إلقاء اللوم على جامعة الدول العربية: لماذا تتحمل الدول الأعضاء مسؤولية فشل الأمن الجماعي العربي؟

الدورة الخامسة والخمسون لمجلس وزراء الإعلام العرب في مقر الجامعة العربية، مصر - تشرين الثاني/نوفمبر 2025. (c) محمد باش / شاترستوك

مقدمة

للأمن الجماعي العربي كبش فداء مألوف: الجامعة العربية. وبرز أحدث انتقاد لها بعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران في شباط/فبراير، إذ أعادت الهجمات التي طالت دول الخليج وأمن الملاحة البحرية في المنطقة إحياء التساؤلات حول غياب إطار عربي فاعل للأمن الجماعي. وفي لحظات الأزمات الإقليمية، تتعرض الجامعة العربية للانتقاد بسبب بطئها أو حذرها أو عدم فعاليتها. وغالبًا ما تكون هذه الانتقادات مبررة، لكنها قد تغفل مشكلة أعمق. فضعف الجامعة ليس منفصلًا عن سياسات الأمن العربية، بل هو أحد أوضح تجلياتها.

تنتقد الدول العربية مرة أخرى الجامعة العربية في وقت يتعرض فيه الأمن الإقليمي لضغوط مباشرة. إلا أن السؤال الأكثر دلالة ليس ما إذا كانت الجامعة استجابت بقوة كافية، بل لماذا تواصل الدول الأعضاء توجيه توقعاتها وانتقاداتها إلى مؤسسة لم تمنحها أصلًا الصلاحيات اللازمة لتوفير أمن جماعي ملزم.

فالجامعة ليست مركز سياسات الأمن الإقليمي، ولا الحلقة الضعيفة الوحيدة في منظومة الأمن الجماعي العربي، لكنها تبقى الحلقة الأكثر وضوحًا. وهي لا تزال إطارًا رسميًا تعبر فيه الدول العربية عن مواقف جماعية، فيما تجري الممارسة الفعلية للأمن في مساحات أخرى متفرقة. تعتمد الدول منفردةً على ترتيبات أضيق نطاقًا وأكثر انتقائية، وغالبًا ما تكون خارج النظام الإقليمي العربي، ما يفاقم فجوة القدرات والتوقعات القائمة، أي التباين بين ما تتوقعه الدول العربية من الجامعة وبين الصلاحيات والموارد التي تمنحها لها فعليًا.

وتشكل هذه الفجوة نقطة انطلاق هذه الورقة. فانتقاد الجامعة لا يتناول المشكلة الجوهرية: إذ تحافظ الدول الأعضاء على منظومة أمنية مجزأة لأنها تتيح لها استحضار التضامن العربي من دون قبول قيود العمل الجماعي الملزم. وبالتالي، تبقى الجامعة حاضرة سياسيًا، لكنها ضعيفة مؤسسيًا، في حين يُنظّم الردع والحماية وإدارة الأزمات من خلال ترتيبات أضيق نطاقًا، وغالبًا ما تكون خارجية.

حرب عام 2026 تكشف عن نمط مألوف

كان المحفّز المباشر للموجة الأخيرة من الانتقادات هو الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران. وردت إيران بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت الأراضي الإسرائيلية، والقواعد الأمريكية، وأهدافًا أخرى في دول الخليج والأردن، من ضمنها مطارات ومنشآت للطاقة ومراكز نقل رئيسية. وأثارت هذه الهجمات مخاوف فورية بشأن حماية البنية التحتية الحيوية، وأمن طرق الملاحة البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، واستقرار تدفقات الطاقة العالمية.

