الجيش اللبناني في مأزق: التاريخ والقيود والمستقبل المجهول

Lebanon’s Army in Limbo: History, Constraints and Uncertain Futures
جندي من الجيش اللبناني في بلدة كفركلا المنكوبة جنوب لبنان، ٨ فبراير ٢٠٢٦ © رامز دلاه / شترستوك

آب/أغسطس 2025، قررت الحكومة اللبنانية استعادة سلطة الدولة وإعادة تأكيد احتكارها للاستخدام المشروع للقوة. وكان هذا القرار موجهًا في المقام الأول إلى حزب الله. وبالتالي، كلّف مجلس الوزراء الجيش اللبناني بإعداد خطة لتنفيذه. وأعاد هذا القرار طرح سؤالٍ ملحّ أرّق لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي، وبقي من دون حل حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990: كيف يمكن للدولة أن تفرض سلطتها الحصرية على السلاح من دون زعزعة استقرار البلاد أو تعريض مؤسساتها للانقسام؟

صدر هذا القرار في أعقاب الصراع مع إسرائيل عام 2024، ووسط ضغوط دولية متواصلة، لا سيما من الولايات المتحدة، إلى جانب تصاعد المعارضة الداخلية لتدخلات «حزب الله» العسكرية. كما شكّل هذا القرار نهاية حقبة هيمنت عليها معادلة «جيش، شعب، مقاومة»، التي رسمت معالم المشهد الأمني في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي.

أما بالنسبة إلى الجيش اللبناني، فقد وضعه قرار الحكومة أمام معضلة مؤسسية عميقة. فقد تعامل قائد الجيش العماد رودولف هيكل، مع هذا التفويض السياسي بحذرٍ شديد، ما عرّضه لانتقادات واسعة على الصعيدين الشخصي والمؤسسي. ويتمثّل هاجسه الأساسي في الحفاظ على وحدة الجيش وتماسكه، إذ أثبت تاريخ لبنان مرارًا أن تفكّك المؤسسة العسكرية ليس مجرد احتمال نظري، بل عاملٌ يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار والفوضى.

وتؤثر تركيبة المؤسسة العسكرية وديناميكياتها الداخلية، إلى جانب القيود الخارجية التي تعمل في ظلها، بصورةٍ عميقة في أولوياتها العملياتية وقدرتها على التحرّك. وفي غياب توافق واسع على دور الجيش، والأهم من ذلك، في ظلّ غياب استراتيجية دفاع وطنية متفق عليها، اضطرت المؤسسة في كثير من الأحيان إلى تحقيق أهدافها عبر التفاوض بدلًا من الإكراه. ويُجسّد هذا النهج برنامجها المؤلف من خمس مراحل لتنفيذ قرار الحكومة القاضي بنزع سلاح «حزب الله».

وتجادل هذه الورقة بأن النهج الحذر الذي يعتمده الجيش اللبناني، يستند إلى منطق مؤسسي سليم وتُشكّله الخبرة التاريخية، إلا أنه يترتب عليه أيضًا ثمنٌ كبير في الظروف الراهنة. فعلى الرغم من أن التفويض الذي منحته الحكومة للجيش أصبح أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى بعد قرار آب/أغسطس 2025 باستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، فإن تنفيذ هذه السياسة لا يزال مرهونًا بتوافر توافق سياسي أوسع، يشمل قبول حزب الله بها. غير أن البيئة الإقليمية شهدت تطورات جعلت التوصل إلى مثل هذا التوافق أكثر صعوبة. فالنافذة المحدودة التي فُتحت عقب الخسائر التي تكبّدها «حزب الله» في حرب العام 2024 ضاقت مجددًا مع تجدد المواجهات الإقليمية، وصمود إيران، واستمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي لأجزاء من لبنان، وهو ما أعاد إلى «حزب الله» جانبًا من ثقته السياسية وإحساسه بالشرعية. وانعكاسًا لهذا التحول، رفضت قيادة الحزب بشكلٍ قاطع أي احتمال لنزع سلاحه.

وبالتالي، فإن السؤال المحوري لا يقتصر على ما إذا كان الجيش اللبناني يمتلك القدرة العسكرية اللازمة لنزع سلاح «حزب الله»، بل يتمثّل في معرفة الشروط السياسية والمؤسسية والإقليمية التي تمكنّه من فرض احتكار الدولة للسلاح من دون تعريض تماسكه الداخلي للخطر. وتنطلق هذه الورقة البحثية من هذا السؤال عبر دراسة انقسام الجيش خلال الحرب الأهلية، وعملية نزع السلاح غير المكتملة بعد الحرب، والضغوط المالية والديموغرافية والتنظيمية التي تواجه المؤسسة العسكرية حاليًا، واستمرار غياب استراتيجية دفاع وطني متفق عليها، والتحديات العملياتية المرتبطة بانتشار الجيش في الجنوب، فضلًا عن اعتماده على المساعدات الخارجية.

وتخلص الورقة إلى أن الحفاظ على وحدة الجيش اللبناني يُعدّ هدفًا مشروعًا وضروريًا، لكن تماسك المؤسسة لا يمكن أن يستمر عبر الحذر الدائم أو تجنّب المهام الصعبة. كما لا يستطيع الجيش أن يحلّ محلّ التسوية السياسية التي تتطلبها مهمته. وما لم يُدمج تفويضه ضمن استراتيجية وطنية أشمل تربط بين ضبط السلاح وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف هجماتها، ووضع مسار تفاوضي لانتقال البنية العسكرية لحزب الله، وإصلاح المؤسسات، وتقديم ضمانات موثوقة للمجتمعات الأكثر تأثرًا، فسيبقى الجيش اللبناني عالقًا بين مهمة لا يستطيع تنفيذها بالكامل، وتوقعات لا يمكنه الوفاء بها.

دروس من التاريخ: الانقسام خلال الحرب الأهلية ومسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج غير المكتمل

تُعيد النقاشات الحالية حول نزع سلاح «حزب الله» استحضار أشباح الماضي. فخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، شهد الجيش اللبناني انقسامات متكررة. وفهم أسباب الحذر الشديد الذي تبديه قيادة الجيش اللبناني تجاه أيّ مواجهة يتطلب فهم ما يحدث عندما تتصدّع المؤسسة العسكرية، ولماذا أخفقت عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بعد الحرب في إحداث إعادة تأسيس مؤسساتية كاملة كان يمكن أن تحول دون المأزق الذي يواجهه لبنان اليوم.

