إن عمليّتي الدسترة (أي إدراج الأحكام في صلب الدستور) والتفعيل يجب أن تقودها أسسٌ ومبادئ وهياكل قويّة، للوصول إلى نظامٍ لامركزيّ ناجع يقود إلى مزيدِ من المساواة في التنمية والمشاركة السياسية. تناقش هذه الورقة البحثيّة تجربة اللامركزيّة في تونس منذ تعزيز السلطة اللامركزية في دستور 2014؛ والذي يقضي بالتزام السلطة المركزية بدعم اللامركزية في إطار وحدة الدولة. إذ اعتُبِرَت اللامركزية، منذ سقوط بن علي، وسيلةً للحفاظ على وحدة الدولة في تونس مع تعزيز أدوات الديمقراطية عبر إنعاش عملية إرساء اللامركزية. كما تفرد الورقة الأسس القانونية والسياسية للّامركزية، والهياكل التي استُحدِثت لتطبيقها. وتعرض الورقة التحدّيات الضريبية واللوجستية التي تواجه التطبيق، وأهمّية مشاركة المجتمع المدني الجماعية في هياكل اللامركزية. وتُختَتَم الدراسة بتقديم توصياتٍ ودروسٍ مستفادة من تلك التجربة التي طُبِّقَت في دولةٍ تشهد انتقالاً ديمقراطيًا.
أوّلاً: تجديد أسس اللامركزية
في أعقاب الربيع العربي في تونس وبدء الانتقال نحو الديقراطية، تمت صياغة دستورٍ حديث يفتح أفقاً سياسيةً جديدة، خاصةً للاعبين الشباب الذين لعبوا دوراً هاماً أثناء الثورة، ويرسّخ المشاركة الديمقراطية في الحوكمة المحلّية، ويعزّز الأسس والمبادئ الدستورية للّامركزية. فبعد عقودٍ من الحكم السلطوي المركزي، كانت هناك جهودٌ حثيثة على الصعيد السياسي لتعزيز الأسس القانونية والسياسية والدستورية التي زادت من حجم هياكل واختصاصات الجماعات المحلية، مع إرساء مبادئ جديدة للحفاظ على قدرٍ من السيطرة المركزية، حتّى لا تتحوّل السلطة الممنوحة للهياكل اللامركزية إلى استقلالٍ تام من شأنه تهديد وحدة التراب الوطني.
أ. الأسس القانونية والدستورية
سنتوقّف في هذا القسم عند نقتطين رئيسيّتين:
- كثافة الاسس الدستورية للامركزية
- المبادئ القانونية الخاصة باللامركزية
1. كثافة الاسس الدستورية للامركزية
كان الدستور التونسي القديم الصادر عام 1959 مقتضباً للغاية في ذكره للّامركزية؛ إذ تضمّن مادةً واحدة فحسب تتعلّق بالجماعات المحلّية، ولم يأتِ على ذكر اللّامركزية. وفي أثناء حكم بن علي (1987-2011)، لم تحدث أي تغييراتٍ جوهرية، وظلّت الأسس الدستورية للّامركزية تعاني من القصور. كانت المادة 71 من دستور عام 1959 تفتقر إلى المعيارية؛ لكونها لم تحتوِ على أي منطوقٍ أو مبدءٍ قانوني من شأنه توجيه المشرّع نحو مفهومٍ محدّد للّامركزية. حيث تمنح اللّامركزية كما وردت في دستور 1959 المجالس البلدية والجهوية مهمّة ممارسة المصالح المحلّية، دون أي تفصيلاتٍ أخرى.
أمّا الآن، فقد تمّ إحراز تقدّمٍ كبير بفضل الدستور الجديد. يتكوّن الباب السابع من الدستور بعنوان "السلطة المحلّية" من 12 فصلاً (الفصول من 131 إلى 142)، بالإضافة إلى الفصلين 14 و 15؛ حيث تحتلّ اللّامركزية ما يقرب من 10% من أحكام الدستور.
والواقع أن مسألة "الكثافة الدستورية" ليست مجرّد مسألة كمّية، بل لها تأثيرٌ هام للغاية على محتوى العملية ذاتها ودرجة الحرّية الممنوحة الى المشرع في هذا الصدد. حيث يلتزم هذا الاخير بالاحكام المتعلقة باللامركزية التي وضعها الدستور؛ فكلّما زادت الكثافة الدستورية للامركزية، كلّما قلّت السلطة التقديرية الممنوحة للمشرّع، الذي لن يكون أمامه أيّ خيارٍ سوى ان يعكس هذه المبادئ و الاحكام الدستورية عند صياغة للقوانين المتعلقة باللامركزية
وقد امتدّ تجديد المبادئ إلى الجانبين القانوني والسياسي للّامركزية.