ولم يضع وقف إطلاق النار القصير في نيسان/أبريل حدًا لهذه التساؤلات، بل نقل الأزمة إلى مرحلة أكثر هشاشة، في ظلّ استمرار عدم اليقين بشأن الجهود الرامية إلى الانتقال من التصعيد العسكري إلى التفاوض. وأتاح اتفاق إطاري بين الولايات المتحدة وإيران أُعلن عنه في حزيران/يونيو أساسًا مؤقتًا لخفض التصعيد، شمل مباحثات حول وقف إطلاق النار، والملاحة عبر مضيق هرمز، وبرنامج إيران النووي، وتخفيف العقوبات. لكن الاتفاق لم يفضِ إلى تسوية مستقرة. وبحلول أواخر تموز/يوليو، أظهرت الضربات الأمريكية المتجددة، والهجمات الأمريكية والسعودية على الجماعات الموالية لإيران في شرق العراق، وهجوم وقع قرب ميناء دمياط في مصر، أن الحرب تتسع وأن المخاطر التي تهدد طرق الطاقة الإقليمية لا تزال من دون حل.

ولا يزال الوضع هشًا، إن لم يكن مقلقًا، وقد لا يؤدي أي اتفاق قريب الأجل إلى أكثر من خفض الخطر المباشر لتجدد الحرب. ولا تزال المخاوف الأمنية الإقليمية الأوسع نطاقًا من دون حل، لا سيما بالنسبة إلى دول الخليج. لذلك، أعادت الأزمة طرح سؤال ما إذا كان أي إطار إقليمي قادرًا فعلًا على إدارة تهديدات تطال عددًا من الدول العربية.

اتّبعت الانتقادات الموجهة إلى الجامعة العربية خلال الأزمة نمطًا مألوفًا. فمن سوريا وليبيا إلى غزة، رافقت الأزمات الإقليمية مرارًا دعوات إلى تحرك عربي أقوى، وخيبة أمل من الجامعة عندما لم تُحدث بياناتها تأثيرًا ملموسًا. وقد وثقت دراسات وتقييمات عدة هذا النمط في تعامل الجامعة مع هذه الأزمات الإقليمية، من بينها تحليلات صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية؛ والمركز العربي في واشنطن العاصمة. وأصبحت الجامعة العربية الهدف الرئيسي لحالة الإحباط، لأنها لا تزال مُطالبة بتمثيل استجابة عربية جماعية، على الرغم من أن دولها الأعضاء أبقت دورها محدودًا.

ومع تطور الحرب، استجابت المؤسسات الإقليمية بطرق مألوفة. فقد أدانت الجامعة الهجمات الإيرانية، ودعت إلى خفض التصعيد، وأكدت مجددًا مبادئ السيادة والاستقرار الإقليمي. واتخذ مجلس التعاون الخليجي لهجة أمنية أكثر مباشرة، انطلاقًا من حقيقة أن دول الخليج نفسها كانت عرضة لتداعيات الصراع. ودعا أمينه العام، جاسم محمد البديوي، مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ «جميع التدابير اللازمة» لوقف الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون، وحماية الممرات المائية، وضمان حرية الملاحة الدولية، مع الإصرار في الوقت عينه على ضرورة إشراك دول الخليج في أي مفاوضات مع إيران. وأحالت دول الخليج القضية إلى مجلس الأمن الدولي، إذ أُقرّ القرار رقم 2817 لعام 2026، بقيادة البحرين وبدعم من مجلس التعاون الخليجي، الذي يدين الهجمات الإيرانية، وحظي بتأييد واسع. وبينما شكّل قرار مجلس الأمن إشارة سياسية مهمة، واجهت الجهود الرامية إلى الانتقال من الإدانة إلى إجراءات أكثر قوة، لا سيما في ما يتعلق بحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، مقاومة من قوى كبرى، ولم تتحول تلك الجهود إلى إجراءات عملية.

ولا ينبغي الاستهانة بأهمية هذه الاستجابات. فقد أرست مواقف عربية وخليجية رسمية بشأن السيادة، والتصعيد، والأمن البحري، وحماية الاستقرار الإقليمي. لكنها كشفت في الوقت عينه حدود الأطر القائمة. فتمكنت المؤسسات الإقليمية من تحديد طبيعة التهديد سياسيًا والتعبير عن القلق الجماعي، لكنها لم تستطع تنظيم آلية مشتركة للحماية أو الردع أو إدارة الأزمات.

