شراكة الهند مع إسرائيل: الطائرات بدون طيار والعمالة وسياسات التواطؤ

رئيس الوزراء شري ناريندرا مودي يتحدث في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس، إسرائيل، في مارس 2021. شترستوك

حكاية شعبية هندية قديمة: تصل مجموعة من اللصوص إلى ضفة نهر وهم يحملون الحبال والأسلحة. يدرك صاحب القارب أنهم ينوون مهاجمة قرية تقع على الضفة المقابلة. ومع ذلك، ينقلهم إليها. بحلول الفجر، تكون منازل الضفة المقابلة قد احترقت، ويُقتل عدد من سكانها. عندما يواجه الناجون صاحب القارب، يدافع عن نفسه قائلًا إنه لم يقتل أحدًا؛ بل اكتفى بنقل الركاب عبر النهر. لكن أهل القرية يرفضون هذا التبرير. فيجيبه أحدهم: «ما كان للنهر أن يحملهم لولا قاربك. قد تكون اليد التي تضرب أكثر إثمًا، لكن اليد التي تسلحها عن علم لا يمكن أن تكون بريئة من اللوم». ما يجعل هذه الحكاية ذات صلة ليس فقط في بعدها التاريخي.

وقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى جانب إسرائيل منذ هجمات حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، ما جعل الهند واحدة من الدول القليلة في الجنوب العالمي التي اتخذت هذا الموقف من دون أيّ تحفظ. وخلال الأشهر التالية، أوضحت الهند اصطفافها مع إسرائيل من خلال سجل تصويتها على قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وقف إطلاق النار. ولم تتضمن البيانات الرسمية الهندية مصطلحي «الاحتلال» أو «الحصار الإسرائيلي» ولو مرة واحدة. وأعلن مودي، في خطاب ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي في شباط/فبراير 2026، أن «لا شيء يمكن أن يبرر الإرهاب»، مستحضرًا هجمات مومباي في تشرين الثاني/نوفمبر 2008، في مقارنة مع هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، من دون أن يأتي على ذكر ممارسات إسرائيل في غزة. وينسجم هذا الاستخدام الرسمي لمصطلح «الإرهاب»، الذي تُضخّمه المنظومة الإعلامية الهندية، مع الخطاب الدبلوماسي لواشنطن وتل أبيب.

أثار الدعم الهندي النشط لإسرائيل قدرًا كبيرًا من التحليل والتعليق. وأشار باحثون إلى التقاطع بين القومية الهندوسية (الهندوتفا) والأيديولوجيا الصهيونية الاستيطانية، وكلاهما مبني على منطق «الأغلبية المهددة»: ففي الهند، يُصوّر المسلمون بوصفهم تهديدًا داخليًّا تمثّله أقلية، بينما تُقدّم في إسرائيل عملية إقصاء الفلسطينيين باعتبارها حلًا لمشكلة ديموغرافية وأمنية. كما لفت آخرون إلى المسار الطويل لسياسة الهند المعروفة بـ«فكّ الارتباط»، وهي الاستراتيجية التي بدأها رئيس الوزراء الأسبق ناراسيمها راو عام 1992، ثم سرّعها مودي، والقائمة على فصل العلاقة الهندية-الإسرائيلية عن العلاقة الهندية الفلسطينية، والتعامل مع كلّ منهما باعتبارها مسارًا ثنائيًا مستقلًا، بدلًا من النظر إليهما بوصفهما موقفين مترابطين أخلاقيًا. بينما ركز محللون آخرون على البعد الانتخابي: فحكومة حزب بهاراتيا جاناتا (BJP)، التي جعلت من المشاعر المعادية للمسلمين ركيزةً أساسيةً لحشدها الداخلي، تجد في إسرائيل، بوصفها دولة استعمارية استيطانية، نموذجًا يمنحها شرعيةً ذاتية – فهي دولة رسّخت عمليًا نمطًا من القومية الإثنية التي تستبعد المسلمين، وهو النموذج الذي لطالما دعت إليه «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (RSS)، المنظمة الأم الأيديولوجية لحزب بهاراتيا جاناتا (BJP) والعمود الفقري المؤسسي للسياسة القومية الهندوسية في الهند.

