المعضلة الأمنية الجديدة التي تواجه الأردن

التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (يسار) بالملك عبد الله الثاني (يمين) ملك الأردن في عمّان، عاصمة الأردن، لبحث آخر التطورات في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، وذلك في 9 فبراير/شباط 2026.
التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (يسار) بالملك عبد الله الثاني (يمين) ملك الأردن في عمّان، عاصمة الأردن، لبحث آخر التطورات في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، وذلك في 9 فبراير/شباط 2026. © مكتب الرئاسة الفلسطينية - صور الأناضول

الجغرافيا هي السيد القاسي للأردن. فالمملكة الهاشمية، المحاصرة بين إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، لطالما واجهت نزاعاتٍ إقليمية تسببت في تدفقات اللاجئين والاضطرابات المالية والهجمات الإرهابية وغيرها من التداعيات المكلفة. لكن  هذا الاضطراب القريب منح أيضاً هذه الرقعة الصحراوية المتناثرة على الضفة الشرقية لنهر الأردن أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الغرب. فمن خلال تصوير المملكة على أنها "جزيرة استقرار" قادرة على تعزيز السلام ومقاومة التطرف، نجح النظام الملكي  الهاشمي دائماً في استقطاب دعمٍ دبلوماسيٍ واقتصاديٍ وعسكريٍ كبيرٍ من الولايات المتحدة وحلفائها. وفي الأوقات العادية، كان هذا الدعم كافياً لردع العدوان والحفاظ على أمن البلاد.

لكن هذه الاستراتيجية وصلت اليوم إلى نقطة الانهيار. فالرصيد الأكبر للسياسة الخارجية الأردنية، وهو تحالفها مع الولايات المتحدة، بات يهددها... فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، سرّعت حرب غزة خطط إسرائيل لضم الضفة الغربية، ما قد يؤدي إلى تهجير ملايين إضافية من الفلسطينيين إلى المملكة تحت الشعار المتطرف القائل إن "الأردن هو فلسطين". ومع ذلك، لا يستطيع الأردن مقاومة هذا التهديد الوجودي، في ظلّ معاهدة السلام مع إسرائيل، التي توسطت فيها الولايات المتحدة، ودعم واشنطن القوي والثابت للعسكرة الإسرائيلية. ومنذ شباط/فبراير، زاد الصراع مع إيران من تطويق البلاد. فبينما يستضيف الأردن بشكلٍ ملتزم قوات عسكرية أمريكية كبيرة، تعرّض الأردن لمئات الغارات الجوية الإيرانية. ودفع ذلك النظام الملكي، القلق أصلاً من التوسع الإسرائيلي والمعارضة الداخلية، إلى اعتماد حالة أشبه بالاستنفار الحربي.

هنا تكمن المعضلة الأمنية الجديدة للأردن. فالمملكة الهاشمية، العالقة بين التوسع الإسرائيلي والهجمات الإيرانية، تواجه تهديدات غير مسبوقة لسيادتها. وتستمر هذه التحديات ليس على الرغم من الهيمنة الأمريكية، بل بسببها.

دور الولايات المتحدة في الأردن

في منطقة الشرق الأوسط، لطالما وازنت الدبلوماسية الأردنية في عهد الملك الراحل حسين، والآن في عهد الملك عبد الله منذ عام 1999، بين تحالفات متغيرة باستمرار مع خطاب إنساني ومناورات تكتيكية تهدف إلى تعزيز المصالح الهاشمية. ومع ذلك، كانت العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة هي حجر الأساس لسياسة الأردن الخارجية منذ الحرب الباردة. ويحتل الأردن موقعاً متميزاً في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. ويُعدّ الملك عبد الله، أطول الزعماء العرب بقاءً في الحكم حالياً وأكثر الزعماء العرب زيارةً لواشنطن في هذا القرن. وكثيراً ما يثني المسؤولون الأمريكيون على الأردن باعتباره "واحة الاعتدال"، بينما يتجاهلون مخاوفهم بشأن حقوق الإنسان فيه، إذ يُنظر إلى انفتاحه وميله الغربي بوصفهما نقيضاً للعنف والفوضى المرتبطين ببقية المنطقة.

