مقدمة
في جميع أنحاء العالم، غدت مشروعات الطاقة ساحة للنزاع والخلاف. لطالما قاومت المجتمعات المحلية استخراج الوقود الأحفوري بدواعٍ تتعلق بالصحة والأضرار البيئية والتهديدات التي تمسّ سبل عيشها، وتحدث الآن ديناميات مماثلة حيال مشروعات الطاقة المتجددة. في حين تواجَه هذه التحركات بالتجاهل بوصفها حالات مقاومة من نوع "ليس في عقر داري" (NIMBY)، نظم السكان أنفسهم حول مطالب أوسع تتمثّل في الحصول على كهرباء ميسورة الكلفة ومستقرة، مؤكدين أن الطاقة حق وليس سلعة.
في نيجيريا، على سبيل المثال، احتجت الحركات الشعبية مرارًا وتكرارًا على ارتفاع الرسوم وسياسات الخصخصة. قامت منظمات كلجنة أزمة الكهرباء في سويتو بجنوب أفريقيا بالتعبئة ضد قطع التيار الكهربائي وعدم المساواة في توفير الخدمة، وربطت هذه النضالات بالإرث الدائم لعدم المساواة المكانية والبنية التحتية زمن الفصل العنصري. وقد اعترضت مجموعات المجتمع المدني والنقابات العمالية في تونس على المشروعات الضخمة للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر التي تقودها جهات أجنبية، بحجة أنها تعيد إنتاج أنماط الاستغلال المتمثلة في نزع الملكية والتبعية.
يمكن قراءة هذه النضالات على أنها تعبيرات عن مواطنة الطاقة، إذ تضع المجتمعات نفسها في موقع الفاعل السياسي من خلال تأكيد حقوقها، ورسم مستقبلها الطاقي، وتحدي الشروط الناظمة لعمل أنظمة الطاقة. تسلط هذه الحالات الضوء على الطبيعة الهيكلية الأكبر والطبيعة السياسية المتأصلة في الحركات المتعلقة بالطاقة، ولا تقتصر على الاعتراض على مواقع المشروعات، بل ترتبط بالحقوق وسبل العيش والعدالة.
لقد عانى لبنان على مدى عقود عديدة من عدم استقرار إمدادات الكهرباء. لكن على الرغم من عمق الأزمة واستمرارها، فقد واجهت البلاد صعوبة في حشد تأييد مستمر يركز صراحةً على قضية الكهرباء. وبدلًا من ذلك، ظهرت مطالب الطاقة على هامش موجات الاحتجاج الأوسع نطاقًا، إذ ظلت مجزأة أو ابتلعها المنطق الطائفي والسياسي. سلطت موجات الاحتجاجات في عامي 2015 و2019 الضوء على انهيار الخدمات العامة، لكن الكهرباء ظلت ضمن باقة مطالب أكبر في الموجة الأولى، ولم تظهر كموضوع للتنظيم الجماعي المستمر في الموجة الثانية.
في الوقت نفسه، أسفر التآكل التدريجي التاريخي لخدمات الدولة في لبنان إلى تطبيع الاعتماد على الحلول الخاصة، ولا سيما مولدات الديزل منذ الحرب الأهلية، ومؤخرًا سوق الطاقة الشمسية المتوسع، ولكن غير المتكافئ وغير المنظم. تساعد هذه التحولات في تفسير الظهور المحدود للتعبئة الجماعية، فقد أصبح التعامل مع نقص الكهرباء يغلب عليه التكيف الريادي على المستوى الفردي والأسري. أما ما لا يزال غير واضح إلى الآن، فهو كيف أُعرِب سياسيًا عن هذه الاستجابات المختلفة لنقص الكهرباء، ولماذا عانت الحركة الموحدة حول الكهرباء من صعوبة في التبلور. وبالتوازي مع ذلك، انتشرت مبادرات الطاقة المتجددة على مستوى المجتمعات المحلية في مختلف مناطق البلاد منذ الأزمة المالية لعام 2019، لتصبح شريان الحياة للعديد من المجتمعات. يثير هذا تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المبادرات تعزز المشاركة والفاعلية الجماعية أم أنها تعزز التفتت والاعتماد على الذات.