كل ذلك صحيح، لكنه غير كافٍ. فما يغيب عن التحليلات السائدة هو سؤال المشاركة المادية. فالهند لا تكتفي بمراقبة الفظائع التي تُرتكَب في غزة أو الاستيطان المستمر في الضفة الغربية من مسافة دبلوماسية. ولا يقتصر موقفها على الامتناع عن الإدانة، بل إنها تُزوّد إسرائيل بنشاط بأجزاء مهمة من بنيتها العسكرية. فمن خلال المشروع المشترك بين مجموعة «أداني» وشركة «إلبيت» الإسرائيلية، وفي إطار مبادرة «صنع في الهند»، تُستخدم الطائرات المسيرة التي تصنع في منشأة في مدينة حيدر آباد في الهجمات التي تنفذها القوات الإسرائيلية على غزة. ومن خلال «اتفاقية تنقّل العمالة» الرسمية التي وُقّعت في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 ثم وُسّعت في شباط/فبراير 2026، أُرسل عشرات الآلاف من العمال الهنود إلى إسرائيل ليحلوا محل العمال الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بعد سحب تصاريح عملهم في أعقاب أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر. ومن خلال هاتين الآليتين – رأس المال الخاص داخل سلسلة توريد الصناعات الدفاعية، وتصدير العمالة الذي تيسره الدولة – جعلت الهند نفسها طرفًا مشاركًا في البنية المادية التي يقوم عليها الاحتلال.

لا يتساءل هذا المقال عما إذا كانت الهند تتحمل المسؤولية. فذلك السؤال أجابت عنه بالفعل الطائرات المسيرة التي تحلق فوق غزة، والعمال في مواقع البناء الإسرائيلية. إنما يطرح سؤالًا آخر: ماذا تعني هذه المشاركة المادية بالنسبة إلى الصورة التي رسمتها الهند لنفسها تاريخيًا بوصفها دولة ما بعد استعمارية وقوةً من قوى عدم الانحياز؟ وماذا تعني لإرثها الطويل من التضامن مع الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال والمحروم من حقوقه؟ وما الذي تبقى من ذلك الإرث بعد أن عبرت القوارب النهر بالفعل؟

 

الأساس الأيديولوجي – «هندوتفا» - الصهيونية و«التحالف الطبيعي» بعد عام 2014

العلاقة بين القومية الهندوسية (الهندوتفا) والصهيونية ليست وليدة الصدفة ولا حديثة العهد. فجذورها الفكرية والثقافية تمتد إلى مطلع القرن العشرين، حين كانت الحركتان تصوغان سردياتهما المؤسسة في ظل صعود القومية الأوروبية. فأبدى في. دي. سافاركار، الأب الفكري للهندوتفا، إعجابًا صريحًا بالمشروع الصهيوني، واعتبره نموذجًا لكيفية تمكّن شعب مشتت من إعادة تشكيل نفسه كأغلبية عبر السيطرة على الأراضي. ففي مطلع عام 1923، أيد سافاركار علنًا ما وصفه بحق الشعب اليهودي في استعادة «وطنه التاريخي». وكتب في كتيبه الشهير «الهندوتفا: من هو الهندوسي؟»: «إذا تحققت أحلام الصهاينة يومًا، وأصبحت فلسطين دولة يهودية، فإن ذلك سيسعدنا بقدر ما يسعد أصدقاءنا اليهود تقريبًا». وكان المنطق عينه في الحالتين: وطن هندوسي للهندوس، ووطن يهودي لليهود، وفي كلتا الحالتين، صُوِّر السكان القائمون الذين لا ينتمون إلى الجماعة المعنية باعتبارهم مشكلة ديموغرافية وأمنية.

ما كان تعاطفًا فكريًا في الحقبة الاستعمارية، تحول إلى تقارب عملي في عهد مودي. فمنذ عام 2014، عملت حكومة حزب «بهاراتيا جاناتا» (BJP)، المدعومة من منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (RSS)، بصورة منهجية على الارتقاء بعلاقتها، ليس مع دولة إسرائيل بحد ذاتها، بل مع «فكرة إسرائيل». ويتقاطع ذلك، بدرجة لافتة، مع تصور تحالف «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (RSS) وحزب «بهاراتيا جاناتا» (BJP) للهند بوصفها «راشترا هندوسية» (أمة هندوسية)، أي دولة حضارية تقوم على الهوية الدينية للغالبية الهندوسية. وعلى الرغم من أن الطرفين يتجنبان عادةً الاعتراف بذلك رسميًا، فإن العلاقة صُوِّرت باعتبارها «تحالفًا طبيعيًا»، واتسعت لتشمل مختلف المجالات: صفقات التسليح، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتكنولوجيا الزراعية، والأمن السيبراني، وعقيدة مكافحة الإرهاب. وفي عام 2017، أصبح مودي أول رئيس وزراء هندي يقوم بزيارة منفصلة إلى إسرائيل، في خطوة رمزية مثلت قطيعة مع عقود من السياسة الهندية التي حافظت على مسافة من إسرائيل انطلاقًا من مبادئ مناهضة الاستعمار. ورد بنيامين نتنياهو الزيارة بزيارة إلى الهند في عام 2018. وفي إحدى مقابلاته الإعلامية، أشار نتنياهو، مازحًا، إلى أن عدد متابعيه من الهند يفوق عددهم من إسرائيل. وحرص الزعيمان على تقديم علاقتهما بوصفها «تحالفًا طبيعيًا»، مصورين بلديهما كديمقراطيتين تواجهان تهديدًا وجوديًا مصدره الإسلام، وهو تهديد أمضى كلاهما سنوات في توظيفه سياسيًا.

