من يحق له تفسير الحرب؟ المخاطر المؤسسية وسياسات الخبرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تجمّع طلاب جامعة بيرزيت أمام مبنى السفارة الكندية للاحتجاج على دعم الحكومة الكندية لإسرائيل، وإظهار التضامن مع فلسطين بالقرب من القنصلية الكندية في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 30 أبريل 2023. © صور الأناضول - Issam Rimawi 

ملخص

تخلق الحروب طلبًا على الخبرة، لكنها تغير أيضًا الشروط التي تتيح تداولها. منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تتعرّض الجامعات والدوريات ومراكز أبحاث السياسات لضغوط تتعلق باللغة والمنصات والأشخاص الذين تُشرح عبرهم شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويصف تفسير شائع هذه الظاهرة بأنها رقابة. صحيح أن هذا التوصيف يرصد العقوبات الظاهرة، لكنه يُغفل عملية تسبقها: إذ تختار المؤسسات الأسئلة والمتحدثين وفقًا لمقدار المخاطر السياسية التي يمكنها أن تتحملها. تُظهر الخلافات الأخيرة بشأن إدارة أحد المراكز، ومقال في دورية قانونية، وزمالة بحثية، كيف تُترجم الخلافات السياسية إلى مسائل تتعلق بالحوكمة، والإجراءات التحريرية، والامتثال لشروط المنح، في حين تضبط المؤسسات الإقليمية الحدود عينها بأدوات أكثر قسرًا. ولا تتمثل النتيجة في الصمت، بل في الاستبدال، وفي توزيع للسلطة يقدم فيه الباحثون من المنطقة الأدلة، بينما تُصاغ الأسئلة في مكانٍ آخر.

حجة في جملة واحدة

إن تحديد من يملك حق تفسير الحرب يُحسم قبل انعقاد الندوة أو صدور التقرير، أي عندما تحدد المؤسسة موضوع الحرب ومدى امتداد المسؤولية.

من يملك حق تفسير الحرب، ومن يقرر موضوعها؟ تخلق كل حرب سوقًا للخبراء. فبعد عام 2001، أصبح الإسلام والتشدد والأمن موضوعات مهيمنة في الأبحاث. وبعد انتفاضات عام 2011، اتجه الممولون والجامعات نحو قضايا الانتقال السياسي والانتخابات والمجتمع المدني. كانت هذه الأطر موضع خلاف، لكنها نظمت المسارات المهنية والمنح والنقاش العام. كما حددت الأطراف التي بدت ذات صلة، والأسئلة التي تلقت التمويل، وأشكال الخبرة التي اكتسبت سلطة في المجال العام.

ولا تقتصر هذه السلطة على الأجندات البحثية لكونها انطباعًا تولّده موجات متعاقبة من التوجهات السياسية الرائجة. في دراسة صدرت عام 2025، فحص إلين لوست وصامويل تافيسي واكوما 924 منحة ومشروعًا دعمتها 23 منظمة تعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووجدوا أن التمويل تركز على القضايا التي تحظى باهتمام صانعي السياسات الغربيين، ولم يكن يتوافق بالضرورة مع الاهتمامات المحددة من داخل المنطقة. لم يتحكم الممولون في كل استنتاج، لكنهم أسهموا في تقرير أي المشكلات ستحصل على مال وباحثين ومنبر مؤسسي.1Ellen Lust and Samuel Tafesse Wakuma, “The Economics of Social Science Research and Knowledge Production in the Middle East and North Africa”, Daedalus 154, no. 2 (2025): 30–50, part of a special issue on knowledge production in the region that also includes Sara Ababneh (68–92) and Sarah E. Parkinson (93–113) on how teaching conventions and disciplinary incentives shape what counts as knowledge; Sari Hanafi and Rigas Arvanitis, Knowledge Production in the Arab World: The Impossible Promise (Routledge, 2016).

