مقدمة
الحماية الاجتماعية مفهوم شامل مرتبط بالأمن الاجتماعي الإنساني، يتجاوز تلبية الحاجات الفيزيولوجية الأساسية إلى تحقيق الشعور بالأمان والكرامة والانتماء. ويستمد هذا المفهوم جذوره من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كرّسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، كما يشكّل أحد الأسس التي يقوم عليها مفهوم التنمية الشمولية، التي يملك فيها كل فرد حق المشاركة والانتفاع العادل من ثمارها. فالحماية الاجتماعية، من هذا المنظور، ليست هبة تمنحها الأنظمة الحاكمة، بل حق للأفراد وواجب على الدولة، ولا استقرار اقتصادي أو سياسي لبلد دون استقرار أبنائه النفسي والاجتماعي.
شهد نظام الحماية الاجتماعية في سوريا، منذ نشأته في نهاية الخمسينيات مع قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959، تطورًا تدريجيًا لم يفلح في تجاوز خلل بنيوي عميق سبق الحرب بعقود: فقد قام هذا النظام على عقد اجتماعي ضمني يقوم على دعم السلع الأساسية وتقديم خدمات عامة واسعة الانتشار كميًا، لكنه ظل يفتقد إلى تصوّر واضح للحماية الاجتماعية بوصفها مسارًا مستقلًا عن السياسات الاجتماعية العامة، وإلى رؤية تكاملية تربط بين مكوّناتها المتعددة وبين هذه المكوّنات والسياسات الاقتصادية. وقد أدى هذا الخلل في التصميم، أكثر من ضعف الموارد بحد ذاته، إلى منظومة عالجت أعراض الفقر بأدوات إسعافية محدودة الأثر، بدل أن تكون جزءًا عضويًا من رؤية تنموية تستهدف أسبابه.
ومع اندلاع الحرب في عام 2011، تعرضت هذه المنظومة المتعثّرة أصلًا لضربة مضاعفة: تصاعدت الحاجة إليها بشكل غير مسبوق في وقت تراجعت فيه قدرة الدولة على توفيرها. بلغ معدل الفقر متعدد الأبعاد في سوريا 5.5 بالمئة عام 2010، في حين أفاد المركز السوري لبحوث السياسات بأن نسبة الفقر المدقع (وفق خط فقر نقدي) تجاوزت 50 بالمئة عام 2023. ) والأهم من حجم هذا التراجع أن الحرب لم تُحدث فقط انكماشًا في موارد الحماية الاجتماعية، بل أحدثت تحوّلًا نوعيًا في بنيتها نفسها: فقد فكك تشظي السلطة وتعدّد مناطق السيطرة فكرة النظام الوطني الموحد، وحلّت محله منظومات متوازية ومتنافسة، يتحدد الوصول إليها وفق الجغرافيا السياسية والولاء والانتماءات المحلية، لا وفق مبدأ المواطنة والحق الاجتماعي المتساوي.
واليوم، مع توجه الحكومة والقيادة السورية الجديدة نحو اقتصاد السوق الحر، وما يصاحبه من تحرير شامل للأسعار ورفع كلّي للدعم عن السلع التي كانت مدعومة سابقًا، تنتقل سوريا من سياق الحرب إلى سياق انتقالي لا يقل تعقيدًا، تتزايد فيه الحاجة إلى الحماية الاجتماعية في الوقت الذي تتقلص فيه أدوات الدولة التقليدية لتوفيرها. من هذا المنطلق، تتناول هذه الورقة مسار تطوّر الحماية الاجتماعية في سوريا عبر ثلاث محطات: واقعها وثغراتها البنيوية قبل الحرب، وتحوّلاتها وتشظيها خلال سنوات النزاع، ومتطلبات إعادة بنائها في المرحلة الانتقالية الراهنة. وتحاول الإجابة عن السؤال الأساسي: كيف يمكن بناء نظام حماية اجتماعية شمولي في سوريا، يقوم على توزيع متوازن للأدوار بين الدولة والمجتمع الأهلي والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، ويستجيب في الوقت نفسه لتعقيدات المرحلة الانتقالية وتعدد حاجات السكان المتضررين؟
الحماية الاجتماعية قبل الحرب في سوريا
نشأتها وتطوّر دور الدولة
شهد تاريخ الحماية الاجتماعية في سوريا أشكالًا متعددة من مكوناتها، حيث بدأ العمل بالتأمين الاجتماعي لأول مرة في الجمهورية العربية السورية في عام 1959 بموجب القانون رقم 92 الصادر في 6 نيسان/أبريل من ذلك العام، والذي أنشأ مؤسسة التأمينات الاجتماعية كجهة عامة مستقلة، في سياق الإصلاحات الاشتراكية. ولا زال القانون رقم 92 لعام 1959 وتعديلاته، يوفّر الأساس الرّئيسي للبرنامج الوطني للتأمين الاجتماعي للقطاع العام وللقطاعين الخاص والمشترك. ويشمل هذا البرنامج معاشات الشيخوخة ومستحقات العجز والورثة. كما يكمله نظام مجزّأ مؤلف من برامج إضافية أصغر حجمًا توفّرها الشركات لأعضاء بعض الفئات المهنية.
منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، اتّجهت سوريا نحو اعتماد إدارة موحّدة لنظام التأمين الاجتماعي عن طريق الإلغاء التدريجي لبرامج التأمين المنفصلة لموظفي القطاع العام، والأفراد العسكريين، وأفراد قوات الأمن الداخلي، وموظّفي الرقابة الجمركية. وقد باتت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تمثّل صندوق التأمين الاجتماعي الرئيسي في سوريا، وتغطّي عددًا متزايدًا من الفئات المهنية من القطاعات العام والخاص والمشترك. وتشرف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وتقوم على هيكل ثلاثي يضم أرباب العمل ونقابة العمال والحكومة، ويقع مقرّها في دمشق.
وقد كان البرنامج الوطني للتأمين الاجتماعي يُموّل من مساهمات المشاركين العاملين المشمولين في سوق العمل، ومساهمات أرباب عملهم، وتترتّب على ذلك شروط مختلفة بحسب اختلاف القطاعات. ففي برنامج القطاع العام للتأمينات، تُقسَم مسؤولية المساهمة بالتّساوي بين الشخص المُؤَمَّن عليه وصاحب العمل، بينما يتحمّل هذا الأخير المسؤولية عن الجزء الأكبر من المبلغ في برنامج القطاعين الخاص والمشترك. وبالتالي يأخذ هذا البرنامج شكل نظام قائم بشكلٍ كامل على الاشتراكات التي تُدفع أولًا بأوّل ويقوم نتيجة لذلك بتقديم مستحقّات محدّدة. ومنذ عام 2001، يجوز لصندوق التأمين أن يستثمر 50 في المئة من أمواله الفائضة.