يتجلى هذا التقارب الأيديولوجي على مستويات عديدة ومعقدة. فعلى مستوى بناء صورة التهديد، بنت الحركتان جزءًا كبيرًا من هويتهما السياسية على تصوير «المسلم» بوصفه العدو الداخلي: تهديدًا ديموغرافيًا، وإرهابيًا كامنًا، وعنصرًا ملوثًا للهوية الثقافية. فحماة الأبقار «غوراكشاك»، وهم جماعات أهلية متشددة في الهند مكرسة لحماية الأبقار من الذبح وتتحرك تحت المظلة الأيديولوجية لـ«الهندوتفا»، يجوبون طرق ولاية أوتار براديش، وجندي الاحتلال الإسرائيلي الذي ينفذ مداهمات لمنازل الفلسطينيين في الضفة الغربية، ليسا مجرد صورتين متشابهتين؛ بل نتاج منطق سياسي واحد، أنتجته دولتان جعلتا من جسد الأقلية موضعًا دائمًا للريبة والتشريع والعنف الذي يُدار ويُضبط. على مستوى منطق الاستيطان، يستند المشروعان إلى فرضية أسبقية حق جماعة الأغلبية في أرض متنازع عليها. فادعاء تحالف «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (RSS) وحزب «بهاراتيا جاناتا» (BJP) بأحقية «الهندوتفا»، والادعاء الصهيوني بأحقية «أرض إسرائيل»، يشتركان في بنية خطابية واحدة قوامها: التفوق، والتفويض الإلهي، والاستحقاق التاريخي، ونزع الشرعية عن أولئك الذين وصلوا لاحقًا أو اعتنقوا ديانةً «خاطئة».

ولا يقتصر هذا التقارب على الخطاب السياسي، بل تترتب عليه نتائج مادية ملموسة، تظهر بوضوح في الطابع العسكري لعلاقتهما. فقد أصبحت إسرائيل ثالث أكبر مورد للأسلحة إلى الهند، إذ شكلت نحو 15 في المئة من إجمالي واردات الهند من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة بين عامي 2021 و2025. واستعانت قوات الأمن الهندية بالمعدات والتدريب الإسرائيليين، وبأنظمة المراقبة وتقنيات إدارة الحدود وعقائد مكافحة التمرد التي طورتها إسرائيل، وخصوصًا في كشمير، بما في ذلك ممارسات مثل العقاب الجماعي وهدم المنازل واستخدام بنادق الخرز ضد المتظاهرين المدنيين. في أعقاب هجمات مومباي عام 2008، عقدت أوساط داخل المؤسسة الاستراتيجية الهندية مقارنات مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ودعت إلى أن تعتمد الهند نهجًا أكثر تشددًا في الرد على باكستان، في نقاش عكس تنامي تأثير الفكر الإسرائيلي في مجال مكافحة الإرهاب داخل الأوساط الاستراتيجية الهندية. وهكذا، لم يقتصر ما انتقل بين الطرفين على الأسلحة فحسب، بل شمل أيضًا فلسفة أمنية كاملة، يُنظر فيها إلى السكان المسلمين كتهديد يجب تحييده، لا كمواطنين ينبغي إدارتهم وحكمهم.

المواقف الاستعراضية المحلية – غزة كأداة انتخابية

لا يمكن فصل السياسة الخارجية في عهد مودي عن الحسابات الانتخابية الداخلية، ويتجلى ذلك بوضوح في طريقة تعامل الحكومة مع الإبادة الجماعية في غزة، وكذلك في جميع التصريحات المنسجمة مع سياسة إسرائيل. ويستند النموذج السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا (BJP) إلى إنتاج صورة «الآخر المسلم» باستمرار. إذ يُصوَّر وجود المسلمين في الهند على أنه مصدر تهديد، وتُفترض ولاءاتهم على أنها مرتبطة بالخارج أو مناهضة للوطن، وتُتجاهل معاناتهم في أماكن أخرى من العالم أو تُشوه. وعندما يعبر المسلمون الهنود عن تضامنهم مع الفلسطينيين، يُتهمون بازدواجية الولاء، في حين يُوصم غير المسلمين الذين ينتقدون سياسة الهند تجاه إسرائيل بأنهم معادون للوطن. وعندما ينتقد سياسيون من المعارضة امتناع الهند عن التصويت في الأمم المتحدة، يتهمهم قادة حزب «بهاراتيا جاناتا» (BJP) وأقسام من وسائل الإعلام بالتعاطف مع حركة «حماس» أو بتوفير غطاء للمنظمات الإرهابية. ونجحت الحكومة إلى حد كبير في ترسيخ هذا الخطاب، إذ يُعاد تصوير أي انتقاد لسلوك إسرائيل في غزة على أنه دعم للإرهاب، ويُعاد تقديم أي تعاطف مع المدنيين الفلسطينيين على أنه دليل على عدم ولاء المسلمين المتأصل للدولة الهندية. وهذا ليس أمرًا عرضيًا في سياسة الحكومة تجاه غزة، بل هو جوهر هذه السياسة.