الانقسام خلال الحرب الأهلية

بدأت الانقسامات في صفوف الجيش في كانون الثاني/يناير 1976، عندما قاد الملازم الثاني الشاب أحمد الخطيب، وهو ضابط سنّي، مع عددٍ من الضباط، انشقاقًا داخل المؤسسة العسكرية، وأسس ما عُرِف بـ«جيش لبنان العربي». وانضم إلى هذا الجيش نحو 3 آلاف جندي. عكس هذا التحرك حالة الاستياء التي كانت تتنامى لدى عددٍ من الضباط المسلمين، وهي حالة بدأت تظهر منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، مع اندلاع المواجهات بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية المسلحة، في ظل غياب توافق سياسي حول دور الجيش في التعامل مع الوجود الفلسطيني المسلّح. وفي 23 نيسان/أبريل 1969، نظمت الأحزاب اليسارية الداعمة للكفاح المسلح الفلسطيني تظاهرات واسعة في مختلف أنحاء البلاد، سرعان ما تحولت إلى مواجهات مع القوى الأمنية، من ضمنها الجيش اللبناني. وأسفرت الاشتبكات عن مقتل 11 شخصًا وإصابة 82 آخرين.1نقولا ناصيف، «المكتب الثاني: حاكم في الظل»، 2006.

وأثار تدخل الجيش انتقادات حادة من عددٍ من القيادات السياسية، ما دفع رئيس الوزراء رشيد كرامي إلى تقديم استقالته، وأدى إلى أزمة سياسية كبيرة. وكشفت هذه الحادثة عن انقسام عميق داخل السلطة بين رئيس الجمهورية شارل حلو، الذي رفض فرض واقع الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ورئيس الوزراء رشيد كرامي، الذي أيده وحظي بدعم شريحة واسعة من المسلمين.

في هذا السياق، وجد الجيش نفسه من دون تفويض سياسي واضح. فهُمِّش تدريجيًا، ومع اندلاع الحرب عام 1975 بدأ يتفكك تدريجيًا. لم يستطع الجيش أن يبقى بمنأى عن الاضطرابات التي عصفت بالبلاد، على الرغم من أن نسبة الانشقاقات بقيت منخفضة في البداية، إذ بلغت 5 في المئة بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب، مقارنة بـ24 في المئة في قوى الأمن الداخلي.2Adel Freiha, L’armée et l’Etat au Liban, 1945-1980, 1980. ومع تطور الصراع، تكررت حالات الانشقاق عندما طُلِب من الجنود مواجهة مجموعات مسلحة تنتمي إلى طوائفهم عينها. وكان ذلك واضحًا خلال «حرب الجبل» في أيلول/سبتمبر 1983، عندما انشقّ عدد من الجنود الدروز أثناء قتال اللواء الثامن للميليشيات الدرزية. وفي حالات أخرى، لم يلجأ الجنود إلى الانشقاق الرسمي، بل امتنعوا ببساطة عن الالتحاق بوحداتهم. وتكرر ذلك حين كان يُطلب من الجنود المسيحيين الخدمة في وحدات منتشرة في أحياء ذات غالبية مسلمة، أو عندما كان الجنود المسلمون يُكلّفون بالخدمة في مناطق ذات غالبية مسيحية.

واستمرت حالة التشرذم طوال فترة الحرب الأهلية خلال ثمانينيات القرن الماضي، على الرغم من محاولات عدة بذلتها قيادة الجيش لإعادة بناء المؤسسة العسكرية. وشهدت الفترة الممتدة بين شباط/فبراير وحزيران/يونيو 1984 ما عُرف بـ«انتفاضة السادس من شباط».3فؤاد عون، «ويبقى الجيش هو الحل»، بيروت، 1988. ففي ذلك الوقت، دعا رئيس حركة «أمل»، نبيه بري، الجنود الشيعة إلى رفض أوامر القيادة العسكرية بقصف مناطق في بيروت الغربية والضاحية الجنوبية كانت خاضعة لسيطرة الحركة، وترك مواقعهم والانضمام إلى صفوفها. واستجاب عدد كبير من الجنود لهذه الدعوة، ما أحدث حالة من الفوضى داخل الجيش، ودفع الجنود المسيحيين المتمركزين في بيروت الغربية إلى مغادرة مواقعهم والانتقال إلى الجانب الآخر من المدينة. كما هاجم مقاتلو حركة «أمل» مواقع الجيش في الأحياء الغربية من بيروت.

كان لهذه الانتفاضة أثر بالغ على المؤسسة العسكرية، إذ أوقفت عملية إعادة بناء الجيش التي كانت قد بدأت قبل عام، ورسّخت الانقسامات داخله بصورة أكبر.

في العام الأخير من الحرب (كانون الثاني/يناير 1990 إلى تشرين الأول/أكتوبر 1990)، اندلعت «حرب الإلغاء»، التي دارت بين وحدات من الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون ميليشيا «القوات اللبنانية». وشكّل قرار العماد عون استعادة سلطة الدولة من خلال مواجهة «القوات اللبنانية»، التي كانت في مرحلةٍ سابقة حليفًا مقربًا للجيش، إحدى آخر الهزات الكبرى في الحرب الأهلية. أدت هذه الحرب إلى الإخلال بتوازن القوى، الذي كان قائمًا آنذاك بين الجيش السوري والميليشيات المتحالفة معه من جهة، والجيش اللبناني و«القوات اللبنانية» من جهةٍ أخرى. وبموجب اتفاق الطائف، الذي وُقّع في تشرين الأول/أكتوبر 1989 لإنهاء الحرب، كان يُفترض أن يبسط الجيش اللبناني سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بدعمٍ من الجيش السوري. ولم يكن الهدف القضاء على «القوات اللبنانية»، بل نزع سلاحها بالتزامن مع نزع سلاح بقية الميليشيات، من ضمنها الحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة «أمل»، و«حزب الله». غير أن حرب الإلغاء نسفت هذا التوازن الذي سعى اتفاق الطائف إلى تكريسه، وأضعفت الجيش اللبناني بصورة أكبر.4ألبير منصور، «موت جمهورية»، 1994.