VIDEO
2. المبادئ القانونية الخاصّة باللامركزية
على الصعيد القانوني، تتطلّب اللّامركزية ثلاثة شروطٍ مجتمعة لكي يتمّ تطبيقها وهي : (أ)الشخصية القانونية و الاستقلالية المالية، (ب) منحها صلاحياتٍ فعلية و(ج) اخضاعها للرقابة اللاحقة. ويعدّ إدراج مبادئ تتعلّق بتلك الشروط في الدستور أمراً هاماً، لأنها تضمن للّامركزية استقلاليّتها عن الدولة وتمنحها اختصاصاتٍ فعّالة تمارسها السلطات المحلّية بشكلٍّ مستقلّ نسبياً.
أ. الاعتراف بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية
تتمتع الجماعات المحلية وفقاً للفصل 132 من الدستور بالشخصية القانونية مما من شأنه أن يجعل منها كياناً قانونياً خاصّاً مستقلا عن الدولة على جميع المستويات الادارية و القانونية و المالية. و تتعزز استقلالية الجماعات المحلية حسب نفس الفصل 132 بحق تسيير شؤونها وفقا لمبدأ التدبير الحر. و من النتائج المترتبة عن ذلك هو منح الجماعات المحلية القدرة على ممارسة كل التصرفات القانونية، و ادارة شؤونها المحلية باستقلالية عن الدولة و التصرف في ميزانية خاصة بها منفصلة عن الميزانية العامة للدولة .
ب. منح السلطات المحلّية صلاحياتٍ فعلية:
لن يتحقّق المسار اللامركزي دون تمتع الجماعاتِ المحلية بصلاحيّاتٍ فعلية. من الضروري أن يحدّد الدستور بشكلٍ واضح وصريح المبادئ التي تحكم عملية توزيع الاختصاصات. وتكون تلك المبادئ مُلزِمةً للمشرِّع، ويسترشد بها في جميع عمليّات توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات المحلّية، وبين الإدارتين اللامحورية واللامركزية.
لم يكن دستور 1959 يحتوي على أي مبادئ من شأنها تأطير توزيع الصلاحيات بين الدولة والجماعات المحلّية، بخلاف دستور 2014؛ والذي حدّد توزيع الصلاحيّات والموارد وفقاً لمبدأي التفريع والتكافؤ.
ت. مبدأ التفريع
هو مبدأٌ مستلهَمٌ من الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلّي، ومنصوصٌ عليه في القانون الوضعي التونسي بموجب الفصل 134 من الدستور. يقر هذا الفصل للجماعات المحلية بممارسة ثلاثة أصناف من الصلاحيات: صلاحيّاتٌ ذاتية، وصلاحيّاتٌ مشتركة مع السلطة المركزية، وصلاحيّاتٌ منقولة منها. ولا ينطبق مبدأ التفريع سوى على الصلاحيّات المشتركة والصلاحيّات المنقولة.
ويحظى مبدأ التفريع بأهميةٍ كبرى، لكونه يؤطّر سلطة الدولة في توزيع الصلاحيات. فالدولة ليست حرّة تماماً في توزيع الصلاحيّات، وإنّما يحكمها مبدأ التفريع حين يتعلّق الأمر بالصلاحيّات المشتركة والمنقولة.
استناداً إلى هذا المبدأ، يتحتم اسناد الصلاحيات الى الجماعة المحلية الاقرب من المواطن و الاقدر على ممارسة هذه الصلاحيات على جميع المستويات التقنية والمادية والبشرية. وقد يتعيّن إسناد الصلاحيّات إلى المستوى الأعلى إذا كان الأقدر على ممارستها، حتّى وإن كان هذا المستوى متمثّلاً في السلطة المركزية.
يتميز مبدأ التفريع بصعوبة تفعيله على المستوى العملي ومن شأنه أن يتسبب في نتائج عكسية تؤول الى اسناد أهم الاختصاصات الى الادارة المركزية على حساب الادارة اللامركزية باعتبار افتقار هذه الاخيرة للقدرات المالية والبشرية والفنية الضرورية لاسنادها هذه الاختصاصات.