ويؤدي ذلك إلى نشوء حلقة تغذية متبادلة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، تجعل أي مراجعة أو تعديل للموقف أمرًا بالغ الصعوبة. فانتقاد إسرائيل يعني، في هذا المنطق، إضفاء الشرعية على المطالب السياسية للمسلمين الهنود. والاعتراف بالاحتلال يعني تقويض سردية الهندوتفا التي تصور المسلمين بوصفهم الطرف المعتدي. ولذلك، تجد الحكومة نفسها ملتزمة، من الناحية البنيوية، بموقف يتّسم بالتواطؤ، ليس لأنها أجرت تقييمًا دقيقًا للمصالح الاستراتيجية للدولة الهندية، بل لأن البديل يهدد البنية الطائفية التي بنت عليها نفوذها السياسي.

كما امتدت آثار هذه السياسة الرسمية إلى الخطاب العام. وتجلى ذلك بوضوح خلال مناظرة تلفزيونية دعا فيها السفير الهندي السابق ديباك فوهرا إلى تنفيذ عمليات انتقام جماعي ضد الفلسطينيين. ولم تكمن أهمية هذا التصريح في قائله بقدر ما كانت في ما كشفه عن البيئة السياسية الأوسع. وهي بيئة باتت فيها حياة الفلسطينيين فاقدة للقيمة إلى حد إطلاق دعوة صريحة إلى القتل الجماعي على شاشة التلفزيون في أوقات الذروة، من دون أن تواجه إدانة شعبية أو مؤسسية تُذكر. لم يكن فوهرا حالة استثنائية، بل كان انعكاسًا لمنظومة أوسع تحول فيها التأييد لإسرائيل، لدى قطاعات مؤثرة من الإعلام والمؤسسة السياسية الهندية، إلى خطاب يقترب من تبرير العقاب الجماعي ومحو الوجود الفلسطيني.

العلاقة بين أداني وإلبيت: حيدر آباد، وطائرة «هيرميس 900»، وجغرافيا التواطؤ

يتشابك رأس المال الهندي مع البنية التحتية للقوة العسكرية الإسرائيلية، وتمتد خيوط هذا التشابك إلى منشأة في حيدر آباد. ففي عام 2018، دخلت شركة «أداني للدفاع والفضاء» (Adani Defence & Aerospace)، إحدى أكبر شركات الصناعات الدفاعية الخاصة في الهند، في مشروع مشترك مع شركة «إلبيت سيستمز» (Elbit Systems)، أكبر شركة دفاع خاصة في إسرائيل. وأسفر هذا التعاون عن تأسيس شركة «أداني-إلبيت للأنظمة المتقدمة الهندية المحدودة»، التي أنشأت، وفق وصفها الرسمي، «أول منشأة لإنتاج طائرات هيرميس 900 خارج إسرائيل » داخل «مجمع أداني للفضاء» في حيدر آباد. وقد رُوِّج لهذا المشروع باعتباره أحد أبرز إنجازات مبادرة «صنع في الهند» التي أطلقتها حكومة مودي، والهادفة إلى توطين الصناعات الدفاعية من خلال شراكات بين رأس المال الهندي والتكنولوجيا الأجنبية. لكن ما لم تُبرزه المبادرة هو الوجهة النهائية لهذه المعدات العسكرية.

تعد طائرة «هيرميس 900» أكثر من مجرد منصة عسكرية تقليدية. فقد أصبحت إحدى أبرز رموز القدرات الإسرائيلية الحديثة في مجال الحرب الجوية. وتنتجها شركة «إلبيت سيستمز»، التي تزود سلاح الجو الإسرائيلي بنحو 85 في المئة من الطائرات المسيرة القتالية التي يستخدمها. وهي طائرة مسيرة متوسطة الارتفاع وطويلة المدى، تستطيع التحليق لمدة تصل إلى 36 ساعة، وتستوعب حمولة تبلغ 420 كيلوغرامًا. وقد استخدمتها القوات الإسرائيلية على نطاق واسع في غزة والضفة الغربية ولبنان في مهام الاستطلاع وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات باستخدام ذخائر موجهة. وبحلول حزيران/يونيو 2026، بينما كان القاضي الهندي المتقاعد سرينيفاسان موراليدار، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، يعرض نتائج لجنته التي خلصت إلى أن إسرائيل استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمدًا، في ما وصفه التقرير بأنه إبادة جماعية، بقيت طائرات «هيرميس 900» جزءًا أساسيًا من البنية العملياتية للجيش الإسرائيلي فوق غزة. والمفارقة هنا ليست عرضية: فقد خلص قاضٍ هندي في الأمم المتحدة إلى أن إبادة جماعية تُرتكب، بينما استمرت الدولة الهندية في الوفاء بالعقود التي تبقي الآلة العسكرية المرتبطة بتلك العمليات قيد العمل.