وسرعان ما أصبحت هذه الفجوة جزءًا من النقاش السياسي. فشككت أصوات عربية وخليجية عدة في مدى تناسب الاستجابة مع حجم التهديد. ودعت الكويت إلى «مراجعة صريحة ومسؤولة» لمنظومة العمل العربي المشترك، معتبرةً أن الأزمات المتكررة كشفت محدودية فعالية الأطر القائمة. وصوّر الخطاب السياسي الخليجي على نطاقٍ واسع استجابة المنظمات الإقليمية، ولا سيما الجامعة العربية، على أنها بطيئة أو حذرة أكثر من اللازم أو محدودة، في لحظة كانت فيها دول أعضاء نفسها تتعرض للهجوم. فانتقد المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش، على سبيل المثال، علنًا إخفاق المؤسسات العربية والإسلامية في الاستجابة بفاعلية للتهديدات الإيرانية المتصاعدة ضد دول الخليج. وأضفى ذلك على الانتقادات المألوفة للجامعة بعدًا سياسيًا أكثر حدة، إذ كانت عدة دول أعضاء تواجه مخاطر مباشرة تطال أراضيها وبنيتها التحتية وأمنها البحري.

كانت هذه الانتقادات مفهومة. فالبيانات والقرارات تستطيع تحديد موقف سياسي، لكنها لا تستطيع بمفردها حماية الأراضي أو تأمين الممرات البحرية أو إدارة التصعيد. ومع ذلك، فإن التركيز على الجامعة وحدها يضيّق نطاق المشكلة. فقد أصبحت الجامعة الرمز الأكثر وضوحًا للعجز العربي الجماعي، على الرغم من أن قدرتها على الفعل تعتمد في الأساس على الصلاحيات والموارد والتوافق السياسي التي تستعد الدول الأعضاء لمنحها إياها.

هل ما زالت جامعة الدول العربية ذات أهمية؟

الاعتراض الواضح هنا هو أن الجامعة العربية لم تعد المكان الذي تُنظم فيه قضايا الأمن العربي فعليًّا. فدول الخليج تعتمد بشكل متزايد على علاقات دفاعية ثنائية، وشراكات مع أطراف خارجية، وقنوات دبلوماسية مخصصة لكل حالة. إن استمرار الوجود العسكري الأمريكي والشراكات الأمنية في الخليج، والعلاقة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية وباكستان التي تعززت الآن بموجب معاهدة دفاع مشتركة مع تركيا، والعلاقات الأمنية وعلاقات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، والدور المتنامي لتركيا، كلها عوامل تشير إلى مشهد أمني أكثر تفتتًا. وتكتسب هذه الترتيبات أهمية لأنها توفر للدول ما لا تستطيع الجامعة توفيره، مثل الوصول إلى القدرات، والردع، والاستخبارات، والتعاون العسكري، أو النفوذ الدبلوماسي.

لكن الترتيبات الثنائية ودون الإقليمية تؤدي وظيفة مختلفة؛ فهي تساعد الدول على التعامل مع تهديدات محددة. أما الجامعة العربية فتبقى المؤسسة الرسمية الوحيدة القادرة على التحدث بصورة جماعية باسم الدول العربية. وهي الساحة التي لا تزال الحكومات تنتج فيها خطابًا مشتركًا حول السيادة، ووحدة الأراضي، وعدم التدخل، والقضية الفلسطينية، وخفض التصعيد، والهجمات على الأراضي العربية. ولا ترقى هذه المواقف إلى مستوى الأمن الجماعيّ بالمعنى العسكري، لكنها تحدد ما يمكن للدول العربية أن تعترف به علنًا باعتباره مصدر قلقٍ إقليميًّا مشتركًا. وتكتسب هذه اللغة الجماعية أهمية في عدة مجالات. السيادة مثال على ذلك. ففي الأزمة الحالية، كما في صراعات سابقة، شددت المواقف العربية والخليجية على سيادة الدول التي تعرضت لهجمات ووحدة أراضيها. وتؤسس هذه اللغة لموقف دبلوماسي عربي مشترك في مواجهة تطبيع الهجمات العابرة للحدود على الأراضي العربية. ويُعد خفض التصعيد مثالًا آخر. فكثيرًا ما تدعو بيانات الجامعة العربية إلى ضبط النفس والحوار والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. قد تبدو هذه الدعوات متوقعة، لكنها تساعد في تعريف التصعيد باعتباره مشكلة إقليمية، لا مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. أما فلسطين فهي مجال ثالث لا تزال فيه اللغة العربية الجماعية مهمة. فجامعة الدول العربية تبقى واحدة من المؤسسات القليلة التي تواصل فيها الدول العربية صياغة موقف جماعي تجاه فلسطين وغزة، حتى عندما تكون علاقاتها الثنائية مع إسرائيل متباينة بشكلٍ كبير. كما أن إعادة دمج الدول في النظام الإقليمي العربي أو استبعادها تمثل مجالًا آخر لا تزال فيه الجامعة مهمة. فقد أظهرت عودة سوريا إلى الجامعة عام 2023 أن الجامعة لا تزال تؤدي دورًا باعتبارها منصة تقرر فيها الدول العربية من ينتمي إلى النظام العربي الرسمي.