وتخشى قيادة الجيش اليوم أن يؤدي أي تحرك لنزع سلاح «حزب الله» إلى انقسامات داخل المؤسسة العسكرية، إذ قد يعمد ضباط وجنود شيعة إلى رفض تنفيذ الأوامر، على غرار ما حدث خلال الحرب الأهلية.5مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط عسكري لبناني رفيع المستوى. قبل الحرب، كانت ألوية الجيش منظمة إلى حدٍ كبير وفق الانتماءات الطائفية، ما جعل الانقسام يجري على أسس واضحة وسهلة التحديد. وبعد عملية «الدمج» التي نُفِذت في تسعينيات القرن الماضي، أصبحت جميع الوحدات مختلطة طائفيًا، وفقدت هويتها الطائفية المباشرة. ولا يعني ذلك أن الجيش بات محصنًا بالكامل ضد أيّ انقسامات مستقبلية، أو أن حالات الانشقاق لم تعد ممكنة، بل إن المقصود هو أن تداعياتها المؤسسية، في حال وقوعها، ستكون على الأرجح أقل اتساعًا وأقل خطورة مما كانت عليه خلال الحرب الأهلية.

برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بعد الحرب الأهلية: فرصة ضائعة؟

عند مناقشة مستقبل سلاح «حزب الله»، يعد من السوابق التي يجب التوقف عندها لاستخلاص الدروس، تجربة لبنان في نزع سلاح المليشيات وتسريح مقاتليها وإعادة إدماجهم.

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، اقتصر تطبيق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عمليًا على إجراءين سياسيين: نزع سلاح الميليشيات، أي جمع الأسلحة الثقيلة، وإدماج عدد من عناصرها السابقين في الجيش.6Elisabeth Picard, The Demobilization of the Lebanese Militia, Oxford: Centre for Lebanese Studies, Prospects for Lebanon Series No. 9, 1999. وبالتالي، لم تكن هناك عملية شاملة أو متماسكة لإعادة بناء السلام وتجاوز إرث الحرب: فلم تُجمع الأسلحة الخفيفة، ولم يكن هناك طرف مستقل يضمن حيادية العملية، في حين أن الدور السوري كان بعيدًا عن الحياد.

بدأ جمع الأسلحة الثقيلة في نيسان/أبريل 1991.7رياض تقي الدين، «إحياء جيش»، 1994. وبعد استكمال عملية نزع السلاح، تقرر نقل الأسلحة التي جُمِعت إلى الجيش. واعتُبر هذا الحل ملائمًا، إذ كان الجيش اللبناني بحاجة إلى المعدات، في حين لم تكن موازنة الدولة تسمح بإنفاق عسكري كبير. لكن بعض الميليشيات رفضت تسليم أسلحتها الثقيلة إلى السلطات اللبنانية: فأرسلت «القوات اللبنانية» أسلحتها إلى الخارج، فشُحن بعضها إلى دول أفريقية وبعضها الآخر إلى يوغوسلافيا، بينما أعاد «الحزب التقدمي الاشتراكي» ترسانته إلى سوريا.8المرجع السابق. كان الهدف الأساسي هو نزع السلاح بحد ذاته، حتى وإن لم يؤدِّ ذلك بالضرورة إلى انتقال هذه الأسلحة إلى الدولة اللبنانية.

جرى إدماج نحو 3,075 مقاتلًا سابقًا في صفوف الجيش.9المرجع السابق. غير أن هذه العملية لم تُنفذ من دون جدل داخل المؤسسة العسكرية، إذ اعتقد بعض المسؤولين أن المقاتلين السابقين قد لا يتمكنون من التحرر من انتماءاتهم الأيديولوجية والسياسية، ما قد يعقّد عملية إعادة بناء المؤسسة. لذلك، طُرحت فكرة تعيينهم في وظائف مدنية، مثل العمل في البلديات، بدلًا من المناصب العسكرية. كما طُرح اقتراح بإنشاء قوة نظامية مؤقتة تابعة للجيش وقوى الأمن الداخلي، يُجمع فيها المقاتلون السابقون ويُكلفون بمهام محددة، على أن يدمج تدريجيًا من تثبت كفاءته، بينما يُسرّح من يُعتبر غير مؤهل للخدمة العسكرية. وفي نهاية المطاف، في 28 آذار/مارس 1991، قرر مجلس الوزراء السماح لجميع المقاتلين السابقين بالالتحاق بالجيش. وكان هذا القرار سياسيًا في جوهره.10المرجع السابق. وعلى الرغم من عدم وجود شروط رسمية للتجنيد، قدمت «القوات اللبنانية» قائمة تضم 20 ألف اسم، فيما قدمت «حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» قائمة أخرى تضم 12 ألف اسم.11مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط لبناني، 2009. إلا أن عددًا محدودًا فقط من عناصر «القوات اللبنانية» تقدموا فعليًا للالتحاق، في حين استجاب عدد كبير من عناصر «حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي». ويُعزى ذلك إلى أن «القوات اللبنانية» لم تكن تعد منسجمة مع التوجهات الأيديولوجية للجيش في ظلّ الوصاية السورية: وعلى مستوى الضباط، لم يُدمج سوى ضابطين من «القوات اللبنانية».

نجحت عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في التخلص من الأسلحة الثقيلة. وتمكن الجيش من استيعاب عدد من المقاتلين السابقين، وإن كان العدد الفعلي أقل بكثير مما كان متوقعًا. وأسهمت عملية الإدماج في تفكيك الطابع الطائفي للوحدات العسكرية، منهيةً تجانسها السابق.

لكن هذه التجربة بقيت ناقصة وذات طابع سياسي، كما اعتُبرت غير عادلة من قبل كثيرين، إذ لم تشمل جميع الأسلحة الخفيفة، كما جرت في ظل الوصاية السورية، واستُبعِدت منها الأطراف التي لم تكن منسجمة مع الموقف السوري.

وعند مناقشة نزع سلاح «حزب الله» اليوم، تبرز من جديد بعض الأسئلة التي طُرحت عقب الحرب الأهلية، خصوصًا ما يتعلق بأنواع الأسلحة التي ينبغي جمعها، والجهة التي يجب أن تُنقل إليها. وعلى الرغم من أن التحدي الذي يمثله «حزب الله» اليوم يختلف جذريًا على صعيد الحجم والتعقيد، إذ تفوق قدراته العسكرية بكثير قدرات الميليشيات التي ظهرت بعد الحرب، فإن الإغراءات المؤسسية تبقى متشابهة: إعطاء الأولوية للشكل على حساب الجوهر، وإعلان عملية نزع السلاح مع بقاء أجزاء من الترسانة العسكرية خارجها.