ث. مبدأ التكافؤ:
يحدّد الفصل 135 مبدأ التكافؤ بين الصلاحيّات والموارد المنقولة كالتالي: للجماعات المحلّية مواردٌ ذاتية، ومواردٌ محالة إليها من السلطة المركزية، وتكون هذه الموارد ملائمة للصلاحيّات المسندة إليها قانونا. كل إحداثٍ لصلاحياتٍ أو نقلٍ لها من السلطة المركزية إلى الجماعات المحلية يكون مقترناً بما يناسبه من موارد.
وعلاوةً على المبادئ الدستورية الخاصّة بتوزيع الصلاحيّات، تتمتّع الجماعات المحلّية بموجب قانون الجماعات المحلّية بصلاحيّاتٍ شديدة التنوّع في جميع مجالات التنظيم والشرطة الإدارية والتنمية الاقتصادية والتهيئة الترابية والعمرانية، إلخ.
ومن الضروري في هذا الصدد الإشارة إلى أن الفصل 134 من الدستور يمنح الجماعات المحلّية سلطةً ترتيبية تمارس وفقا للفصل 26 من مجلة الجماعات المحلية بصفة مبدئية من قبل مجلس الجماعة المحلية أو من قبل رئيس المجلس بمقتضى تفويض في ذلك بقرار معلل.
ويعزّر دستور 2014 استقلالية الجماعيات المحلّية التونسية بخضوعها للرقابة اللاحقة.
ج . الرقابة اللاحقة
تخضع الجماعات المحلّية لرقابة لاحقة بمقتضى الفصل 138 من الدستور و ذلك خلافا للوضع السابق الذي كانت تتميز فيه الرقابة بصبغتها السابقة واللاحقة. تمارس هذه الرقابة من قبل الوالي لاسباب تتعلق بشرعية أو جدوى القرارات الصادرة عن الجماعات المحلية. وكان يتوجّب في السياق السياسي والدستوري الجديد للبلاد أن تُرَدّ إلى الجماعات المحلّية استقلاليتها، بحيث تصبح الاستقلالية هي المبدأ، والرقابة هي الاستثناء و لا يمكن ممارسة الرقابة إلا بصفة لاحقة لاسباب متعلقة بشرعية قرار الجماعة المحلية دون أن تمتد الى تقدير الجدوى منه.
ولا تعني استقلالية الجماعات المحلّية أنها تتمتّع بالاستقلال التام، الذي هو صفةٌ مرتبطة بسيادة الدولة ومكانتها الدولية. أمّا الاستقلالية فهي صفةٌ تُمنح إلى الجماعات المحلية في أدائها لاختصاصاتها الإدارية؛ ولا يمكن أن تتحوّل في أي حالٍ من الأحوال إلى استقلالٍ يهدّد وحدة الدولة. وبناءً على ذلك، تُمارَس الرقابة انطلاقاً من مبدأ وحدة الدولة؛ إذ تخضِع تلك الأخيرة الجماعات المحلّية إلى الرقابة كي لا تتحوّل استقلاليّتها إلى مصدر تهديدٍ لوحدتها. يتبنّى دستور 2014 هذا المنطق بوضوحٍ في الفصل 14. أما الفصل 138، فهو يحدّ من طبيعة الرقابة التي تخضع لها الجماعات المحلّية؛ حيث تخضع للرقابة اللاحقة فيما يتعلّق بشرعية أعمالها، ويقوم بها القاضي الإداري بناءً على طلب ممثّل السلطة المركزية.
ب. الأسس السياسية
بالإضافة إلى البعد القانوني والدستوري، تكتسي اللّامركزية بعداً سياسيّاً متأكداً، يتّضح من خلال تعميم (1) عملية انتخاب المسيرين المحلّيين و(2) آليات الديمقراطية التشاركية التى تم اقرارها على المستوى المحلي. كما ان إتاحة الفرصة للمرأة ولفئاتٍ اجتماعيةٍ أخرى للانضمام إلى المجالس المحلّية تثري الأسس السياسية للّامركزية في تونس.
1. تعميم العملية الانتخابية على الجماعات المحلّية
تجسّد الانتخابات البعد السياسي والديمقراطي للّامركزية. وقد كانت اللّامركزية فيما مضى عاجزةً عن تعبئة السكّان المحلّيين لإدارة الشؤون المحلّية نتيجة تجرّدها من رمزيّتها الانتخابية.
