مقدمة
أحدثت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما تلاها من إغلاق مضيق هرمز، عواقب سلبية كبيرة على العراق، وأهمها التوقف الفعلي لصادراته النفطية، التي كان ما يقرب من 95 بالمئة منها يمر عبر المضيق قبل الحرب. وتنعكس هذه العواقب بشكل مباشر على قدرة الحكومة على تغطية نفقاتها، حيث إن حوالي 90 بالمئة من إيراداتها تأتي من صادرات النفط. إن الدور المفرط للدولة في الاقتصاد، سواء من خلال توفير السلع والخدمات أو من خلال رواتب القطاع العام، يعني أن أي اضطراب في إيراداتها ينعكس على بقية الاقتصاد. ومما زاد الطين بلة، أن الافتقار إلى البنية التحتية لتخزين النفط أجبرها على إجراء تخفيضات حادة في إنتاج النفط، من حوالي 4,900,000 برميل يوميًا قبل الحرب إلى حوالي 1,600,000 برميل يوميًا. وقد سمح ذلك ببعض الصادرات مع تلبية الطلب المحلي على التكرير البالغ حوالي 1,200,000 برميل يوميًا. ومع ذلك، كان للتخفيضات عواقب سلبية على إمدادات الطاقة في البلاد: فقد أدى انخفاض إنتاج النفط إلى انخفاضات مرتبطة به في إنتاج الغاز بنسبة 70 بالمئة وفقًا للتقارير، ما زاد من حدة نقص الطاقة الناجم بالفعل عن التخفيضات في صادرات الغاز الإيراني خلال فترة الحرب.
فليس من المستغرب أن تكون معظم التغطيات الإعلامية لتأثير الحرب على الاقتصاد العراقي من النوع المتشائم، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إعداد "نعي" للبلاد، حيث جاءت التعليقات الأخيرة لوزير الخارجية العراقي محذرة من "كارثة مالية" في حال استمرار الحرب، مما يؤكد هذا التشاؤم. ومع ذلك، ففي حين أن إغلاق المضيق يمثل خطرًا جوهريًّا على العراق، فإن الدولة يمكنها، بل وينبغي أن تكون قادرةً على تجاوز هذه الأزمة لفترة من الوقت تُقاس بالأشهر، وليس بالأيام أو الأسابيع. وعادةً ما يتم استلام عائدات النفط بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من تصديرها، ولذا فحتى مع توقف الصادرات عقب إغلاق المضيق في أوائل آذار/مارس، تمكنت الحكومة من تغطية نفقاتها لشهور آذار/مارس ونيسان/أبريل وأيار/مايو، حيث تم تعزيز إيراداتها عن طريق الاقتراض المحلي. بالإضافة إلى ذلك، واصلت الحكومة استخدام مجموعة أدوات إدارة النقد المعتادة التي استخدمتها خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025 – كما استخدمتها الحكومات السابقة عندما انخفضت عائدات النفط إلى ما دون مستوى النفقات – مثل إجراءات توفير التكاليف المؤقتة، وتراكم المتأخرات المستحقة لأطراف ثالثة، بما في ذلك المقاولون المحليون وشركات النفط الدولية (IOCs). ويميل كل من هذه التدابير إلى تمطيط العائدات على الرغم من الآثار السلبية المترتبة على الاقتصاد.