وفي ما يتعلق بتسريح المقاتلين، يبقى السؤال مطروحًا حول كيفية إدماج مقاتلين سابقين يتمتعون بانتماءات أيديولوجية وسياسية قوية داخل مؤسسة تفتخر بكونها تتجاوز الانقسامات الطائفية والهويات الفرعية. وسيكون حجم هذه المهمة مختلفًا تمامًا عن تجارب الإدماج السابقة. وعلى الرغم من غياب الأرقام الدقيقة، فإن نحو 40 ألف مقاتل من حزب الله قد يحتاجون إلى التسريح، ما يثير تساؤلات حول كيفية الحفاظ على التوازن الطائفي والسياسي داخل المؤسسة العسكرية، لا سيما أن جميع المقاتلين المُحتمل إدماجهم ينتمون إلى بيئة سياسية وطائفية واحدة، بخلاف عملية الإدماج بعد الحرب الأهلية التي شملت عناصر من فصائل متعددة.

القوات المسلحة اللبنانية من الداخل: القيود المالية، وديناميات الأجيال، وتقلص المهام

لا تقتصر نقاط الضعف البنيوية التي تشكل سلوك الجيش اللبناني على العوامل التاريخية، بل لا تزال حاضرة حتى اليوم. ويُقدّر عدد أفراد الجيش بأقل بقليل من 80 ألف جندي. وتعدّ هذه المسألة حساسة، إذ ترفض قيادة الجيش الإعلان عن العدد الدقيق للعسكريين، على الرغم من أن الوصول إلى عتبة 80 ألف عنصر يُعد هدفًا حدده المانحون الدوليون.12مقابلة هاتفية مع الجنرال إريك دو لا بريسل، 20 أيار/مايو 2026.

ويقوم هيكل سلك الضباط رسميًا على الحفاظ على توازن في التمثيل بين المسيحيين والمسلمين. إلا أن أنماط التجنيد تكشف عن اختلال مستمر: فيتقدّم سنويًا إلى الكلية الحربية عدد من المسلمين (بين ألفين و3 آلاف) يفوق بنحو عشرة أضعاف عدد المتقدمين المسيحيين (نحو 300).13مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط عسكري لبناني رفيع المستوى. وعلى الرغم من أن المجتمعات المسيحية تُعدّ عمومًا داعمة للجيش، فإن معدلات التحاق أبنائها به تبقى منخفضة نسبيًا.

وفرضت الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019 ضغوطًا كبيرة على المؤسسة العسكرية. ففي السنوات الأولى من الأزمة، فقدت الرواتب نحو 95 في المئة من قيمتها نتيجة انهيار سعر الصرف. أما اليوم، فلا تزال الرواتب تعادل نحو 30 في المئة فقط من مستواها قبل عام 2019. ونتيجة لذلك، اضطر الجنود والضباط إلى البحث عن وظائف إضافية، ما أدى إلى تراجع القدرة التشغيلية للجيش. كما دفع هذا الواقع بعض المسؤولين داخل المؤسسة إلى التشكيك في إمكانية بلوغ الهدف المتمثل في قوام يبلغ 80 ألف عنصر، في ظل عجز الجيش عن تأمين رواتب كافية لأفراده.

منذ عام 2019، غادر آلاف العسكريين المؤسسة. وعلى مستوى الضباط، يُرجح أن يؤدي هذا النزيف إلى خلل في التوازن بين الأجيال داخل الجيش. فالراغبون في المغادرة هم في الغالب ضباط الرتب الدنيا (الملازمون والنقباء)، بالإضافة إلى الضباط برتبة رائد، الذين يشكلون القيادة الوسطى الضرورية لضمان الفعالية العملياتية.

وتُعزى هذه الاستقالات بشكلٍ رئيسي إلى تدني الرواتب والشعور بغياب آفاق التقدم المهني داخل المؤسسة. في المقابل، وعلى الرغم من بلوغ العديد من الضباط المنتمين إلى جيل العماد رودولف هيكل سن التقاعد، فإن كثيرين منهم يواصلون الخدمة للحفاظ على مستوى معيشتهم. وقد أدى هذا الإجراء، الذي فرضته اعتبارات اجتماعية، إلى إحباط بين الضباط الأصغر سنًا، إذ حدّ من فرص ترقيهم وأبطأ دورة الترقيات. وبات الجيش اللبناني يعاني بشكل متزايد مما يمكن وصفه بـ«متلازمة الحرس القديم»، إذ يعوق استمرار الضباط الأكبر سنًا تجديد النخبة العسكرية ويحدّ من الترقية القائمة على الكفاءة.14مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط عسكري لبناني رفيع المستوى.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المغادرين للمؤسسة هم غالبًا من أصحاب المهارات التقنية المطلوبة في سوق العمل المدني، مثل الميكانيكيين وفنيي الصيانة. ويؤدي فقدان هذه الكفاءات إلى تسارع تدهور المعدات وانخفاض القدرة التشغيلية للجيش. ويحاول قادة الوحدات الاحتفاظ بهؤلاء الفنيين من خلال السماح لهم بالعمل في وظائف إضافية، لكن غيابهم عن الخدمة يترك آثارًا لا يمكن إنكارها.

وتنعكس هذه الديناميات على طبيعة مهام الجيش. وكما قال الجنرال إريك دو لا بريسل، المستشار العسكري الفرنسي السابق لدى الجيش اللبناني: «لا يمكن أن تتوقع من الجنود الالتزام بأداء واجباتهم عندما لا يتقاضون راتبًا لائقًا (...) فقادة الوحدات يضطرون أولًا إلى التفكير في كيفية تأمين الطعام لجنودهم قبل أن يتمكنوا من التفكير في كيفية تنفيذ مهامهم».15مقابلة على قناة CNews، 12 آذار/مارس 2026.

وفي ظل نقص التجهيزات وضعف الرواتب، تتركز المهام الرئيسية لهذه المؤسسة على وظائف أمنية. ويذهب الجنرال دو لا بريسل إلى حدّ القول إن الجيش يتولى في كثير من الأحيان معالجة نزاعات الجوار. كما تشمل مهامه مكافحة تهريب المخدرات لمنع تحول لبنان إلى دولة مخدرات. إضافة إلى مكافحة الجماعات الجهادية، وهي مهمة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد أحداث مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين عام 2007، ثم مع انتشار هذه الجماعات خلال الحرب السورية. وتُعدّ هذه المهام محل توافق وطني، ولا تشكل ضغطًا على تماسك المؤسسة.