إن اختيار نقطة البداية يوزع بالفعل المسؤولية عن إنتاج العنف الجاري تفسيره، والتمكين له، واستدامته. فحين يُؤرّخ لبداية الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، يبدو تسلسل الأحداث وكأنه رد فعل على هجوم. أما إذا ما قُرئ من منظور الاحتلال والحصار المفروض على غزة ونزع الملكية التي سبقتهما، فإن التسلسل عينه يبدو استمرارًا لبنية قائمة، لا ردًا على حدث. ويصبح التقسيم الزمني في حد ذاته موقفًا يحدد من يبادر بالفعل ومن يرد عليه. ومن هذا المنظور، لا يمكن تفسير الحروب التي شنتها إسرائيل منذ عام 2023 على غزة ولبنان، ومنذ شباط/فبراير 2026 إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، من دون الالتفات إلى الاحتلال ونقل الأسلحة والعقوبات والتحالفات العسكرية وتأثير المانحين. ومع ذلك، فإن العديد من المؤسسات التي تكلّف الخبراء بإنتاج المعرفة ترتبط بالأطراف المنخرطة في هذه الحروب. فبعضها، على سبيل المثال، يقع مقره في دول تصدّر الأسلحة، في حين قد تعتمد برامجه على ممولين حكوميين أو خاصين، وقد يتولى أمناؤه إدارة المخاطر السياسية بالتوازي مع السعي إلى الحفاظ على قدرتهم على الوصول إلى المسؤولين. وبالتالي، قد تظهر هذه المؤسسات داخل السلسلة السببية التي تنشر أبحاثًا عنها.

ولا يقتصر أثر ذلك على حرية الباحثين الأفراد في التعبير. فالطريقة التي تختار بها المؤسسات من يفسّر الحرب، وتحدد بها موضوع هذه الحرب، تشكل تعريف المشكلة: من الأطراف التي يمكن تسميتها، وما الأدلة التي تُعتبر ذات صلة، وما الاستجابات السياسية التي تبقى ممكنة.

إن الدعوة البحثية المُصاغة حول «وصول المساعدات الإنسانية» تستقطب خبرات متخصصة في إيصال المساعدات والقدرات الإدارية. أما إذا أُعيدت صياغتها حول «عرقلة المساعدات»، فإنها تستلزم من الباحثين تحديد السلطات التي تحول دون وصولها. وإذا تناولت الدعوة التواطؤ في هذه العرقلة، فإن نطاق البحث يمتد ليشمل الحكومات التي توفر الأسلحة أو الحماية الدبلوماسية. هذه المصطلحات ليست مترادفة: إذ يستقطب كل منها خبراء مختلفين، ويتيح تتبع المسؤولية إلى مسافات متفاوتة.

السؤال الضيق ليس بالضرورة مجردًا من الطابع السياسي. فوصول المساعدات الإنسانية موضوع بحثي مشروع. تبدأ المشكلة عندما تدرس مؤسسة ما عواقب قرار سياسي، فيما تُبقي الأطراف اللازمة لتفسير تلك النتائج خارج إطار البحث. قد يكون العمل الناتج دقيقًا ضمن حدوده. ومع ذلك، يمكن أن يقدم الحرب باعتبارها مشكلة إدارية، بدلًا من تقديمها بوصفها نتيجة قرارات اتخذتها أطراف يمكن تحديدها.

ويكتسب هذا التمييز أهميته لأن الإطار البحثي ينتقل إلى السياسات. فالمشكلة التي تُعرَّف من خلال الوصول، تولّد مقترحات لإنشاء ممرات وآليات للإيصال وترتيبات التنسيق الإداري. أما المشكلة التي تُعرَّف عبر العرقلة السياسية، فتوجّه الانتباه نحو السلطات التي تفرضها والحكومات التي تتيح استمرارها. ويُدخل البحث في عمليات نقل الأسلحة القرارات المُتخذة داخل الوزارات والبرلمانات في صلب التحليل. وبذلك تسهم صياغة السؤال في تحديد ما إذا كانت المؤسسات ستكتفي بإدارة عواقب الحرب، أم ستتصدى للقرارات التي أدت إليها.

يتناول هذا التعليق ممارسات أصبحت أكثر بروزًا منذ عام 2023 في الحقل الأوسع للمعرفة الأكاديمية والسياسية المتعلقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. الحرب ليست الموضوع الوحيد الذي يُدرس في هذا الحقل، لكنها تؤثر بشكل متزايد في الظروف التي تُنتج في ظلها المعرفة عن المنطقة: أي الأسئلة تصبح ملحة، وأي الخبراء مخولون بالإجابة عنها، وإلى أي مدى تستطيع تفسيراتهم أن تمتد نحو أطراف محمية سياسيًا. يشكل هذا التحليل جزءًا من برنامجي البحثي الأوسع بشأن كيفية صناعة الخبراء العرب والخبرة العربية، وتكليفهم بإنتاج المعرفة، ومنحهم الصلاحية والاعتراف. كما يستند إلى خبرة امتدت لعقدين من الزمن قضيتها داخل مؤسسات تتولى تفسير المنطقة للممولين والحكومات. ويركز التحليل على توزيع السلطة: من يُعرّف المشكلة، ومن يتحكم في الموارد، ومعرفة من تُحتسب دليلًا لا مجرد تفسير. تكشف الحروب الراهنة عن هذه العلاقات، لأن المؤسسات تحتاج إلى الخبرة الإقليمية، بينما تدير المخاطر السياسية المرتبطة بالتفسيرات التي قد تنتجها هذه الخبرة. وبالتالي، يمكن أن يحظى الباحثون العرب بحضور بارز بوصفهم مصادر للسياق والشهادة والوصول الميداني، فيما تبقى قدرتهم محدودة على الاعتراض على السؤال الذي استُقدِموا للإجابة عنه.

