التهميش والإقصاء ورُهاب السود في الجزائر

بعد الاستقلال، فضلت النخب الحاكمة في الجزائر قمع قضايا الهوية ورأت في التنوع مصدراً للانقسام وتهديداً لاحتفاظها بالسلطة. وقد طعن الحراك في الخطاب الرسمي ودعا إلى تغيير النظام القائم، لكن قضايا الجزائريين السود والعنصرية المناهضة للسود لا تزال غائبة عن النقاشات العامة. تناول هذه الورقة غياب الجزائريين السود في النقاشات التي تجري حاليا حول الديمقراطية والهوية الوطنية والانتماء في الجزائر، وتقترح طرقاً لمعالجة هذا التهميش والاقصاء.
جانت، الجزائر - 6 نيسان/أبريل 2017 :صورة لرجل الطوارق، الصحراء الكبرى، جبال الهقار،جانت، الجزائر © Shutterstock

يصبح الحراك، تلك الحركة الاحتجاجية الشعبية الضخمة التي تطالب بالتحول الديمقراطي في الجزائر والتي اندلعت في شباط/فبراير 2019 وتواصل تحدي الحكم العسكري الاستبدادي الحالي في البلاد، أكثر تأثيراً عندما يستطيع مواصلة الاحتشاد الجماهيري ضد النظام عبر كافة الأسس الثقافية والإثنية واللغوية والعقائدية والطبقية والعرقية.1أناقش في كتاب آخر أهمية التعبئة المتواصلة والشاملة للجهود من أجل إنهاء الحكم العسكري الاستبدادي. انظر: See Stephen J. King, The Arab Winter: Democratic Consolidation, Civil War, and Radical Islamists (Cambridge: Cambridge University Press, 2020).

كان هذا هو الحال طوال عام 2019، حين جمع الحراك ملاين المحتجين في مظاهرات أسبوعية عمت أرجاء الجزائر، مدفوعين في البداية بالإعلان المريب عن ترشح عبد العزيز بوتفليقة، الذي تدعمه المؤسسة العسكرية، بالرغم من أنه بلغ من العمر عتياً، ويعاني من أمراض خطيرة، لفترة رئاسية خامسة.2Frederic Volpi, Algeria, “When Elections Hurt Democracy,” Journal of Democracy, Volume 31, Number 2, April 2020.

أدى الضغط السلمي والموحد والمستمر للحراك ضد النظام السياسي الجزائري الذي يهيمن عليه الجيش إلى تنحي بوتفليقة وتأجيل الانتخابات الرئاسية لمرتين، قبل فوز مرشح النظام، عبد المجيد تبون، بالانتخابات الرئاسية التي عقدت في كانون الأول/ديسمبر من عام 2019، والتي شارك فيها أقل من 24% من الناخبين الجزائريين وسط دعوات الحراك بالمقاطعة.3  المرجع نفسه.

رغم تنازله عن الانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ديسمبر لإضفاء شرعية على النظام محلياً، استمر الجيش على ما يبدو في تنظيم تلك الانتخابات -التي كان كافة المرشحين فيها موالين للنظام- وذلك لإعادة تنظيم الصفوف داخل النظام (من خلال تنقيح العُصبة المحيطة ببوتفليقة) وإيجاد حل لتلك المشكلة المستعصية، وهي ضرورة نقل السلطة من هذا الرئيس المسن. 4  المرجع نفسه.

في مرحلة ما بعد الاستقلال، فضلت النخب الاستبدادية في الجزائر تعريف الشعب الجزائري باعتباره نسيج متجانس ذو ثقافة واحدة (عربية-إسلامية)، ودين واحد (الإسلام)، ولغة واحدة (اللغة العربية)، لأن التنوع بالنسبة لهم يمثل مصدراً للانقسام وتهديداً لاستقرار البلاد وسيطرتهم على مقاليد السلطة. بيد أن قضايا الهوية، التي يصر النظام على الهيمنة عليها، تستخدم أيضاً لبث الفُرقة ولإدارة البلاد. ومع إدراكه لذلك، قلل الحراك منذ البداية من أهمية الهوية والاختلافات الموجودة داخل الحركة الاحتجاجية وركز على التخلص كلياً من "le pouvoir" أو "السلطة" (المتمثلة في النخبة العسكرية وحلفائها المدنيين الذين يحكمون البلاد ويستغلونها)، واقتلاعها من جذورها.

سعى النظام إلى الانتقام كالمعتاد، ونجح جزئياً في إضعاف قدرة الحراك على البقاء جبهة موحدة ضده. فقد قوضت الدولة وحدة الحراك الهشة أصلاً في المعارضة -سواء في الانتخابات الرئاسية المزمعة أو الاستفتاء على تأسيس هيئة جديدة لمكافحة الفساد- من خلال اللعب على التوترات القائمة بالفعل بين العرب والأمازيغ وبين الإسلاميين والعلمانيين، مع محاولة أيضاً الإبقاء على هيمنة النظام التامة على مسائل الهوية.5  المرجع نفسه.

قاومت مجموعات الحراك هذه المحاولات وطالبت بإجراء نقاش عام مفتوح وإشراك منظمات المجتمع المدني من أجل وضع دستور يشمل الجميع، وإرساء ديمقراطية حقيقية، وبناء مجتمع جزائري متصالح مع تنوعه، بكافة مكوناته.6ياسين عبد الرحمن، "الانتماء للهُويّة والإصلاح الدستوريّ في الجزائر: توفيق الأيديولوجيّات لتحقيق الانتقال السلميّ"، مبادرة الإصلاح العربي، تشرين الأول/أكتوبر، 2020.