أمّا الآن فقد جرى تعميم العمليّة الانتخابية على عموم الجماعات المحلّية بموجب الفصل 133 من دستور 2014: " تدير الجماعات المحلية مجالسُ منتخبة. تنتخب المجالس البلدية والجهوية انتخاباً عاماً، حرّاً، مباشراً، سريّاً، نزيهاً، وشفّافاً. تنتخب مجالس الأقاليم من قبل أعضاء المجالس البلدية والجهوية. يضمن القانون الانتخابي تمثيلية الشباب في مجالس الجماعات المحلّية".
إن ضمان تمثيلية الشباب في المجالس المحلّية بصورةٍ أكبر من ذي قبل يرسّخ الالتزام ذاته المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، والذي يقضي بأن: "الشباب قوّة فاعلة في بناء الوطن. تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاته وتعمل على تحمّله المسؤولية وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية". إن التزاماً كهذا من شأنه إتاحة المزيد من المجال للمشاركة السياسية في البلاد، لصالح فئةٍ اجتماعية لعبت دوراً حاسماً في اندلاع الثورة.
وفضلاً عن تلك الحالة بعينها، فإن الدستور من شأنه أن يرسي في الفصل 34 مبدءاً عامًا لتحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخَبة، وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بموجب الفصل 46 من الدستور. ويمتدّ هذا المبدأ ليشمل جميع المجالس على المستوى الوطني والإقليمي والمحلّي.
ولضمان الإعمال الفعلي للأحكام المتعلّقة بزيادة التمثيل السياسي للمرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، فإن بعض الأحكام تُترَك إلى المشرّع. حيث يكرّس قانون الانتخابات المحلّية المعدَّل عام 2017 للتكافؤ الأفقي فضلاً عن الرأسي، فأصبح مبدأ التناصف بين الرجال والنساء في رئاسة القوائم الحزبية والائتلافية واجباً بحكم الدستور والقانون. أمّا القوائم المستقلّة فهي معفاة من شرط التكافؤ الأفقي.
أمّا فيما يتعلّق بتمثيلية الشباب، خفض القانون الانتخابي حسب المادة 49 سن الترشّح في الانتخابات البلدية والجهوية إلى 18 عاماً. كما يشترط ألا يتعدّى سن ثلث أعضاء القائمة 35 عاماً، وأن تضمّ كل قائمةٍ من بين الثلاثة الأوائل فيها مترشّحةً أو مترشحاً لا يزيد سنّهم عن 35 سنة. وفي حالة تساوي الأصوات بين المترشّحين لرئاسة المجلس المنتخَب، يتمّ تغليب الأصغر سنّاً.
ويشترط القانون الانتخابي أن تضم القوائم شخصاً واحداً على الأقل من ذوي الإعاقة.
2. آليّات الديمقراطية التشاركية
تثري آليّات الديمقراطية التشاركية اللّامركزية في بعدها السياسي. حيث جعل الفصل 139 من دستور 2014 من آليّات الديمقراطية التشاركية مكوّناً أساسياًّ في تجربة اللّامركزية في تونس. ينص الفصل 139 في هذا الاطار على ما يلي: "تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهامٍ أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقاً لما يضبطه القانون". ويتّضح من خلال هذا الفصل اتّساع نطاق آليّات الديمقراطية التشاركية، وامتدادها لتشمل جميع المجالات المتعلقة بإعداد برامج التنمية، والمرافق، والتهيئة الترابية، وإعداد المخططات المالية والاستثمارية. وطبقاً لمقتضيات الحوكمة المفتوحة، يتيح الدستور للمواطنين الوصول إلى كافّة الوثائق الإدارية الخاصة بالجماعات المحلّية. كما تتيح لهم آليّات الديمقراطية التشاركية التأثير على قرارات الجماعات المحلّية وتقييم أدائها.
وقد التزم قانون الجماعات المحلّية بنصّ الدستور فيما يخصّ المشاركة المدنية وحدّد آليّاتها، مخصّصاً فصلاً كاملاً للديمقراطية التشاركية. وبالإضافة إلى جهود إثراء الأسس القانونية والسياسية، تشهد تونس منذ عام 2014 عملية تكثيفٍ لهياكل السلطة المحلّية.