وتعد الأدلة على دور الهند في هذه المنظومة قوية على نحو استثنائي، لأن جزءًا كبيرًا منها يستند إلى بيانات صادرة عن مجموعة «أداني» نفسها. ففي بيان صحفي مؤرخ في 6 شباط/فبراير 2020، أعلنت شركة «أداني ديفينس» أن منشأتها في حيدر آباد «بدأت تصدير منصة هيرميس 900 الجوية غير المأهولة إلى عملاء دوليين»، واصفةً هذه الخطوة بأنها محطة «ناجحة» في التوسع الدولي للمشروع المشترك. وأكد البيان أن المجمع الصناعي في حيدر آباد يتوسع ليشمل تصدير أنظمة الطائرات المسيّرة الصغيرة. وفي شباط/فبراير 2024، أفادت مجلة «شيبارد ميديا»، المتخصصة في شؤون الدفاع، بأن مشروع «أداني-إلبيت» سلم أكثر من عشرين منصة «هيرميس 900» إلى إسرائيل، جُمعت في حيدر آباد باستخدام هياكل جوية مصنوعة من المواد المركبة الكربونية داخل منشآت «أداني»، بينما وفّرت «إلبيت» أجهزة الاستشعار والمحركات والأنظمة الحيوية الأخرى. وفي تحقيق لاحق، نقل موقع «ذا واير» عن مصدر داخل مجموعة «أداني» تأكيده حصول عمليات التصدير هذه. وعندما تواصل الموقع مع شركة «إلبيت سيستمز»، أكد متحدث باسم الشركة رسميًا أن «إلبيت تتعاون مع أداني، التي تعد موردًا ضمن سلسلة توريد أنظمة الطائرات من دون طيار الخاصة بنا». ونقل موقع «ميدل إيست آي» عن محللين دفاعيين في الهند أنه من «المرجح جدًا» استخدام الطائرات المسيّرة المصنعة عبر مشروع أداني-إلبيت المشترك في غزة، مشيرًا إلى أن طائرات «هيرميس 900» تُستخدم «لقصف المدنيين العزل في قطاع غزة والضفة الغربية». وخلص «مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان» إلى أن الأدلة المتاحة تثبت أن مشروع «أداني-إلبيت» صدّر إلى إسرائيل، بين عامي 2019 و2023، هياكل فرعية ومكونات عسكرية مصنوعة في الهند لأكثر من 20 طائرة «هيرميس 900»، إن لم تكن طائرات كاملة. كما وثّقت مراجعة سياسات صدرت عام 2024 عن «مجلس البحوث الاستراتيجية والدفاعية» المشروع المشترك بوصفه عقدًا راسخًا بين القطاعين العام والخاص، والذي وجدت الحكومة الهندية نفسها مضطرة للتعامل معه دبلوماسيًا خلال الهجوم على غزة، مع استمرارها بالالتزام به. وفي هذا الترتيب، قد تتغير جغرافيا الإنتاج، لكن آلة الحرب نفسها لا تتغير. فما يُجمع في حيدر آباد ينضم إلى الأسطول عينه الذي يستخدمه سلاح الجو الإسرائيلي بشكل مستمر فوق غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وتجلى البعد السياسي لهذه العلاقة بوضوح من خلال سلوك الهند داخل الأمم المتحدة. ففي كانون الأول/ديسمبر 2023، صوتت الهند لصالح قرار للجمعية العامة يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة. لكن بعد أربعة أشهر فقط، في نيسان/أبريل 2024، امتنعت الهند عن التصويت على قرار لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة دعا إلى وقف إطلاق النار وفرض حظر على توريد الأسلحة إلى إسرائيل. وكل القراءات تشير إلى أنّ هذا التحول كان مرتبطًا ببند حظر السلاح. فالحكومة التي تستطيع المطالبة بوقف إطلاق النار ليست مستعدة للمطالبة بحظر الأسلحة التي تنتج هي نفسها جزءًا من مكوناتها. ومن ثم فإن الامتناع عن التصويت والإنتاج العسكري ليسا، وفق هذا الطرح، سياستين منفصلتين، بل هما وجهان لسياسة واحدة تتجلى في مستويين مختلفين.