أتناول في هذه الورقة غياب الجزائريين السود عن تلك النقاشات التي تجري حالياً حول إرساء الديمقراطية والهوية الوطنية والانتماء في الجزائر. إذ يجد الجزائريون السود أنفسهم في موقف مربك خلال الحراك السلمي البطيء الحالي نحو الديمقراطية. يبدو السود، الذين يتركزون إلى حدٍ ما في المناطق الصحراوية جنوب البلاد، غير مرئيين فعلياً بالنسبة لباقي المواطنين الجزائريين -الذين يعتبرون أنفسهم عرب بيض وأمازيغ- وتتركز الغالبية الساحقة منهم في الشمال على طول ساحل البحر المتوسط. مع ذلك، تعرض الجزائريون السود، وهم السكان الأصليون للصحراء الجزائرية،7Marie Claude Chamla, “Les populations anciennes du Sahara et des régions limitrophes,” Laboratoires d’Anthropologie du Musée de l’Homme et de l’Institut de Paléontologie Humaine, Paris 1968, p. 81.

ومئات الآلاف غيرهم، إلى ممارسات الاستعباد على مدى 13 قرناً، وأجبروا على قطع الصحراء من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى الجزائر.

خلف تاريخ الاسترقاق وصمة وأثراً مريراً على الجزائريين السود، وأدى إلى تولد ما يعرف برُهاب السود، وجعل من الضروري على منظمات المجتمع المدني والدولة الجزائرية أن يحشدوا جهودهم من أجل مكافحة العنصرية تجاه السود في البلاد. وينبغي على الحكومة اعتماد سياسات اقتصادية وتعليمية إيجابية، وتبني برامج من شأنها رفع مستوى الوعي لدى الجمهور لمساعدة الجزائريين السود على تجاوز مخلفات العبودية، وأن يصبحوا أحد مكونات الهوية الوطنية الجزائرية الذي يحظى بالاعتراف الكامل. تزايدت العنصرية ضد السود في الجزائر بشكلٍ ملحوظ مع وصول عشرات الآلاف من المهاجرين السود القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى -غالبيتهم بشكل سري- على مدى العقدين الماضيين، وقد أتوا إلى الجزائر بحثاً عن فرص تعليمية واقتصادية أفضل، أو من أجل السفر عبر البلاد إلى أوروبا، وهذا هو الأغلب.

هيمنة الدولة الجزائرية على مسائل الهوية

يتناول المقال المتميز الذي كتبه ياسين عبد الرحمن، "الانتماء للهُويّة والإصلاح الدستوريّ في الجزائر"، مسائل الهوية في الجزائر خلال الحراك وقبله.8عبد الرحمن، مرجع سابق.

ويؤكد المقال على كفاح الأمازيغ من أجل المساواة ومن أجل تقبل الدولة للتنوع الذي تتمتع به الجزائر.9يناقش أيضاً الصراعات الإيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين.

يشكل الأمازيغ الذين يتحدثون اللغة الأمازيغية الأصلية "تمازيغت" حوالي من 20% إلى 25% من الجزائريين، مع وجود نسبة كبيرة من الأمازيغ المُسْتَعْرَبين. منذ الاستقلال، يناضل الأمازيغ الأصليون من أجل تحقيق المساواة ضد دولة تصر على فرض هوية عربية مسلمة على كافة الفئات السكانية في البلاد. فقد أدرج الدستور الجزائري الأول في مرحلة ما بعد الاستقلال، الذي اعتمد بعد استفتاء شعبي عام 1963، الإسلام واللغة العربية بوصفهما العنصرين الوحيدين المكوِّنَين للهُويّة الجزائريّة المعترف بهما دستوريّاً.10عبد الرحمن، مرجع سابق.

وفي كافة الدساتير التي اعتمدت منذ ذلك الحين، لم تنحرف الدولة الجزائرية، رغم الضغوطات الشعبية، قيد أنملة عن صيحة عبد الحميد بن باديس لتكريس الهوية العربية والإسلامية للجزائر، التي أطلقها في وجه أنصار الاندماج الثقافي، الذين بعد أكثر من قرن على الاستعمار الاستيطاني ما زالوا ينظرون إلى فرنسا باعتبارها وطن الجزائر الأم.11رسخت الصيحة المدوية التي أطلقها عبد الحميد بن باديس، قائد الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائرية في الفترة بين الحربين العالميتين، هوية الجزائر العربية والإسلامية، عندما قال: «إننا فتشنا في صحف التاريخ وفي الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة، كما تكونت ووجدت أمم الدنيا كلها. ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية واللغوية ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح شأن كل أمة في الدنيا… ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت… الإسلام ديننا واللغة العربية لغتنا والجزائر وطننا».

تصدى النشطاء الأمازيغ لتأكيد الدولة على تجانس الهوية العربية الإسلامية. وأدى النضال الأمازيغي، الذي اشتمل على تنظيم احتجاجات شعبية حاشدة وتقديم مشاريع من قبل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي يهيمن عليها الأمازيغ، إلى إجبار الدولة على تقبل الهوية الأمازيغية دستورياً بوصفها أحد مكونات الهوية الجزائرية، وإدراج اللغة الأمازيغية في المنهج التعليمي الثانوي، والاعتراف باللغة الأمازيغية بوصفها لغة وطنية للدولة ثم الاعتراف بها لاحقاً بوصفها لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.12عبد الرحمن، مرجع سابق.

لكن هذه الإنجازات الدستورية لم تؤمن الموارد ولا الدعم الحكومي الضروريين لضمان التنفيذ الكامل والوافي لتلك التعديلات التي وسعت نطاق الهوية الجزائرية لتشمل المكون الأمازيغي على نحوٍ مكافئ.13  المرجع نفسه.