توضح هذه الأمثلة لماذا لا ينبغي الحكم على الجامعة العربية فقط بناءً على قدرتها على نشر القوات أو ردع الهجمات. فتأثيرها محدود، لكنه ليس معدوم الأهمية. فهي توفر إطارًا رسميًا للغة التي تعبر عن القلق الجماعي العربي. تكمن المشكلة في أن هذه اللغة لا تقابلها آلية قادرة على تحويل المواقف الجماعية إلى أمن جماعي.

بدائل جزئية، حلول غير مكتملة

تكشف الانتقادات المتكررة للجامعة أن الحكومات العربية والفاعلين السياسيين الإقليميين ما زالوا يستحضرون مفهوم الأمن العربي الجماعي. لكن عندما تحتاج الدول إلى الردع أو الحماية أو الوساطة أو إدارة الأزمات، فإنها تتجه بصورة منتظمة إلى قنوات أخرى. والنتيجة هي فجوة مستمرة بين الاستمرار في الدعوة إلى الأمن الجماعي العربي وبين تنظيمه عمليًا. يستطيع مجلس التعاون الخليجي التنسيق بين مجموعة أصغر من الدول التي تتشارك هواجس أمنية متقاربة. ويمكن لمجلس الأمن الدولي أن يوفر الشرعية الدولية. أما الشراكات الثنائية والخارجية، فتتيح التعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وشراء الأسلحة، وإجراء المناورات المشتركة، أو الوصول الدبلوماسي. وتكتسب هذه القنوات أهميتها لأنها تمنح الدول أدوات لا تمتلكها الجامعة العربية.

لكن هذه القنوات لا تعالج المشكلة الأساسية. فمجلس التعاون الخليجي لا يمكنه تمثيل المنطقة العربية بأكملها. ولا تزال الأمم المتحدة خاضعة إلى حدٍ كبير لتوازنات القوى الدولية. وقد تساعد الشراكات الأمنية الخارجية دولًا بعينها على مواجهة مخاطر فورية، لكنها تنقل أيضًا توفير الأمن إلى خارج الأطر المؤسسية الإقليمية. وباختصار، لا تُنشئ هذه القنوات إطارًا للأمن العربي الجماعي.

ويُجسد مجلس التعاون الخليجي حدود هذه البدائل الجزئية. فتختلف دول الخليج في مقارباتها تجاه إيران، نتيجة اختلاف تصوراتها للتهديد، ودرجة تعرّض اقتصاداتها لمخاطر التصعيد، وتقاليدها الدبلوماسية. وتؤثر هذه الاختلافات في ما إذا كانت تعطي الأولوية للردع أو الحوار أو سياسة التحوط. وعلى الرغم من أن اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي تنصّ رسميًا على اعتبار أي اعتداء على دولة عضو اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، فإن تطبيقها لا يزال يعتمد على القرارات السياسية لكل دولة على حدة. كما أن قوات درع الجزيرة، وهي القوة العسكرية المشتركة لدول المجلس التي أُنشئت عام 1982 ولم تُستخدم إلا نادرًا، ومجلس الدفاع المشترك، وهو الهيئة الوزارية المكلفة بتنسيق سياسات الدفاع بين الدول الأعضاء، والقيادة العسكرية الموحدة، كلها تعكس طموحًا نحو دفاع خليجي جماعي. لكن هذا النظام لا يزال أقرب إلى التنسيق السياسي منه إلى هيكل قيادة قابل للتنفيذ. وبالتالي، قد يوفر مجلس التعاون الخليجي ساحة أكثر تركيزًا من الجامعة العربية، لكنه ليس فاعلًا أمنيًا موحدًا. وفي حال حدوث تصعيد كبير، يُرجح أن تواصل دوله التحرك بصورة منفردة، أو عبر ترتيبات ثنائية أو ضمن مجموعات أصغر.