بالإضافة إلى برنامج التأمين الاجتماعي الأوّلي، تحصل بعض الفئات المهنيّة على تأمين اجتماعي من خلال الجمعيات المهنيّة. ويختلف الدور الذي تقوم به هذه الجمعيات حسب المهنة، فمعظم الأطبّاء والمهندسين على سبيل المثال، غير مسجّلين لدى المؤسسة العامة للتأمين الاجتماعي، ولذلك فإنهم يعتمدون على جمعياتهم المهنية (نقاباتهم) لتغطيتهم بالتأمين الاجتماعي. ولا تدُفع الاشتراكات في برامج التأمين الاجتماعي التّابعة للجمعيات المهنية إلّا من قِبل الأشخاص المؤمَّن عليهم وليس أرباب عملهم. وبالإضافة إلى ذلك، يقدّم بعض أرباب العمل في القطاع العام برامج تأمين اجتماعي خاصّة بالشركات لموظفيهم. غير أن هذه البرامج لا تُستخدم على نطاق واسع بسبب قلّة المعلومات المتداولة حول الحماية الاجتماعية وكيفية تطبيقها.
انتهجت سوريا خلال خططها الخمسيّة المتعاقبة نهج تعميم الخدمات الاجتماعية من خلال الاستثمار في الانتشار الأفقي لمكوّناتها المختلفة، فقد تبنّت خطط التنمية من الأولى حتى التاسعة سياسات اجتماعية خاصّة بمكوّنات التعليم والصحة وظروف المعيشة، وقد أنتج هذا الاهتمام تطوّرًا ملحوظًا في المؤشرات الكمية لهذه القطاعات، إلا أنه من الملاحظ غياب التّحديد الواضح لمفهوم وإطار ونمط السياسات الاجتماعية، بما في ذلك افتقاد هذه الخطط إلى أهداف اجتماعية واضحة ومقاسة ومحددة بإطار زمني، وقد أغفلت هذه الخطط قضايا الفقر والحماية الاجتماعية. وتم تناول السياسات الاجتماعية كل على حدة دون نظرة تكاملية في إطار رؤية شاملة بينها من جهة وبينها وبين السياسات الاقتصادية من جهة أخرى، وتركيزها على مقوّمات البنى التحتية، وإغفالها لقضايا التوازن التنموي (قطاعيًا وجغرافيًا).
لقد أدّى ضعف المشاركة بين الدولة والمجتمع في صناعة السياسات وتنفيذها إلى تراجع العقد الاجتماعي الضمني والترتيبات المؤسسية التي تقوم على توفير الدّولة الحد الأدنى من الخدمات والسّلع الرئيسية لشرائح واسعة من المجتمع. ومنذ الثمانينات غابت أسس المساءلة إلى حد كبير وتراجع دور المجتمع المدني، مقابل تحوّل في دور الدولة نحو سياسات الانفتاح التجاري وتراجع نشاطها الإنتاجي، الذي عزّز التفاوت وعدم العدالة، والأهم من ذلك أن الموارد اللّامادية مثل الاعتبار والكرامة والنفوذ لم تخضع لسياسات إعادة توزيع عادلة.
شكّل عام 2005 نقطة تحوّل رئيسية في تطوير السياسات الاجتماعية في سوريا فقد أتت الخطة الخمسية العاشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (2006-2010) لتترجم تبني الدولة السورية لنهج «اقتصاد السوق الاجتماعي». تميّزت الخطة على صعيد السياسات الاجتماعية بعدد من الخصائص النوعية التي ميّزتها عن الخطط السابقة. فقد جمعت بين رؤية مستقبلية شاملة للاقتصاد والمجتمع السوري ورؤى قطاعية محدّدة، وحاولت التوفيق بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي عبر التركيز على التنمية البشرية وتطوير المؤسسات وتبني سياسات اقتصادية مناصرة للفقراء. كما استندت في صياغة أهدافها ومؤشراتها إلى الأهداف الإنمائية للألفية، وتضمّنت لأول مرة سياسات مباشرة تعالج قضايا الفقر والحماية الاجتماعية، إلى جانب سياسات نوعية لقطاعات التنمية الاجتماعية. وتميّزت أيضًا باعتماد أهداف واضحة وقابلة للقياس ومحدّدة بمدّة زمنية، وبتوزيع الأدوار التنموية بين القطاع العام والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع الأهلي.
وعلى صعيد الأولويات، ركّزت الخطة في جانبها الاجتماعي على النهوض بالقطاعات الاجتماعية والخدمية من خلال حزمة واسعة من السياسات. فشملت إصلاح النظام التعليمي وربطه بسوق العمل، وتحسين بيئة العمل وتشريعاته لتشجيع الانتقال من القطاع غير المنظّم إلى المنظّم، وتطوير النظام الصحي وتوسيع نطاق التأمين والضمان الصحي. وتضمنت أيضًا وضع سياسات للتطوير العمراني والتنمية الحضرية والريفية، وللسكان والتنظيم الأسري، إلى جانب تطوير نظام الضمان الاجتماعي ليشمل الفئات المتدنية الدخل والهامشية، ووضع شبكات أمان اجتماعي وبرامج رعاية ودعم نقدي مباشر للأسر الفقيرة. كما أعادت النظر بأنظمة الدعم والإعانات لتحقيق العدالة الاجتماعية والكفاءة في توظيف الموارد، واستهدفت المناطق الفقيرة بتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والخدمية. وأخيرًا، أفردت الخطة استراتيجيات خاصة للنهوض بأوضاع المرأة والشباب والطفولة، وبرامج لإدماج ذوي الإعاقة وضمان حقوقهم.