ووفر هذا التوافق موارد حيوية لاستقرار الأردن. ومن بين جميع المانحين الخارجيين،  تبقى الولايات المتحدة الأكثر موثوقية. ويتلقى الأردن اليوم نحو مليار دولار سنوياً كمساعدات اقتصادية أمريكية، والتي صمدت إلى حدٍ كبير أمام التخفيضات الحادة التي فرضتها إدارة ترامب عام 2025. ويشكّل الجزء الأكبر منها تحويلات نقدية لإنقاذ الحكومة الأردنية من عجزها المالي العميق. ويُخصص أكثر من ثلثي الموازنة السنوية للرواتب المدنية والمعاشات التقاعدية، بالإضافة إلى القوات العسكرية والأمنية. ولهذا الإنفاق المتضخم وظيفة سياسية: فهو يساعد في الحفاظ على قاعدة دعم النظام الملكي داخل  المجتمعات القبلية في شرق الأردن، التي تهيمن تقريباً على القطاع العام. إلى جانب ذلك، عززت المشاركة الأمريكية تاريخياً دعم قطاعات اقتصادية رئيسية، مثل البنية التحتية للمياه، والإمدادات الغذائية، والرعاية الصحية، وحتى سياسات التجارة الحرة بعد التسعينيات؛ وجميعها تعكس دور الخبراء والتمويل والتخطيط الأمريكي.

وتشكل المساعدات الأمنية ركيزة أخرى من هذا الاعتماد. إذ يتلقى الأردن أكثر من 800 مليون دولار سنوياً كمساعدات عسكرية أمريكية، ما يعادل ربع إنفاقه الدفاعي، وتشمل أسلحة وتدريباً وخدمات. علاوة على ذلك، ساهم اتفاق التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة والأردن لعام 2021 في دمج المملكة بشكلٍ كاملٍ ضمن البنية العسكرية الإقليمية الأمريكية. وعلى الرغم من القيود القانونية التي تمنع النقاش العلني حول الأمن القومي، يدرك الأردنيون جيداً أن قاعدة موفّق السلطي الجوية، الواقعة على بعد 60 ميلاً شرق عمّان، تُعدّ مركزاً مهماً للقوات الأمريكية، ما يفسر تعرّضها لهجمات جوية إيرانية في شهر آذار/مارس الماضي. كما يستضيف الأردن أول مكتب ارتباط لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى قوات بريطانية وفرنسية وألمانية. لكن الولايات المتحدة تبقى القوة المتقدمة على جميع الحلفاء الآخرين؛ من أمن الحدود والرادارات الجوية إلى التكتيكات العسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية، فالقوات والتقنيات الأمريكية تتغلغل في كل طبقات العقيدة الدفاعية الأردنية.

يأتي كل هذا الدعم مقابل ثمن: أن تحافظ الولايات المتحدة على حماية الأردن، ما دام يخدم مصالحها الاستراتيجية. وقد التزمت المملكة بذلك. فقد تعاون الأردن في الحرب على الإرهاب ، ودعم حرب العراق عام 2003، واحتضن الحملة متعددة الجنسيات ضد تنظيم الدولة الإسلامية خلال الحرب الأهلية السورية. كما وافق على معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994، ما عزز قيمته في واشنطن. غير أن هذا التسامي الجيوسياسي لم يلقَ قبولاً لدى الرأي العام الأردني، الذي استهدف غالباً في احتجاجاته الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، فضلاً عن قضايا داخلية مثل الفساد والبطالة. وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب كان هدفاً بارزاً للانتقادات، فإن المشاعر المعادية لأمريكا أعمق من ذلك. فهي تنبع من تصور شعبي للولايات المتحدة كقوة إمبريالية متغطرسة، أدى دعمها لإسرائيل وحروبها المتهورة في العراق وخارجه إلى إفقار مجتمعات عربية عديدة.