وهنا، يفقد خطاب الامتناع الدبلوماسي قدرته على التبرير. فالدولة التي تمتنع عن التصويت على قرار لوقف إطلاق النار قد تدعي، وإن بدا ذلك غير مقنع، أنها لا تنحاز إلى أيّ طرف. أما الدولة التي يُنتج رأس مالها الخاص مكونات لأنظمة الأسلحة المستخدمة في العمليات العسكرية التي يُطالب بوقفها، فلا تستطيع، وفق هذا المنطق، التمسك بهذا الادعاء. ويضيف النص أن ارتباط الأمر بمجموعة «أداني» يمنحه بعدًا إضافيًا. إذ أصبحت المجموعة، خلال عهد مودي، تحتل موقعًا تتضاءل فيه الحدود بين رأس المال الخاص وسلطة الدولة، مستفيدةً من العقود الحكومية، والتسهيلات التنظيمية، وبيئة سياسية دعمت توسعها بصورة مستمرة. ومن ثم فإن شراكة «أداني ديفينس» مع «إلبيت سيستمز» لا تقدم باعتبارها مجرد قرار تجاري خاص، بل بوصفها تعبيرًا عن سياسة الدولة يُنفّذ عبر رأس المال الخاص، بما يسمح بإنكار الطابع الرسمي لها شكليًا، مع الحفاظ على اتجاهها السياسي عمليًا.

ويختتم النص بالإشارة إلى أن المجتمع الدولي لم يقف موقف المتفرج. ففي شباط/فبراير 2024، حذرت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة من أن نقل الأسلحة أو الذخائر إلى إسرائيل قد يشكّل انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي، ودعت إلى وقفه فورًا. كما علّقت بلجيكا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل خلال الأشهر التالية. وفي أيلول/سبتمبر 2024، علقت المملكة المتحدة 30 ترخيصًا من أصل 350 لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل، بعد أن كشفت مراجعة قانونية عن وجود خطر واضح يتمثل في احتمال استخدام بعض الصادرات العسكرية في انتهاكات للقانون الإنساني الدولي. أما الهند، فيشير النص إلى أنها لم تتخذ خطوة مماثلة، إذ استمرت علاقة «أداني» و«إلبيت». واستمرت منشأة حيدر آباد في العمل، واستمر إنتاج طائرات «هيرميس 900».

استبدال اليد العاملة – إرسال 42 ألف عامل هندي إلى إسرائيل

في أعقاب هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر مباشرة، ألغت إسرائيل تصاريح العمل لنحو 150 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون في قطاعات البناء والزراعة والخدمات داخل إسرائيل وفي المستوطنات غير القانونية. لم يكن هذا الإلغاء الجماعي إجراءً أمنيًا موجهًا ضد أفراد محددين تربطهم صلات مثبتة بحماس، بل شكّل عقابًا جماعيًا للقوى العاملة الفلسطينية؛ وعقوبة اقتصادية فُرضت على شريحة سكانية بأكملها.

ونتيجة لذلك، واجه الاقتصاد الإسرائيلي، ولا سيما قطاع البناء، نقصًا فوريًا في اليد العاملة. وهنا استجابت الحكومة الهندية. فمن خلال اتفاق ثنائي رسمي، سهّلته وزارتا الشؤون الخارجية وتنمية المهارات وريادة الأعمال، وافقت الهند على توفير عمال بدلاء. وبموجب اتفاق ثنائي أُبرم في عام 2023، اتفقت الهند وإسرائيل على تسهيل توظيف ما يصل إلى 42 ألف عامل هندي في قطاعي البناء والرعاية في إسرائيل. وأُطلقت حملات توظيف في عدد من الولايات، من ضمنها هاريانا، وأوتار براديش، وتيلانغانا، وماهاراشترا. واستقطبت الوعود بأجور تفوق بكثير ما هو متاح داخل الهند أعدادًا كبيرة من الهنود ذوي الأوضاع الاقتصادية الهشة للعمل في اقتصاد أعادت الحرب تشكيله.

وتحمل هذه الترتيبات تبعات أخلاقية واضحة، لكنها لم تحظَ إلا بقدر ضئيل من الاهتمام في الخطاب السائد داخل الهند. فالعمال الفلسطينيون الذين جُردوا من تصاريحهم كانوا يشغلون تلك الوظائف، في كثير من الحالات، لسنوات أو عقود. وجاء إقصاؤهم في إطار عقاب اقتصادي جماعي نُفِّذ خلال حملة عسكرية وصفتها هيئات عدة تابعة للأمم المتحدة وخبراء في القانون الدولي بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بينما اعتبر بعضهم أنها قد ترقى أيضًا إلى إبادة جماعية. وفي هذا السياق، جرى استقدام العمال الهنود صراحةً لسدّ الفراغ الذي خلّفه استبعاد العمال الفلسطينيين.