على الرغم من النظرة التكاملية التي حملتها الخطة الخمسية العاشرة للسياسات الاجتماعية في إطار رؤية تنموية كلية، إلا أنها لم تحقّق معظم أهدافها، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من الأسباب. فقد كان الخلل المؤسسي في مقدمتها، حيث غابت برامج الإصلاح المؤسسي الرئيسية عن التنفيذ، واستمر ضعف الأداء والتنسيق ونقص المساءلة وغياب التشاركية، مما ضيّع فرصة التأسيس لعقد اجتماعي جديد وسمح للقوى النافذة بتعطيل التحوّل الاجتماعي، فتقزّمت الخطة إلى برنامج إصلاح اقتصادي تقليدي. كذلك لم تتحوّل مناقشات الخطة التحضيرية إلى حوار مجتمعي موسّع يؤسّس لعقد اجتماعي جديد قائم على التنمية التضمينية ويرسّخ مبادئ العدالة الاجتماعية والمواطنة. وقد نُفّذت كثير من الإصلاحات لمصلحة الفئات النافذة على حساب الفئات المهمّشة، فتسارعت الإصلاحات الاقتصادية التحريرية في حين تعطّلت الإصلاحات الاجتماعية والمؤسسية التي تخدم الفقراء والمهمشين. ولم يترافق النمو الاقتصادي مع خلق فرص عمل كافية، بل تراجعت المشاركة في قوى العمل لأسباب عدة، منها تراجع قطاع الزراعة، وظروف العمل غير الملائمة التي دفعت إلى تقاعد مبكر وتراجع مشاركة النساء، إضافة إلى ارتفاع نسبة الالتحاق بالتعليم الثانوي والجامعي. وعلى الرغم من التوسّع الأفقي في قطاعي الصحة والتعليم، لم يتحقق تحسّن نوعي في الحالة الصحية والتعليمية نتيجة ضعف الأداء المؤسسي. وترافق ذلك مع تخلٍّ تدريجي عن الدعم العمومي للتحوّل نحو الاستهداف، الذي لم يُنفَّذ إلا بعد انتهاء الخطة وبطريقة متجزأة، فضلًا عن تنفيذ غير فعّال للسياسات المناصرة للفقراء وسياسات إعادة التوزيع عمومًا، كما تجلّى في إصلاح ضريبي غير مناصر للفقراء ركّز على الضرائب غير المباشرة.
لقد اعتمدت الحماية الاجتماعية المقدّمة من قبل الدولة بشكل رئيسي على عقد اجتماعي ضمني يقوم على تقديم الدعم للسلع الاستهلاكية الرئيسية مثل الخبز والوقود والكهرباء والذي شكّل ضمانًا للفقراء والمهمّشين في ظل الدخول المنخفضة نسبيًا، بالإضافة إلى دعم المُنتجين الزراعيين في السلع الاستراتيجية كالقطن والقمح، وتقديم الخدمات العامة من قبل الدولة في مجالات الصحة والتعليم والتّشغيل العام، وتوفير مناسب للبنية التّحتية المرتبطة بالمياه والصرف الصحي. بدأت الدولة منذ الثمانينات بالتراجع التّدريجي عن تقديم الدّعم والخدمات العامّة، تسارع ذلك في العقد الأول من الألفية مع تسريع الإصلاحات الاقتصادية التحريرية التي غابت عنها الرؤية التنموية وقضية العدالة الاجتماعية إلى حد كبير.
كما استمرّت الدولة في توفير الضّمان والتأمين الاجتماعي مثل المعاشات التقاعدية للعاملين في الدولة وجزء من القطاع الخاص المنظّم، إلا أنّ ذلك غاب عن القطاع غير المنظّم الواسع الانتشار في سوريا. كما بدأت الحكومة ببرامج استهداف خجولة بعد عام 2006 لاستهداف الفقراء بمساعدات نقديّة، أو استهداف مناطق جغرافيّة، إلّا أنّها بقيت ضعيفة الكفاءة ومحدودة التأثير مثل استهداف المنطقة الشرقية الأكثر حرمانًا في سوريا. بالمقابل اعتمد المجتمع السوري على نحو متزايد على الحماية الاجتماعية غير الرسمية المرتبطة بالمجتمع المدني، والتي تمثّلت بالقروض والجمعيات في إطار العمل أو الجوار، بالإضافة للمساعدات عبر المؤسسات الخيرية بمعظمها، كما كان للحماية المرتبطة بالقرابة دور هام في توفير الحماية للفقراء والمهمشين بما في ذلك الدور الكبير لتحويلات المغتربين إلى عائلاتهم.
مكوّنات الحماية الاجتماعية التي كانت سائدة قبل الحرب
أخذت الحماية الاجتماعية في سوريا صيغًا متجزأة من إطارها العام ومكوّناتها المتكاملة. ومعظم هذه المكوّنات تُعتبر من موروثات الاقتصاد الاشتراكي، الذي كانت تمارس فيه الدولة في سوريا دور دولة الرفاه الاجتماعي، ولم تنجح دولة اقتصاد السوق الاجتماعي حديثة العهد في تطوير أدوات حمائية لشرائح الفقراء المتزايدة، تحميهم من الهزات الاقتصادية والأزمات الطبيعية والإنسانية، ويمكن تقسيم الضّمان الاجتماعي في سوريا إلى ثلاثة أقسام أساسية:
شبكات الأمان الاجتماعي
تتضمن المساعدات الاجتماعية في سوريا، التي من الممكن إدراجها تحت إطار شبكات الأمان الاجتماعي، المكوّنات التالية:
- بعض من برامج توليد الدخل للفقراء (المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر): على الرغم من غياب مكوّن الأشغال العامة في سوريا، والذي يُعتبر جزءًا أساسيًا من مكونات الضمان الاجتماعي، إلا أن مكوّن التمويل الصغير والمتناهي الصغر قد نَمى بشكلٍ كبير خلال السنوات العشر السابقة للحرب، من خلال إصدار تشريعات خاصة لتنظيم العمل فيه، وزيادة الانتشار الأفقي للجهات المقدمة للخدمات التمويلية، ونمو أعداد المستفيدين من الخدمات. إلا أن خدماته لم تشهد تنوعًا فقد اقتصرت على مكوني الإقراض المدعوم والتأهيل والتدريب التي تتضمنها المشاريع الحكومية، ولم تتعدّاها إلى مكوّنات أخرى كالتأمين والادخار، كما أن هذا القطاع ما يزال يعتمد على ضمانات تقليدية لا يملكها معظم الفقراء ولم يستطع تطوير ضمانات أخرى.
