
25. أنظر المرجع رقم 10.
26. أنظر المرجع رقم 17.
27. مقابلة شخصية، محمد عادل (10/8/2016)، عضو المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، القاهرة، مصر.
28. يجب أن نذكر أن الدفاع عن عمال منخرطين في أعمال تنازعية يرجع على الأرجح إلى أربعينيات القرن الماضي، حين كان محامون من ذوي الميول الشيوعية واليسارية يؤدون تلك المهمة.
29. أنظر المرجع رقم 10.
30. أنظر المرجع رقم 9.
31. Edwards, B. and McCarthy, J.D. “Resources and Social Movement Mobilization”. The Blackwell Companion to Social Movements, 2004.
32. Abdelrahman, M.M., Civil Society Exposed: The Politics of NGOs in Egypt(Vol. 40), IB Tauris,2004, p. 68.
33. McAdam, D., Tarrow, S. and Tilly, C. “Dynamics of contention”. Social Movement Studies, 2(1), 2001.
34. Lavalle, A.G. and von Bülow, M.“Institutionalized Brokers and Collective Actors: Different Types, Similar Challenges”, Social Movement Dynamics: New Perspectives on Theory and Research from Latin America, 2015, p.164.
35. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (15/9/2008)، حيثيات حكم القابضة للرعاية الصحية، منشور على موقع qadaya.net
36. أنظر المرجع رقم 27.
37. عمرو عادلي 2012، "دولة الفساد في عهد مبارك"، القاهرة، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
38. أنظر المرجع رقم 13، ص 200.