وبعد شهر أيار/مايو، من المتوقع أن تحصل الحكومة على عائدات نفطية متواضعة عقب الاستئناف الجزئي لصادرات النفط عبر ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، ومرور بعض الناقلات المحملة بالخام العراقي عبر مضيق هرمز، ونقل الخام بالشاحنات عبر الأردن. ورغم أن هذه الإيرادات ستُستكمل بإيرادات غير نفطية، فإن مجموعها سيظل أقل بكثير من مستويات الإيرادات السابقة، وبالتالي سيتعين تعزيزه من خلال الإصدار المستمر والمتزايد للسندات المحلية، أي سندات الخزانة، حتى تتمكن الحكومة من تغطية نفقاتها. في الظروف العادية، من شأن إصدار السندات، في غياب الإيرادات النفطية، أن يؤدي إلى تآكل احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية ويهدد ربط الدينار العراقي (IQD) بالدولار الأمريكي (US$). ومع ذلك، من المتوقع أن تؤدي الحرب وإغلاق المضيق أيضًا إلى انخفاض الواردات (حيث تأتي حوالي 60 بالمئة من الواردات من الصين وتركيا وإيران)، مما يخفف، على الأقل حتى أوائل إلى منتصف عام 2027، من الآثار السلبية على الاحتياطيات الأجنبية. ومع ذلك، فإن إصدار كميات كبيرة من الديون المحلية، في غياب عائدات النفط، سيترتب عليه تكاليف على الاقتصاد.
من المفترض أن يؤدي الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، الذي تم توقيعه مؤخرًا لإنهاء النزاع، إلى إعادة فتح مضيق هرمز في الأسابيع المقبلة، وبالتالي الحد من أزمة كان من المحتمل أن تستمر إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، حتى في ظل السيناريوهات الأكثر تفاؤلًا، سيستغرق استئناف إنتاج النفط العراقي وصادراته عددًا من الأسابيع قبل أن يعود إلى ما يشبه مستويات ما قبل الحرب، ثم يستغرق الأمر من شهرين إلى ثلاثة أشهر قبل أن تعود عائدات النفط إلى التدفق إلى الميزانية. وعلى هذا النحو، من المرجح أن تواصل الحكومة إصدار المزيد من الديون المحلية لتغطية نفقات ما لا يقل عن خمسة إلى ستة أشهر أخرى، مع الاستمرار في استخدام أدوات إدارة النقد المعتادة. وستؤدي هذه التدابير مجتمعةً إلى زيادة التكاليف على الاقتصاد على المدى الطويل. ويقابل هذه التكاليف احتمال كبير بأن تكون الحكومة الجديدة في مفاوضات أولية مع صندوق النقد الدولي. وإذا أسفرت هذه المفاوضات عن برنامج بحلول نهاية العام، فقد تفتح الباب أمام الاقتراض الأجنبي في أسواق السندات الأوروبية، مما يخفف الضغوط على الدين المحلي ويقلل المخاطر على ربط الدينار العراقي. وهذا بدوره سيخلق ديناميكيات أفضل للوضع المالي العام للحكومة.
ومع ذلك، ما كان للبلاد أن تصل إلى هذه الأزمة الحرجة لولا تراكم الأضرار التي تسببت فيها الحكومات المتعاقبة لنفسها، والتي كانت تعمل وفق منطق "المحاصصة الطائفية"، وهي السمة المميزة للنظام السياسي في مرحلة ما بعد عام 2003. تتمثل أول نتيجة اقتصادية سلبية رئيسية لمثل هذا النظام في أن الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق بين الأطراف العديدة التي يتألف منها تؤدي إلى سياسات قائمة على "القاسم المشترك الأدنى"، ومن ثم إلى سياسات اقتصادية شعبوية. والنتيجة الثانية هي أن شبكات المحسوبية، القائمة على الولاء بدلًا من الكفاءة، تجعل إدارة اقتصاد البلاد ضعيفة في أحسن الأحوال. يركز هذا المقال على جرحين رئيسيين ذاتيي التسبب، كلاهما متجذر في هذه الديناميكيات، وأدى إلى الوضع الحرج الذي وصل إليه الاقتصاد عقب إغلاق المضيق.