ولا يمكن النظر إلى هذه العملية باعتبارها مجرد هجرة عمالية محايدة، بل هي مشاركة في البنية التي يقوم عليها الاحتلال. يتطلب احتلال الأراضي الفلسطينية إدارة السكان الفلسطينيين عبر تقييدهم والتحكم في حركتهم، والحد من خياراتهم الاقتصادية، واستبدالهم عند الحاجة. ويُعد برنامج استبدال العمالة مثالًا واضحًا على هذا النهج. فالعمال الهنود، وكثير منهم ينحدرون من فئات مهمشة للغاية في ولايات عانت من الإهمال المنهجي، وجدوا أنفسهم يشغلون وظائف أصبحت شاغرة بعد إقصاء العمال الفلسطينيين. وهم، سواء كانوا يدركون ذلك أم لا، أصبحوا جزءًا من سياسة تقوم على الإقصاء الديموغرافي والاقتصادي.

وقد أثارت النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني وباحثون متخصصون في هجرة العمالة هذه المخاوف، لكنها لم تلقَ اهتمامًا واسعًا. في المقابل، قدمت الحكومة الهندية البرنامج على أنه فرصة تتيح للعمال الهنود الحصول على أجور أعلى واكتساب مهارات جديدة. فكل وظيفة شاغرة تحمل وراءها قصة، وهذه الوظائف أصبحت متاحة نتيجة استبعاد العمال الفلسطينيين خلال حرب إسرائيل على غزة. ومن ثم، فإن شغل هذه الوظائف من دون مواجهة الظروف التي أدت إلى نشوئها لا يعد مجرد قرار اقتصادي؛ بل يحمل أيضًا أبعادًا أخلاقية.

الكلفة – مصداقية «الجنوب العالمي» والإرث المناهض للاستعمار

من قناعة غاندي بأن فلسطين ملك للفلسطينيين، إلى الهند التي تسعى اليوم إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية في وقت تتعرض فيه غزة لإبادة جماعية وتُحوَّل إلى أنقاض، تكشف السياسة الخارجية الهندية أكثر من مجرد تحول في التحالفات. فهي تكشف عن تحول في التصور الأيديولوجي والأخلاقي للدولة. كانت حركة عدم الانحياز التي أطلقها نهرو محاولة للحفاظ على مساحة سياسية مستقلة بين الكتلتين الإمبرياليتين المتنافستين خلال الحرب الباردة، وبناء تضامن بين الشعوب المستَعمَرة والبلدان التي تحررت حديثًا من الاستعمار في مواجهة منطق هيمنة القوى العظمى. وكانت فلسطين في صلب هذا المشروع. فقد كانت الهند من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية. ولم تكن معارضتها لتقسيم فلسطين عام 1947 مجرد تصويت دبلوماسي، بل عكست رؤيةً ما بعد استعمارية اعتبرت النضال الفلسطيني جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الأوسع للتحرر من الاستعمار، شعب يعيش تحت الاحتلال ويسعى إلى الحرية السياسية التي كانت الهند قد حصلت عليها حديثًا لنفسها.

لم يُعدّل هذا الإرث في عهد مودي، بل جرى تفريغه من مضمونه بشكل متعمّد. وتظهر تداعيات ذلك بوضوح في مختلف أنحاء «الجنوب العالمي». ففي قمة حركة عدم الانحياز التي عُقدت في كمبالا في كانون الثاني/يناير 2024، تبنت الدول الأعضاء الـ120 قرارًا يدين حملة إسرائيل باعتبارها إبادة جماعية، ويدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، وهو إجماع لم تكن الهند جزءًا منه. وعندما طُرح قرار وقف إطلاق النار في الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت في حزيران/يونيو 2025، صوتت جميع دول آسيا، باستثناء الهند وتيمور الشرقية، لصالحه. وبالنسبة إلى دولة بنت مكانتها الدولية على أساس ادعائها تمثيل صوت الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار، فإن كونها الدولة الوحيدة في منطقتها التي تعارض موقفًا يتعلق بالاحتلال والقتل الجماعي ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل هو خيانة لهذا الإرث. فالدول التي نظرت إلى الهند باعتبارها قوة موازنة للنفوذ الغربي داخل المؤسسات الدولية، راقبتها وهي تصطف مع الكتلة الغربية في قضية حقوق الفلسطينيين. إن المصداقية التي أمضت الهند عقودًا في بنائها بصفتها صوتًا للشعوب التي تحررت من الاستعمار، تُستنزف بسرعة بسبب اصطفاف سياسي يخدم المصالح الانتخابية الداخلية ومصالح الأعمال التابعة لتكتل اقتصادي ضخم.

