اندلعت اشتباكات في 6 كانون الثاني/يناير بين القوات الحكومية السورية والمقاتلين الأكراد في حلب، في أخطر مواجهة بين الطرفين منذ سقوط نظام الأسد. حيث انتقل الصراع، بعد فترة من التوتر المتصاعد والمناوشات المتزايدة، إلى مرحلة مفصلية. وسرعان ما اتضح أن دمشق قد حسمت خيارها في التعامل مع النزاع في أحياء حلب ذات الغالبية الكردية باللجوء إلى القوة بدلاً من الحوار.
لم تكن النتيجة العسكرية موضع شك أبدًا. إذ لم يكن لدى مجموعة صغيرة من المقاتلين الأكراد، المحاصرين في حيين مطوقين بالكامل، أي فرصة حقيقية للصمود في مواجهة القوات الحكومية التي تتفوق عليهم بشكل كبير بالعدة والعداد. وسرعان ما انكشف هذا الخلل في التوازن مع استيلاء القوات الحكومية على الأحياء المتنازع عليها في غضون أيام قليلة، بعد السماح بإجلاء عدة مئات من المقاتلين إلى شمال شرق سوريا.
وبالتالي، فإنّ السؤال الجوهري حالياً يتمثّل في طبيعة ارتدادات هذا التصعيد العسكري على المسار السياسي الأوسع في سوريا. هل سيعرقل القتال اتفاق الاندماج الذي وقّعه الرئيس السوري المؤقت وقيادة قوات سورية الديمقراطية في 10 آذار/مارس؟ أم أنه سيتمكن من دفع العملية التفاوضية المتعثرة إلى الأمام بالقوة؟
اكتسب هذا السؤال أهمية إضافية بعد قرار الجيش السوري في 13 كانون الثاني/يناير بتصنيف المنطقة الواقعة بين دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي منطقة عسكرية مغلقة، ليزيد بذلك احتمال شن عملية عسكرية جديدة. تشير هذه الخطوة إلى تضاؤل ثقة الحكومة السورية بالمفاوضات وتزايد اعتمادها على القوة لكسر الاستعصاء السياسي. فبدلاً من أن يبث هذا التصعيد الحياة في عملية الاندماج المتعثرة، قد يشكّل بداية لدورة جديدة من العنف بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، قد تهدد الانتقال السياسي الهش في سوريا.
تصاعد التوتر في حلب
ظل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية اللذان تقطنهما أغلبية كردية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية حتى مع خضوع بقية أحياء حلب لسلطة السلطات الانتقالية بعد الإطاحة بنظام الأسد. وعلى الرغم من التوترات القديمة والحوادث المسلحة بين الحين والآخر، بدا الطرفان راغبين مؤقتًا في قبول الوضع الراهن.
بدأ هذا الترتيب بالتغير بعد اتفاق 10 آذار/مارس بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وبموجبه اتفق الطرفان من حيث المبدأ على أن تندمج المناطق والقوات التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة وبدء محادثات حول كيفية تنفيذ هذا الإطار.
بيد أن حلب شكّلت حالة متميزة. فقد شكّلت الأحياء التي يسيطر عليها الأكراد جيبًا صغيرًا مطوّقاً بالكامل، تسيطر عليه قوة محدودة ومعزولة جغرافيًا عن المناطق الأخرى التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. ونتيجة لذلك، جرى التفاوض على اتفاق منفصل وأكثر تفصيلاً في 1 نيسان/أبريل 2025 بين دمشق والسلطات الكردية في حلب لدمج الشيخ مقصود والأشرفية في الدولة المركزية.
وبموجب شروط الاتفاق، كان من المقرر أن ينسحب المقاتلون التابعون لقوات سوريا الديمقراطية من الحيّين، وبقاء قوات الأمن الداخلي الكردية، المعروفة بالأسايش، في مكانها. وكان من المقرر أن تستمر المجالس المحلية القائمة في إدارة المناطق بالتنسيق مع مؤسسات محافظة حلب. وقد اعتُبر الاتفاق على نطاق واسع بمثابة تسوية قابلة للتطبيق وإجراء قادر على بناء الثقة بين الطرفين.