المضي قدمًا في السياسات التي ربطت الاقتصاد بأسعار النفط
اعتمدت الحكومات المتعاقبة ميزانيات أدت إلى خلق العديد من الاختلالات الهيكلية ثم إدامتها، والتي تضخمت بمرور الوقت وغذّى بعضها بعضًا. ويكمن جوهر هذه الاختلالات في عدم التوازن بين النفقات الجارية ونفقات الاستثمار، حيث تتوسع الأولى باستمرار على حساب الثانية. ويعكس هذا الدور الريعي للدولة كجهة تعيد توزيع ثروة النفط في البلاد مقابل قبول المجتمع لحكمها؛ وهي ديناميكية أدت إلى دور مفرط للدولة في الاقتصاد، تاركةً البلاد في الوقت نفسه تعتمد بشكل كبير على واردات السلع والخدمات، ومعرضةً بشدة لتقلبات أسعار النفط.
وقد كشفت سلسلة من الأزمات الاقتصادية والمالية – الأزمة المالية العالمية في 2008-2009، وفترة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 2014-2017، وجائحة كوفيد-19 في عام 2020 – التي تفاقمت كل منها بسبب انخفاض أسعار النفط وكانت كل واحدة منها أشد خطورة من التي سبقتها، عن خطوط الصدع التي أوجدتها هذه الاختلالات الهيكلية المتعددة. ومع ذلك، لم تؤدِ هذه الأزمات إلى إعادة النظر في الماضي لمعالجة الخلل الرئيسي بين النفقات الجارية ونفقات الاستثمار، ولم تؤدِ أيضًا إلى سياسات تقلل، أو على الأقل تخفف، من تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط. بدلًا من ذلك، وبما أن كل أزمة انتهت بارتفاع أسعار النفط، فقد ضاعف النظام السياسي بعد عام 2003 من نفس السياسات الاقتصادية التي اتبعت في الماضي، مع كل تكرار لهذه السياسات، مما أدى إلى زيادة هذا التعرض بشكل أكبر.
كانت ميزانية الفترة 2023-2025 أحدث خطوة في اتجاه "المراهنة المضاعفة"، حيث وجدت الحكومة الجديدة، التي تشكلت في أواخر عام 2022، نفسها تتمتع بفوائض كبيرة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط في عام 2022 في أعقاب غزو أوكرانيا في وقت سابق من ذلك العام. وعلى الرغم من ذاكرة الجروح من أزمة عام 2020، فقد شرعت الحكومة في اتباع سياسة مالية توسعية من خلال ميزانية مدتها ثلاث سنوات للفترة 2023-2025، تتضمن خطط إنفاق سنوية غير مسبوقة تبلغ 199.0 تريليون دينار عراقي (153 مليار دولار أمريكي). سمح ارتفاع أسعار النفط نسبيًا في الفترة 2023-2024، إلى جانب النقص الكبير في تنفيذ الإنفاق الاستثماري، للحكومة بتنفيذ نفقات الميزانية بسهولة نسبية. ومع ذلك، انخفضت أسعار النفط بشكل ملحوظ في عام 2025، وعلى الرغم من استمرار النقص في تنفيذ الميزانية، بدأت النفقات تتجاوز الإيرادات. وأجبر ذلك الحكومة على العودة إلى أدواتها المعتادة لإدارة السيولة النقدية، مع زيادة الإيرادات في الوقت نفسه من خلال الاقتراض المحلي. وجاء إغلاق المضيق ليضيف ضغوطًا إضافية على ميزانية كانت تعاني بالفعل من ضغوط.
سوء إدارة قطاع النفط على الرغم من الاعتماد الشديد على تقلبات أسعار النفط
على الرغم من هذا الاعتماد الشديد على عائدات النفط، فإن إدارة قطاع النفط، من الإنتاج إلى التصدير، تتم بشكل ارتجالي، دون استراتيجيات طويلة الأجل متسقة ذات أهداف محددة بوضوح لتنمية ثروة البلاد الهائلة من النفط والغاز. وبشكل أساسي، تعمل البلاد دون سياسة وطنية متكاملة للنفط والغاز. اتبعت الحكومة الاتحادية العراقية (GoI) وحكومة إقليم كردستان (KRG) سياسات نفطية متباينة أدت إلى استعمال مسارين منفصلين لتصدير النفط: تصدير الحكومة الاتحادية الذي يمر في الغالب عبر مضيق هرمز، وتصدير إقليم كردستان العراق (KRI) الذي يمر عبر ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط عبر خط أنابيب العراق-تركيا (ITP). وقد تم تطوير هذا الأخير دون إذن من حكومة العراق، مما جعل صادرات إقليم كردستان العراق مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنزاع حول حصة الإقليم من الميزانية الاتحادية. وهذا بدوره أعاق تطوير خط أنابيب العراق-تركيا ليصبح مسارًا ثانويًّا مهمًّا للتصدير للبلاد ككل.