ثانياً: تكثيف هياكل اللامركزية
في تونس، تم تعزيز عملية اللامركزية، ليس فقط من أجل تحسين الحوكمة والتمثيلية السياسية، بل أيضاً لتحسين التنمية المحلّية وضمان توزيع الخدمات بشكلٍ فعّال، وضمان تغطية الحكومات اللامركزية المحلّية لكامل التراب الوطني. ويرجع ذلك تحديداً إلى حرمان شرائح كاملة من المواطنين من الحصول على الخدمات الأساسية وممارسة المواطنة المحلّية قبل عام 2014. لذا تمّ اتّخاذ تدابير مثل زيادة عدد المستويات المحلّية من مستويين إلى ثلاثة مستويات، وتأسيس هياكل جديدة لإدارة الماليّة المحلّية، والإشراف على الولاية المحلّية، للحول دون تهميش المناطق الريفية المحرومة، مع ضمان درجةٍ من الرقابة المركزيّة لحماية وحدة الدولة التونسية. وهكذا جرى تكثيف هياكل السلطة عبر الانتقال من مستويين إلى ثلاثة مستوياتٍ من الجماعات المحلّية وعبر إنشاء هياكل جديدة.
أ. الانتقال إلى ثلاثة مستوياتٍ من الجماعات المحلّية:
كانت اللامركزية في دستور 1959 تتمثّل في مستويين من الجماعات المحلّية: الولاية والبلدية. أمّا دستور 2014 فقد حدّد في الفصل 131 ثلاثة مستوياتٍ من الجماعات المحلّية: البلدية والجهة والإقليم.
ومن الضروري ملاحظة أن الفصل 131 ينص على أن يغطي كل صنفٍ من الجماعات المحلّية كامل تراب الجمهورية وفق تقسيمٍ يضبطه القانون.
ويُعد هذا التعديل على جانب كبير من الأهمّية؛ حيث اتّخذتالسلطة التأسيسية قراراً محورياً بتصحيح الخلل الناتج عن عدم خضوع 70% من تراب الجمهورية للتقسيم الإداري البلدي. فلم تكن المناطق الريفية والحدودية، والتي تضمّ 1/3 سكّان تونس، مشمولةً بالتنظيم البلدي.
وقد ترتّب على هذا الوضع الشاذ حرمان جزءٍ من المواطنين في المناطق الريفية غير الخاضعة للتقسيم البلدي من الخدمات العامّة المحلّية، وبالتالي حرمانهم من كامل حقّهم في المواطنة. وقد أسفر ذلك في نهاية المطاف عن انقسام المواطنين إلى فئتين: فئةٌ تتمتّع بالحق في التصويت على مستوى البلدية، وفئةٌ أخرى محرومة من هذا الحق بسبب غياب منطقتهم عن خارطة التقسيم الإداري البلدي. وقد تمّ إدراك هذا الخلل من قبل السلطلة التأسيسية في البلاد، بوضع التزامٍ قانوني بتعزيز اللّامركزية وتعميمها، يُضاف إلى مبدأ تعميم الجماعات المحلّية في كامل التراب الوطني.
ب. إنشاء هياكل جديدة
تجدر الإشارة إلى إحداث صنفين من المؤسّسات: المجلس الأعلى للجماعات المحلّية، والهيئة العليا للمالية المحلّية. وعلاوةً على إحداث الإقليم كمستوى جديد في التقسيم الإداري، تم تعزيز اللامركزية بإنشاء هيكلٍ جديد، تمثّل في "المجلس الأعلى للجماعات المحلّية"، والذي يقع مقرّه خارج العاصمة.
وبخلاف الهيئة العليا للمالية المحلّية، أُحدِث هذا المجلس بنصٍّ دستوري. يبدي المجلس، بموجب الفصل 141 من الدستور، رأيه في مشاريع القوانين المتعلّقة بالتخطيط والميزانية والمالية المحلّية.
أما الهيئة العليا للمالية المحلّية، فقد أُنشِئت بموجب الفصل 61 من قانون الجماعات المحلّية، وتتولّى النظر في كل المسائل المتعلّقة بالمالية المحلّية ودعمها وتعصيرها وحسن التصرّف فيها وفقاً لقواعد الحوكمة الرشيدة.
إلا أن التقدّم الذي أحرزته تونس في دعم اللّامركزية منذ عام 2014 لا ينبغي أن يجعلنا نغفل التحدّيات العديدة التي لا تزال تواجه تطبيق اللّامركزية.
ثالثاً: تحدّياتٌ جمّة
في حين أن دستور تونس 2014 عزّز وطوّر من أسس عملية اللامركزة التي رسّخت الحكم الذاتي المحلي في إدارة الشؤون المحلية والانتخابات وتوفير الخدمات، تم وضع العديد من المبادئ والآليات العامة لضمان درجةٍ من سيطرة الدولة المركزية. بالإضافة إلى ذلك، تنطوي ممارسة الصلاحيات المعيَّنة حديثاً وتطبيق اللامركزية على مجموعةٍ من التحديات التي تتعلّق بإرادة السكاّن ككلّ، وإرادة النخبة السياسية في الحكومة التونسية. وسيكون التغلّب على هذه التحديات ضرورياً لضمان نجاعة وديمقراطية مسار اللامركزية.