مع تلاقي هذه الأنماط، فإنها تشير إلى أن التعامل مع قضية الطاقة في لبنان يشهد تغيرات لم تطلها الدراسة الكافية بعد. تتتبع هذه الورقة كيف يعبر الناس في لبنان عن مطالبهم المتعلقة بالكهرباء عبر مختلف ساحات التعبئة. ومن خلال تناول هذه الديناميات من منظور "مواطنة الطاقة"، تبحث الورقة أولًا في الاحتجاجات والشكاوى المتعلقة بتوفير الكهرباء، إذ عارضت المجتمعات المحلية والعمال التوزيع المقنن، والعمل غير المستقر، والفساد، والإهمال الهيكلي للقطاع. ثم تتجه الورقة إلى المبادرات المجتمعية في مجال الطاقة المتجددة، وهذه تشير إلى تطور في مواطنة الطاقة، إذ يقوم الأفراد بشكل فاعل بتشكيل وإدارة مستقبلهم الطاقي. وأخيرًا، تبحث الورقة في تعاونيات الطاقة كوسيلة محتملة لتوفير طاقة أكثر ديمقراطية ولامركزية، وتحلل أسسها القانونية، وحوكمتها، والقيود التنظيمية، وتقيّم الشروط التي قد تتيح لها تقديم بديل جماعي لأشكال الوصول إلى الطاقة الفردية والموجهة نحو السوق.
وبالمجمل، تكشف هذه الديناميات عن توتر لم يحظَ باهتمام كبير في النقاشات الحالية حول الطاقة والحوكمة في لبنان. لقد غدت الكهرباء ركنًا أساسيًا من أركان الحياة اليومية والنضالات الأوسع حول الخدمات العامة، لكن بقيت التعبئة حول الطاقة متقطعة ومتفرقة ويصعب الحفاظ عليها كمجال متماسك للعمل الجماعي. وبالتالي، تُعامل النضالات المتعلقة بالكهرباء في أغلب الأحيان على أنها ابنة الأزمات أو تعبيرات ثانوية عن صراعات سياسية أكبر، بدلًا من اعتبارها مجالًا للتعبئة تشكِّله الجهات الفاعلة والتاريخ وقيوده. وتزداد هذه الفجوة وضوحًا مع توسع مبادرات الطاقة اللامركزية، المفتقرة إلى أطر تنظيمية واضحة أو ضمانات اجتماعية، وتترك مسائل القدرة على تحمل التكاليف والشمول والمساءلة للمفاوضات المخصصة. لذلك، فإن تحليل أشكال العمل هذه معًا ضروري لفهم كيفية إعادة تعريف مواطنة الطاقة وكيفية التوزيع غير المتكافئ للأعباء والاستبعاد في مشهد الطاقة الآخذ في التحول إلى اللامركزية.
لرسم خريطة للتعبئة المتعلقة بالكهرباء في لبنان على مدى العقود الماضية ودراسة الأشكال المختلفة للمشاركة التي ظهرت حول توفير الطاقة والإصلاح، تستخدم هذه الدراسة نهجًا نوعيًا يجمع بين تحليل المصادر الثانوية وتحليل بيانات الاحتجاجات ومقابلات الخبراء. تعتمد الدراسة على قاعدة بيانات العمل الجماعي التابعة لمركز معرفة المجتمع المدني لتتبع أنماط الاحتجاجات والإضرابات والحملات المتعلقة بالكهرباء. ونظرًا لمحدودية تغطية قاعدة البيانات، من 2012 إلى 2022، فإن تحليل محتوى الصحف الوطنية ووسائل الإعلام يكمل هذ السلسلة، بتغطيته الحركات الاحتجاجية والمناقشات العامة من عام 2006 حتى شباط/فبراير 2025.
بالتوازي مع ذلك، أُجريت 8 مقابلات معمقة مع خبراء من الممارسين والقانونيين والباحثين وصانعي السياسات العاملين في مجالات الطاقة المتجددة والحوكمة والتعاونيات والحركات الاجتماعية في لبنان (انظر الملحق أ). ركزت هذه المقابلات على ظهور المبادرات المتجددة اللامركزية والاهتمام المتزايد بالتعاونيات الطاقية، ودراسة كيفية إعادة تشكيلها للحوكمة والمشاركة والمساءلة ومفاهيم مواطنة الطاقة في سياق انهيار نظام الكهرباء العام. وتسمح هذه الأساليب مجتمعة بقراءة طولية ومتعددة المستويات للتعبئة المتعلقة بالكهرباء في لبنان، ووضعها في إطار التحولات الاجتماعية-السياسية والاجتماعية-التقنية الأوسع نطاقًا. كما يساهم المشاركون في المقابلات في مناقشة السياسات الواردة في الورقة من خلال تحديد المعوقات ونقاط الانطلاق المستندة إلى الممارسات المحلية من أجل اتباع نُهج تشاركية وشاملة وموجهة نحو العدالة في إدارة الطاقة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.