أما في ما يتعلق بنزع سلاح «حزب الله»، فإن وحشية الرد الإسرائيلي منذ مطلع آذار/مارس 2026 أفقدت هذا المطلب أي شرعية في نظر الضباط الشيعة، وفقًا لمسؤول عسكري لبناني رفيع المستوى. وبرزت مؤشرات على وجود تململ داخل جزء من سلك الضباط عبر بيان علني وقّعته مجموعة عرّفت نفسها باسم «الضباط الوطنيون»، ونشرته صحيفة «الأخبار» في 12 آذار/مارس 2026. ويرى الموقعون، الذين لم تُكشف هوياتهم، أن «القوة الحقيقية للجيش لا تكمن فقط في قدراته العسكرية، بل أيضًا في تماسكه الداخلي وفي الثقة والدعم اللذين يحظى بهما من الشعب». لذلك، اعتبروا أن من «الواجب الوطني والأخلاقي التعبير عن قلق عميق إزاء قرارات قد تضع الجيش في مواجهة مباشرة مع القوى الوطنية التي تقاوم العدوان الخارجي على أراضينا». وقد صدر هذا البيان في وقتٍ كانت تتعرض فيه قيادة الجيش، وخصوصًا العماد هيكل، لانتقادات شديدة بسبب عدم تنفيذ قرار الحكومة القاضي بنزع سلاح حزب الله ومنع أي نشاط عسكري له.

ولا تزال هوية هؤلاء الضباط مجهولة، كما أنه ليس واضحًا ما إذا كان البيان كُتِب بالفعل من قبل ضباط لا يزالون في الخدمة. ومع ذلك، يشير البيان إلى وجود نقاش مستمر داخل المؤسسة العسكرية بشأن كيفية التعامل مع ملف «حزب الله»، لا سيما في ظلّ التصعيد الإسرائيلي المتزايد.

الإطار السياسي المفقود: غياب استراتيجية دفاع وطنية

إخفاق مزمن في الاتفاق على استراتيجية دفاعية

منذ استقلال لبنان عام 1943، لم تضع أي حكومة «استراتيجية دفاعية» متكاملة أو عقيدة عسكرية واضحة. ووفقًا للميثاق الوطني لعام 1943، كان يُفترض أن ينأى لبنان بنفسه عن الشرق والغرب معًا، وأن تقوم سياسته الخارجية على الحياد، ما عبّر عنه بيار الجميل بمقولته الشهيرة: «قوة لبنان في ضعفه»؛ وانطلاقًا من هذه الرؤية، كان يُفترض أن يبقى الجيش ضعيفًا بما يكفي حتى لا يشكل تهديدًا للدول المجاورة، ولا للنظام السياسي الداخلي، في حين كانت جيوش عربية عدة تنظم انقلابات عسكرية. ومنذ عهد الجنرال فؤاد شهاب، أول قائد للجيش بعد الاستقلال، اضطلع الجيش بدور الوسيط والحكم والضامن للتوازن اللبناني الدقيق وحامي الدولة.[16] وبعد أزمة عام 1958،16في عام 1958، واجه الرئيس كميل شمعون معارضة انتقدت سياساته الموالية للغرب. وطلب تدخل الجيش، لكنه قوبل برفض من قائده الأعلى. وأدت هذه الحادثة في نهاية المطاف إلى انتخاب الجنرال فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، وهو المنصب الذي شغله من عام 1958 حتى عام 1964. رفض الجيش، خصوصًا قائده، التدخل في النزاعات الداخلية، ما جعل قائد الجيش مرشحًا توافقيًا لرئاسة الجمهورية، كما حدث مع فؤاد شهاب عام 1958، وميشال سليمان عام 2008، وجوزيف عون عام 2024. لكن ذلك كشف أيضًا عن تناقض جوهري: فلم يتمكن الجيش من الحفاظ على موقعه كحكم إلا من خلال الامتناع عن التدخل في الصراعات السياسية الداخلية. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا إلى توافق حول دور المؤسسة العسكرية ومهامها، بل بقيت قرارات الأمن والدفاع تُتخذ على أساس حدٍّ أدنى من التفاهم بين القوى السياسية، ما جعل التوصل إليها بالغ الصعوبة، ودفع إلى تأجيلها باستمرار لكسب الوقت.

بعد انتهاء الحرب الأهلية، حالت الوصاية العسكرية والسياسية السورية دون خوض اللبنانيين نقاشًا حقيقيًا حول استراتيجية الدفاع. وعلى الرغم من أن لبنان كان في قلب التحولات الجيوسياسية في المنطقة، لم تكن الدولة اللبنانية تملك السيطرة على قرارها الدفاعي، تحت شعار «وحدة المسار والمصير» مع سوريا، الذي كان يعني عمليًا تشكيل جبهة مشتركة. وفي هذا الفراغ الاستراتيجي، أدى حزب الله دورًا متناميًا، بينما كان الجيش اللبناني يعاني نقاط ضعف مادية وبشرية وحتى عقائدية، في وقت لم يكن فيه النظام السوري راغبًا في الانجرار إلى مواجهة إقليمية مباشرة. ومع مرور الوقت، برزت المعادلة المعروفة: «الجيش والشعب والمقاومة».

ولسنواتٍ طويلة، أسفر ذلك عن ترتيب غير معلن: تولى «حزب الله» مسؤولية مواجهة إسرائيل، بينما ركز الجيش اللبناني على الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، وإدارة الحدود، والانتشار المحدود في الجنوب. لم يكن هذا الترتيب مستقرًا أو محل إجماع بين اللبنانيين.17وقد تجلى ذلك بوضوح في اشتباكات أيار/مايو 2008 التي أعقبت قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 أيار/مايو 2008 بتفكيك شبكة اتصالات «حزب الله»، واصفًا إياها بأنها «غير شرعية وغير قانونية» و«انتهاك لسيادة الدولة». وردًا على هذه القرارات، حشد حزب الله أنصاره، ما أدى إلى مواجهات مسلحة في شوارع بيروت. لمزيد من التفاصيل، انظر: قناة الجزيرة، «خلاف حول شبكة هاتف حزب الله»، 9 أيار/مايو 2008، https://www.aljazeera.com/news/2008/5/9/row-over-hezbollah-phone-network لكنه سمح للقادة السياسيين بتأجيل قرار لم يتمكنوا من الاتفاق عليه، ما كرّس سياسة «الأمن بالتراضي» التي سادت حتى عام 2025.