أحد الأمثلة على الخطوات القانونية التي تبدو ظاهرياً إيجابية لكنها تحول دون تحقيق المساواة الكاملة، هو ما حدث في نيسان/أبريل 2020، عندما سارعت الحكومة إلى إصدار قانونين، أحدهما يجرم "الأخبار الكاذبة" التي ترى الدولة أنها تضر "بالنظام العام وأمن الدولة والوحدة الوطنية"، بينما يعاقب الثاني على التمييز وخطاب الكراهية، وهو ما يعد في الواقع أداة لفرض رقابة على النشاط الأمازيغي وقمعه.14Nourredine Bessadi, “While we all spoke about Covid-19, Algeria passed two worrisome laws in the blink of an eye,” https://minorityrights.org/2020/05/12/algeria-discrimination-laws/

ويزعم المنتقدون أن قانون تجريم الأخبار الكاذبة ما هو إلا ذريعة لتمكين الحكومة من قمع حرية الصحافة والتعبير عن الرأي.15Middle East Online: https://minorityrights.org/2020/05/12/algeria-discrimination-laws/

يأتي قانون مكافحة "الأخبار الكاذبة" الذي أقرته الحكومة الجزائرية بعد أن أوقفت الحركة الاحتجاجية المناهضة للمؤسسات تظاهراتها في الشوارع طوعاً، وذلك لمنع انتشار فيروس كورونا.16وكالة الأنباء الفرنسية، الجزائر تُجرم الأخبار التي ترى أنها تضر بالأمن القومي، 22 نيسان/أبريل، 2020.

وقد جاء إصدار هذا القانون أيضاً مع تزايد قمع الحكومة للمعارضة ووسائل الإعلام في الدولة.17  المرجع نفسه.

ويرى النشطاء الأمازيغ أن قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية لا يكفل أيضاً المساواة الكاملة على أرض الواقع:

"بخلاف الاستعجال في تمرير القانون، فإن محتواه أيضاً يثير قلقاً عميقاً لدى النشطاء الأمازيغ على وجه الخصوص. ينص قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية على استحداث مرصد وطني للوقاية من التمييز وخطاب الكراهية يوضع لدى رئيس الجمهورية. ويعتبره كثيرون غامضاً للغاية، مما يعطي مساحة للقاضي لتفسيره حسب رؤيته وبالتالي إتاحة الفرصة أمام النظام لممارسة الضغوط على الجهاز القضائي الذي يعتبر بعيداً كل البعد عن الاستقلالية". 18بسعدي، مرجع سابق.

بعد إقرار مشروع قانون مكافحة التمييز، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مشيراً إلى الشواغل المتعلقة بالأمن الوطني، أن القانون "جاء رداً على محاولات تفتيت المجتمع عبر شبكات التواصل الاجتماعي"، معتبراً أن "حرية التعبير لا تعني حرية السب والشتم والقذف وزرع الكراهية".19http://www.aps.dz/en/algeria/33303-draft-bill-on-fight-against-discrimination-hate-speech-adopted

لم يشارك الجزائريون السود في نقاشات تحديد الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال، بما في ذلك النقاش المتصاعد الحالي، عدا الإشادة بهم لإبقاء أنفسهم خارج تلك النقاشات.20Youcef Benzatat, “Les Kahlouchs, cette. Blessure de l’orgueil national de la race blanche.” Mediapart, January 26, 2018

الخصائص الديمغرافية والتوزيع الجغرافي وراء الإقصاء والتهميش الذي يعاني منها الجزائريون السود

السود هم السكان الأصليون لجنوب الجزائر. فقد عاشت فئتان سكانيتان في الجزائر منذ العصر الحجري الحديث على الأقل: كانت إحداهما تتمتع بسمات سكان ساحل البحر الأبيض المتوسط بينما كانت الأخرى ذات "ملامح زنجية".21Marie Claude Chamla, “Les populations anciennes du Sahara et des regions limitrophes,” Laboratoires d’Anthropologie du Musee de l’Homme et de l’Institute de Paleontologie Humaine, Paris 1968, p. 81.

ولهذا، يمكن اعتبار السود، الموجودين في جنوب الجزائر قبل حتى تجارة الرقيق عبر الصحراء الكبرى التي دامت 13 قرناً، جزءاً من سكان الجزائر الأصليين تماماً كالأمازيغ.22Ibid.

لكن، وعقب توجه إقليمي يهدف إلى إخماد قضايا التنوع الديموغرافي، لم تجرِ الحكومة الجزائرية قط تعداد سكاني لتحديد العدد الإجمالي للمواطنين الجزائريين السود في البلاد، حيث لا تزال تتركز غالبيتهم في الصحراء الجزائرية. علماً أن 91% من السكان الجزائريين يعيشون على طول ساحل البحر المتوسط الذي يشكل 12% من مساحة اليابسة في البلاد.23الخصائص الديموغرافية للجزائر، ويكيبيديا.

وقد أسس الجزائريون السود أيضاً مجتمعاتٍ في بعض المدن الشمالية: كالجزائر العاصمة ووهران. وتُرك العدد الإجمالي للجزائريين السود للتخمين.24http://www.jeuneafrique.com/132422/archives-thematique/discrimination-l-alg-rienne/

وقد قدرت نسبتهم في عام 2009 بنحو 3.5 مليون نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ 35 مليون نسمة.25Ian Law, Mediterranean Racisms: Connections and Complexities in the Racialization of the Mediterranean Region, (New York: Palgrave Macmiilan, 2014), p.74.

نظراً لانتشار غالبية الجزائريين السود في الصحراء الجنوبية الشاسعة، وهي جزء من البلاد يجهله عدد كبير من الجزائريين، فإن الجزائريين البيض يعلمون بشكلٍ محدودٍ للغاية، إن كانوا يعلمون أصلاً، أن ثمة مواطنين جزائريين سود البشرة.26الوزاني، مرجع سابق.

وبطبيعة الحال، ذكر كثيرٌ من الجزائريين السود أن إعلانهم عن الانتماء للهوية الوطنية يُلاقى دائماً بالشك في مناطق الجزائر الشمالية، سواء كان ذلك عند حواجز الشرطة أو في المطارات وحتى عندما يمارسون أبسط أمور الحياة العادية، من قبيل الإجابة عن سؤال أحد المارة حول الوقت، "عندما أمشي في الشارع ويرغب أحد المارة في سؤالي عن الوقت، فإنه يحدثني باللغة الفرنسية، اقتناعاً منه أنه يتحدث إلى شخص نيجيري أو تشادي، في إشارة إلى أن الجزائري لا يمكن أن يكون أسود البشرة".27  المرجع نفسه، نقلاً عن الوزاني.