وهناك أيضًا مسألة تأثير هذا التحول على البنية الأخلاقية الداخلية للهند. فالدستور الهندي صريح في التزامه بكرامة الإنسان، ومكافحة التمييز، وسيادة القانون. وقد أدرك الجيل المؤسس من القادة الهنود أن هذه المبادئ غير قابلة للتجزئة: فالدولة التي تدافع عن حقوق الشعوب المستعمرة في الخارج، بينما تضطهد الأقليات في الداخل، هي دولة تعيش تناقضًا مع ذاتها، وهذا التناقض سيظهر في نهاية المطاف. وقد راهنت الحكومة الحالية على فكرة معاكسة: أن تعزيز القومية الإثنية في الداخل، بالتوازي مع دعم دولة قائمة على الاستيطان الاستعماري في الخارج، سيكون مفيدًا انتخابيًا، وأنه يمكن التخلي بأمان عن الإرث التاريخي للتضامن مع الشعوب المضطهدة. وقد يثبت هذا الرهان أنه مربح انتخابيًا، لكن تداعياته يُرجّح أن تستمر لفترة أطول بكثير من مكاسبه.

الخلاصة: الصمت وثمنه

عندما ألقى نهرو كلمته أمام الجمعية التأسيسية عام 1946، لم يتحدث عن الدبلوماسية فحسب، بل عن الإرث أيضًا. فقد أشار إلى أن حرية الهند تفرض عليها التزامًا بالاعتراف بنضالات الشعوب الأخرى التي لا تزال تعيش تحت الهيمنة. وكانت السياسة الخارجية، في نظره، امتدادًا لهذا الوعي الأخلاقي بالتاريخ. أما السؤال المطروح اليوم فلم يعد ما إذا كانت الهند قد اكتسبت نفوذًا استراتيجيًا أكبر، بل ما إذا كانت، في خضم هذا الصعود، قد نسيت اللغة الأخلاقية التي كانت تفهم من خلالها العالم ذات يوم. كانت الهند تعارض الاستعمار بجميع أشكاله. وكانت ترفض الوقوف على الحياد بين الظالم والمظلوم. كان الخطاب طموحًا، كما هو الحال عادةً مع الوثائق التأسيسية، لكنه أشار إلى شيء حقيقي: مجموعة من المبادئ التي منحت السياسة الخارجية الهندية مضمونًا أخلاقيًا، وجعلتها تسعى إلى أن تكون أكثر من مجرد السعي إلى المصلحة الوطنية المجردة، مغلفة بلغة القانون الدولي.

لكن هذا الادعاء لم يعد اليوم قابلًا للتكرار إلا بسخرية. فالدولة التي تُصنّع شركاتها الخاصة الطائرات المسيرة التي تراقب وتضرب سكانًا محاصَرين، والتي تسهل حكومتها تصدير اليد العاملة لملء الوظائف التي خلت بسبب العقاب الجماعي الذي فُرض على هؤلاء السكان أنفسهم، والتي يقف دبلوماسيوها مكتوفي الأيدي أثناء التصويت في الأمم المتحدة الداعي إلى وقف القتل، ليست دولة تقف إلى جانب المضطهدين. إنها دولة اختارت، بهدوء ومع إدراك كامل لما تختاره، أن تقف إلى جانب الظالم.

صمت الدولة الهندية تجاه غزة ليس مجرد صمت دبلوماسي، بل هو الصمت الذي يصاحب إعادة ترتيب عميقة للأولويات السياسية، إذ حلت المصالح الاستراتيجية محل الذاكرة التاريخية والمسؤولية الأخلاقية. وما هو على المحك ليس سياسة الهند الخارجية فحسب، بل التصور الأخلاقي الذي كانت تفهم من خلاله الحرية عينها في الماضي.

لكن التصور الأخلاقي لم يختفِ تمامًا من دون مقاومة – وحين جاء التحدي، ظهر من جهة غير متوقعة. فقد حث القاضي سرينيفاسان موراليدار، وهو قاضٍ هندي سابق يرأس حاليًا لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، الحكومة الهندية مباشرةً على إعادة النظر في موقفها قائلًا: «إذا فشلنا في اتخاذ إجراء بناءً على أدلة واضحة إلى هذا الحد، فلن نتمكن من تعويض أنفسنا في المستقبل». إن قاضيًا هنديًا، يعمل في الأمم المتحدة، يطلب من الدولة الهندية أن تنظر إلى نفسها – وهذه المفارقة ليست عرضية، بل هي مقياس للمسافة التي قطعتها الهند بعيدًا عما كانت تقول يومًا إنها تدافع عنه.

التاريخ لا يغفر الصمت بسهولة كما تأمل الحكومات. وسيُطرح السؤال حول ما فعلته الهند وما لم تفعله عندما كانت غزة تحترق، وسيُردّ عليه، ليس من خلال البيانات الصحفية للحكومة، بل عبر السجل الموثق للطائرات المسيرة والعقود والعمال. هذا السجل موجود بالفعل. والسؤال الوحيد المتبقي هو: هل ستواجه الهند هذه الحقيقة قبل أن يفرض عليها الآخرون مواجهتها؟

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.