يبدو أن قرارين قانونيين، صدرا في عامي 2022 و2023، قد فتحا الطريق نحو التوصل إلى حل. وقد أحدثا تحولًا جذريًا في العلاقة بين حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان، والتي بدأت تتبلور في اتفاقيتين مترابطتين في ربيع عام 2023، شكلتا فعليًا آلية لتقاسم عائدات النفط والغاز، وهي آلية كان من الممكن أن تصبح، بمرور الوقت، حجر الأساس لقانون اتحادي للنفط والغاز، وبالتالي لظهور سياسة نفطية وطنية متكاملة.
ومع ذلك، فقد تعثرت هذه الإمكانية في غضون أسابيع بسبب الخلافات السياسية في مجلس النواب – التي نشأت أساسًا عن نزاعات حول حصة إقليم كردستان في الميزانية. في أواخر عام 2024، تحركت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان لإحياء الاتفاقيتين المترابطتين، مما مهد الطريق لتعديل تشريعي من قبل مجلس النواب في شباط/فبراير 2025. ولضمان تمرير التشريع، جاء التعديل مصحوبًا بـ"محاصصة" نمطية، تتسم بقدر كافٍ من الغموض للتوصل إلى توافق في الآراء، ولكن دون وضوح كافٍ لضمان التنفيذ السريع. ونتيجة لذلك، تأجل استئناف صادرات النفط من إقليم كردستان العراق حتى أيلول/سبتمبر 2025، ولكن هذه المرة تحت السيطرة الاتحادية. والأهم من ذلك، أن هذه كانت اتفاقية مؤقتة، مثل جميع الاتفاقيات المبرمة مع حكومة إقليم كردستان منذ عام 2003، والتي، في سعيها للتوصل إلى توافق في الآراء من خلال القاسم المشترك الأدنى، لم تعالج القضايا الحقيقية، تاركة إياها لتتفاقم.
ومع اندلاع الحرب، توقف إنتاج النفط في إقليم كردستان العراق في أعقاب هجمات شنتها جهات خارجة عن سلطة الدولة، مما أدى إلى توقف صادرات إقليم كردستان العراق، التي كان متوسطها يبلغ 200,000 برميل يوميًا حتى ذلك الحين. وقد حرم ذلك الخزانة الاتحادية من الإيرادات، حيث كانت هذه الصادرات تدار من قبل "المؤسسة العامة لتسويق النفط" الاتحادية (SOMO). ولمعالجة هذا النقص في الإيرادات، سعت وزارة النفط الاتحادية (MoO) إلى تحويل جزء من إنتاجها إلى خط أنابيب العراق-تركيا بهدف الوصول إلى 250,000 برميل يوميًا، لكن حكومة إقليم كردستان رفضت السماح بذلك بسبب الخلافات الكبيرة التي لم تُحل بين الطرفين بشأن الإيرادات غير النفطية، والتي لم يعالجها الاتفاق المؤقت. ومرة أخرى، ساد ترتيب مؤقت آخر، مما أتاح تحقيق الصادرات الاتحادية المخطط لها التي بلغ متوسطها أقل بقليل من 200,000 برميل يوميًا – وكانت الكميات محدودة أو أقل من المطلوب بسبب نقص الاستثمار في خطوط الأنابيب المحلية التي تربط حقول النفط الاتحادية الرئيسية في الجنوب بمسار التصدير الشمالي عبر تركيا.