الجزائر مجتمع في مرحلة ما بعد الاستعمار وما بعد الاسترقاق

عندما يفكر الجزائريون في التمييز "العنصري"، فإن أول ما يخطر ببالهم على الأرجح هو المعاملة التي تلقاها الجزائريون العرب والأمازيغ على يد الفرنسيين خلال الحقبة الاستعمارية (1830-1962)، ولاحقاً في فرنسا ذاتها.28Kamel Daoud, «Black in Algeria ? Then You’d Better be Muslim» The New York Times, May 2016. http://www.jeuneafrique.com/132422/archives-thematique/discrimination-l-alg-rienne/. See also Seloua Luste Boulbina, “Si tu desires te Moquer du Noir: Habille-le en rouge”, Middle East Eye, November 24, 2018. https://www.middleeasteye.net/fr/opinion-fr/si-tu-desires-te-moquer-du-noir-habille-le-en-rouge-0

 فقد لاقى الحوار حول الجزائر بوصفها مجتمع ما بعد استعماري مشاركة كاملة من الجميع. لكن، وفي إشارة أخرى على عدم رؤية المواطنين الجزائريين السود، لم يجرِ حوار مستفيض حول المجتمع الجزائري بوصفه مجتمعاً في مرحلة ما بعد الاسترقاق، وما يعنيه ذلك للجزائريين ذوي البشرة السوداء اليوم. وتجاهل زعماء الحركة القومية في الجزائر بصورة ملحوظة تاريخ البلاد من الاسترقاق المحلي (الداخلي) والعنصرية ضد السود.

ضمت هذه النخب أيضاً قادة مدرسة العالم الثالث، الذين كانوا يؤمنون رسمياً بوحدة الأمة الأفريقية. فقد صرح أحمد بن بلّة، أول رؤساء الجزائر بعد الاستقلال، خلال زيارته للعاصمة الغانية أكرا عام 1963، قائلاً "إن الإمبرياليين هم الذين حاولوا التمييز بين ما يسمى الأفارقة البيض والسود".29نقلاً عن سلوى لوست بولبينا.

رغم ذلك، لا يزال يُشكل استعباد الأفارقة السود جزءاً من التاريخ الجزائري. فقد تسببت تجارة الرقيق عبر الصحراء الكبرى التي استمرت على مدى 13 قرناً، في إحضار 65 ألف من الأفارقة السود إلى الجزائر في الفترة ما بين 1700-1880 وحدها.30Marie Claude Chamla, “Les populations anciennes du Sahara et des regions limitrophes,” Laboratoires d’Anthropologie du Musee de l’Homme et de l’Institute de Paleontologie Humaine, Paris 1968, p. 81.

وعلى الرغم من إلغاء الفرنسيين لتجارة الرقيق في مناطق الجزائر الأخرى، ولأسباب سياسية سنتناول مناقشتها في السطور التالية، فقد استمرت هذه الممارسات في المناطق الصحراوية طيلة فترة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي (1830-1962).31John Wright, The Trans-Saharan Slave Trade (New York: Routledge, 2007), pp. 16-23.

اختلفت أنماط استخدام الرقيق في الجزائر بين ساحل البحر الأبيض المتوسط والصحراء الجزائرية. ففي المناطق الشمالية من الجزائر قبل الاستعمار، كان العبيد السود يعملون بصفة رئيسية في الأعمال المنزلية وكمحظيات. وفي الصحراء الجزائرية، اتخذت العبودية شكلاً أقسى. فقد أسس البيض العرب والأمازيغ اقتصاداً يعتمد على عمالة الرقيق السود من الحراطين (وهم المستعبدون أو السود المؤسلمون أو المستعربون المعتوقون حديثاً، والذين ما زالوا عرضة لممارسات السخرة).32يطلق على هؤلاء العبيد السود المحررين بطرق غامضة في المناطق الصحراوية في الجزائر اسم بيلا أو الإيكيلان إذا كانوا مستعبدين من قبل الأمازيغ، بمن فيهم الطوارق.

واليوم يعمل الحراطون، ومعظمهم من المزارعين المستأجرين، في ظل ظروف عمل قاسية وصفها البعض بأنها شكل حديث من أشكال العبودية، إذ إنهم "يحفرون الآبار ويرعونها، ويشقون ويحافظون على قنوات الري الجوفية، ويروون الحدائق، ويرعون الماشية، ويزرعون النخيل".33Benjamine Claude Brower, “Rethinking Abolition in Algeria,” Cahier D’etudes Africaines 49, 2009

ويدعي البعض أنه لولا عمالة السكان السود المستعبدين، لما كانت الصحراء الكبرى صالحة للعيش على الإطلاق.34 المرجع نفسه.

فضلاً عن أن العمل الشاق والدؤوب للري في الصحراء ينطوي على حفر قنوات تمتد إلى عشرات الأقدام في الرمال مع احتمال مواجهة خطر الغرق أسفل منها.

انتهت العبودية ببطء في الجزائر التي استعمرتها فرنسا عام 1830. فقد أصدر الفرنسيين قراراً بإلغاء العبودية والرق بصورة نهائية وبطريقة رسمية في البلاد عام 1848. وفي عام 1906، اتخذ الفرنسيون خطوات أشد صرامةً لإلغاء هذه الممارسة، على الرغم من أن الاعتبارات العملية للحكم الاستعماري أدت إلى بعض القبول لهذا العُرف.35بروير، مرجع سابق.