- التحويلات النقدية والعينية المباشرة والتي تستهدف الأسر الفقيرة: تُعتبر التحويلات النقدية في سوريا حديثة العهد نسبيًا، إذ لم تُحدَث رسميًا إلا عام 2011 بموجب المرسوم التشريعي رقم 9 القاضي بإحداث الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية، وذلك بعد نحو خمس سنوات من انطلاق الخطة الخمسية العاشرة للتنمية (2006-2010)، والتي كان من المفترض أن تتضمن إرساء آليات مماثلة لشبكة الأمان الاجتماعي منذ بدايتها بهدف تخفيف أثر الإصلاحات الاقتصادية التي اشتملتها الخطة على شرائح سكانية من المتوقع تضرّرها من جرّاء سياسات إصلاح الدعم وإصلاح سوق العمل، وسياسات الاقتصاد الليبرالي الذي يقتضي توفير مناخ وشروط عمل السوق الحر. على الرغم من بدء التنفيذ النظري لمكوّنات الصندوق في عام 2008، إلا أن نشاطات الدعم المباشر للفقراء المستهدفين لم تبدأ إلا في عام 2011 ولمدة عام واحد امتاز بظهور أوجه القصور التي شابت عمل الصندوق من أدوات وآليات عمل تم تبنّيها لتحديد الفئات المستهدفة من الأسر الفقيرة، ومدى جدية ومقدرة الحكومة على الاستمرار بالإنفاق على مكوّنات الصندوق. وبالتالي توقف العمل بمكون الإعانات النقدية للفقراء في عام 2012 على الرغم من اشتداد الحاجة إلى هذه الإعانات مع تضرّر شرائح واسعة من السكان بسبب الأزمة في سوريا.
عَرفت سوريا مكوّن الإعانات الغذائية الموجهة نحو الفقراء بشكل مبكّر من خلال تقديمها لمواد تموينية مجانية لجزء من سكان المناطق الحدودية المتضرّرة من جرّاء احتلال إسرائيل لجزء من الأراضي السورية، وذلك بهدف تثبيت السكان في مناطقهم والتقليل من نزوحهم نحو المناطق الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الإعانات الغذائية لم تظهر كمكون من مكونات الحماية الاجتماعية إلا مع بداية أزمة الجفاف التي تأثّرت بها مناطق واسعة من سورية وتعمّق تأثيرها بشكل أساسي في محافظات المنطقة الشرقية والبادية السورية، حيث تدخّلت الحكومة السورية وبالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي لتخفيف أثر الأزمة على الأسر الفقيرة في تلك المنطقة من خلال تقديم سلال غذائية لمساعدة السكان وتثبيتهم في مناطقهم منعًا لنزوحهم.
- التأمينات الاجتماعية: تأخذ التأمينات الاجتماعية في سوريا شكل نظام شبه تعاوني للتخفيف من حدة بعض المخاطر التي قد يتعرض لها العمال وتأمين مورد للدخل عند الهرم، وتتميّز بعدة ميزات:
- الإجبارية: لا يتوقف التّشميل بالتأمينات الاجتماعية على موافقة واختيار العامل أو رب العمل، بل هي إجبارية، وفقًا للقانون.
- الإشراف المباشر للدولة: تتولى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، التابعة لوزارة العمل في سوريا، مسؤولية الإدارة والمتابعة، وذلك خلافًا لما يُفترض نظريًا من أن يكون الإشراف على صندوق التأمينات الاجتماعية ثلاثيًا، بمشاركة ممثلين عن نقابات العمال وأصحاب العمل والدولة.
- مساهمة مشتركة بين العامل ورب العمل فكل منهما يتحمل جزءًا من الاشتراكات لكل نوع من أنواع التأمين.
- تغطية التأمينات الاجتماعية في سوريا لإصابات العمل، والشيخوخة، والعجز، والوفاة.
- عدم تغطية التأمينات الاجتماعية لمكونات هامّة مثل تأمين البطالة وإعانات البطالة والتأمين الصحي.
- ضعف التغطية وانعدامها في القطاع الخاص غير المنظّم.
- التأمين الصحي: يعتبر التأمين الصحي في سوريا، حديث العهد حيث شهد انطلاقة ضعيفة عام 2006. وبدأ كمشروع منتصف عام 2010، أي بعد مرور أربع سنوات على بدء العمل. في عام 2008، لم تتجاوز نسبة السكان المشمولين بالتأمين الصحي الخاص 0.1 بالمئة من إجمالي السكان. أما التأمين الصحي الاجتماعي، الذي اقتصر على العاملين في القطاع العام واستُحدث بموجب المرسوم التشريعي رقم 65 لعام 2009، فلم يتجاوز عدد المشمولين به نحو 700 ألف مواطن سوري بحلول عام 2014. وذلك نتيجة عدّة عوامل أبرزها: ضعف الوعي التأميني، وضعف دخل المواطن السوري، وعدم قيام شركات التأمين الخاصة بالتركيز في نشاطها التسويقي على هذا النمط من التأمين.
شكّل المرسوم التشريعي رقم 65 لعام 2009، القاضي بتعديل المادة 158 من القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004، محطةً مهمّة في توسيع التغطية التأمينية. فقد أتاح للجهات العامة إبرام عقود تأمين صحي للعاملين لديها وأفراد عائلاتهم، وفق أنظمتها، مع المؤسسة العامة السورية للتأمين. وبلغ عدد شركات التأمين العاملة في السوق السورية آنذاك 13 شركة، منها شركة حكومية واحدة و12 شركة خاصة، من بينها شركتان للتأمين التكافلي.
يكشف هذا التحليل لمكونات شبكات الأمان الاجتماعي في سوريا، وما تخلّلها من ثغرات في التغطية والتنسيق والاستدامة، عن مجموعة من السمات الهيكلية التي تفسّر محدودية أثرها. فعدم اشتمال هذه الشبكات على مكونات ضرورية كالضمان الصحي والأشغال العامة، إلى جانب تعدّد الجهات المعنية بتنفيذها والإشراف عليها دون تنسيق كافٍ بينها، أديا إلى تشتت مكوّناتها وضعف النظر إليها كمنظومة متكاملة، وهو ما انعكس بدوره على ضعف أثرها الفعلي على الفئات المستهدفة. ويضاف إلى ذلك افتقارها لمعايير ومراحل واضحة للدخول والخروج من برامجها، أي لآليات التدرّج في الاستهداف، ما يجعل إبقاء الفئات الأشد حاجة خارج التغطية أمرًا واردًا. كما أن ارتفاع تكاليف هذه الشبكات، ولا سيما عبء الدعم السلعي على الموازنة العامة، يضع استدامتها على المحك، وهو ما يفسر الميل المتزايد في السنوات الأخيرة نحو إجراءات ترشيد الدعم. وتفتقد هذه الشبكات أيضًا معايير استهداف واضحة وشفّافة، حيث يسود كثير من الشك، المقترن ببعض الأدلة، حول مدى فعاليتها في الوصول إلى الفقراء فعلًا، كما تبيّن من تقييم عمل الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية. وأخيرًا، فإن النظر إلى هذه البرامج على أنها هبة حكومية تتوقّف وتبدأ من جديد وفق قرارات سياسية، لا حقوقًا واجبة وفقًا للتشريعات والدستور، يجعلها عرضة للتقلّبات بدل أن تشكّل ضمانًا مستقرًا للفئات الهشة.