ومع ذلك، لم يكن لدى النظام الملكي الأردني، حتى وقت قريب، ما يدعوه للتشكيك في علاقته الخاصة مع الولايات المتحدة. فكان تحمّل المعارضة الداخلية ثمناً مقبولاً مقابل ضمان واشنطن لاستقرار المملكة، طالما أن سياساتها الإقليمية لا تهدد السيادة الأردنية.

معضلة القضية الفلسطينية

قلبت حرب غزة هذه الفرضية رأساً على عقب. فحطمت الإبادة الجماعية أي شكوك أردنية متبقية بشأن طموحات إسرائيل في القضاء على الدولة الفلسطينية، وبشأن التواطؤ الأميركي  في هذه النتيجة. ويشكل اليوم ضم إسرائيل للضفة الغربية، وهو الخطوة المنطقية التالية بعد تفكيك غزة، تهديداً وجودياً لسيادة الأردن. ومن بين الدول العربية، تعتبر المملكة الهاشمية الأكثر خسارة من زوال حل الدولتين، لأنه يضع توازنها الديموغرافي، واستدامتها الاقتصادية، ونظامها السياسي موضع تساؤل.

ارتبط الأردن بالطموحات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية منذ الحقبة الاستعمارية. وعقّدت حربا 1948 و1967 العربية-الإسرائيلية وضعه. فحوّلت موجات اللاجئين هذا المجتمع القبلي في معظمه إلى مجتمع ذي أغلبية حضرية فلسطينية. ونظراً لأن الضفة الغربية وقعت تحت الحكم الأردني بين هاتين الحربين، ادعت المملكة الهاشمية أيضاً الوصاية على مجمع الأقصى في القدس. بعد ذلك، وبينما اتسمت العلاقات الرسمية مع إسرائيل بالعداء، اتسم موقفها من فلسطين بالضبابية. وكثيراً ما دخل الملك حسين في منافسة مع منظمة التحرير الفلسطينية للقيادة السياسية للقضية الفلسطينية، ومثّلت حرب أيلول/سبتمبر الأسود في الأردن عام 1970 ذروة هذا التوتر.

لكن بحلول الثمانينيات، تبلورت استراتيجية جديدة. فتنازلت عمّان لمنظمة التحرير الفلسطينية عن الدور الرمزي كقائدة  للحركة الوطنية الفلسطينية، بل وتخلّت عن مطالبها الإدارية في الضفة الغربية عام 1988. واستمرّ الأردنيون في دعم استقلال فلسطين، لكن لأسباب مختلفة. فقد عارض الجميع إسرائيل بالمبدأ، ورأوا في قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة القضية العربية المركزية. غير أن بعض سكان شرق الأردن رأوا في الدولة الفلسطينية وسيلة لإخراج الفلسطينيين الأردنيين – الذين أصبح معظمهم مواطنين – من البلاد، ما يعكس تمييزاً إثنوقراطياً جعل العديد منهم في مرتبة اجتماعية أدنى. في المقابل، كان معظم الفلسطينيين الأردنيين يتطلعون إلى إقامة دولة، ليس بالضرورة من أجل مغادرة الأردن، بل بدافع حقوق الإنسان والكرامة الأساسية والقانون الدولي.