 

الخبير الآمن

أسمي الموقع الذي تنتجه عملية الاختيار هذه تسمية «الخبير الآمن». ولا تعني كلمة «آمن» هنا أنه معتدل أو مطيع أو مؤيد للغرب. كما أنها لا تصف نمطًا ثابتًا من الباحثين. فقد يكون الباحث عينه آمنًا في برنامج، ومحفوفًا بالمخاطر في برنامج آخر. وتتوقف صفة الأمان على النقطة التي يتوقف عندها التفسير، وعلى الأطراف التي تستعد المؤسسة المضيفة لتسميتها صراحة.

تجعل الحروب الراهنة هذه العلاقة أكثر سهولة في الرصد. فقد يوثّق تقرير عن غزة الجوع، بينما يترك القرارات العسكرية والسياسية التي تعرقل وصول المساعدات خارج نطاق سرده الرئيسي. وفي لبنان، قد يرسم الإطار التحليلي نفسه خريطة للجماعات المسلحة، بينما يتعامل مع الدول التي تسلحها كخلفية للمشهد؛ أما في ما يتعلق بإيران، فيتناول القمع والانقسامات الاجتماعية، في حين تبقى العقوبات والقوة العسكرية الخارجية متغيرات سياقية. ولا يعد أي من هذه الموضوعات غير مشروع في حدّ ذاته، إنما يظهر الأثر السياسي عندما يستبعد الإطار نفسه مرارًا، الأطراف القريبة من المؤسسة التي كُلّفت بإعداد البحث أو نشره.

لذلك، لا تعدّ اللغة الحادة مقياسًا دقيقًا للمخاطرة السياسية. فقد يدين خبير ما حربًا، ومع ذلك يبقى من السهل إدراجه في أحد البرامج، ما دامت حجته تتوقف قبل أن تطال سياسات الحكومة المضيفة، أو مصالح جهة مانحة، أو دولة حليفة. في المقابل، قد تُحدث ورقة بحثية تتسم لغتها بالتحفظ إرباكًا أكبر، إذا تتبعت الأسلحة أو الأموال أو المسؤولية القانونية وصولًا إلى أطراف قريبة من المؤسسة.

يمكن اختبار هذه الفئة من خلال أسئلة بسيطة: أين تختفي الفاعلية؟ من هي الأطراف التي تُعامل كأسباب، وأيها كجزء من السياق؟ هل يتتبع التحليل مسارات الأسلحة والعقوبات والتمويل؟ وفي أي مرحلة يستطيع الباحثون العارفون بالمنطقة تعديل الإطار المرجعي للبحث؟ لا تكفي حالة واحدة لإثبات وجود نمط، لكن تكراره في الدعوات والبرامج والمنشورات قد يفعل ذلك. لذا، فإن «الخبير الآمن» هو موقع مؤسسي يجب تقصّيه، لا حكمٌ على شجاعة الباحث.

وهذا ما يفسر أيضًا كيف أن إضافة أصوات عربية أو إقليمية قد لا تغير توزيع السلطة. يمكن للباحثين المنتمين للمنطقة أن يقدّموا معرفة اللغة، وإمكان الوصول الميداني، والشهادات، والتفسير السريع للأحداث، بينما يبقى الإطار التحليلي الأولي خارج نطاق سيطرتهم. ويعزز حضورهم المادة التجريبية، لكنه لا يمنحهم بالضرورة سلطة تحديد السؤال البحثي أو التحكم فيه.

 

عندما تصبح المسؤولية مشكلة إدارية

تظهر الحدود حين يتجاوزها الباحث. فلا ترد المؤسسات دائمًا على مثل هذه الحجج على صعيد مضمونها، بل يمكنها استخدام ما تملكه أصلًا من صلاحيات وإجراءات تتعلق بالمناصب، والمنصات والمنشورات والمنح. وعندئذ يُدار الخلاف السياسي من خلال تصنيفات تسيطر عليها المؤسسة.