الخدمات الاجتماعية المقدمة للفقراء
قدّمت الدولة سابقًا الخدمات الاجتماعية المختلفة في إطار خطاب رسمي يصفها بأنها حقوق للمواطنين كفلها الدستور، فلم تميّز نظريًا بين الأغنياء والفقراء في الوصول إليها. وشملت هذه الخدمات ما كان يقدَّم بالمجان، كالخدمات الصحية والتعليمية والصرف الصحي، وما كان يقدَّم بأسعار رمزية أو مدعومة، مثل مياه الشرب والكهرباء المنزلية والاتصالات وبعض المواد التموينية الأساسية. غير أن شمولية هذا الخطاب لا تعني بالضرورة أن مقاربة الدولة كانت مقاربة حقوقية بالمعنى الكامل، أو أن النظام الذي قدّمته كان عادلًا أو فعالًا في الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة؛ فالدعم العام غير الموجّه استفادت منه الفئات الميسورة بقدر الفقراء أو أكثر، في ظل غياب آليات استهداف واضحة، وهو ما يحدّ من اعتباره نموذجًا ناجحًا للحماية الاجتماعية رغم اتساع تغطيته الشكلية.
وفي هذا الإطار، دعمت الدولة السورية ضمن موازناتها العامة بعض المواد التموينية دعمًا كاملًا، بغض النظر عن الكميات المستهلكة، كالخبز، كما دعمت جزءًا من استهلاك الأسر من مادتي السكر والرز، حيث خُصّص لكل فرد من الأسرة كمية شهرية معينة بطريقة «البونات»، وهي آلية شمولية التغطية وغير موجّهة نحو الفئات الهشّة. كما قدّمت خدمات مياه الشرب بأسعار أقل من سعر التكلفة، مع احتساب القيمة وفق أسعار تصاعدية بحسب شرائح الاستهلاك، بينما قُدّمت خدمات الصرف الصحي مجانًا. ودعمت الدولة أيضًا أسعار الطاقة، كالكهرباء التي احتُسبت أسعارها وفق شرائح تصاعدية تراعي استهلاك الأسر الفقيرة، والمحروقات التي، على الرغم من ارتفاع أسعارها خلال السنوات الأخيرة، كانت ما تزال تُقدّم إلى المستهلكين بأسعار أقل من سعر التكلفة.
العمل اللائق:
يعتبر العمل اللائق أحد أهم مكونات الحماية الاجتماعية ويتضمن العمل اللائق القضايا المتعلقة بدخل العمل وظروف العمل وتنظيم سوق العمل وتشريعات حماية حقوق العمل بالإضافة إلى قضايا الإنصاف للنوع الاجتماعي وعمالة الأطفال.
ينظّم سوق العمل في سوريا قانونان رئيسيان: الأول هو نظام العاملين الأساسي في الدولة رقم 50 لعام 2004، ويخضع له العاملون في الدولة والقطاع العام والقطاع المشترك؛ والثاني هو قانون العمل رقم 17 لعام 2010، ويخضع له العاملون في القطاع الخاص والتعاوني، وفي بعض الحالات العاملون في القطاع المشترك.
وإلى جانب هذين القانونين، تخضع بعض الفئات المحدودة لأنظمة خاصة، مثل قانون الموظفين الأساسي رقم 135 لعام 1945 وتعديلاته، إضافة إلى أنظمة خاصة بالعاملين في الهيئات التعليمية في الجامعات ومراكز البحوث. كما يضع قانون التنظيم النقابي العمالي رقم 84 لعام 1968 أسس إنشاء الهيئات النقابية العمالية وأدوارها، في حين ينظّم قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959 مسائل الخروج من سوق العمل وإصابات العمل، ويشمل العاملين في الدولة والقطاع العام، وكذلك العاملين في القطاعات الخاص والتعاوني والمشترك.
وتنظّم هذه التشريعات آليات الدخول إلى سوق العمل والخروج منه، والعلاقات والحقوق المترتبة على أطراف العمل، واستحقاق الأجور وأدائها، والضمانات والحماية المقررة للعاملين، وآليات فضّ النزاعات الناشئة بين أطراف علاقة العمل.
خلاصة، تواجه منظومة الحماية الاجتماعية في سوريا التي كانت سائدة قبل الحرب مجموعة من المشكلات البنيوية المتشابكة، التي يكشف تحليلها عن قصور عميق يتجاوز مجرّد ضعف الموارد إلى خلل في التّصور والتّصميم نفسه. فعلى الرغم من أن أرقام الموازنة قد تُظهر ظاهريًا استمرار حضور الدولة في هذا المجال، فإن الواقع يعكس تراجعًا حقيقيًا في دورها، نتيجة لضعف البيئتين التنظيمية والتشريعية وغياب توزّع عادل ومنطقي للأدوار بين الفاعلين المختلفين. فاللّاعب الرئيسي في هذه المنظومة ظل هو الحكومة، في حين بقيت المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص ضعيفة، وظلّت جهود المجتمع الأهلي والمنظّمات الدولية، على أهميتها، جهودًا ضعيفة تفتقد إلى الاستدامة ومحدودة الأثر، في ظل غياب أي دور تنموي حقيقي لها. وقد أدى هذا الخلل في توزيع الأدوار، مجتمعًا مع استناد المنظومة إلى مكوّنات غير مستدامة وغياب أوجه التمكين فيها، إلى تشتّت الجهود وضعف أثرها التراكمي.