وتوضح حدود الدبلوماسية الأميركية - الإيرانية هذه النقطة بشكل أوضح. فرأت تحليلات خليجية أن أي تسوية مستدامة مع إيران لا يمكن أن تقتصر على تخفيف مؤقت للتوتر أو على تفاهم ثنائي بين الولايات المتحدة وإيران. ومن هذا المنظور، تحتاج دول الخليج إلى ضمانات إقليمية، وآليات للمساءلة، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، والاعتراف بأنها أطراف معنية متأثرة بشكل مباشر في أي اتفاق. ولا يتناقض ذلك مع القول إن دول الخليج تعتمد على الدبلوماسية الخارجية، بل يكشف حدود هذا الاعتماد. فحتى عندما تُعقد مفاوضات خفض التصعيد عبر واشنطن وطهران، تطالب دول الخليج بالتشاور معها، وبضمانات، وبالاعتراف بها بوصفها أطرافًا متأثرة. إلا أن هذه المطالب لم تُفضِ إلى إنشاء إطار أمني إقليمي ملزم. كما تُظهر تجربة «القوة العربية المشتركة» أن هذه المشكلة ليست جديدة. فالفكرة التي أُقرّت عام 2015، وأُعيد إحياؤها دوريًا خلال أزمات لاحقة، عكست إدراكًا متكررًا لافتقار الدول العربية إلى آلية أكثر تنظيمًا للدفاع الجماعي. ومع ذلك، لكنها تعثرت مرارًا بسبب الخلافات حول القيادة، وهياكل القيادة والسيطرة، وآليات اتخاذ القرار، ونطاق التدخل. ولم تكن هذه الخلافات مجرد تفاصيل تقنية، بل مسّت جوهر المشكلة: فقد تتفق الدول العربية مبدئيًا على ضرورة التعاون، لكنها لا تتفق على كيفية تنظيم هذا التعاون أو على الجهة التي ينبغي أن تقوده. والنتيجة هي بنية أمنية عربية متعددة الطبقات وغير متكافئة، لا تزال تفتقر إلى إطار جماعي موحد وقابل للتنفيذ.

لماذا تحافظ الدول الأعضاء على الترتيبات الحالية؟

إذا كانت نقاط ضعف النظام الحالي معروفة إلى هذا الحدّ، فلماذا لم تستبدله الدول العربية، أو تمنح الجامعة صلاحيات أكبر؟ تكمن الإجابة في الفجوة بين تأييد العمل العربي الجماعي مبدئيًا وبين قبول الالتزامات التي سيفرضها هذا العمل عمليًا.

فإقامة نظام أقوى للأمن الجماعي تتطلب من الحكومات الاتفاق على ماهية التهديد، ومتى ينبغي اتخاذ إجراء مشترك، ومن يتولى قيادته، وكيفية إنفاذ القرارات. كما ستتطلب من الدول قبول قيود على سياسات تعتبرها جزءًا أساسيًا من سيادتها الوطنية وأمن أنظمتها. وقد أظهرت الحكومات العربية مرارًا استعدادها للتنسيق عندما تتقاطع مصالحها، لكنها أقل استعدادًا بكثير لإلزام نفسها مسبقًا بقرارات قد تقيّد خياراتها لاحقًا.