لكنّ التنفيذ أثبت هشاشته. فقد أبطأ تعثر التقدم في مفاوضات 10 آذار/مارس الأوسع نطاقًا عملية دمج الحيين. ومع تبدد الثقة وتكرار المناوشات، فقدَ الاتفاق تدريجيًا الكثير من قدرته على تعزيز الاستقرار. واندلعت الاشتباكات لفترة وجيزة في تشرين الأول/أكتوبر وتجددت لاحقًا في كانون الأول/ديسمبر 2025، ولكن جرى التوصل سريعًا إلى وقف إطلاق نار محلي لحماية الاستقرار.
نقطة الغليان
على عكس الاشتباكات السابقة، لم تُحتوَ الجولة الأخيرة من القتال في 6 كانون الثاني/يناير بسرعة. حيث تحول تبادل إطلاق النار العابر سريعا إلى حرب شوارع عنيفة، ليشكّل بذلك خروجًا واضحًا عن المناوشات العرضية والمعتادة طوال الأشهر السابقة في حلب. هذه المرة، أشار حجم التعبئة – بما في ذلك إدخال وحدات إضافية من الجيش والمدفعية الثقيلة – إلى نية دمشق تغيير خريطة السيطرة على الأرض جذريًا بدلاً من إدارة التصعيد.
لم يكن توقيت التصعيد العسكري من قبيل الصدفة. فقد ارتبط بالإحباط المتزايد في دمشق بسبب تعثر تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس. وازدادت حدة هذا الإحباط بعد انقضاء الموعد النهائي للاندماج المحدد في الاتفاق بنهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 من دون إحراز تقدم ملموس. تعثرت المفاوضات بسبب الخلافات حول وتيرة وتسلسل وشروط دمج شمال شرق سوريا – خاصة فيما يتعلق بالترتيبات العسكرية والأمنية والهياكل الإدارية وتوزيع السلطة ونماذج الحكم والضمانات الدستورية –، وهو ما أبقى هوة واسعة بين الطرفين حيال مدى الاندماج وسرعته.
وازدادت حدة التوترات أكثر بعد الإنهاء المفاجئ للجولة الأخيرة من المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية التي بدأت في 4 كانون الثاني/يناير وختمت من دون صدور بيان مشترك أو أي انفراج واضح. وقد عزز عدم إحراز أي تقدم الاعتقاد المتزايد في دمشق بأن المحادثات كانت تُستخدم للحفاظ على الوضع الراهن بدلاً من التحرك نحو اندماج حقيقي، ما دفع بالإحباطات إلى نقطة الغليان.
وفي حين لا يزال من غير الواضح إذا كان انهيار المفاوضات السبب في اندلاع القتال، يبدو أن التوتر التراكمي الذي أنتجته تلك المفاوضات قد غيّر حسابات دمشق. وفي مواجهة ما رأته مأزقًا سياسيًا ومخاطر أمنية متزايدة، اختارت الحكومة حل النزاع في حلب بالقوة بدلاً من مواصلة عملية كانت تراها غير مثمرة.
من الاتفاق إلى المواجهة
ما إن بدأت عملية دمشق العسكرية للسيطرة على الحيين، حتى مالت موازين القوى سريعًا لصالح الحكومة. فقد كافح المقاتلون الأكراد – المحدودون في العدد، والمحاصرون في منطقتين مطوقتين ويفتقرون إلى السلاح بالمقارنة مع القوة المهاجمة – للحفاظ على مواقعهم. تحركت القوات الحكومية السورية بسرعة وسيطرت على الأشرفية بسهولة نسبية. وواجه هذا التقدم مقاومة محدودة، وساعد في ذلك اتفاق توسطت فيه الحكومة مع عناصر من عشيرة البقارة (البكارة) التي كانت تقاتل إلى جانب الوحدات الكردية.
ثم امتد القتال إلى الشيخ مقصود، حيث كانت الاشتباكات أكثر حدة. وعلى الرغم من رفضهم الاستسلام في البداية، وافق المقاتلون الأكراد في نهاية المطاف في 10 كانون الثاني/ يناير على اتفاق انسحاب سمح لهم بالانتقال إلى شمال شرق سوريا. أنهى هذا الاتفاق القتال ووضع مدينة حلب بأكملها تحت سيطرة الحكومة.
