مقدمة
تهدف هذه الورقة إلى استكشاف استراتيجيات الطاقة التي اعتمدتها حكومة الأردن خلال العقود الخمسة الماضية لتحقيق الأمن الطاقي، في قطاعٍ أضنته التقلبات والاضطرابات الجيوسياسية المتواصلة. في وجه هذه التحديات، اعتمدت الحكومة تنويع إمدادات الطاقة وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية ركيزتين أساسيتين في صلب التحول المنشود. استلزمت هذه الرؤية إعداد خطط استراتيجية وإقرار تشريعات قانونية وبناء مؤسسات حكومية جديدة. في هذا السياق، تستجوب الدراسة هياكل صنع القرار ودور القوى الجيوسياسية لتعميق فهمنا لعمليات إنتاج سياسات الانتقال. وتستقصي الورقة توزيع مكاسب الانتقال على مكوّنات المجتمع المختلفة، مُسلّطةً الضوء على الفئات المستفيدة والمتضرّرة. وتضم مسحًا لمنظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال انتقال الطاقة، وتحليلًا للتحديات التي تواجهها، ونُهج التغيير التي تعتمدها. كما توظّف هذا التحليل لتشخيص أوجه العدالة أو اللاعدالة في انتقال الطاقة.
أوّلًا، نتناول بالوصف القرارات التي اتخذتها حكومة الأردن منذ سبعينيات القرن المنصرم إلى نهايته، لضمان إمدادات الطاقة بأسعارٍ تفضيلية في ظروفٍ جيوسياسية متقلّبة. نشرح بعد ذلك التغيرات التي طرأت على مؤسسات القطاع، الناجمة عن برامج إعادة الهيكلة والخصخصة، وانعكاس هذه التغيرات المؤسسية على أداء القطاع على مدى العقود الثلاثة التي تلت. ثمّ نعرض كيف استجابت الحكومة الأردنية لنداءات أمن التزود بالطاقة، ونفحص الخيارات التي وُضعت على طاولة المناقشات والتي أدّت إلى إصدار الاستراتيجية الوطنية الأولى للقطاع للفترة 2007-2020، ونقيّم جهود الحكومة في تنفيذ ما جاء في الاستراتيجية. نقدّم بعد ذلك تحليلًا لدور منظمات المجتمع المدني في التأثير على سياسات انتقال الطاقة. ثم نستعرض جهود الأردن الراهنة الرامية إلى جعل البلد مركزًا إقليميًّا لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر. وفي الخاتمة، نوظّف إطارًا مفاهيميًّا لاستجواب ديناميكيات صنع سياسات انتقال الطاقة في الأردن، ونقدّم مجموعةً من التوصيات الهادفة إلى تهيئة القطاع لانتقالٍ عادلٍ يخدم كل مكونات المجتمع بإنصاف.
اعتمدت منهجية إعداد الورقة على جمع معلوماتٍ نوعية وتحليلها من مصادر أولية وثانوية. للإجابة عن الأسئلة البحثية التي طرحناها حول دوافع وتحديات وعدالة انتقال الطاقة في الأردن، استندنا إلى البحث المكتبي وإلى مقابلاتٍ مع خبراء في مجال الطاقة، وإلى حضور ورشات عمل ومؤتمرات ذات صلة. ارتكز البحث المكتبي على مراجعة مجموعةٍ من الأدبيات، تضمنت وثائق حكومية (استراتيجيات وتشريعات)، وتقارير بحثية ومقالات إعلامية وأوراق منشورة في مجلّاتٍ محكّمة وغير محكّمة. أُجريت المقابلات شخصيًّا ورقميًّا خلال فترةٍ زمنيةٍ امتدّت من نيسان/أبريل 2025 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2025، اشترك فيها 14 من الخبراء والباحثين ومسؤولون حكوميون سابقون.
يبيّن تاريخ انتقال الطاقة في الأردن كيف أصبحت العدالة الاجتماعية والسيادة علـى قرارات القطاع رهينةً لسياسات أمن التزود بالطاقة. وتُظهر عمليات صنع السياسات، وما تنطوي عليه من أهدافٍ ومحتويات، أن انتقال الطاقة لا يُنتج في فراغٍ سياسي أو اقتصادي، بل يعكس تنازعاً بين جهاتٍ فاعلة متنافسة تسعى للتأثير على محتوى السياسات وفرض توجهاتها. فبعد أن أصدرت الحكومة الاستراتيجية الأولى للقطاع في العام 2007، نشأت منافسات بين مصالح سياسية واقتصادية داخلية وإقليمية للتحكم في مستقبل قطاع الطاقة. وتكشف الورقة كيف أثّرت هذه المنافسات والعلاقات غير المتكافئة داخل المجتمع الأردني على خيارات استغلال موارد الطاقة الطبيعية في البلاد، وأدّت إلى ظهور تعايشٍ غير مريحٍ بين ستة مصادر طاقية. وفي ظلّ الاهتمام العالمي في توريد الهيدروجين الأخضر، تستجوب الورقة مكانة ودور القوى الجيوسياسية الإقليمية في دعم صناعات الهيدروجين الأخضر ذات البصمة الأرضية والمائية الهائلة، من دون مراعاة السياق الاجتماعي والإيكولوجي المحلي. وتُظهر جهود انتقال الطاقة في الأردن عبر أكثر من خمسة عقود أن هياكل الحوكمة، التي لا تُعطي حيّزًا للمجتمع المدني كفاعل سياسي شرعي، تؤدّي عادةً إلى إعادة إنتاج سياساتٍ وقراراتٍ متسرّعة وغير صائبة مرارًا، مع عواقب وخيمة على العدالة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.