ويتعمّق هذا القصور البنيوي حين يُنظر إلى الأساس الفكري الذي قامت عليه السياسات: فقد غاب التمييز الواضح بين السياسات الاجتماعية والحماية الاجتماعية، وهو ما أدّى إلى إغفال قضايا الفقر والحماية الاجتماعية بوصفها مسارًا مستقلًا يستحق التناول المباشر. كذلك عولجت السياسات الاجتماعية كلّ على حدة، دون نظرة تكاملية تجمعها في إطار رؤية شمولية، لا فيما بينها، ولا في علاقتها بالسياسات الاقتصادية. وانعكس هذا التجزّؤ في الميل إلى التركيز على الانتشار الكمّي للخدمات على حساب الجانب النوعي، وعلى مقوّمات البنية التحتية على حساب الاستثمار في رأس المال البشري، وفي إغفال قضايا التوازن التنموي على المستويين القطاعي والجغرافي. وضعف بيئة عمل المجتمع المحلي بدوره كرّس هذا الخلل، إذ حدّ من قدرة الفاعلين المحليين على تجاوز هذا التجزّؤ وتعويض ضعف الرؤية الشاملة.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل في التصور أن الدعم العمومي قد عومل، عمليًا، كما لو كان هو سياسات التنمية بعينها، في حين أنه في حقيقته ليس أكثر من سياسات وإجراءات لتخفيف أثر قصور التنمية، أي أنه استجابة لعرض الفقر لا علاج لأسبابه. وهذا الخلط هو ما يفسّر استمرار عدم التوازن في توزيع الجهد والإنفاق بين مكونات الحماية الاجتماعية: فالتركيز الأكبر والإنفاق الأكبر ما زالا يقعان في مكوّن شبكات الأمان الاجتماعي، بينما لا يزال الاهتمام بمكوّن العمل اللائق وسوق العمل، وهو المكوّن الأكثر قدرة على معالجة جذور الفقر، قاصرًا عن تلبية الطموح وعن تخفيف الضغط عن بقية مكونات الحماية الاجتماعية. وهكذا، فإن جميع هذه العوامل تتقاطع لتفسّر سببًا واحدًا جامعًا: أن منظومة الحماية الاجتماعية، كما صُمّمت ونُفّذت، عالجت أعراض الفقر والضعف الاجتماعي بأدوات إسعافية محدودة الأثر، بدل أن تكون جزءًا عضويًا من رؤية تنموية تكاملية تستهدف أسباب هذا الضعف.
الحماية الاجتماعية خلال سنوات الحرب
تشتد الحاجة إلى مكوّنات الحماية الاجتماعية في ظروف الأزمات، وما يرافقها من أضرار تطال فئات واسعة من السكان، وارتفاع في حجم الاحتياجات، ولا سيما لدى الفئات المتضررة والمهجّرة. ويصبح توفير الظروف الضرورية لتلبية هذه الاحتياجات، وتعزيز سبل التكيّف والتأقلم والاندماج الاجتماعي بين المهجّرين والمجتمعات المضيفة، أولويةً أساسية في هذا السياق.
يكشف الواقع السوري أن آليات الحماية الاجتماعية، بأدواتها ومكوّناتها الحكومية وغير الحكومية، قد أصابها خلال السنوات الماضية قدرٌ كبير من الضعف والخلل. ونتيجة ذلك، أخذت بعض الظواهر الاجتماعية، التي كانت موجودة في مستويات محدودة قبل الأزمة، بالتّنامي والظهور على نحو أكثر حدّة، ولا سيما لدى الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفًا، أو في البيئات الاجتماعية الأكثر تأثرًا بالأزمة التي طال أمدها. ومن أبرز هذه الظواهر انعدام الأمن الغذائي، والعنف، والزواج المبكر، إضافة إلى النزوح الداخلي غير المسبوق في سوريا من حيث أسبابه وحجمه وتداعياته. وهو ما يتطلب توفير ديناميات حماية فعّالة تبدأ بالتقصّي والرصد وتحديد الاحتياجات، وتنتقل إلى وضع خطط للتدخل الإسعافي أو الوقائي، ثم إلى المتابعة والتقييم وضمان استدامة الخدمات، بما يساهم في الاقتراب من الهدف النهائي المتمثل في بناء منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية.
في ظل الحرب، وعلى الرغم من اشتداد الحاجة إلى منظومة حماية اجتماعية قادرة على التخفيف من آثارها على الفئات الواسعة المتضرّرة، أدّت ضغوط الموارد وعجز الموازنة إلى تراجع مختلف مكوّنات هذه المنظومة. فقد انعكس ذلك في تدهور شروط العمل اللائق، من خلال ارتفاع معدلات البطالة، واتساع الفجوة بين الدخلين الاسمي والحقيقي، واضطرار مزيد من النساء إلى دخول سوق العمل لتغطية عجز إنفاق الأسر، فضلًا عن انتشار عمالة الأطفال والتسرّب المدرسي نتيجة ارتفاع تكاليف التعليم. كما شهدت الخدمات الاجتماعية تراجعًا ملحوظًا، إذ بات العبء الشخصي لتكاليف التعليم والصحة يفوق العبء الحكومي، بالتوازي مع تدهور كبير في الخدمات المرتبطة بالمسكن، ولا سيما الكهرباء ومياه الشرب.
وتعكس مؤشرات الفقر والبطالة حجم هذا التراجع بوضوح: فقد ارتفعت نسبة السكان تحت خط الفقر المدقع من نحو 1 بالمئة من إجمالي السكان في عام 2010 إلى ما يتجاوز 50 بالمئة في عام 2023، أي أن نصف سكان سوريا أصبحوا غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية، بينما ارتفع معدل البطالة من 8.6 بالمئة عام 2010 إلى 57.7 بالمئة بحلول نهاية عام 2014، ليبلغ عدد العاطلين عن العمل 3.72 مليون مواطن، بما أثّر سلبًا على 12.2 مليون سوري هم عائلات هؤلاء العاطلين، ) قبل أن تتراجع تدريجيًا لتبلغ نحو 23.6 بالمئة عام 2023، دون أن يعكس ذلك تحسنًا حقيقيًا في فرص العمل اللائق بقدر ما يعكس خروج أعداد كبيرة من قوة العمل أو هجرتها. وفي مفارقة لافتة، أعادت الدولة تفعيل أداتها التقليدية المتمثلة بالدعم، لا بوصفه سياسة اجتماعية بقدر ما هو أداة احتواء سياسي واجتماعي؛ فبلغ الدعم ذروته عام 2013 ليصل إلى نحو 70 بالمئة من الموازنة العامة، وبلغ دعم الخبز وحده 347.24 مليار ليرة سورية، فيما شكّل الدعم بمختلف أشكاله قرابة 40 بالمئة من الموازنة في ذروة الأزمة، في حين تراجعت حصص قطاعات أساسية أخرى كالتعليم (الذي كان قد تجاوز 18 بالمئة من إجمالي الإنفاق العام قبيل عام 2010) والصحة (التي بلغت قرابة 5 بالمئة في الفترة نفسها) كنسبة من هذا الإنفاق، وهو ما يعكس إعادة توزيع قسري للموارد العامة المتاحة نحو التدخلات الإسعافية على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى.