لكن الطموح الصهيوني اليميني لضمّ الضفة الغربية أثار الخوف في الأردن. فمن شأن ذلك أن يؤدي إلى تهجير ملايين الفلسطينيين الإضافيين نحو الأردن، تحت مبرر وهمي مفاده أن المملكة يجب أن تكون الوطن البديل لفلسطين. ومن شأن هذا التهجير القسري أن يسبب كارثة إذا حدث اليوم. فمن خلال تحويل سكان شرق الأردن إلى أقلية سكانية أصغر، سيؤدي ذلك إلى تفجّر صراعات اجتماعية حول قضايا الهوية الحساسة ودور الفلسطينيين في الحياة السياسية، وهي قضايا لم تُحسم منذ أحداث أيلول/سبتمبر الأسود. كما أن استيعاب هذه الموجة الجديدة من اللاجئين سيقوّض اقتصاداً راكداً يعاني أصلاً من مئات آلاف اللاجئين السوريين. وسيُنهي  الوصاية الهاشمية على المواقع الإسلامية في القدس. وقد يفتح الباب أيضاً أمام النسخة الأكثر تطرفاً من النزعة التوسعية الصهيونية، أي مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يسعى إلى احتلال جزء كبير من الأردن نفسه.

منع خيار "الوطن البديل"

إن منع خيار الوطن البديل الذي تروّج له إسرائيل، وهو الخط الأحمر  الأقصى بالنسبة إلى الأردن، كان ركيزة الدبلوماسية الهاشمية منذ تسعينيات القرن الماضي. وهذا ما يفسر توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994، التي لم ترفع فقط مستوى الدعم الأمريكي، بل وعدت أيضاً بمنح الأردن نفوذاً أكبر لدفع إطار حل الدولتين الذي نصت عليه اتفاقات أوسلو بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.1عززت معاهدة وادي عربة لعام 1994، من الناحية النظرية، النفوذ الدبلوماسي للأردن لدى إسرائيل، وبالتالي قدرته على تعزيز مفاوضات حل الدولتين بطرق عديدة. فإلى جانب إنهاء الأعمال العدائية الثنائية، كانت المعاهدة تبشر بالتعاون في مجالات المياه والطاقة والزراعة والسياحة والتجارة. ومن خلال الاعتراف رسمياً بوصاية الأردن على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، جعل الاتفاق المملكة الأردنية طرفاً مهماً في المناقشات حول دور المدينة كجزء من دولة فلسطينية مستقبلية. كما ترك الاتفاق صراحةً الوضع القانوني للضفة الغربية مفتوحاً، وتضمن نصاً يمنع أي "نقل قسري للأشخاص" (أي طرد الفلسطينيين) – وهي قضايا حاسمة بالنسبة للسيادة الفلسطينية. لكن المملكة لم تستطع إنقاذ حل الدولتين من عودة العنف وتراجع الاهتمام الغربي. ومع بدء الحكومات الإسرائيلية الأكثر تطرفاً منذ الألفية الجديدة في تبني مشروع الوطن البديل، لم تتمكن الأردن من وقف التوسع المتواصل في الضفة الغربية، والذي تجسد في المستوطنات غير القانونية، والاقتحامات العسكرية،  والقيود المفروضة على مجمع الأقصى.

وهنا، ظهر الأثر المزدوج للدعم الأمريكي بصورةٍ مؤلمة. فعلى الرغم من معاهدة السلام المبرمة عام 1994، لم تلقَ مطالب الملك عبد الله لإسرائيل بوقف هذه الانتهاكات أي استجابة. ولم تمنح حوافز التعاون، مثل اتفاق الأردن على شراء الغاز الطبيعي الإسرائيلي عام 2016، عمّان نفوذاً إضافياً في هذا الملف. في المقابل، لم يكن بإمكانها التهديد بشكلٍ موثوق بإنهاء معاهدة السلام، وهي الورقة الوحيدة الفعلية المتاحة لها، لأن ذلك من شأنه أن يهدم ثقة الولايات المتحدة فيها، وربما يؤدي إلى عقوبات قاسية مثل قطع المساعدات الأمريكية، ما  لا يستطيع الأردن تحمله.