أ. التحدّيات المالية واللوجستية
يعدّ الوضع المالي للجماعات المحلّية التونسية حرجاً للغاية. فالموارد المحلّية التي تحصّلها من جباية الضرائب المختلفة (على العقارات المبنيّة والأراضي غير المبنيّة والمؤسّسات ذات الصبغة الصناعية أو التجارية أو المهنية والفنادق) ذات عائدٍ ضعيف، كما ينتج عنها تفاوتٌ في العوائد بين الجماعات المحلّية المختلفة. كذلك العائد الجبائي الذي تحصّله الجماعات المحلّية ضئيلٌ للغاية مقارنةً بالعائد الذي تحصّله السلطة المركزية. حيث أن مجموع عوائد البلديّات تمثّل حوالي 2.4% من العوائد الجبائية على المستوى الوطني؛ وهو رقم أقل بكثير من تلك التي تسجّلها غيرها من الدول (4.8% في المغرب، 15.2% في فرنسا، 12% في إنجلترا، 48% في ألمانيا، 43% في الولايات المتحدة الأمريكية).
وبالتالي تحاصر الديون البلديّات، ويجد بعضها صعوبةً في تغطية نفقات التشغيل. وقد ازداد الوضع تعقيداً باستحداث 86 بلديةً منذ عام 2014 لتغطية كال التراب الوطني كما ينصّ الدستور.
لا شك أن مسألة المالّية المحلّية مقلقة، إلا أنّها لا تشكّل في رأينا عائقاً كبيراً أمام مستقبل اللامركزية في تونس. فمعدّلات الدين، باستثناء بعض البلديّات، لا تزال تحت السيطرة.
وقد أحدث قانون الجماعات المحلّية آلياتٍ من أجل تحسين الوضع المالي لتلك الأخيرة، يتولّى تنفيذها الهيئة العليا للمالية المحلّية وصندوق دعم اللامركزية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلّية. حيث يطرح القانون موارد أخرى لتمويل الجماعات المحلّية، وينصّ على أن "كل توسيعٍ لاختصاصات الجماعات المحلّية أو تحويلٍ لاختصاصاتٍ جديدة لفائدتها يصحبه وجوباً تدعيمٌ للموارد المحلّية يضبطه القانون". نحن إذن في انتظار زيادة في حجم الدعم المالي المقدّم من الدولة إلى الجماعات المحلّية لمصاحبة المسار اللامركزي. وقد أقرّ الدستور وقانون الجماعات المحلّية آليات التعديل تكريساً لمبدأ التضامن بين السلطة المركزية والجماعات المحلّية المنصوص عليه في الدستور.
بالإضافة إلى المشكلة المتعلّقة بالمالية، تعاني الجماعات المحلّية من غياب الكفاءات المهنية؛ إذ لا تتعدّى نسبة الكوادر المؤهّلة 10% (المتوسّط الوطني)، تشمل الكوادر الفنّية القائمة بالخدمات العامّة الأساسية وتنفيذ برامج الاستثمار، ونسبتها 1.6% فحسب. وتشكّل نسبة الجماعات المحلّية التي تفتقر إلى الموظّفين الأكفاء 90%. ومن المُتوقَّع أن توفّر الدولة للجماعات المحلّية بعضاً من موظّفيها المؤهَّلين. لكن تجدر الإشارة إلى أن المناصب الإدارية في الجماعات المحلّية لا تشكّل عامل جذب، في ظل غياب وظيفةٍ عمومية مستقلّة على المستوى المحلّي، وانخفاض الرواتب وفرص الترقّي في الوظيفة وفي مستوى المعيشة. ولا ينصّ قانون الجماعات المحلّية على إنشاء وظيفةٍ عموميةٍ مستقلّة على المستوى المحلّي.
وتُعدّ الحاجة إلى تدريب الموظّفين المحلّيّين أمراً ملحّاً، ويتعدّى قدرة مركز التكوين ودعم اللامركزية التونسي. وفقاً لإحصائيّات وزارة المالية، ينبغي الإسراع بتعيين 1500 كادر لتعويض النقص في موظّفي الـ350 بلديةٍ في تونس. ويتطلّب هذا الإجراء إعداد برنامج تأهيلي مدّته خمس سنوات، من قبَل هياكل التأهيل الإداري الأساسي، وهي: المدرسة الوطنية للمالية والمدرسة الوطنية للإدارة.