وهكذا، أخفق لبنان مرارًا في التوصل إلى استراتيجية دفاع وطنية وفي تنفيذها والحفاظ عليها. ويعود هذا الإخفاق إلى مرحلة سبقت ظهور حزب الله، لكن تعاظم القوة العسكرية للحزب واتساع دوره الإقليمي جعلا تجاهل هذه المسألة أمرًا مستحيلًا. ومنذ الانسحاب السوري عام 2005، عادت جلسات الحوار الوطني والمبادرات السياسية مرارًا إلى مسألة سلاح حزب الله، لكنها لم تنجح في حسم العلاقة بين الدفاع الوطني والمقاومة والردع والسيادة والعلاقات مع إسرائيل.

وضع متغير: نهاية معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»

أعادت عدة عوامل هذه القضية إلى صدارة الأجندة السياسية. فقد أثار تدخل «حزب الله» في الحرب السورية تساؤلات جوهرية بشأن الغاية من استخدام سلاحه، وبالتالي حول شرعية استمرار وجود قوة مسلحة مستقلة خارج سلطة الدولة. كما أن حرب عام 2024 مع إسرائيل، وترتيبات وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وقرار الحكومة اللبنانية عام 2025 بإرساء احتكار الدولة للسلاح، كلها أوجدت واقعًا جديدًا.

وكان قد سبق ذلك تغيّر في لهجة منشورات الجيش خلال قيادة العماد جوزيف عون للمؤسسة العسكرية. فعلى سبيل المثال، يشير «أمر اليوم» الرسمي الصادر بمناسبة عيد المقاومة والتحرير لعام 2023 (الذي يُحتفل به سنويًا في 25 أيار/مايو إحياءً لذكرى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000)، إلى الواجب الوطني والسيادة ودور الجيش، لكنه لم يأتِ على ذكر معادلة «جيش وشعب ومقاومة». وبعد حرب عام 2024 مع إسرائيل، برزت نافذة محدودة أمام القوى اللبنانية للتوصل إلى توافق حول استراتيجية دفاع وطني. فقد تكبد حزب الله خسائر فادحة، وتمكن الجيش اللبناني من تحديد مواقع بعض مخازن أسلحته وتأمينها، وهو تطور كان يصعب تصوره من دون قدر من القبول أو عدم الممانعة من جانب حزب الله. كما تجسد هذا التحول السياسي في خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس جوزيف عون بعد انتخابه، في 9 كانون الثاني/يناير 2025، إذ شدد على استعادة سلطة الدولة من خلال احتكارها للسلاح، في تحول بارز عن الخطابات الرئاسية السائدة منذ تسعينيات القرن الماضي.

ويتهم بعض العسكريين والسياسيين العماد رودولف هيكل، قائد الجيش الحالي، بأنه لم يغتنم هذه الفرصة، بدافع ما يُقال إنها طموحات سياسية. فمنذ لحظة تعيين أي قائد للجيش على رأس المؤسسة، يُصبح مرشحًا محتملًا لرئاسة الجمهورية، باعتبار أن المنصبين يشغلهما تقليديًا موارنة. وفي الواقع، يرجح أن هاجس العماد هيكل كان الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية، إذ لم يكن يرى أن هذا التماسك قوي بما يكفي لتحمّل مواجهة محتملة مع حزب الله. وكان يخشى أن تقع المؤسسة في فخ يقود إلى حرب أهلية. والتحق هيكل بالجيش عام 1990، في أعقاب الحرب الأهلية، وتخرج من الكلية الحربية عام 1994 ضمن دورة «الوحدة الوطنية». وتأثر بما شهده الجيش من انقسام خلال الحرب، وبعملية إعادة بنائه التي تلتها.

ويبدو أنه يؤيد نهج «الأمن بالتراضي»، الذي يفضل التفاوض على استخدام القوة. وعبر إعطاء الأولوية لتماسك المؤسسة، فهو مستعد للتضحية بجزء من الفاعلية العملياتية حفاظًا على الانسجام الداخلي. غير أنه، مع تقدم المفاوضات مع إسرائيل، سيضطر إما إلى الانخراط في هذا المسار أو إلى الاستقالة، وهو خيار تشير تقارير إلى أنه سبق أن فكر فيه. كان رئيس الوزراء نواف سلام صرّح أن سياسة «الأمن بالتراضي» قد انتهت، بما يؤشر إلى بداية مرحلة جديدة لم تتحدد معالمها بعد.

الجبهة الجنوبية: بين المطرقة والسندان

عندما انتشر الجيش اللبناني في الجنوب عام 2006 عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 1701، لم يكن يحظى بغطاء سياسي يسمح له بنزع سلاح حزب الله. وحتى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، لم يكن هناك إجماع حول هذه المسألة. فبين الضباط المسيحيين، على سبيل المثال، كان بعضهم يعتقد أن حزب الله هو القوة الوحيدة القادرة على مواجهة إسرائيل، في ظل ما يعتبرونه نقاط ضعف يعاني منها الجيش. كما كان يُنظر إلى مديرية المخابرات على أنها مؤيدة لحزب الله. ولم يكن يُعيّن في مواقعها المهمة أي ضابط لا يتبنى هذا الاعتقاد. وكان حزب الله يتعامل مع الجيش مباشرةً عبر مديرية المخابرات، وليس من خلال الوحدات المنتشرة على الأرض في الجنوب.

في أعقاب حرب عام 2024، وبعد قرار الحكومة اللبنانية استعادة احتكار الدولة للسلاح (آب/أغسطس 2025)، عمل الجيش على إعداد خطة شاملة لتنفيذ توجيهات مجلس الوزراء. وقد وضعت قيادة الجيش أربعة محاور رئيسية لهذه الخطة:

  • تعزيز سلطة الدولة على الحدود الشرقية والشمالية، بالإضافة إلى ترسيخ الاستقرار في الجنوب، بما يشمل حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز التعاون الدولي؛
  • إعادة هيكلة الجيش للوصول إلى نموذج يعتمد على وحدات خفيفة وسريعة الحركة، من خلال تقليص عدد الألوية وزيادة عدد الأفواج، واستخدام آليات أخف، وتقليل عدد الآليات العسكرية المجنزرة والعناصر البشرية، مقابل زيادة الاعتماد على التكنولوجيا، بما يؤدي إلى نموذج هجين قادر على حماية الحدود وتنفيذ المهام الداخلية؛
  • الاستثمار في رأس المال البشري: إذ لم تعد المؤسسة العسكرية جاذبة للمنتسبين، بعدما فقدت الرواتب نحو 70 في المئة من قيمتها منذ أزمة عام 2019. ولا تزال الدولة تتحمل نفقات المدارس العسكرية، لكن وزارة المالية تعرقل حاليًا تحويل الأموال اللازمة؛
  • تعزيز الاستجابة للأزمات والكوارث: بعدما أظهر انفجار مرفأ بيروت غياب أي خطة للتعامل مع كارثة بهذا الحجم.