عكست العملية أيضاً تحولاً كبيرًا في التكتيكات العسكرية الحكومية. فبدلاً من الاعتماد على القوة النارية العشوائية أو الساحقة، قامت القوات الحكومية بشن ضربات محددة الأهداف ضد مواقع عسكرية معينة، وتقدمت على مراحل، بالتزامن مع إعلان متكرر لوقف إطلاق النار. وقد حددت السلطات علنًا المناطق المقرر استهدافها وحثت المدنيين على الإخلاء مسبقًا – في محاولة واضحة للحد من الخسائر البشرية. يتناقض هذا النهج مع عمليات العام الماضي في الساحل والسويداء، إذ تعرضت الحكومة لانتقادات واسعة النطاق بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمدنيين والانتهاكات المنهجية نتيجة الاشتباكات.
وعلى الرغم من هذه الإجراءات، كان الأثر الإنساني للتصعيد شديدًا. فقد قُتل ما لا يقل عن 23 شخصًا وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ونزح حوالي 150,000 من السكان. وتُركت أحياء بأكملها من دون إمكانية الوصول إلى الغذاء أو الماء أو الرعاية الطبية حيث فرت العائلات تحت النيران إلى ملاجئ غير مجهزة في أماكن أخرى في حلب أو إلى مخيمات خارج المدينة. توضح هذه التقارير على حجم المعاناة الكبير التي تنتجه عمليات القتال في المناطق الحضرية حتى لو تمت بشكل محدود.
مفاوضات تحت تهديد السلاح
تشير المحادثات مع المسؤولين الحكوميين إلى أن الغرض من عملية حلب هو نقل رسالة سياسية واضحة. ويقولون إن الاستيلاء السريع على معظم الأحياء التي يسيطر عليها الأكراد كان الهدف منه الإشارة إلى أن صبر دمشق قد نفد وأنها لم تعد مستعدة للتسامح مع أنصاف الحلول أو التأخير المتعمد.
ومن هذا المنظور، كان الهدف من استخدام القوة دفع المفاوضات المتعثرة إلى الأمام وإجبار القادة الأكراد على التنفيذ السريع لاتفاق الاندماج المبرم في 10 آذار/مارس. وفي هذه القراءة، لم يكن القتال نقطة تحول استراتيجي في حسابات دمشق بقدر ما كان بمثابة طلقة تحذيرية – هدفها الضغط على قوات سوريا الديمقراطية لتمتثل لشروط الاتفاق.
كما ترى هذه المصادر أن التكتيكات العسكرية الأكثر انضباطًا التي اتبعتها الحكومة خدمت غرضًا مزدوجًا. فبالإضافة إلى طمأنة الجهات الخارجية – لا سيما الحكومات الغربية التي تتخوف من سقوط ضحايا مدنيين –، أظهرت قدرة دمشق على إعادة دمج المناطق المتنازع عليها في دولة موحدة من خلال القوة وبتكلفة قليلة، ما يشير إلى أن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة بقوة على الطاولة.
من هذا المنظور، لم تكن حادثة حلب مجرد استيلاء على الأراضي، بل كانت تتعلق بإعادة فهم الحوافز. إذ تأمل دمشق، من خلال تغيير موازين القوى على الأرض، في إقناع القادة الأكراد بأن تأخير المفاوضات لم يعد مجدياً، وأن استمرار المقاومة قد ينتهي إلى نتيجة عسكرية من شأنها أن يُفقِدها العديد من التنازلات السياسية والإدارية الواردة في اتفاق آذار/مارس والمقدمة من دمشق.
رهان محفوف بالمخاطر
تكشف المحادثات مع المسؤولين الأكراد أنهم ينظرون إلى التصعيد في حلب من منظور مختلف تمامًا. فهم يرون أن دمشق بادرت إلى الاشتباكات في سياق قرار متعمد لاستعادة السيطرة على الأحياء بالقوة، وهي خطوة يقولون إنها ألحقت أضرارًا سياسية دائمة. وبدلاً من دفع التسوية إلى الأمام، يؤكدون أن استخدام الضغط العسكري عمّق انعدام الثقة وعزز الاعتقاد بين القادة الأكراد بأن دمشق تفضل في نهاية المطاف الإكراه على التوافق.