فقد أفسح الفرنسيون مجالاً للعبودية في الصحراء الجزائرية أكثر من أي مكان آخر. وحصل سادة العبيد والتجار على تصريح للاتجار بالعبيد والإبقاء على ما يملكونه حتى القرن العشرين.36 المرجع نفسه.

وفي المقابل، قدم النخاسون والتجار معلومات استخبارية حول المناطق البعيدة إلى السلطات الاستعمارية.37 المرجع نفسه.

في معظم الحالات، انتهت ممارسات العبودية الزراعية والمنزلية تدريجياً في الجزائر خلال القرن العشرين.38مع بعض الاستثناءات المحتملة في الصحراء الكبرى

ولكن ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن السود المستعبدين ما زالوا يُستغلون في الأعمال الزراعية في الواحات الجنوبية من مدينة ورقلة وغرداية حتى يومنا هذا (من قبل الأسر الغنية، وأصحاب مزارع النخيل الكبيرة والحقول والمزارع)، وفي بعض الحالات، من قبل الطوارق شبه الرحل.39David Seddon, “Unfinished Business: Slavery in Saharan Africa,” Slavery and Abolition, 2000 21.2. See also Martin A. Klein, “Slavery and French Rule in the Sahara,” Slavery and Abolition, 1998, 19.2., p.3. See also, Dennis D. Cordell, “No Liberty, not much equality, and very little Fraternity: The mirage of manumission in the Algerian Sahara in the second half of the nineteenth Century”Slavery and Abolition 1998, 19.2.

ومن الجدير بالذكر أنه "من المؤكد أن الواحات الجزائرية الجنوبية قد بُنيت عن طريق استغلال الأيدي العاملة من العبيد الذين أتى معظمهم من غرب أفريقيا".40Judith Schelle, “Traders, Saints, and Irrigation: Reflections on Saharan Connectivity”, The Journal of African History, 2010, Vol.51, NO.3 (2010).

لم تتبنى الدولة الجزائرية قط أي سياسات، بما في ذلك أي سياسات ترمي إلى اتخاذ إجراءات إيجابية، لمساعدة سكنها السود على التعافي من أثر أجيال من العبودية والمعاملة الوحشية.41بروير، مرجع سابق.

بل سعت بدلاً من ذلك إلى إضفاء الشرعية على هوية البلاد العربية الإسلامية البيضاء فقط. وشككت في ادعاءات التمييز من خلال التأكيد على أن التمييز العنصري والعرقي أمر مستحيل لأن الدستور يكفل الحق في المساواة بين جميع المواطنين الجزائريين.42الوزاني، مرجع سابق.

ومع ذلك، غالباً ما يظل أحفاد العبيد السود المحررين (الحراطين) في المناطق الصحراوية في الجزائر يعتمدون على "الأسياد" السابقين. ومعظمهم يعملون مزارعين مستأجرين في ظروف مشابهة للرق. ويواجه الجزائريون السود أيضاً التمييز في المناطق الحضرية من البلاد. إذ إنهم يواجهون نفس المواقف والإهانات العنصرية التي يواجهها أي شخص آخر ذو بشرة سوداء داخل الحدود الجزائرية.43Khiat op.cit. See also Ian Law, Mediterranean Racisms: Connections and Complexities in the Racialization of the Mediterranean Region, (New York,Palgrave MacMillan, 2014), p. 74.

ويسلط العديد الضوء -في نسخة أخرى من التهميش والإقصاء- على حاجز غير مرئي لا يُمكن اختراقه يمنع السود من تقلد مجموعة من المناصب المرموقة والمجزية في الاقتصاد والجيش والحكومة والعمل كممثلين وعارضي أزياء.44 المرجع نفسه.

الحضور ورُهاب السود

"يبدو الوصم الاجتماعي جلياً في المفردات اللغوية من نواح عديدة. إذ يُمكن أن توسم اللغة الأفراد بنقائص على المستوى الاجتماعي والعرقي والإقليمي. أكثر تلك النقائص تعصباً، الذي علينا الانتباه إليه، هو عندما تُعرف تلك اللغة الفرد بوصفه ’الآخر‘، وهو ما يؤدي بدوره إلى الرفض، الذي يزداد إذا اقترنت هذه الآخرية بتجاورٍ أكبر".45غيلبرت ﺟﺮاﻧﺪ ﻏﻴﻮم نقلاً عن سليم خياط، 2017.

لا يزال المجتمع الجزائري يعتبر نفسه مجتمعاً قد عانى من العنصرية الاستعمارية الخارجية أكثر من كونه مجتمعاً قادراً على استعباد أقلية من سكانه وإخضاعها للممارسات العنصرية؛ الأمر الذي يتجلى في معاملة الجزائريين السود كما لو كانوا جزائريين غرباء، أو مواطنين أشباح.46سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

لأنه عندما يكون الجزائريون السود على مرأى من المواطنين البيض، يمكن للكلمات والنظرات أن تفصلهم عن باقي المجتمع وتحاول إذلالهم. إذ إنهم يوصفوا جهاراً بطرق سلبية شتى:

إما أنهم يوصفوا حسب لونهم، فنجد أن كلمة "الأكْحَل" (الأسود) حُرّفت إلى "كَحْلُوش" (الشخص ذو البشرة السوداء)، و"مير أوبا" (أسود بلون الفحم)، و"قربة كَحْلة" (وعاء أسود لحفظ الماء مصنوع من جلد الماعز)، و"بطاطا سودا" (الشخص ذو الأنف الأسود الكبير الذي يشبه البطاطا)، و"حبّة زيتون" (في إشارة إلى لون الزيتون الأسود)، و"باباي" (الزنجي)، و"أكلي" (العبد الأسود في بعض مناطق الأمازيغ)، و"روجي" (وهو الشخص الأَصْهَب أو يوصف بأنه سويدي في إشارة إلى أن هذا الشخص الأسود يشبه ذوي البشرة البيضاء من الناحية الثقافية والاجتماعية، مثلما يجب على الجميع أن يكونوا)، و"ساليغاني" (أي أنه من السنغال).47خياط، مرجع سابق. نعت الجزائريين السود بلقب "ساليغاني" (أي من السنغال) له تاريخ مختلف. يرجع هذا اللقب إلى العقود الأولى من القرن العشرين عندما استخدم الفرنسيون الجنود السود من غرب أفريقيا في جيشهم الاستعماري للقيام بالأعمال الاستعمارية القذرة، بما في ذلك تعذيب السكان الذين قاوموا الحكم الفرنسي، وسلب الغذاء من المزارعين، والاغتصاب.