لتنفيذ المحور الأول، عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل خطة في 5 أيلول/سبتمبر لنزع سلاح الجماعات المسلحة. تضمنت الخطة التي اعتمدها مجلس الوزراء خمس مراحل: جنوب نهر الليطاني؛ والمنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، ثم بيروت وضواحيها، فالبقاع، وأخيرًا سائر الأراضي اللبنانية. إلا أن الخطة لم تحدد جدولًا زمنيًا واضحًا لكل مرحلة.

خلال المرحلة الأولى، التي اكتملت في كانون الثاني/يناير 2026، دمّر الجيش كميات كبيرة من أسلحة «حزب الله» جنوب نهر الليطاني إلى درجة نفاد المتفجرات المستخدمة في عمليات التدمير. ولم يعترض «حزب الله» على هذه العمليات، لكنه حذر من أن أي محاولة لمصادرة أو تدمير أسلحته في مناطق أخرى قد تؤدي إلى اندلاع صراع أهلي. وتشير الحرب الحالية إلى أن الحزب كان قد أعاد نشر جزء كبير من أسلحته الثقيلة إلى شمال نهر الليطاني. وأفادت تقارير بأنه احتاج إلى عشرة أيام لتعزيز الجبهة الجنوبية عقب اغتيال آية الله علي خامنئي في 28 شباط/فبراير.18مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط لبناني رفيع المستوى.

وقد عكست هذه المرحلة الأولى بوضوح مقاربة «الأمن بالتراضي»، التي اتسمت بتجنب أي مواجهة مباشرة مع «حزب الله».

أما المرحلة الثانية، التي تشمل المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، فكان المقرر أن تبدأ في منتصف شباط/فبراير ولمدة أربعة أشهر. لكنها واجهت معارضة كاملة من قيادة «حزب الله».

وبعد أيام قليلة، وقع الهجوم على إيران، ما أشعل نزاعًا إقليميًا جديدًا. وستؤدي الحرب، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وصمود إيران، وانطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في حضور ضباط من الجيش، إلى زيادة تعقيد تنفيذ الخطة.

وفي هذا السياق، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقًا إطاريًّا في 26 حزيران/يونيو. وقد رفض كل من «حزب الله» و«حركة أمل» الاتفاق، واعتبرا أنه غير متوازن. فهو يُلزم لبنان بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة ومنع استخدام أراضيه لأي نشاط عسكري، في حين يجعل انسحاب إسرائيل مشروطًا بتنفيذ هذه الالتزامات.

وينص الاتفاق على إنشاء منطقتين تجريبيتين، إحداهما جنوب نهر الليطاني والأخرى شماله، ينتشر فيهما الجيش اللبناني بالتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية. وفي 21 تموز/يوليو، تعرضت وحدات من الجيش اللبناني كانت تنتشر في بلدة زوطر الغربية في قضاء النبطية لإطلاق نار إسرائيلي، بعدما دخلت، وفقًا للجيش الإسرائيلي، إلى المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان. ويبرز هذا الحادث حجم البيئة الأمنية الهشة التي يُطلب من الجيش اللبناني العمل ضمنها، إذ يجد نفسه عالقًا بين المقاربة الأمنية الإسرائيلية في الجنوب ورفض حزب الله للاتفاق الإطاري.

المانحون الأجانب: أطراف رئيسية

بعد انتهاء الحرب الأهلية وحتى انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، أوقفت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، لكنها واصلت إرسال ضباط لبنانيين إلى الولايات المتحدة للتدريب ضمن برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي. وبعد عام 2005، بدأت واشنطن الاستثمار في دعم الجيش اللبناني لمساعدته على أداء مهمتين أساسيتين: حفظ الأمن الداخلي وتعزيز أمن الحدود، خصوصًا منع تهريب الأسلحة عبرها.

اعتبارًا من عام 2006، بدأ الجيش اللبناني يتلقى مساعدات عسكرية أمريكية عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي. ومنذ ذلك الحين، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 3 مليارات دولار كمساعدات عسكرية، لا سيما بعد الهجوم الذي شنه تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) و«جبهة النصرة» على بلدة عرسال عام 2014. وشملت هذه المساعدات «طائرات ومركبات وأسلحة ومعدات أخرى لمساعدة الجيش على تأمين حدود البلاد وتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب». كما قدمت 130 آلية مدرعة من طراز هامفي، المركبات ذات العجلات متعددة الأغراض عالية الحركة وعائلة المركبات التكتيكية المتوسطة والشاحنات التكتيكية الثقيلة ذات القدرة الموسعة على الحركة، بهدف تعزيز قدراته اللوجستية في العمليات القتالية للقوات. ويتمتع الجيش اللبناني بسجل كامل في ما يتعلق بعمليات مراقبة الاستخدام النهائي، وهي الآلية التي تراقب كيفية استخدام الأسلحة والتأكد من عدم نقلها إلى طرف ثالث.

تعد المساعدات العسكرية الأمريكية مهمة للجيش اللبناني، لكن الولايات المتحدة لم تكن تنوي أن يتحول الجيش إلى قوة عسكرية تتجاوز دور «قوة شرطة كبرى». لذلك، لا تزوده واشنطن بأسلحة المدفعية الثقيلة. وبعد الأزمة المالية التي اندلعت عام 2019، قدمت الولايات المتحدة، بين حزيران/يونيو 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2023، دفعات شهرية بقيمة 100 دولار أمريكي لكل جندي لبناني، وهو دعم قدمته أيضًا دولة قطر.19Tine Gade, Kjetil Selvik, and Khaled Zaza Dit Yafawi, “How Lebanon’s Security Sector Works amidst State Collapse”, Mediterranean Politics, August 2025, 1–35. https://doi.org/10.1080/13629395.2025.2528332

أما المساعدات العسكرية الفرنسية، فتُعدّ الأكثر استمراريةً والأكثر حضورًا بين شركاء لبنان الدوليين. فقد بقيت فرنسا شريكًا ثابتًا للجيش اللبناني، لا سيما في مجالات التعليم العسكري وبناء القدرات والتدريب. غير أن باريس، بخلاف عدد من المانحين الدوليين الآخرين، رفضت باستمرار تمويل رواتب العسكريين، معتبرةً أن أجور الجيش اللبناني مسألة ترتبط بالسيادة الوطنية.