وقد أدلت شخصيات بارزة في قوات سوريا الديمقراطية بتصريحات علنية تؤكد هذه الأحاديث الخاصة. على سبيل المثال، حذّر سيبان حمو، وهو قيادي بارز في قوات سوريا الديمقراطية، من أن عملية حلب قد تدفع بالعلاقات مع دمشق إلى مسار أكثر تصادمية. وهو يرى أنه من غير المرجح أن يأتي الضغط العسكري باندماج راسخ، فالأرجح أن يزيد المقاومة وانعدام الأمن. ومن هذا المنظور، لم يكن القتال في حلب حلقة معزولة، بل سابقة مقلقة – وهي سابقة تثير المخاوف من أن الحكومة قد تلجأ إلى تكتيكات مماثلة في أماكن أخرى إذا ما تعثرت المفاوضات.
وذهبت فوزة يوسف، وهي شخصية سياسية كردية بارزة، إلى أبعد من ذلك، متهمة دمشق بالتخطيط لعملية حلب قبل أشهر من العملية على الرغم من استمرار الانخراط السياسي. يؤكد اتهامها عمق انعدام الثقة الذي يطبع العلاقات الآن. ومع أنها لم تصل إلى حد إعلان موت اتفاق 10 آذار/مارس، فقد وصفته بأنه "في غيبوبة".
ومن هذا المنظور، أعادت عملية حلب محادثات الاندماج إلى الوراء بدلاً من دفعها إلى الأمام. يبدو أن دمشق، بتغييرها ميزان القوى بالقوة، ضيّقت مساحة التسوية بدلاً من توسيعها. وبدلاً من التشجيع على المرونة، من المرجح أن يسفر التصعيد عن تصلب المواقف الكردية في المفاوضات المستقبلية، إذ يسعى القادة إلى تجنب التكاليف السياسية للظهور بمظهر التفاوض من موقف ضعف.
مؤشرات التصعيد
في غضون ذلك، تشير مؤشرات التوتر المتزايد والتقارير عن زيادة التعبئة من كلا الجانبين في شمال شرق سوريا إلى احتمال حدوث مزيد من التصعيد. فبعد فترة وجيزة من انحسار القتال في حلب، انتقلت التوترات إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مع ورود تقارير عن مناوشات محدودة حول الرقة وقرب سد تشرين في منطقة منبج.
والأمر الأكثر إثارة للقلق إعلان الجيش السوري في 13 كانون الثاني/يناير تصنيفه المنطقة الواقعة بين دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي منطقة عسكرية مغلقة. أظهرت الخريطة المنشورة مع البيان منطقة واسعة تمتد من ضواحي دير حافر عبر قواص وبابيري إلى مسكنة على الشاطئ الغربي لبحيرة الأسد.
ووفقًا للبيان، فقد كانت المنطقة نقطة انطلاق للطائرات الانتحارية بلا طيار التي استهدفت حلب مؤخرًا، ما دفع الجيش إلى اتخاذ ما وصفه بإجراءات عسكرية فورية.
حثّ الجيش المدنيين الذين يعيشون بالقرب من المنطقة على الابتعاد عن مواقع قوات سوريا الديمقراطية حفاظًا على أرواحهم، ودعا جميع الجماعات المسلحة داخل المنطقة المحددة إلى الانسحاب فورًا إلى شرق نهر الفرات.
وحذر من أنه سيقوم "بكل ما يلزم" لمنع استخدام المنطقة منطلقًا للهجمات – في إشارة إلى إمكانية شن المزيد من العمليات العسكرية. يأتي هذا التصعيد بعد فترة وجيزة من إرسال السلطات تعزيزات إلى المنطقة ردًا على ما وصفته بتحركات مشبوهة لقوات سوريا الديمقراطية – وهي مزاعم نفتها قوات سوريا الديمقراطية.