أو باستخدام إشارات مباشرة تُعبر عن أوضاع العبودية القديمة من قبيل: "الحرطاني" (وهو العبد الأسود القاتم أو العبد المحرر الذي يُجبر على العمل خارج بيت سيده)، و"الخادم"، و"الوصيف" (العبد الذي يعيش في المنزل)، و"العبد"، و"عبد مقانا" (العبد الأسود القذر). يُرسي استخدام مثل هذه المفردات ضد المارة الجزائريين السود أسس الاختلاف والازدراء والشعور بالغربة والرفض والتباعد والإقصاء.48 المرجع نفسه.

يتخذ رُهاب السود أشكالاً عديدة في الجزائر. فقد أشار باحث أكاديمي جزائري أسود إلى أنه بالإضافة إلى الإهانات العنصرية، “لا يزال مجتمعنا يعتبر أن الأسود يرمز إلى الحظ السيئ. بل والأسوأ من ذلك: في حكايات الجدات، نجسد الشخصيات الشريرة، أو مختطفي الأطفال، أو اللصوص، أو المتشردين. [وبينما يأتي العرب والأمازيغ في سياق التاريخ المشرف المعروف في الجزائر]، ليس هناك مكان لبطل أسود في الذاكرة الجمعية لِشعبي".49نقلاً عن الوزاني، مرجع سابق.

ولكن بدلاً من ذلك، فإن السود في الجزائر أكثر عرضة للازدراء ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، مع التركيز في كثير من الأحيان على الموروث الثقافي الشعبي والمدلولات الانتقاصية.50خياط، مرجع سابق.

وعلى غرار ما يحدث في بقية العالم العربي، يُجسد السود في حكايات الأطفال دور الغول وآكل الأرواح.51المرجع نفسه.

ولعل افتتان الجزائريين البيض بـ "الموسيقى القناوية"، والاحتفالات الشعائرية (ديوان) التي تتمحور حول السود، يتناسب مع هذا الإطار الثقافي الشعبي الذي يحيط السود باعتبارهم مواطنين جزائريين عاديين، تماماً مثل أي شخص آخر.52 Salim Khiat, “De la Negrophobie en Algerie: Autopsie des mots qui dissent le mal en couleurs,” Pouessel editor, Noirs au Maghreb: Enjeux identitaires (Paris: Karthala, 2012).

بينما لا تزال حالات الزواج المختلط بين الأعراق نادرة ويعتبرها الكثيرون من الجزائريين البيض، إن لم يكن معظمهم، من المحرمات.53سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

وإذا تزوجت امرأة أو رجل جزائري "أبيض" من شخص أسود، فثمة احتمالاً قوياً بأن يُقابل هذا الرجل أو هذه المرأة بالرفض من عائلة الشخص الآخر.54سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

وقد ذُكر أن أحد القوميين الجزائريين السود الذي قاتل ضد الفرنسيين تعرض لانتقادات من جانب رفاقه بسبب زواجه من امرأة فرنسية. فكان رده على ذلك: "من منكم قد يود تزويجي شقيقته؟".55بروير، مرجع سابق.

وحتى الآن، يكاد يكون من المسلم به أن محاولات الجزائريين "البيض" للزواج من الجزائريين السود ستُقابل بالرفض من الأسر البيضاء؛ وفي بعض الأحيان يتبع هذا الرفض ملاحظة خبيثة بأن "هناك العديد من البيض يُمكن الزواج بهم. إذا كنت تود الزواج سأجد لك شخصاً مناسباً".56سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

علاوة على رفض الزواج المختلط بين الأعراق، ذكر أحد المفكرين الجزائريين حالات رفض فيها جزائريين "بيض" السكن مع السود أو الدراسة معهم في الجامعة.57سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

في حين يُعد تتويج الشابة الجزائرية خديجة بن حمو، وهي امرأة سوداء من الصحراء الجزائرية، بلقب ملكة جمال الجزائر لعام 2019 بمثابة خطوة إلى الأمام في الحد من رُهاب السود، إلا أن ذلك أثار جدلاً حاداً وموجة من السخرية والتعليقات العنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي التي ادعت بشدة "أنها لا تمثل جمال المرأة الجزائرية"، وما صاحب ذلك من هجمات مباشرة عديدة ضد لون بشرتها.58 المرجع نفسه.

التركيز على المهاجرين السود من بلدان جنوب الصحراء الكبرى

ازدادت حدة رُهاب السود في الجزائر وتفاقمت بوصول "السود الآخرين" من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين هاجر عشرات الآلاف منهم إلى الجزائر في العقود القليلة الماضية. فقد فر العديد منهم من العنف، أو الفساد، أو الفقر، أو الحرب الأهلية، أو بسبب انهيار دولهم. إذ يسعى معظمهم إلى العبور غير الشرعي إلى أوروبا. والبعض الآخر جاءوا من أجل الحصول على التعليم أو فرص اقتصادية أفضل في الجزائر. في أغلب الأحوال، لم يكن هؤلاء المهاجرون السود موضع ترحيب. ومع ذلك، فقد سلط الضوء عليهم. وبسبب الضغوط المفروضة على الجزائر لحملها على السيطرة على حدودها من الاتحاد الأوروبي، تعرض المهاجرين من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى لحملات التحقير من قِبَل الحكومة الجزائرية وبعض المنصات الإعلامية؛59 https://insidearabia.com/algeria-desert-deportations-eu-migration/