كان آريا فاني، الأستاذ المشارك في جامعة واشنطن، يدير مركز الشرق الأوسط التابع لها. في آذار/مارس 2026، استخدم النشرة الإخبارية للمركز للتعبير عن معارضته الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. وبعد أيام، أقالته الجامعة من إدارة المركز، مع الإبقاء على منصبه الأكاديمي.2House of Commons Library, “Israel/US-Iran conflict 2026: Background and UK response”, Briefing CBP-10521, 24 April 2026; The Guardian, “University of Washington professor fired from director job after sending email criticizing Iran war”, 3 April 2026; Middle East Studies Association, Committee on Academic Freedom, letter on the removal of Aria Fani, 30 April 2026. ولا يثبت السجل العلني أي اعتبار كان حاسمًا في اتخاذ القرار.

ومع ذلك، فإن شكل الاستجابة له دلالاته. فالجامعة لم تردّ علنًا على تحليل فاني للحرب، بل سحبت منه المنصب المؤسسي الذي أتاح له نشر ذلك التحليل باسمها. فتحول خلاف بشأن الحرب إلى قرار يتعلق بمدى توافر حسن التقدير المطلوب من مدير المركز. وطال الإجراء العقابي المنصة والدور الإداري، لا وظيفته بوصفه باحثًا.

يُظهر الخلاف الذي وقع عام 2024 في مجلة «كولومبيا لو ريفيو» (Columbia Law Review) إزاحةً مماثلةً للخلاف إلى نطاق الإجراءات التحريرية. كتب ربيع إغبارية، وهو محام فلسطيني في مجال حقوق الإنسان ومرشح لنيل الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، مقالًا اقترح فيه التعامل مع «النكبة» بوصفها مفهومًا قانونيًا، وبالتالي باعتبارها بنيةً للتهجير لا تبدأ مع واقعة عنف واحدة بعينها. وكان طلاب محررون كلفوه بكتابة المقال وتولوا تحريره. وبعد نشره، أغلق مجلس إدارة المجلة موقعها الإلكتروني. وجادل المجلس بأن الإجراءات العادية قد جرى تجاوزها، وأن عددًا كبيرًا من المحررين لم يطّلعوا على النص. ودافع المحررون المعنيون عن عملية المراجعة واتهموا المجلس بانتهاك الاستقلالية التحريرية. وبعد أربعة أيام، وبعد أن هددوا بالتوقف عن العمل، عاد الموقع إلى العمل والمقال منشورًا عليه.3Associated Press, “After publishing an article critical of Israel, Columbia Law Review's website is shut down by board”, 5 June 2024; The Intercept, “Columbia Law Review Is Back Online After Students Threatened Work Stoppage”, 6 June 2024; Rabea Eghbariah, “Toward Nakba as a Legal Concept”, Columbia Law Review 124, no. 4 (2024): 887–991.

كانت الإجراءات التحريرية موضع خلاف حقيقي. فالمجلات بحاجة إلى قواعد، ومجالس الإدارة تتحمل مسؤوليات قانونية. لكن الإجراءات لا تعمل من تلقاء نفسها. إذ يقرر أشخاص أي مخالفة تستوجب تدخلًا طارئًا، وسلطة أي طرف يجب أن تكون الغالبة. في هذه الحالة، دارت المواجهة حول حجة قانونية فلسطينية، وحول اللحظة الزمنية التي ينبغي الانطلاق منها لفهم «نزع الملكية»، من خلال السيطرة على البنية التحتية للمجلة.

وتُعد تجربة رندا عبد الفتاح، عالمة الاجتماع والكاتبة الأسترالية والحاصلة على زمالة برنامج «مستقبل» التابع لمجلس البحوث الأسترالي في جامعة ماكواري، مثالًا ثالثًا. ففي مطلع عام 2025، علق المجلس منحتها الدراسية بينما كانت الجامعة تدقق في سلوكها البحثي وأوجه إنفاقها واحتمال وجود تضارب في المصالح. جاء التحقيق بعد جدلٍ علني مستمر بشأن تصريحات عبد الفتاح عن فلسطين، وطلبٍ من وزير التعليم جيسون كلير إلى المجلس مراجعة المنحة. وعُلِّقت الزمالة لاحقًا بعد تصريحات منسوبة إليها تحدثت فيها عن «التلاعب» بالقواعد الأكاديمية وتقويضها. قال المجلس إنه يحمي الأموال العامة ولا يفرض رقابة على التعبير. وبعد عشرة أشهر، خلصت جامعة ماكواري إلى عدم وجود أساس لمزيد من التحقيق، واستؤنفت الزمالة.4The Guardian, “Education minister accused of political interference over review of funding for prominent pro-Palestinian academic”, 15 February 2025; The Guardian, “ARC suspends 0,000 grant to pro-Palestine academic Randa Abdel-Fattah, senators told”, 28 February 2025; Times Higher Education, “Randa Abdel-Fattah: ARC grant suspension ‘about probity, not politics’”, 28 February 2025; The Guardian, “Palestinian Australian academic Randa Abdel-Fattah cleared of wrongdoing after investigation into research grant”, 23 December 2025.