وضاعفت حرب غزة هذه المخاوف. وأثارت الإبادة الجماعية أكبر موجة من التعبئة الشعبية منذ الربيع العربي. وتصدّرت جماعة الإخوان المسلمين، أكبر قوى المعارضة، العديد من التظاهرات.  لكن مرةً أخرى، وجدت القيادة الأردنية نفسها مقيّدة باعتمادها على الولايات المتحدة. إذ لم تستطع إلغاء معاهدة السلام كما طالب المحتجون، ولا وقف آلة الحرب الإسرائيلية التي تموّلها وتسلّحها واشنطن، في وقتٍ كانت فيه المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية أكثر أهميةً للأردن، نظرًا إلى معدل بطالة يبلغ 21 في المئة، ونسبة فقر تصل إلى 24 في المئة، وتصاعد الهجمات المسلحة وعمليات تهريب المخدرات عبر الحدود السورية. وبسبب هذا الوضع الهش، لم يكن أمام الأردن سوى خيار واحد: الحفاظ على النظام الداخلي. وقمعت السلطات الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل بشكل مثير للجدل طوال عام 2024، وفي نيسان/أبريل 2025، حظرت جماعة الإخوان المسلمين.

لكن هذا التضييق على المعارضة يزيد من اغتراب المواطنين عن نظام ملكي  يشاركهم التعاطف مع فلسطين، لكنه عاجز عن فعل الكثير. كما أنه لا يكبح جماح إسرائيل. لا تتناول خطة السلام، التي ترعاها الولايات المتحدة بشأن غزة، الضفة الغربية، ولا تستجيب للمطالب الأردنية بوقف الاستيطان واستئناف مسار التفاوض حول  حلّ الدولتين. وخلال العام الماضي، ظهرت مؤشرات أخرى على أن مخطط الضم أصبح شبه حتمي، بدءاً من تصويت رمزي في الكنيست يؤيّد الخطة، وصولاً إلى تعزيز عسكرة حكومة نتنياهو للحدود الجنوبية لإسرائيل مع الأردن. وقد وعد الرئيس ترامب في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بأن إسرائيل لن تضم الضفة الغربية، لكن تقلبات تصريحاته لا تطمئن عمّان. كل هذا يفسر لماذا، عشية الحرب مع إيران، صورت الملكية الهاشمية سيناريو "الوطن البديل" على أنه أزمة أمن قومي وشيكة تهدد وجودها الأساسي.

حرب إيران

أدت حرب إيران إلى تعميق شعور الأردن المتدهور أصلاً بهشاشة شديدة. فحتى وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل، أطلقت إيران 281 صاروخاً وطائرة مسيرة ضد منشآت عسكرية أمريكية وغربية أخرى في أنحاء المملكة، في إطار استراتيجيتها الانتقامية التي شملت المنطقة بأسرها. وعلى الرغم من أن الجيش الأردني – باستخدام طائرات وأنظمة دفاعية زوّدته بها  الولايات المتحدة، وبتوجيه من الرادارات والمعلومات الاستخباراتية الأمريكية – اعترض معظم هذه الهجمات، إلا أن الحطام والشظايا المتساقطة أصابت عشرات المدنيين. وفي أوائل آذار/مارس، اخترق قراصنة إيرانيون أيضًا عدة أنظمة حكومية وبنية تحتية حيوية.

وأمام أخطر اعتداء عسكري تتعرض له منذ أيلول/سبتمبر الأسود، أعلنت الحكومة الأردنية حالة طوارئ وطنية. لم يكن السكان بحاجة إلى تذكير إضافي، في ظلّ صفارات الإنذار المتكررة التي كانت تقطع معظم أيام شهر آذار/مارس. وفاق هذا القصف بكثير التوغلات الإيرانية الأحدث، من هجوم الميليشيات العراقية في كانون الثاني/يناير 2024 على قاعدة "تاور 22" الأمريكية إلى اعتراض الصواريخ الإيرانية كانت تستهدف إسرائيل في نيسان/أبريل 2024 وحزيران/يونيو 2025.