ووجهت إليهم اتهامات -عادةً ما تكون باطلة- بالضلوع في جرائم العنف، وبيع المخدرات، والمجون، ونشر الأمراض التناسلية، وإدامة الفوضى، واغتصاب النساء الجزائريات.60Salim Khiat, “Les Noirs En Algerie: Les Notres et Les Leurs,” Cairn, 2017. See also https://insidearabia.com/algeria-desert-deportations-eu-migration

وبقدر كبير من المفارقة، دعت بعض الكتابات الجدارية ومواقع التواصل الاجتماعي المهاجرين إلى "العودة إلى أفريقيا". في حين اعتقلت الحكومة الجزائرية آلاف من هؤلاء المهاجرين السود ونقلتهم إلى مناطق بعيدة من الصحراء الكبرى، في مناطق حدودية أو عبرها، حيث هُجروا هنالك دون أن تتوفر لهم السبل اللازمة للبقاء على قيد الحياة في الصحراء. وقد أدى الغضب الدولي إزاء هذه المعاملة للمهاجرين الأفارقة السود إلى بدء الحكومة الجزائرية في معالجة وضعهم القانوني.61 Abdi Latif Dahir, “Yes, to Africans: Algeria is giving legal status to black African workers but a nasty anti-migrant campaign is growing.”Quartz Africa 2017 https://qz.com/africa/1021423/algeria-to-grant-legal-status-to-african-

بالرغم من ذلك، في أواخر عام 2020، يؤكد هذا العنوان الرئيسي في تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" أن المسألة لم تُحل بعد، "الجزائر: طرد مهاجرين وطالبي لجوء. طرد الآلاف، بينهم أطفال، إلى النيجر بدون إجراءات قانونية".62https://www.hrw.org/ar/news/2020/10/09/376645#

يعاني هؤلاء "السود الآخرون"، القادمون من بلدان أخرى، من التمييز العنصري في الجزائر أكثر من غيرهم. ويتعرضون للاستغلال في العمل، إذ إنهم يقومون بأعمال شاقة مقابل أجر ضئيل لا يقبله أي جزائري.63See Salim Khiat, “De la Negrophobie en Algerie: Autopsie des mots qui dissent le mal en couleurs,” Pouessel editor, Noirs au Maghreb: Enjeux identitaires (Paris: Karthala, 2012) and ;Khiat, “Les Noirs En Algerie: Les Notres et Les Leurs,” Cairn, 2017

فضلاً عن أن أماكن كثيرة ترفض تأجير مسكن لهم. وهم معرضون للعنف اللفظي والعنف البدني على حد سواء.64تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، مرجع سابق.

الخاتمة

رغم تعاقب ثلاثة أجيال على الجزائر منذ استقلالها، لا تزال الدولة تعارض إجراء نقاش علني منفتح وإشراك منظمات المجتمع المدني، وهي أمور ضرورية لإبراز التعددية التي تتمتع بها البلاد ولبدء التمعن في إرث الرق والتمييز العنصري. إذ إن السبيل الأرجح إلى تحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار هو عبر الاعتراف بالتنوع ومراعاته، وليس من خلال محاولة فرض هوية عربية-مسلمة بيضاء على كافة الجزائريين. ولذا ينبغي إشراك الجزائريين السود في الحوار حول الهوية والانتماء في الجزائر، وأيضاً تثقيف كافة الجزائريين حول العبودية والعنصرية ضد السود سواء في المدارس أو من خلال الأنشطة التوعوية التي تضطلع بها الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى ضرورة تدشين حملة ضد استخدام الألفاظ والعبارات العنصرية باستخفاف. وينبغي على الدولة أيضاً تبني إجراءات إيجابية بحق الجزائريين السود لتخليصهم من شبح العبودية، خاصة في مناطق الصحراء الجزائرية.

 

Footnotes

1 أناقش في كتاب آخر أهمية التعبئة المتواصلة والشاملة للجهود من أجل إنهاء الحكم العسكري الاستبدادي. انظر: See Stephen J. King, The Arab Winter: Democratic Consolidation, Civil War, and Radical Islamists (Cambridge: Cambridge University Press, 2020).

2 Frederic Volpi, Algeria, “When Elections Hurt Democracy,” Journal of Democracy, Volume 31, Number 2, April 2020.

3   المرجع نفسه.

4   المرجع نفسه.

5   المرجع نفسه.

6 ياسين عبد الرحمن، "الانتماء للهُويّة والإصلاح الدستوريّ في الجزائر: توفيق الأيديولوجيّات لتحقيق الانتقال السلميّ"، مبادرة الإصلاح العربي، تشرين الأول/أكتوبر، 2020.

7 Marie Claude Chamla, “Les populations anciennes du Sahara et des régions limitrophes,” Laboratoires d’Anthropologie du Musée de l’Homme et de l’Institut de Paléontologie Humaine, Paris 1968, p. 81.

8 عبد الرحمن، مرجع سابق.

9 يناقش أيضاً الصراعات الإيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين.

10 عبد الرحمن، مرجع سابق.

11 رسخت الصيحة المدوية التي أطلقها عبد الحميد بن باديس، قائد الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائرية في الفترة بين الحربين العالميتين، هوية الجزائر العربية والإسلامية، عندما قال: «إننا فتشنا في صحف التاريخ وفي الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة، كما تكونت ووجدت أمم الدنيا كلها. ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية واللغوية ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح شأن كل أمة في الدنيا… ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت… الإسلام ديننا واللغة العربية لغتنا والجزائر وطننا».

12 عبد الرحمن، مرجع سابق.

13   المرجع نفسه.