لا يمكن اختزال التحقيق في كونه عقوبة مقنّعة. فالمؤسسات الممولة من القطاع العام عليها واجبات ائتمانية، وقد تستوجب إجراء تحقيق. غير أن تسلسل الأحداث فرض مع ذلك كلفةً فعلية: فقد توقفت أبحاث عبد الفتاح عشرة أشهر. ودخلت تصريحاتها بشأن فلسطين في مسار إداري امتلكت الجهة المموّلة والجامعة سلطة فتحه وتحديد نطاقه وإنهائه. وهكذا، نُقِل جدل سياسي إلى ساحة تسيطر فيها المؤسسة على قواعد الإثبات والجدول الزمني.

لا تثبت هذه الحالات وجود تنسيق بينها، وتختلف نتائجها، لكنها تسلط الضوء على تحرك مؤسسي مشترك. وتمثلت الأدوات في منصب إداري في سياتل، وسلطة تحريرية في كولومبيا، وإجراءات امتثال مرتبطة بمنحة في أستراليا. وفي كل حالة، تُرجمت حجة تتعلق بالحرب إلى قاعدة تمتلك المؤسسة الكلمة الفصل في تطبيقها.

وتظهر مثل هذه الحالات إلى العلن لأنها تحولت إلى قضايا خلافية، ولا تتوافر مجموعة للمقارنة: المخالفات التحريرية التي تتغاضى عنها مجالس الإدارة، وتحقيقات الامتثال التي لا تُفتح أصلًا، ومديرو المراكز الذين استخدموا منصاتهم للدفاع عن قضايا خلافية أخرى واحتفظوا بمناصبهم. أما فرضية تفعيل هذه الصلاحيات العادية بشكل انتقائي، فيمكن لهذا التعليق أن يدعمها، لكنه لا يستطيع حسمها. وتهدف قواعد الإفصاح المقترحة أدناه إلى جعل هذه الفرضية قابلة للاختبار.

أما المثال الإقليمي المقابل فهو أكثر إكراهًا ولا ينبغي مساواته بحوكمة الجامعات. فالوزارات والهيئات الناظمة لوسائل الإعلام وقوانين العقوبات تمتلك صلاحيات لا تتمتع بها مجالس إدارة المجلات. وقد أوضح الأزهر، المؤسسة السنية النافذة التي تتخذ من القاهرة مقرًا لها، هذه الحدود في تموز/يوليو 2025. إذ نشر بيانًا يدين سلوك إسرائيل في غزة، ووصف من يسلّحونها أو يوفرون لها الحماية بأنهم شركاء في ما ترتكبه. ولكن البيان اختفى خلال ساعات. وأفاد موقعا «مدى مصر» و«ميدل إيست آي» بوجود ضغوط مارستها وزارة الخارجية المصرية. من جهته، قال الأزهر إنه سحب النص لأنه قد يعقّد مفاوضات وقف إطلاق النار.5Mada Masr, “Source: Al-Azhar grand imam withdrew call to save Gaza at foreign minister's request”, 23 July 2025; Middle East Eye, “Egypt presidency forced Al-Azhar to delete statement condemning Israel's starvation of Gaza”, 23 July 2025.

لا تثبت الروايات المتاحة من اتخذ القرار النهائي. لكنها تظهر ما أصبح من الصعب الاستمرار فيه. فقد سبق للأزهر أن أدان إسرائيل، لكن البيان بات أكثر كلفة عندما وسّع دائرة المسؤولية لتشمل الدول التي تسلحها أو تحميها. وتختلف الأدوات والعقوبات هنا عن تلك المتاحة لجامعة أو مجلة. وتنحصر المقارنة في نقطة واحدة: يبقى استيعاب الإدانة أسهل من استيعاب تفسير يسمح بامتداد المسؤولية إلى أطراف لا تستطيع المؤسسة تسميتها من دون أن تعرّض نفسها للخطر.

من يتحكم في موضوع البحث؟

تُفرض العقوبات العامة بعد أن يتحدث أحدهم. أما الشكل الأسبق من أشكال السيطرة، فيترك آثارًا أقل. فهو يعمل من خلال الميزانيات، ودعوات تقديم المقترحات، والشروط المرجعية. تلتقي السلطة العلمية بالسلطة المالية عندما تقرر مؤسسة ما الأموال التي ستدفع للباحثين لدراستها.