غير أن هذا التراجع لا يمكن فهمه فقط بوصفه انخفاضًا في الموارد أو ضعفًا في قدرة الدولة على الإنفاق، بل بوصفه تحوّلًا نوعيًا في بنية الحماية الاجتماعية نفسها خلال الحرب. فقد أدّى تشظّي السلطة وتعدد مناطق السيطرة إلى تفكك فكرة النظام الوطني الموحد للحماية الاجتماعية، وظهور ترتيبات متوازية تختلف باختلاف الجهة المسيطرة. وبذلك، لم تعد الحماية الاجتماعية خلال الحرب مجرد منظومة متراجعة، بل أصبحت منظومات مجزأة ومتنافسة، يتحدد الوصول إليها وفق الجغرافيا السياسية والولاء والقدرة الاقتصادية والانتماءات المحلية، لا وفق مبدأ المواطنة والحق الاجتماعي المتساوي.
رؤية مقترحة: نحو نظام حماية اجتماعية شمولي
ما يزال مستقبل الحماية الاجتماعية غامضًا بالرغم من أن الملامح العامة لهذا المستقبل واضحة في ظل توجه الحكومة والقيادة السورية الجديدة نحو اقتصاد السوق الحر، وبدء تطبيق معاييره التي كان أولها تحرير الأسعار ورفع الدعم بصورة كلية عن السلع التي كانت مدعومة سابقًا.
لذلك، تقدّم هذه الورقة رؤية مقترحة لنظام حماية اجتماعية شمولي يستند إلى توزّع متوازن للأدوار ويساهم في تخفيف أثر الأزمات والتحولات الاقتصادية على الفئات السكانية الضعيفة والهشة، وإعادة إدماجهم في المجتمع والعملية التنموية. تعتبر المقاربة الناجحة للحماية الاجتماعية هي تلك التي تتضمن نوعين من السياسات والمكونات.
يتضمن النوع الأول سياسات وإجراءات استباقية تهدف إلى منع وقوع الفئات السكانية في دائرة الحاجة إلى الحماية الاجتماعية. وتشمل هذه السياسات سياسات العمل اللائق التي تسعى إلى خلق فرص عمل مستدامة تؤمّن الحد الأدنى من الدخل الكافي لإبعاد الأفراد والأسر عن الفقر والحاجة، إضافةً إلى توفير التأمين الاجتماعي في حالات التقاعد والشيخوخة والعجز. كما تتضمن سياسات التأمين الصحي التي تضمن حصول الأفراد على الرعاية الصحية الملائمة، وسياسات الخدمات الاجتماعية التي تسهم في تعزيز الرفاه الاجتماعي وتحسين نوعية الحياة.
أما النوع الثاني فيتمثّل في السياسات العلاجية، وهي السياسات التي تتعامل مع الواقع القائم للفئات التي دخلت فعلًا في دائرة الحاجة والعوز إلى مكونات الحماية الاجتماعية. وتشمل هذه السياسات والإجراءات مكونات شبكات الأمان الاجتماعي مثل برامج الدعم والإعانات وغيرها من التدخلّات. الرسم التوضيحي أدناه يصنّف مكوّنات الحماية الاجتماعية المختلفة.
ولتطبيق هذه المقاربة تقترح ورقة العمل السياسات الآتية:
- ربط سياسات الحماية الاجتماعية بالتنمية:
يُنظر إلى سياسات الحماية الاجتماعية على أنها محرك هام من محركات التنمية، فاستدامة النمو الاقتصادي لا يمكن أن تستمر إلا إذا كان عادلًا وواسع المشاركة، وبالتالي فإن دور الدولة المنتج للسياسات الاقتصادية يجب أن يربط بين هدفي تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وهذا يستدعي إعادة توجيه للسياسات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة تموضع النمو الاقتصادي.
تُعتبر نظم الضمان الاجتماعي ضرورة اقتصادية، والضمان الاجتماعي يُعتبر شرطًا مسبقًا للنمو وليس عبئًا عليه، فقد أكدت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية دور خطط الضمان الاجتماعي باعتبارها مثبتات اجتماعية واقتصادية تلقائية، وتبين أن الدول التي يوجد لديها نظم ضمان اجتماعي جيدة هي في وضع أفضل لمواجهة الآثار الاجتماعية للأزمات. فعلى سبيل المثال، تساهم التحويلات النقدية وغيرها من أدوات الضمان الاجتماعي في تحفيز الطلب المحلي وبناء رأس المال البشري وتعزيز إنتاجية العمل، وبناء عليه المساهمة في تعزيز واستمرارية النمو الاقتصادي.
يتطلب إدماج الحماية الاجتماعية بصورة صحيحة في سياسات التنمية في سوريا وضع إطار مفاهيمي جديد للتنمية يحدّد رؤيتها ومبادئها ومرتكزاتها، وبالتالي سعي كافة مكونات السياسات الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق أهداف مشتركة دون تناقض وتضاد، وهذا يستدعي مراجعة السياسات الاقتصادية القائمة الكلية منها والقطاعية وتحليل مضامينها وأهدافها الاجتماعية وتحليل أثرها على مختلف الفئات السكانية وخاصةً الهشة منها، مع يقيننا بعدم وجود سياسات اقتصادية مثلى لا ضرر لها إلا أن المقصود هنا انتهاج تلك التي تساهم في تحقيق أهداف اجتماعية أكبر وخلق مشاكل أقل.
يجب أن ينطلق التخطيط للحماية الاجتماعية وتموضعها في صلب سياسات التنمية في سوريا من النظر إليها على أنها حق من حقوق الإنسان، وبالتالي التزام الدولة بمبدأ التغطية الشاملة، وتخصيص الفقراء ببعض البرامج الاستهدافية المرتكزة على استراتيجيات واضحة لإخراجهم من دائرة الفقر إلى دائرة المساهمة الفاعلة بعملية التنمية.
يعتبر ترافق سياسات الحماية الاجتماعية وتكاملها مع سياسات التنمية الاجتماعية والاقتصادية شرطًا ضروريًا لتحسين مقومات معيشة المواطنين فالفقر من منظور الحماية الاجتماعية يتعدى النظرة المادية إلى الفقر متعدد الأبعاد فالحماية الاجتماعية يجب النظر إليها ليس على أنها تقديم مساعدات تمكينية للفقراء بل تتعلق بحماية الفئات العريضة من السكان في سوريا التي تعيش قريبة من خطوط الفقر الوطنية ويمكن أن يتحول الفقر لديها إلى واقع في ظل الأزمات والانتكاسات الاقتصادية والطبيعية والبشرية، كما حدث في سوريا مع أزمة الجفاف (2006-2009) وأزمة النزاع المسلح التي عاشتها منذ مارس/ آذار 2011 وامتدت حتى 8 كانون الأول 2024.