وتجعل التباينات في تقدير التهديدات هذه الالتزامات أكثر صعوبة. فالدول العربية لا تنظر إلى إيران، أو إسرائيل، أو تركيا، أو الإسلام السياسي، أو التدخل العسكري الخارجي بالطريقة عينها. كما تختلف مواقفها من صراعاتٍ بعينها ومن علاقاتها مع الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والقوى الأوروبية. وسيتعين على أي آلية للأمن الجماعي أن تتجاوز هذه الخلافات قبل وقوع أي أزمة. لكن فضلت الحكومات عمليًا ترتيبات تسمح لها بالاستجابة بصورة انتقائية.

توفر الشراكات الثنائية والتحالفات المؤقتة والتفاهمات غير الرسمية هذه المرونة. فهي تتيح للحكومات اختيار شركاء مختلفين تبعًا لطبيعة كل مشكلة، وتعديل مواقفها مع تغير الظروف الإقليمية، وتجنب الالتزامات طويلة الأمد تجاه دول قد تتباعد مصالحها عن مصالحها مستقبلًا. وتصف أبحاث حول الإقليمية في الشرق الأوسط النظام الذي تشكّل بعد عام 2011 بأنه أصبح يعتمد بشكل متزايد على «تحالفات مرنة ومتغيّرة» غير مستقرة، تقودها الحكومات، وتتشكل بصورة غير رسمية، بدلًا من التعاون الإقليمي المستدام. قد تكون هذه الترتيبات أقل تماسكًا، لكنها تمنح الدول هامشًا أكبر للمناورة مقارنةً بمؤسسة إقليمية ملزمة.

ويستمر النظام المجزأ لأنه يحمي حرية الدول في التحرك على المستوى الوطني بشكل أكثر فعالية مما يوفر لها أمنًا جماعيًا. فالدول تستفيد من لغة التضامن العربي، مع احتفاظها بحرية اختيار شركائها، وتحديد مصادر تهديدها، وتحديد توقيت تدخلها. لذلك، تواصل الدول الاعتماد على بدائل جزئية، مع تجنب الالتزامات التي ستفرضها جامعة عربية أكثر تمتعًا بالصلاحيات.

الخلاصة: المسؤولية من دون مركز

لم تُنشئ حرب عام 2026 مشكلة الأمن الجماعي العربي، لكنها جعلتها أكثر وضوحًا. وتبقى الجامعة العربية المؤسسة الأسهل التي يمكن تحميلها مسؤولية فشل العمل العربي الجماعي في التبلور. فلا تحل الجامعة مشكلة انعدام الأمن الجماعي العربي، لكن لا يمكن ببساطة اعتبارها مؤسسة بلا أهمية. فهي لا تزال تشكّل إطارًا رسميًا للتعبير عن المواقف العربية المشتركة: فهي تتيح للدول العربية إدانة الهجمات، وتأكيد السيادة، والدعوة إلى خفض التصعيد، والتعبير عن مواقف جماعية بشأن فلسطين وسوريا والاستقرار الإقليمي. لكن بيانات الجامعة نادرًا ما تترجم إلى إجراءات أمنية جماعية وملزمة، فيما تواصل الدول العربية تنظيم أمنها عبر قنوات أضيق وأكثر انتقائية، وغالبًا ما تكون خارجية. وإلى أن تُعالج هذه الفجوة، من المرجح أن تعيد الأزمات المقبلة إنتاج النمط عينه: انتقادات للجامعة، والاعتماد على بدائل جزئية، وغياب إجابة واضحة عن السؤال: من يتحمل مسؤولية الأمن الجماعي العربي؟

تقع مسؤولية الأمن الجماعي العربي على عاتق الدول الأعضاء. إلا أن هذه الدول اختارت أن تترك تنظيم هذا الأمن موزعًا وضيقًا ومجزًا. ويؤدي تحميل الجامعة مسؤولية هذا الواقع إلى حجب حقيقة أكثر جوهرية، وهي عدم استعداد الدول الأعضاء لإنشاء إطار قد يقيّد هامش تحركها، أو لمنح الجامعة الصلاحيات اللازمة للاضطلاع بهذه المسؤولية.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.