14 Nourredine Bessadi, “While we all spoke about Covid-19, Algeria passed two worrisome laws in the blink of an eye,” https://minorityrights.org/2020/05/12/algeria-discrimination-laws/

15 Middle East Online: https://minorityrights.org/2020/05/12/algeria-discrimination-laws/

16 وكالة الأنباء الفرنسية، الجزائر تُجرم الأخبار التي ترى أنها تضر بالأمن القومي، 22 نيسان/أبريل، 2020.

17   المرجع نفسه.

18 بسعدي، مرجع سابق.

19 http://www.aps.dz/en/algeria/33303-draft-bill-on-fight-against-discrimination-hate-speech-adopted

20 Youcef Benzatat, “Les Kahlouchs, cette. Blessure de l’orgueil national de la race blanche.” Mediapart, January 26, 2018

21 Marie Claude Chamla, “Les populations anciennes du Sahara et des regions limitrophes,” Laboratoires d’Anthropologie du Musee de l’Homme et de l’Institute de Paleontologie Humaine, Paris 1968, p. 81.

22 Ibid.

23 الخصائص الديموغرافية للجزائر، ويكيبيديا.

24 http://www.jeuneafrique.com/132422/archives-thematique/discrimination-l-alg-rienne/

25 Ian Law, Mediterranean Racisms: Connections and Complexities in the Racialization of the Mediterranean Region, (New York: Palgrave Macmiilan, 2014), p.74.

26 الوزاني، مرجع سابق.

27   المرجع نفسه، نقلاً عن الوزاني.

28 Kamel Daoud, «Black in Algeria ? Then You’d Better be Muslim» The New York Times, May 2016. http://www.jeuneafrique.com/132422/archives-thematique/discrimination-l-alg-rienne/. See also Seloua Luste Boulbina, “Si tu desires te Moquer du Noir: Habille-le en rouge”, Middle East Eye, November 24, 2018. https://www.middleeasteye.net/fr/opinion-fr/si-tu-desires-te-moquer-du-noir-habille-le-en-rouge-0

29 نقلاً عن سلوى لوست بولبينا.

30 Marie Claude Chamla, “Les populations anciennes du Sahara et des regions limitrophes,” Laboratoires d’Anthropologie du Musee de l’Homme et de l’Institute de Paleontologie Humaine, Paris 1968, p. 81.

31 John Wright, The Trans-Saharan Slave Trade (New York: Routledge, 2007), pp. 16-23.

32 يطلق على هؤلاء العبيد السود المحررين بطرق غامضة في المناطق الصحراوية في الجزائر اسم بيلا أو الإيكيلان إذا كانوا مستعبدين من قبل الأمازيغ، بمن فيهم الطوارق.

33 Benjamine Claude Brower, “Rethinking Abolition in Algeria,” Cahier D’etudes Africaines 49, 2009

34  المرجع نفسه.

35 بروير، مرجع سابق.

36  المرجع نفسه.

37  المرجع نفسه.

38 مع بعض الاستثناءات المحتملة في الصحراء الكبرى

39 David Seddon, “Unfinished Business: Slavery in Saharan Africa,” Slavery and Abolition, 2000 21.2. See also Martin A. Klein, “Slavery and French Rule in the Sahara,” Slavery and Abolition, 1998, 19.2., p.3. See also, Dennis D. Cordell, “No Liberty, not much equality, and very little Fraternity: The mirage of manumission in the Algerian Sahara in the second half of the nineteenth Century”Slavery and Abolition 1998, 19.2.

40 Judith Schelle, “Traders, Saints, and Irrigation: Reflections on Saharan Connectivity”, The Journal of African History, 2010, Vol.51, NO.3 (2010).

41 بروير، مرجع سابق.

42 الوزاني، مرجع سابق.

43 Khiat op.cit. See also Ian Law, Mediterranean Racisms: Connections and Complexities in the Racialization of the Mediterranean Region, (New York,Palgrave MacMillan, 2014), p. 74.

44  المرجع نفسه.

45 غيلبرت ﺟﺮاﻧﺪ ﻏﻴﻮم نقلاً عن سليم خياط، 2017.

46 سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

47 خياط، مرجع سابق. نعت الجزائريين السود بلقب "ساليغاني" (أي من السنغال) له تاريخ مختلف. يرجع هذا اللقب إلى العقود الأولى من القرن العشرين عندما استخدم الفرنسيون الجنود السود من غرب أفريقيا في جيشهم الاستعماري للقيام بالأعمال الاستعمارية القذرة، بما في ذلك تعذيب السكان الذين قاوموا الحكم الفرنسي، وسلب الغذاء من المزارعين، والاغتصاب.

48  المرجع نفسه.

49 نقلاً عن الوزاني، مرجع سابق.

50 خياط، مرجع سابق.

51 المرجع نفسه.

52  Salim Khiat, “De la Negrophobie en Algerie: Autopsie des mots qui dissent le mal en couleurs,” Pouessel editor, Noirs au Maghreb: Enjeux identitaires (Paris: Karthala, 2012).

53 سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

54 سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

55 بروير، مرجع سابق.

56 سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

57 سلوى لوست بولبينا، مرجع سابق.

58  المرجع نفسه.

59  https://insidearabia.com/algeria-desert-deportations-eu-migration/

60 Salim Khiat, “Les Noirs En Algerie: Les Notres et Les Leurs,” Cairn, 2017. See also https://insidearabia.com/algeria-desert-deportations-eu-migration

61  Abdi Latif Dahir, “Yes, to Africans: Algeria is giving legal status to black African workers but a nasty anti-migrant campaign is growing.”Quartz Africa 2017 https://qz.com/africa/1021423/algeria-to-grant-legal-status-to-african-

62 https://www.hrw.org/ar/news/2020/10/09/376645#

63 See Salim Khiat, “De la Negrophobie en Algerie: Autopsie des mots qui dissent le mal en couleurs,” Pouessel editor, Noirs au Maghreb: Enjeux identitaires (Paris: Karthala, 2012) and ;Khiat, “Les Noirs En Algerie: Les Notres et Les Leurs,” Cairn, 2017

64 تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، مرجع سابق.