وعلى الرغم من انتقاد الولايات المتحدة لتردّد الجيش اللبناني في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، فإنها لا تزال تنظر إليه باعتباره شريكًا موثوقًا. وفي هذا السياق، قال المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط توم براك، عند تجديد ولاية قوات اليونيفيل للمرة الأخيرة في آب/أغسطس 2025: «الجيش اللبناني هو الحل. الجيش اللبناني هو جوابكم. جوابكم ليس اليونيفيل».

وخلال لقائه بالرئيس ترامب في 21 تموز/يوليو، دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى استمرار الدعم السياسي والمساندة المتواصلة للجيش اللبناني، معتبرًا أن كليهما يشكل شرطيًا أساسيًا لا غنى عنه لنجاح الجيش في تنفيذ مهمته.20خلال لقائه بالرئيس ترامب في 21 تموز/يوليو، ناشد الرئيس اللبناني جوزيف عون الحصول على دعم سياسي مستمر ودعم متواصل للجيش اللبناني، مشددًا على أن كليهما يشكل شرطًا أساسيًا لا غنى عنه لنجاح تنفيذ مهمة الجيش.

الخلاصة: لا شلل ولا وهم عسكري

لا يمكن النظر إلى الجيش اللبناني باعتباره «الحل» للأزمات السياسية والأمنية المزمنة في لبنان، على الرغم من ميل بعض القوى اللبنانية والشركاء الدوليين إلى التعامل معه على هذا الأساس. فأي مسعى إلى استعادة سلطة الدولة وإعادة تأكيد احتكارها المشروع لاستخدام القوة يبقى رهنًا بتوافر توافق سياسي داخلي، وبيئة إقليمية تسمح بذلك. في المقابل، لا ينبغي أن يتحول الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية إلى غاية في حد ذاته. فتُظهر تجربة السنوات الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية مخاطر الإفراط في ضبط النفس، إذ أدى إقصاء الجيش عن القرارات السياسية والأمنية المفصلية إلى تنامي الإحباط داخل صفوف الضباط، وأسهم في وقوع حالات متتالية من الانقسام والتفكك. وعلى الرغم من أن الانخراط المباشر في القضايا الداخلية الخلافية يعرّض المؤسسة لمخاطر كبيرة، فإن التاريخ يبيّن أيضًا أن الشلل المؤسسي واستمرار حالة الجمود قد يكونان بالقدر نفسه من الضرر على تماسك الجيش وشرعيته.

إن المهمة المطروحة اليوم هي مهمة سياسية قبل أن تكون عسكرية: بناء استراتيجية وطنية تربط بين ضبط السلاح وانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، وبين تحديد دور متوافق عليه للجيش اللبناني، ووضع مسار واقعي لانتقال البنى العسكرية التابعة لحزب الله، إلى جانب الإصلاح المؤسسي، وتوفير ضمانات اجتماعية واقتصادية مستدامة للمجتمعات الأكثر تأثرًا بهذه التحولات.

إن الحفاظ على وحدة الجيش لا يتحقق بعزله عن جميع المهام الصعبة، بل بضمان أن يتحرك، عندما يُطلب منه ذلك، في ظلّ تفويض واضح، وتحالف سياسي يتمتع بالمصداقية، وموارد كافية، واستراتيجية يراها اللبنانيون استراتيجية وطنية، لا طائفية، وغير مفروضة من الخارج، وغير موقتة.

 [16] Oren Barak, The Lebanese Army: A National Institution in a Divided Society, Albany: State University of New York Press, cop. 2009.

Endnotes

Endnotes
1 نقولا ناصيف، «المكتب الثاني: حاكم في الظل»، 2006.
2 Adel Freiha, L’armée et l’Etat au Liban, 1945-1980, 1980.
3 فؤاد عون، «ويبقى الجيش هو الحل»، بيروت، 1988.
4 ألبير منصور، «موت جمهورية»، 1994.
5 مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط عسكري لبناني رفيع المستوى.
6 Elisabeth Picard, The Demobilization of the Lebanese Militia, Oxford: Centre for Lebanese Studies, Prospects for Lebanon Series No. 9, 1999.
7 رياض تقي الدين، «إحياء جيش»، 1994.
8 المرجع السابق.
9 المرجع السابق.
10 المرجع السابق.
11 مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط لبناني، 2009.
12 مقابلة هاتفية مع الجنرال إريك دو لا بريسل، 20 أيار/مايو 2026.
13 مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط عسكري لبناني رفيع المستوى.
14 مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط عسكري لبناني رفيع المستوى.
15 مقابلة على قناة CNews، 12 آذار/مارس 2026.
16 في عام 1958، واجه الرئيس كميل شمعون معارضة انتقدت سياساته الموالية للغرب. وطلب تدخل الجيش، لكنه قوبل برفض من قائده الأعلى. وأدت هذه الحادثة في نهاية المطاف إلى انتخاب الجنرال فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، وهو المنصب الذي شغله من عام 1958 حتى عام 1964.
17 وقد تجلى ذلك بوضوح في اشتباكات أيار/مايو 2008 التي أعقبت قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 أيار/مايو 2008 بتفكيك شبكة اتصالات «حزب الله»، واصفًا إياها بأنها «غير شرعية وغير قانونية» و«انتهاك لسيادة الدولة». وردًا على هذه القرارات، حشد حزب الله أنصاره، ما أدى إلى مواجهات مسلحة في شوارع بيروت. لمزيد من التفاصيل، انظر: قناة الجزيرة، «خلاف حول شبكة هاتف حزب الله»، 9 أيار/مايو 2008، https://www.aljazeera.com/news/2008/5/9/row-over-hezbollah-phone-network
18 مقابلة أجرتها المؤلفة مع ضابط لبناني رفيع المستوى.
19 Tine Gade, Kjetil Selvik, and Khaled Zaza Dit Yafawi, “How Lebanon’s Security Sector Works amidst State Collapse”, Mediterranean Politics, August 2025, 1–35. https://doi.org/10.1080/13629395.2025.2528332
20 خلال لقائه بالرئيس ترامب في 21 تموز/يوليو، ناشد الرئيس اللبناني جوزيف عون الحصول على دعم سياسي مستمر ودعم متواصل للجيش اللبناني، مشددًا على أن كليهما يشكل شرطًا أساسيًا لا غنى عنه لنجاح تنفيذ مهمة الجيش.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.