يوثق لوست وواكوما كيفية توزيع الاهتمام البحثي قبل النشر. ولا تُظهر نتائجهما أن الجهات الممولة تشتري الاستنتاجات، بل تبيّن أن التمويل يجعل بعض موضوعات البحث وفيرة وبعضها الآخر نادرًا. فقد تؤدي دعوة بحثية تركز على القيود التي تعوق الوصول وأخرى تركز على المسؤولية عن عرقلة المساعدات، إلى أبحاث جادة في الحالتين، لكنهما لا تستقطبان الخبرات عينها ولا تُنتجان مجموعة الأدلة عينها.

وتوثّق المؤسسات العربية هذه المسألة منذ ما قبل الحروب الراهنة. يدير «المجلس العربي للعلوم الاجتماعية»، ومقره بيروت، «مرصد العلوم الاجتماعية العربية»، الذي يتمثل هدفه المعلن في دراسة البنية التحتية لإنتاج المعرفة في المنطقة: أين تتركّز القدرات البحثية، وكيف تُبنى المسارات المهنية، ومن يستخدم العلوم الاجتماعية. وتتعامل تقاريره، ومُؤلّفه الأخير عن الحرية الأكاديمية في المنطقة العربية، مع الاعتماد على التمويل الخارجي باعتباره شرطًا بنيويًا لا فضيحة.6Arab Council for the Social Sciences, Arab Social Science Monitor; Arab Social Science Report, first report, ACSS, 2015, prepared by Mohammed Bamyeh, with three further reports since; ACSS, Safeguarding Knowledge: Studies on Academic Freedom in the Arab Region, ACSS. والمجلس عينه يجسّد هذه المفارقة. إذ انطلقت عملية تأسيسه بدعم من مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية في نيويورك، ومجلس السكان، والمكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمركز الكندي لأبحاث التنمية الدولية. كما تأسس على التزام برفض أي تمويل يقيد حرية التعبير. وهكذا، كان لا بد من بناء فضاء بحثي عربي مستقل بموارد جُمِعَت في معظمها من خارج المنطقة.

التمويل الخارجي لا يحدد بحد ذاته جدول الأعمال البحثي. لكنه يجعل السلطة المُمارسة في مرحلة تصميم البحث أكثر حسمًا. إذ يمكن للشروط المرجعية، عندئذ، أن تنزع الطابع السياسي عن حرب من دون حذف أي استنتاج. وقد يعمل الباحثون بدقة علمية ضمن نطاق المهمة المحددة. وقد تكون مراجعة الأقران شديدة التدقيق. لكن القرار الأسبق يكون أدرج بالفعل بعض الأطراف في السلسلة السببية، وترك أطرافًا أخرى خارجها. ولا يحتاج أي محرر إلى حذف استنتاج لم يُصمم المشروع أصلًا للوصول إليه.

ونادرًا ما يسمح الإفصاح عن مصادر التمويل للقراء بإعادة بناء القرار. وقد وثّق معهد «كوينسي»، وهو مركز أبحاث في واشنطن يدعو إلى ضبط النفس في استخدام القوة العسكرية، التمويل المقدم من الحكومات الأجنبية وصناعة الدفاع إلى كبرى معاهد السياسة الخارجية الأمريكية، إلى جانب الثغرات في الإفصاح عن المانحين.7Quincy Institute for Responsible Statecraft, Think Tank Funding Tracker, updated 16 March 2026; Ben Freeman and Nick Cleveland-Stout, “Big Ideas and Big Money: Think Tank Funding in America”, Quincy Institute Brief no. 68, January 2025. ولا تُظهر أرقامه أن أحد المانحين فرض نتيجة معينة، بل تكشف عن غموض أعمق. فقائمة المانحين لا تكشف من اقترح البرنامج، أو من وافق على السؤال، أو من اختار الباحثين، أو ما إذا كان بإمكان الممول تأخير النشر. عند هذه النقطة، يصبح إنتاج الخبرة العربية، والخبرة الإقليمية عمومًا، مسألة سلطة لا مسألة تمثيل. غالبًا ما ينضم الباحثون المنتمون إلى المنطقة بعد اتخاذ القرارات الرئيسية. في الأبحاث المكلفة، يُستعان بالباحثين الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين وغيرهم لما لديهم من قدرة على الوصول، وإلمام باللغة، وشبكة علاقات، والترجمة الفورية السريعة. يمكنهم التأثير في المادة التجريبية، بينما يبقون عاجزين عن تعديل إطار المقارنة، أو إضافة طرف إلى السلسلة السببية، أو رفض الصياغة الأولية للسؤال.