يمكن تقدير حجم الضرر الذي لحق بالبلاد جراء سلسلة الأضرار الذاتية في هذه الحالة بالذات من خلال الخسارة المحتملة في الإيرادات الاتحادية الناجمة عن عدم القدرة على تصدير المزيد من النفط عبر خط أنابيب العراق-تركيا. أولًا، أدى توقف الإنتاج في إقليم كردستان العراق إلى خسارة 200,000 برميل في اليوم، وهو ما كان من شأنه زيادة إجمالي الصادرات إلى 400,000 برميل في اليوم. ثانيًا، لو كانت اتفاقية أيلول/سبتمبر 2025 نهائية وواضحة، لكان بإمكان الشركات النفطية الدولية العاملة في إقليم كردستان زيادة الإنتاج إلى مستويات عام 2022، وهو ما كان سيضيف 200,000 برميل يوميًا أخرى ليصل الإجمالي إلى 600,000 برميل يوميًا. ثالثًا، تفاقم الضرر بسبب نقص الاستثمار في البنية التحتية المحلية لأنابيب النفط، مما حال دون تحويل المزيد من النفط من الحقول الجنوبية، ربما بما يتراوح بين 300,000 و400,000 برميل يوميًا، وهو ما كان من شأنه رفع الصادرات العراقية الفعلية عبر خط أنابيب العراق-تركيا إلى ما بين 900,000 و1,000,000 برميل يوميًا. ومما زاد الطين بلة، أن مجموعة الاتفاقيات المرتبطة بخط أنابيب العراق-تركيا تنتهي صلاحيتها في نهاية تموز/يوليو 2026. وكانت تركيا قد أخطرت العراق في العام السابق بأنها لن تجددها وفق الشروط القديمة، ساعيةً إلى إبرام اتفاق أكثر شمولًا يضمن زيادة التدفق عبر خط أنابيب العراق-تركيا بمقدار 1,600,000 برميل يوميًا. ورغم استئناف المناقشات حول مجموعة جديدة من الاتفاقيات، لم يتوصل الجانبان بعد إلى اتفاق.
ما بعد خناق هرمز: حوافز للتغيير؟
مهما كانت النتيجة النهائية بعد الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع، فإن سهولة إغلاق المضيق، وما يتبع ذلك من أضرار جسيمة للاقتصاد العالمي، سيكون لها آثار عميقة وطويلة الأمد على كل من منتجي الطاقة ومستهلكيها. وقد كشفت هذه الحادثة عن هشاشة أحد أهم المعاقل الحيوية للطاقة في العالم، ومن المرجح أن تؤدي إلى إعادة تقييم أوسع نطاقًا لمعاقل أخرى مماثلة، مما سيؤثر على السياسات وقرارات الاستثمار لدى كل من منتجي الطاقة ومستهلكيها.
ومن بين الحلول الناشئة مسارات تصدير بديلة تستخدم خطوط الأنابيب كبدائل لكل من المضيق والممرات الحيوية الأخرى – وبالنسبة لمنتجي النفط في الشرق الأوسط، فإن هذه الممرات هي باب المندب وقناة السويس. وستتمثل السمة المميزة لهذه المسارات البديلة للتصدير في قدرتها على الصمود في وجه الاضطرابات الناشئة عن النزاعات أو الخلافات السياسية، والتي تنبع إلى حد كبير من حاجة مستهلكي الطاقة إلى استمرارية الإمدادات بغض النظر عن الاضطرابات. في الواقع، ستكون المسارات التي تتضمن احتياطيات مدمجة هي السائدة في المستقبل.