ب. التحدّيات التي تواجه التطبيق
يتطلّب تطبيق اللامركزية، بالإضافة إلى الوسائل المالية واللوجستية، تعبئةً عامّة للمجتمع المدني بكافة مكوّناته، وإرادةً سياسية راسخة. وقد تم إحراز تقدّمٍ في هذين الاتّجاهين بإحداث وزارةٍ للشؤون المحلّية والبيئة عام 2016. وتحظى الوزارة بصلاحيّاتٍ كبيرة؛ فهي تضمن تطبيق سياسة الحكومة فيما يخصّ اللامركزية. و تقدّم جميع أشكال الدعم لضمان تقدّمها. وعلاوةً على الهياكل التقليدية المناط بها تطبيق اللامركزية، مثل صندوق القروض ومساعدة الجماعات المحلّية، هناك هياكلٌ أخرى تم إحداثها من أجل إعانة إدارة عملية اللامركزة؛ وهي، إلى جانب المجلس الأعلى للجماعات المحلّية والهيئة العليا للمالية المحلّية: الهيئة العامة للاستشراف ومرافقة المسار اللامركزي. كما أسفر تشريع الرقابة عن إعادة تنظيم القضاء الإداري وإحداث الغرف الجهوية للمحكمة الإدارية بموجب قانون مجلّة الجماعات المحلّية.
وأمام ضخامة الإصلاحات التي يتعيّن القيام بها، يتبنّى قانون الجماعات المحلّية، في الفصل الــ66، مساراً تدريجياً يستغرق عدّة سنوات لتطبيق اللامركزية. وهو ينص على إعداد المجلس الأعلى للجماعات المحلّية تقريراً تقييمياً سنوياً لإنجاز الخطة الخماسية لدعم اللامركزية وتطويرها، يُعرَض على مجلس النوّاب.
ومن بين التحدّيات المتعلّقة بالتطبيق، يجب أن نذكر عدم وضوح بعض المبادئ التي أرساها الدستور؛ منها مبدأ التدبير الحر، والذي لا يبدو أنه يحمل دلالةً مختلفة عن مبدأ استقلالية الجماعات المحلّية الذي حدّده الدستور. ذلك أن تعديد المبادئ ذات المحتوى المتقارب يوشك على تعقيد مهمّة مفسِّري الدستور والمحاكم الإدارية المكلّفة بالفصل في النزاعات بين الجماعات المحلّية.
كما يُخشى أن يمارس كلٌ من المجلس الأعلى للجماعات المحلّية والهيئة العليا للمالية المحلّية نوعاً آخر من الرقابة المبطنة على الجماعات المحلّية.
وينبغي أيضاً الإشارة إلى الآثار السلبية الناتجة عن ثقافة رفض أداء الجباية المنتشرة في تونس، ولا سيّما الضرائب المحلّية. لا شك أن تلك الثقافة الرافضة للجباية، والناتجة عن الضغط الضريبي الكبير الذي يُمارَس على الصعيد الوطني، تعوق تعزيز الموارد المالية للجماعات المحلّية، وبالتالي ازدهار ورسوخ سلطةٍ محلّية حقيقية. وختاماً، يجب أن نذكر أن الثقافة السياسية للنخب التونسية تظل شديدة البيروقراطية والمركزية؛ لذلك يميل المواطن إلى تمجيد السلطة المركزية وعدم تقدير المؤسسات والقدرات المحلّية.
الخاتمة
تُعَد تجربة اللامركزية التونسية مسارا شديد التعقيد في تحقيقه. فهو يتطلّب صياغة مشروعٍ سياسي ومؤسّسي ومالي حقيقي، تترابط عناصره لتصنع نظاماً متكاملاً.لا شك أن إرساء اللامركزية يؤثّر في بناء الدولة والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لذا يجب، قبل الدفع بأيّة سياسةٍ لإرساء اللامركزية، أخذ كل تلك العناصر في الاعتبار. وتتعلّق التوصيات بعملية الدسترة، وبجوهر اللامركزية.