قد يُطلب من باحث فلسطيني توثيق التهجير، بينما تبقى الفئة القانونية والسياسية التي يندرج فيها التهجير خارج نطاق المهمة. وقد يُكلف باحث إيراني بدراسة القمع والانقسامات الاجتماعية، بينما يُتَعامل مع العمليات العسكرية الخارجية بوصفها مجرد خلفية. هذه حالات نموذجية مستمدة من عقدين من العمل البحثي بتكليف، وليست مجموعة بيانات مشفرة. والادعاء الذي تسنده قابل للاختبار، واختباره وثائقي. العديد من الدعوات والشروط المرجعية المنشورة الصادرة عن جهات تمويل أوروبية وأمريكية وخليجية وإقليمية منذ عام 2023 متاحة للجمهور؛ في حين لا تكون مذكرات التأطير الداخلية متاحة في العادة. يمكن قراءة الوثائق المتاحة للبحث عن متغير واحد: هل يظهر الفاعل الحكومي بوصفه سببًا أم مجرد سياق. ولم تُجمع هذه المدونة الوثائقية بعد. وإلى أن يحدث ذلك، يحدد هذا التقرير السؤال الذي لا تستطيع إحصاءات التنوع الإجابة عنه: متى دخل الباحث إلى المشروع، وما الذي كان لا يزال في مقدوره تغييره؟

لا يمنح القرب الجغرافي أو المعايشة امتيازًا تحليليًا تلقائيًا. فالباحثون المقيمون في المنطقة قد يعيدون إنتاج تصنيفات الدولة وأجندات الجهات المانحة. في حين قد يتوصل باحثون من خارجها إلى مقارنات يغفلها التخصص المحلي. يكمن التسلسل الهرمي في مكان آخر، في توزيع حقوق اتخاذ القرار، أي في تحديد من يمكنه رفض الصياغة الأولى للسؤال، ومن يستطيع الإصرار على إدراج مورّد سلاح أو حكومة حليفة أو جهة مانحة داخل التفسير، ومن يكون مُلزمًا بالعمل ضمن سؤال أغلق العقد باب تعديله سلفًا.

إبراز موجز البحث

لا يمكن للجامعات والمجلات ومعاهد السياسات إقصاء السياسة عن تمويل البحوث. فهي تحدد الأولويات، وترفض الأبحاث المقدمة إليها، وتدير المخاطر القانونية أو المالية. لذلك، ينبغي أن تكشف الإصلاحات مواضع اتخاذ هذه القرارات والجهات التي تملك سلطة البتّ فيها.

يجب أن توضّح الإفصاحات على مستوى كل برنامج بحثي من اقترح السؤال البحثي، ومن موّل البرنامج، وما الصلاحيات التي احتفظ بها المانح في ما يتعلق بتعيين الباحثين والنشر. فقائمة سنوية بأسماء المانحين تبقى أبعد مما ينبغي عن القرار الذي يصوغ مشروعًا محددًا. وما يحتاج القراء إلى معرفته هو من كان يملك سلطة القرار عند تحديد موضوع البحث.

كما ينبغي إشراك باحثين يمتلكون معرفة معمّقة بالمنطقة قبل إطلاق الدعوة إلى تقديم المقترحات. وينبغي أن يشمل دورهم مراجعة الإطار السببي الأولي، وتحديد الأطراف التي استبعدها هذا الإطار، وتوثيق صياغة بديلة للسؤال. ويجوز للمؤسسة المكلفة بالبحث أن تتمسّك بالسؤال الذي تفضّله، لكن عليها أن تُفصح عن أن تفسيرًا سببيًا آخر قد طُرح ونوقش ثم رُفض. وتعدّ الهيئات الإقليمية التي ترصد بالفعل إنتاج المعرفة في العالم العربي، ومن بينها المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، أقدر من الجهات الممولة، التي سيوثّق السجل قراراتها، على حفظ هذا السجل.

لن تحوّل هذه القواعد كل علاقة تمويل إلى دليل على الارتهان للجهة المانحة. لكنها ستنشئ سجلًا يتيح المقارنة بين البرامج، فتبدو حالات الإغفال المتكررة مرئية، ويصبح من الممكن التمييز بين الأحكام التحريرية المعتادة وبين الحذر الذي يُستنفر عند تناول حكومات أو جهات مانحة أو تحالفات عسكرية معينة.

وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية أيضًا على مستوى السياسات العامة. فالمؤسسات تتصرف استنادًا إلى المشكلات التي تجعلها أبحاثها مرئية. فالموجز الذي يتمحور حول إمكان وصول المساعدات يميل إلى إنتاج حلول تتعلق بإيصال المساعدات أو الخدمات، في حين أن الموجز الذي يتتبع العرقلة أو عمليات نقل الأسلحة أو نفوذ المانحين يُظهر القرارات التي تصنع الأزمة. لذلك، لا تقتصر الحاجة إلى مؤسسات بحثية مستقلة على تنويع الخبرات، بل تشمل أيضًا اختبار التعريفات الرسمية للمشكلات، وحفظ التفسيرات السببية البديلة، وتحديد علاقات القوة التي قد تفضل الحكومات أو الجهات الممولة التعامل معها بوصفها مجرد خلفية. وبالمثل، يتناول تقرير مبادرة الإصلاح العربي لعام 2024 بعنوان  «المعرفة بصفتها منفعة عامة: إعادة النظر في هدف إنتاج المعرفة وأساليبها» غاية إنتاج المعرفة وملكيتها ومناهجها باعتبارها قضايا تهم الرأي العام.

أدت الحروب التي شنتها إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تزايد الطلب على الخبرات المتصلة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكنها رفعت أيضًا الكلفة المؤسسية للتفسيرات التي تربط العنف بقرارات اتخذت على مستوى قريب من المنظمات التي تنشرها. فالخبير «الآمن» يقدم المعرفة ضمن هذا الإطار المحدد، ويمكن للإجراءات الإدارية أن تفرضه بعد أن يتحدث الباحث، فيما تستطيع الميزانيات والأطر المرجعية للمشروعات أن تدرجه في تصميم المشروع قبل وصول الباحث.

وبالتالي، فإن تحديد من يحق له تفسير الحرب في مرحلة تسبق انعقاد الندوة أو إصدار التقرير أو المنشور يُحسم عندما تقرر المؤسسة موضوع الحرب وجوهرها، واللحظة التي يُفترض أنها بدأت فيها، وإلى أي مدى قد تمتد المسؤولية، ومن يُسمح له بمراجعة هذا الإطار وتعديله.

Endnotes

Endnotes
1 Ellen Lust and Samuel Tafesse Wakuma, “The Economics of Social Science Research and Knowledge Production in the Middle East and North Africa”, Daedalus 154, no. 2 (2025): 30–50, part of a special issue on knowledge production in the region that also includes Sara Ababneh (68–92) and Sarah E. Parkinson (93–113) on how teaching conventions and disciplinary incentives shape what counts as knowledge; Sari Hanafi and Rigas Arvanitis, Knowledge Production in the Arab World: The Impossible Promise (Routledge, 2016).
2 House of Commons Library, “Israel/US-Iran conflict 2026: Background and UK response”, Briefing CBP-10521, 24 April 2026; The Guardian, “University of Washington professor fired from director job after sending email criticizing Iran war”, 3 April 2026; Middle East Studies Association, Committee on Academic Freedom, letter on the removal of Aria Fani, 30 April 2026.
3 Associated Press, “After publishing an article critical of Israel, Columbia Law Review's website is shut down by board”, 5 June 2024; The Intercept, “Columbia Law Review Is Back Online After Students Threatened Work Stoppage”, 6 June 2024; Rabea Eghbariah, “Toward Nakba as a Legal Concept”, Columbia Law Review 124, no. 4 (2024): 887–991.
4 The Guardian, “Education minister accused of political interference over review of funding for prominent pro-Palestinian academic”, 15 February 2025; The Guardian, “ARC suspends 0,000 grant to pro-Palestine academic Randa Abdel-Fattah, senators told”, 28 February 2025; Times Higher Education, “Randa Abdel-Fattah: ARC grant suspension ‘about probity, not politics’”, 28 February 2025; The Guardian, “Palestinian Australian academic Randa Abdel-Fattah cleared of wrongdoing after investigation into research grant”, 23 December 2025.
5 Mada Masr, “Source: Al-Azhar grand imam withdrew call to save Gaza at foreign minister's request”, 23 July 2025; Middle East Eye, “Egypt presidency forced Al-Azhar to delete statement condemning Israel's starvation of Gaza”, 23 July 2025.
6 Arab Council for the Social Sciences, Arab Social Science Monitor; Arab Social Science Report, first report, ACSS, 2015, prepared by Mohammed Bamyeh, with three further reports since; ACSS, Safeguarding Knowledge: Studies on Academic Freedom in the Arab Region, ACSS.
7 Quincy Institute for Responsible Statecraft, Think Tank Funding Tracker, updated 16 March 2026; Ben Freeman and Nick Cleveland-Stout, “Big Ideas and Big Money: Think Tank Funding in America”, Quincy Institute Brief no. 68, January 2025.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.