لقد جعل الإنتاج الحالي للعراق منه منتجًا رئيسيًّا للطاقة في الوقت الحاضر، كما أن توقعات إنتاجه المستقبلي تتيح له الاستمرار في هذا الدور لعدد من السنوات المقبلة. وتمنحه جغرافيته ميزة فريدة بين المنتجين الإقليميين، وهي القدرة على الوصول إلى مسارات تصدير متعددة تنتهي في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج. والأمر الحاسم، في حالة خطوط الأنابيب، هو أن العديد من هذه المسارات سيمر عبر دولة عبور واحدة فقط، مما يقلل التكاليف والخلافات المحتملة مع دول العبور. علاوة على ذلك، يوفر هذا التنوع في المسارات للعراق وعملائه خيارات متعددة للتصدير.
وعلى وجه الخصوص، يمتلك العراق الإمكانات لتطوير ثلاثة مسارات إلى البحر الأبيض المتوسط: أولًا، خط أنابيب العراق-تركيا الحالي الممتد إلى جيهان عبر تركيا؛ ثانيًا، خط كركوك-بانياس القديم عبر سوريا؛ وثالثًا، تمديد ذلك الخط إلى طرابلس عبر لبنان. كما أن لديه إمكانية الوصول إلى مسارين إلى البحر الأحمر عبر العقبة عبر الأردن وإلى ينبع أو المعجز عبر المملكة العربية السعودية. في الواقع، بدأت الميزة الجغرافية للعراق تؤتي ثمارها بالفعل، حيث بدأت شركات الإنترنت الأمريكية الكبرى، التي تمتلك مراكز بيانات في الخليج، في استخدام كابلات الألياف الضوئية الموجودة في العراق والتي تم مدها بمحاذاة خطوط أنابيب النفط كمسارات احتياطية أو بديلة للكابلات البحرية التي تمر عبر المضيق.
وفي الوقت نفسه، فإن حقيقة أن دول الخليج الأخرى تواجه ضغوطًا مماثلة لتنويع مسارات تصديرها تخلق توافقًا نادرًا في الحوافز، وهو ما سيكون ضروريًا إذا كانت المنطقة جادة في تطوير بدائل للمضيق والممرات الضيقة الأخرى. ويعد تصدير النفط عبر خطوط الأنابيب عبر عدة دول أمرًا بالغ التعقيد ويتطلب توافقًا في المصالح بين جميع الدول المعنية. وتتضاعف هذه الحوافز، حيث إن المضيق ليس مجرد مسار تصدير للنفط والمنتجات المكررة فحسب، بل أيضًا للسلع الأساسية الأخرى مثل الأسمدة، فضلًا عن كونه مسارًا لاستيراد عدد كبير من البضائع – ومن ثم، تبرز الحاجة إلى طرق وسكك حديدية موازية من شأنها أن تتيح أيضًا تصدير واستيراد سلع أخرى.
ومن ثم، فإن الجانب الإيجابي للأزمة الحالية هو أنها أوجدت حوافز قوية وحاجة ماسة إلى تكامل اقتصادات الشرق الأوسط، أو على الأقل العمل معًا بشكل وثيق في مشاريع مشتركة متعددة، والتي ستتطلب جميعها استثمارات كبيرة، لكنها ستأتي جميعها مصحوبة بزيادة في الأنشطة الاقتصادية والفرص المتاحة للسكان المتزايدين في المنطقة. قد تبدو هذه الأفكار خيالية إلى حد ما، أو على الأقل مجرد أمنيات، بالنظر إلى تاريخ مثل هذه الأفكار في المنطقة، لكن الأزمة الحالية، والحروب المرتبطة بها على غزة ولبنان، تخلق حاجة ماسة للتفكير في كيفية ظهور نظام إقليمي جديد من هذا الوضع يكون أكثر استجابة لاحتياجات وتطلعات مواطنيها.
ويواجه العراق، الذي كان مهمشًا عن أي تكامل إقليمي منذ غزو الكويت، فرصة تاريخية لإعادة الاندماج. ومع ذلك، فإن التحديات التي يواجهها لا تكمن في الصعوبات الكبيرة المرتبطة بتنفيذ بعض هذه المسارات، بل في أوجه القصور الأعمق في اقتصاده السياسي وقدرته المتأصلة على جرح يده بيده.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.