الدسترة
تتمتّع بأهميةٍ كبيرة، لكونها تمنح اللامركزية أسسها وقواعدها الدستورية؛
نوصي بشدّة بأن تُراعَى الوسطيّة أثناء عملية الدسترة؛ و يتحتم ان لا يتطرق الدستور تتطرّق إلى التفاصيل، و ان لا يكتفي كذلك برؤيةٍ موجزة تعجز عن توجيه السلطات العامّة بشكلٍ دقيق واضح ومحدّد في كيفية تطبيق اللامركزية؛
يجب أن ترافق العملية آليةُ رقابةٍ على دستورية القوانين؛
من الضروري كذلك أن تستند الدسترة إلى مبادئ، لأن وظيفة الدستور تكمن في توجيه المشرّع وفقاً لمبادئ وقيمٍ معيّنة؛
يجب أن تتميّز تلك المبادئ بالوضوح وقابلية التطبيق وسهولة التأويل؛
يجب تجنّب إرساء مبادئ مكرَّرة أو متشابكة أو ذات دلالاتٍ شديدة التقارب (الاستقلالية/ التسيير الذاتي/ حرّية التصرّف).
جوهر اللامركزية
تعميم العملية الانتخابية على كافّة الجماعات المحلّية، وتنويع تصنيفات البلديّات إذا ما لزم الأمر (حضرية/ريفية)؛
مراعاة الدقّة في تحديد الصلاحيّات والوظائف؛
إحداث مستوىً جديد من الجماعات المحلّية يُعنى بالتنمية فحسب؛
تكليف كل جماعةٍ بمهامٍ محدّدة (مثال على ذلك: تتولّى البلدية مهمّة توفير الخدمات الأساسية، وتتولّى الجهة مهمّة التضامن، ويتولّى الإقليم برامج التنمية والتهيئة الترابية، إلخ.)؛
تحديد العلاقة بين الجماعات المحلّية والسلطة المركزية (طبيعة ومدى الرقابة/ الرقابة القضائية والمالية/ الشرعية، إلخ.)، وبين المحلّيات وبعضها، ومع المجتمع المدني؛
تحديد النظام الجبائي، وإحداث آلياتٍ للتضامن والتعويض المالي للجماعات المحلّية؛
ضمان مشاركة المرأة والشباب وذوي الإعاقة؛
تنمية الوظيفة الاجتماعية والثقافية للجماعات المحلّية.
توزَّع الصلاحيّات المشتركة والصلاحيّات المنقولة استناداً إلى مبدأ التفريع.تتمتّع الجماعات المحلّية بسلطةٍ ترتيبية في مجال ممارسة صلاحيّاتها، وتُنشر قراراتها الترتيبية في جريدةٍ رسمية للجماعات المحلية".
تقديم مقترحات للحكومة قصد تطوير المالية المحلية بما من شأنه أيدعم القدرات المالية للجماعات المحلية على التعهّد بالمصالح المحلية ّ
اقتراحتقديرات الموارد المالية الممكن إحالتها للجماعات المحلية ضمن مشروع ميزانية الدولة.
اقتراحمقاييس توزيع تحويلات الدولة لفائدة الجماعات المحلية
جماعة محلية من مال صندوق ّ متابعة تنفيذ توزيع المنابات الراجعة لكل جماعة محلية من مال صندوق دعم اللامركزية والتسوية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلية واقتراح التعديلات اللازمة عند الاقتضاء
إعداد دراسةٍ مسبَقة حول الكلفة التقديرية لتحويل الاختصاصات أو توسيعها بالتنسيق مع المصالح المركزية.
القيام بالتحاليل المالية لمختلف الجماعات المحلية بناءً على القوائم الماليةوالتي تحال عليها وجوباً من قبل هذه الجماعات.
النظر في حجم التأجير العمومي للجماعات المحلية وفقا لأحكام الفصل9من هذا القانون.
متابعة مديونية الجماعات المحلية.
القيام بالدراسات التقييمية والاستشرافية المتعلقة بالمالية المحلية وذلك بصفةٍ دوريةكل ثلاث سنوات ّ
في عام 2016، كانت المعاليم الراجعة للجماعات المحلّية، والتي تدريها السلطة المركزية، تمثّل 42% من مواردها، ويمكن أن تصل في بعض الحالات إلى 75% من المعاليم الراجعة للبلديّات؛
لا تُعدّ البلديّات من كبار المستثمرين على غرار البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. في تونس، تنفق الدولة في المتوسّط 2000 دينار لصالح المواطن في مقابل 90 ديناراً فقط لصالح البلديّات.
تُستكمَل ميزانيات البلديّات من الموارد المحالة إليها من السلطة المركزية. ولا تمتلك الجماعات المحلّية بشكلٍ كبير سلطة تحديد أسس ومعدّلات وتعريفات الموارد، لأن أغلبها يخضع للنظام الجبائي وبالتالي للقانون (الفصل 66 من دستور 2014).
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.