مقدمة
الغرض والنطاق
كشف تقرير «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي في الأردن، 2021-2030» أن 53 بالمئة من الأسر الأردنية معرضة لانعدام الأمن الغذائي، وأن من العوامل التي تفاقم هذه المشكلة «أزمة اللجوء السوري، وتراجع تحويلات الأردنيين في الخارج، بالإضافة إلى نقص الدعم المقدم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وفي الآونة الأخيرة جائحة كورونا» ولا يجب التعاطي مع هذه العوامل الخارجية بوصفها صدمات معزولة، بل بوصفها شواهد كاشفة لنقاط ضعف هيكلية في نظام غذائي يحتاج على الفور إلى إعادة توجيه بوصلته نحو السيادة الغذائية.
ويجب أن يبدأ هذا التوجه الجديد بالتركيز على منتجي الغذاء، فالمزارعون ذوو الحيازات الصغيرة، وهم شريان الحياة للنظام الغذائي المحلي في الأردن، لا يُمَدُّ لهم من شرايين الحياة سوى القليل على صعيد الدعم الزراعي وحقوق الحيازة والحماية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، تظل المزارع الكبيرة، القادرة على الاستفادة من وفورات الحجم لتلبية الاحتياجات الغذائية المحلية، موجهة في معظمها نحو التصدير. يستورد الأردن حاليًا أكثر من 95 بالمئة من احتياجاته الغذائية من القمح والشعير وكامل احتياجاته من السكر – وهذه محاصيل أساسية كانت في السابق صناعات محلية مهمة. ولذلك، من الضروري تحليل السيرورات التاريخية والسياسية التي أدت إلى انفصال النظام الغذائي الأردني عن احتياجات منتجيه ومستهلكيه.
بحسب إحصاءات زراعية منشورة في 2023، لا يزرع الأردن سوى 58 بالمئة من الأراضي المصنفة صالحةً للزراعة أي 2.09 مليون دونم (وحدة قياس للأرض تعادل 1,000 متر مربع تقريبًا) في سياق انخفضت فيه الأراضي المزروعة بنسبة هائلة بلغت 47 بالمئة بين عامي 1983 و2023. وهذا الاتجاه مُقلق بالنظر إلى أن 4 بالمئة فقط من مساحة أراضي الأردن مصنفة رسميًا صالحة للزراعة. لكن توجد تساؤلات عما إذا كانت التصنيفات الحالية والتشريعات المرتبطة بها تعكس الإمكانات الزراعية الحقيقية للبلاد والحاجة الملحة لحماية الأراضي الزراعية، حيث فقد شمال غرب الأردن ما يقدر بـ 123 ألف دونم من الأراضي الزراعية البعلية بسبب التوسع العمراني وحده بين عامي 2000 و2015.
ويضيق الخناق على هذه الإمكانات بسبب ترسيخ توصيف الأردن كبلد «فقير مائيًا»، ضمن خطاب تحليلي يغفل التقاليد الزراعية المحلية المتأقلمة مع الضغوط المناخية، فضلًا عن أنماط الاستغلال الاستعماري الاستيطاني والاستخراجي الإقليمي التي تستنزف موارد الأردن المائية، إذ لا تستثني الرؤية التوسعية لـ«إسرائيل الكبرى» الأراضي الخصبة لغور الأردن وموارده التي لطالما كانت هدفًا للمشاريع الزراعية الاستعمارية. علاوة على ذلك، كشفت الإبادة الجماعية والإبادة البيئية وتسليح الغذاء والبيئة في غزة وعموم فلسطين التاريخية كيف يمكن هندسة المجاعة في سياقات يُحرم فيها شعب بأكمله من السيادة على غذائه وأرضه وموارده الطبيعية.
بناءً على أبحاث العربية لحماية الطبيعة وأنشطتها وتدخلاتها الميدانية لدعم المزارعين في الأردن، تتتبع هذه الدراسة العلاقة بين التحديات الهيكلية المذكورة أعلاه والصدمات الناشئة التي تفاقم هشاشة المزارعين في مراحل مختلفة من سلسلة القيمة. نركز على الواقع المعاش لزارعي الأرض والأسباب الجذرية وراء إعادة إنتاج ظروف هشاشتهم وتجريدهم من ملكيتهم. ونولي اهتمامًا خاصًا لتشكّل تجزئة الحيازات الزراعية ضمن أنظمة حيازة الأراضي، وبطبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المزارعين، وآليات المساءلة الناشئة عن تسليع الأرض والإنتاج والعمل الزراعي. وبذلك، نتجنب الأطر التبسيطية التي تُوحد المزارعين أو تمجّد الزراعة الصغيرة أو الزراعة الأسرية من دون تفكيك السيرورات الرأسمالية التي تفتت الإنتاج الزراعي وتهندس انقسامات طبقية بعيدًا عن التنظيم الجماعي وأنظمة الإنتاج. على حد علمنا، تُعد هذه أول دراسة توثق منهجية الدورة الكاملة للإنتاج الزراعي في الأردن، من المدخلات إلى الأسواق، من منظور السيادة الغذائية.