هذه الديناميكيات نفسها سبقت القتال في حلب، ما يؤكد خطورة التصعيد الحالي وخطورة تكرار نموذج حلب في أماكن أخرى أيضًا.
تأثير الدومينو
يشير تركيز السلطات السورية المتزايد مؤخرًا على العمل العسكري الحاسم للاستيلاء على المناطق المستخدمة لشن الهجمات إلى تغير في استراتيجيتها تجاه القوى الكردية. فقد كانت دمشق تعطي الأولوية في السابق للحوار لاحتواء هكذا تهديدات، لكن يبدو الآن أنها على استعداد أكبر للاستيلاء على الأراضي مباشرةً لفرض السيطرة. ويمثل هذا الاعتماد المتزايد على القوة – بدلاً من الحوار – لحل النزاعات مع قوات سوريا الديمقراطية تحولًا مقلقًا في نهجها تجاه التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها خلال المرحلة الانتقالية.
تمتد تداعيات هذا التحول إلى ما بعد حلب. فهو يقلل من عتبة التصعيد من خلال إرساء سابقة يمكن من خلالها تبرير العمل العسكري ضد أي منطقة ترد منها أنباء عن انطلاق هجمات منها. وبغياب آليات مستقلة للتحقق من الادعاءات المتعارضة أو تحديد المسؤولية عن هكذا هجمات يتفاقم هذا الخطر. والأهم من ذلك أنه لا يوجد إطار عمل واضح لمعالجة الانتهاكات، مما يزيد من احتمالية التصعيد العسكري.
وقد شدّدت الولايات المتحدة، إلى جانب حكومات غربية أخرى، مرارًا وتكرارًا على تفضيلها الحوار على القوة في إدارة الخلافات بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق. بيد أن هذا الموقف فشل في منع أو وقف القتال في حلب، وقد يواجه قيودًا مماثلة حال اشتداد التوتر حول دير حافر. وقد يساعد الموقف التركي – الذي يبدو داعمًا بقوة للتحول الاستراتيجي لدمشق باتجاه استخدام القوة – في تفسير رد الفعل الخافت والمحدود نسبيًا من واشنطن.
لا رابحين
تزيد هذه التغيّرات في استراتيجية دمشق تجاه التعامل مع المشاكل الأمنية بشكل كبير من المخاطر التي تطرحها المناوشات المستقبلية مع القوى الكردية. حيث لم يعد الخطر يقتصر على احتمال تفاقم الحوادث العسكرية المعزولة إلى صراع موسع بسبب خطأ أو سوء التقدير، كما كان الحال في الماضي. فإن مجرد وقوع هكذا حوادث الآن قد يُستخدم بحد ذاته لتبرير عمل عسكري حاسم.
ولكن خلافاً لحلب، لن يكون الصراع في شمال شرق سوريا سريعًا أو يمكن احتواؤه. فالمنطقة أكبر بكثير وأعقد، كما أن قوات سوريا الديمقراطية هناك أفضل تدريبًا وتجهيزًا، وتضم آلاف المقاتلين الملتزمين عقائديًا. كما أعربت الجهات الفاعلة العشائرية مرارًا وتكرارًا عن رغبتها القوية في الانضمام إلى أي مواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية، ما يزيد من خطر التعبئة المضادة والعنف الطائفي والانتهاكات واسعة النطاق.
في مثل هكذا سيناريو، لن يكون السؤال المحوري عن مدى سهولة استيلاء دمشق على الأراضي في دير حافر أو في أي مكان آخر في الشمال الشرقي، بل ما هي الأضرار الدائمة التي قد تلحقها عمليات التصعيد هذه على المرحلة الانتقالية الهشة أصلاً في سوريا وعلى العلاقات بين مكوناتها العرقية والدينية.
وكما أثبتت اشتباكات السويداء، فمن النادر أن تنتهي هكذا مواجهات عسكرية لها بعد أثني او ديني إلى حل دائم. وفي كثير من الأحيان، ترسّخ الجمود وتزيد من تعقيد الخلافات – تاركة الجميع في وضع أسوأ، بما في ذلك الطرف المنتصر في ساحة المعركة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.