- سياسات إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية:
يتطلب إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية القائمة في سوريا مراجعة شاملة، تغطي كافة المكونات وآليات العمل والوقوف على النتائج المتحققة في هذا المجال، والتحديات الأساسية التي تواجهها، على المستوى الإداري والمؤسسي: من الضروري التنسيق وتكامل الأدوار والازدواجية والانتقال من آليات العمل العلاجي إلى شبكات أمان اجتماعية مستدامة. ومن المهم إنشاء مرصد وطني للحماية الاجتماعية يعتمد على قواعد بيانات تسمح بتحديد الفئات والرصد وتقييم الأثر.
ولا يكتمل الإصلاح المؤسسي والإداري من دون أن يواكبه إصلاح موازٍ على المستوى التشريعي. فمن الضروري الالتزام بتنفيذ التشريعات النافذة ذات الصلة بقضايا الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الدستور وقانون العمل وغيرها من الأطر القانونية الناظمة للحقوق الاجتماعية والاقتصادية. كما ينبغي العمل على مراجعة وتعديل عدد من التشريعات القائمة التي لم تعد منسجمة مع الممارسات الفضلى في مجال الحماية الاجتماعية، ولا سيما تلك المرتبطة بتنظيم العمل الأهلي ودور منظمات المجتمع المدني، بما يتيح توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز قدرة هذه المنظمات على الإسهام في تقديم الخدمات والمساءلة المجتمعية.
وبموازاة الإصلاح التشريعي، تبقى فعالية أي نظام للحماية الاجتماعية مرهونة بجودة آليات الاستهداف المعتمدة فيه. لذلك، ينبغي إيلاء أهمية خاصة لإشراك الفئات المعنية، ولا سيما النساء والفقراء والفئات الأكثر هشاشة، في تصميم هذه الآليات وتقييمها. كما يتطلب ذلك وضع معايير واضحة وشفافة للاستهداف، تستند إلى الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للفئات المستهدفة، وتراعي الفوارق المناطقية والجندرية والمعيشية، بما يحدّ من الإقصاء أو سوء التوزيع، ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
وأخيرًا، يبقى نجاح هذه الإصلاحات الإدارية والتشريعية والاستهدافية مشروطًا بتوافر التمويل اللازم وتنويع مصادره. وفي هذا الإطار، تقع على الدولة مسؤولية ضمان الموارد المالية الكفيلة بتوفير حد أدنى من الحماية الاجتماعية، مع العمل في الوقت نفسه على تصميم نظام تمويلي تكافلي يوزّع الأعباء والمسؤوليات بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي. ومن الضروري أيضًا إدماج الأهداف والآثار الاجتماعية في أي إصلاحات مالية، ولا سيما تلك المرتبطة بالموازنة العامة، وهيكلة الدعم، وسياسات التوظيف. وينبغي النظر إلى الإنفاق على مكوّنات الحماية الاجتماعية بوصفه استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري، لا مجرد إنفاق استهلاكي أو عبء اجتماعي. وتزداد أهمية هذا التوجه إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الدعم شكّل، في الأعوام الأخيرة قبل الحرب، نحو 17.5 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة، وهو ما يعكس حجم العبء المالي لنموذج الدعم العمومي غير الموجّه، وضرورة التفكير الجدي في الانتقال إلى تدخلات أكثر استدامة وفعالية في الاستهداف.
ويبقى تحقيق هذا التوزع المتوازن للأدوار مشروطًا بمدى توفر المقومات اللازمة لدى الدولة للقيام بدورها التنظيمي والتمويلي. فالدولة السورية تخرج من سنوات الحرب بقدرات مالية ومؤسسية محدودة، وبنية تحتية وإدارية متضررة، وموارد عامة شحيحة في ظل تركة من الديون والعقوبات والانهيار الاقتصادي، وهو ما يحد فعليًا من قدرتها على تحمل تكاليف الانتقال نحو نظام حماية اجتماعية شمولي دون دعم خارجي ومراحل انتقالية واضحة. وفي الوقت نفسه، فإن ضعف المؤسسات الرقابية والتنسيقية القائمة، إلى جانب غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة لتحديد الفئات المستهدفة، يجعل من بناء هذه المقومات، لا افتراض توفرها، خطوة أولى ضرورية في أي مسار إصلاحي.
أما عن توزيع الأدوار بشكل عادل ومتوازن، فعلى الدولة توفير البيئة التشريعية الملائمة للحماية الاجتماعية، وعمل المنظمات الأهلية والمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، وتعمل على تناسق سياسات الحماية الاجتماعية مع السياسات الاقتصادية، في إطار رؤية شمولية لتنمية تضمينية اقتصادية واجتماعية، وتوفير التغطية في أوقات الأزمات، كما من دورها في ضمان الحد الأدنى من أمن الدخل، بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، والخدمات الاجتماعية.
أما المنظمات غير الحكومية فلها المساهمة في تفعيل الحوار الوطني حول الحماية الاجتماعية، وعليها المساهمة في عمليات التنمية المستدامة ومكافحة الفقر والحد من البطالة، كما يمكنها الاضطلاع بدور رقابي على عمل السلطات التنفيذية، ولعب دور الوسيط بين السلطات التنفيذية والشعب لتعميق الوعي تجاه الحقوق والالتزامات.
ومن المهم أن يعمل القطاع الخاص على الالتزام بتنفيذ تشريعات الحماية الاجتماعية وخاصةً ما يتعلق بتطبيق معايير العمل اللائق المتصلة بتشغيل الإناث والحد الأدنى للأجور، والتغطية بالتأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية، والمساهمة في تقديم الخدمات الاجتماعية (الصحية والتعليمية...)، كما يمكنه المساهمة في الحوار المتعلق بقضايا الحماية الاجتماعية وتكوين الوعي، مع أهمية دوره في مراعاة الاعتبارات البيئية أثناء ممارسة الشركات لنشاطها الاقتصادي.
أما دور الشركاء الدوليين فيتركز في دعم جهود الدول في مجال تبني أفضل الممارسات المتعلقة بمكونات الحماية الاجتماعية، والمساهمة في تبادل المعارف ونقل الخبرات والتجارب الناجحة في مجال توسيع نطاق التغطية بمكونات الحماية الاجتماعية، وتقديم الدعم المالي والفني لسوريا من أجل توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.