وبالتوازي مع ذلك، نرسم خارطة السياسات والكيانات والترتيبات المؤسسية الناظمة لقطاعي الأغذية والزراعة، ونبحث في الكيفية التي غالبًا ما تُعالج بها التحديات الزراعية بطرق تعيد المزارعين إلى حالة ما قبل الأزمة، أي حالة الكفاح من أجل البقاء، ليمتصوا بذلك الصدمات الناجمة عن الظلم الهيكلي في النظام الزراعي والاقتصادي. نسعى من خلال التشاور مع جهات فاعلة مختلفة، تتموضع غالبًا في حالة تجاذب داخل النظام الغذائي، إلى إيجاد مجالات توافق حول التحديات الرئيسة وأوردنا توصيات في هذه الدراسة، لنخلق مساحة وأساسًا للحوار يربط بين وجهات النظر المتفرقة.
المنهجية
لقد طورنا نهجًا تشاركيًا متعدد الأساليب يركز على منتجي الأغذية المحليين والمزارعين ذوي الحيازات الصغيرة والعاملين في القطاع الزراعي عبر 3 مسارات عمل:
- جمع البيانات النوعية
جُمِعَت البيانات النوعية من 19 مناقشة جماعية و15 مقابلة معمّقة مع مزارعين وعاملين في القطاع الزراعي في الأغوار الشمالية والأغوار الوسطى والأغوار الجنوبية والزرقاء والمفرق، بالإضافة إلى مقابلات مع مصادر معلومات رئيسة وخبراء في عمّان. تركز هذه الدراسة في المقام الأول على صغار المنتجين الزراعيين الذين غالبًا ما تُستثنى أصواتهم من المشاورات الوطنية وعمليات وضع الاستراتيجيات، إلا أننا أجرينا أيضًا مقابلات مع منتجين متوسطي وكبار الحجم بهدف وضع التحديات والثغرات المتكررة التي تؤثر في منتجي الأغذية في سياقها الصحيح، بغض النظر عن حجم الحيازة. كما تم، خلال مرحلة جمع البيانات، الاستفادة من ملاحظات الخبراء ومصادر المعلومات الرئيسة ودمجها ضمن تحليل الدراسة.
- عمليات تكرارية لتجميع البيانات الميدانية وتحليلها والتحقق من صحتها من خلال المشاورات التشاركية
عُقدت مشاورتان كجزء من عملية تكرارية للتحقق من صحة ودمج التحديات الرئيسة، والمسارات القائمة الحالية، والجهات الفاعلة داخل النظام الغذائي. شارك في المشاورة الأولى 73 مزارعًا صغيرًا وعاملًا زراعيًا من مختلف مناطق غور الأردن، وجمعت بين مناقشات عامة مفتوحة، ومناقشات مجموعات عمل، واستطلاعات مركزة. وشارك في المشاورة الثانية أكثر من 100 جهة فاعلة، منها كبار صانعي القرار وصانعي السياسات والمؤسسات والوكالات العامة والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات ومؤسسات إنتاج المعرفة ونشرها والقطاع الخاص. اشترك بها 24 مزارعًا ذوو حيازة صغيرة وعاملًا زراعيًا، إلى جانب كبار المزارعين، في إطار تفاعلي أتاح سماع وجهات نظرهم في الجلسات العامة وعبر جميع مجموعات العمل المواضيعية.
- عملية موازية للبحث الثانوي
تبعت البيانات النوعية والمشاورات بحوثٌ ثانوية مستمرة حول الأطر المفاهيمية والقانونية، والعوامل الهيكلية المتجذرة في السيرورات التاريخية المتجسدة اليوم في السياسات والتدخلات المعاصرة، واستراتيجيات الأمن الغذائي وحوكمة المياه.
وقد استرشدت مسارات العمل المختلفة بـ 8 عوامل رئيسة للسيادة الغذائية مصنفة في المراحل الأساسية الثلاث للإنتاج الزراعي:
- التحضير: الوصول إلى الأراضي والمياه والتمويل وجودة هذه الموارد كشرط أساسي لإنتاج الغذاء.
- الزراعة: الوصول إلى مبيدات الآفات والأسمدة والبذور عالية الجودة بصفتها مدخلات زراعية حيوية؛ ودراسة الدور الأساسي لليد العاملة الزراعية من منظور قائم على الحقوق.
- ما بعد الحصاد: المشاركة العادلة للمزارعين ذوي الحيازات الصغيرة في أنظمة التصنيع والتوزيع والتسويق بعد الحصاد كعامل حاسم في قدرتهم على الحصول على أسعار منصفة والحفاظ على استدامة سبل عيشهم.
لتقديم تحليل مركّز ومحكم ضمن الإطار الزمني المحدد للدراسة، اخترنا غور الأردن لإجراء مشاورات مع المزارعين. فالغور بوصفه سلة الغذاء الأردنية منطقة بالغة الأهمية لتحقيق السيادة الغذائية الأردنية، كما أن الكثافة العالية للمزارعين فيه تجعله موقعًا رئيسًا للتحليل بغية فهم التحديات الهيكلية التي يواجهها المزارعون. وقد شكل غور الأردن ساحة تجريبية لإصلاحات زراعية أسفرت عن تحولات في النظام الغذائي. كما أتاحت تربته الطميية الخصبة ومناخه المحلي الفريد إمكانية الزراعة على مدار العام؛ بيد أن ثروته المعدنية أسفرت بشكل متصاعد عن تشكل صراع بين الزراعة واستخراج الموارد.
ولضمان ألا يضيّق تركيزُنا المناطقي نطاقَ التحليل، ساعدت المشاورات على المستوى الوطني والمقابلات الموجهة الإضافية والبحوث الثانوية في معالجة الثغرات المحتملة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.