لكن، في حين غمرت الخطابات الوطنية وإعلانات الوحدة العربية وسائل الإعلام العامة، عبّر الأردنيون في أحاديثهم الخاصة عن سخطٍ عميق. فرأى كثيرون أن البلاد أصبحت رهينة صراع عبثي تديره الولايات المتحدة وإسرائيل. إذ أدانت القيادة الهجمات الإيرانية على الأردن – لكنها لم تدن بشكل مباشر الهجمات الأمريكية والإسرائيلية غير القانونية على إيران التي أشعلت الحرب. علاوة على ذلك، فإن إعلان طهران أن الأردن يمثل هدفاً مشروعاً نظراً لوجود قوات عسكرية أمريكية فيه، أشار إلى أن العلاقة مع الولايات المتحدة، التي كان يُفترض أن تردع أي عدوان خارجي، هي السبب في تحوّل المجال الجوي الأردني إلى ساحة حرب.

بالتأكيد، كانت علاقات الأردن مع إيران متوترة سابقاً. فأثار الملك عبد الله، بعد حرب العراق، موجةً من الخطاب الطائفي الإقليمي، عندما حذر من "الهلال الشيعي" الذي يهدّد الدول العربية السنية. ويشارك الأردنيون نظرة سلبية تجاه الحكومة الإيرانية لا تقلّ سوءًا عن نظرتهم إلى الولايات المتحدة، إذ أظهر مؤشر البارومتر العربي الأخير أن أقلّ من 20 في المئة من المشاركين يملكون رأياً إيجابياً تجاه النظام الإيراني. ومع ذلك، لم يكن الصراع المفتوح هدفاً للأردن، لا سيما لأن إيران تفوقه بكثير من الناحية الاستراتيجية. ومن اللافت أن الأردن، حتى عندما بدأت الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا بشنّ هجماتٍ محدودة ضد المملكة خلال الحرب الأهلية السورية، حافظ الأردن على علاقاته الدبلوماسية مع طهران. وهو يفعل ذلك حتى اليوم، على الرغم من عدم جدوى مطالبة الجانب الإيراني بوقف الضربات الجوية.

أما الكلفة الأكثر تدميراً لحرب إيران فتتجلّى في الاقتصاد، الذي كان يكافح بشدة قبل الصراع لتحقيق النمو والازدهار. ووفقًا لاستطلاع مؤشر الرأي العربي لعام 2025، أفاد 54 في المئة من الأردنيين بأن دخلهم لا يغطي احتياجاتهم الأساسية، وهي أعلى نسبة بين جميع الدول العربية التي شملها الاستطلاع. والآن، ستزداد الأمور صعوبة. فقد أدت اضطرابات التجارة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود محلياً. كما أن انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي الإسرائيلي، المستخدم أساساً في توليد الكهرباء، أجبر الحكومة على التحول إلى وقود الديزل وبدائل غازية أكثر كلفة. وزاد الصراع من انهيار  قطاع السياحة، الذي يشكل 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع إلغاء واسع للرحلات السياحية الدولية – وهي شريان حياة القطاع – وهو ما امتد إلى أشهر الصيف الحاسمة.

ومع ذلك، لا يملك الأردنيون مساحةً تُذكر للتعبير عن سخطهم خارج نطاق عدد متناقص من منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية التي لم تمسها بعد قوانين الجرائم الإلكترونية الصارمة. ففي أوائل آذار/مارس، منعت السلطات أي تغطية إعلامية غير مرخصة لـ"الجهود الدفاعية" الأردنية. كما منعت أوامر البقاء في المنازل فعلياً معظم الاحتجاجات الشعبية. ومع حظر جماعة الإخوان المسلمين، سعت الحكومة إلى تقييد جناحها السياسي – جبهة العمل الإسلامي، التي برزت كأكبر الفائزين في انتخابات أيلول/سبتمبر 2024 – عبر لوائح جديدة. وتعكس هذه القيود أسلوباً مشابهاً لما جرى خلال حرب غزة. فبينما يعجز الأردن عن تغيير الأحداث خارج حدوده، فإنه يسعى عبر أدواتٍ قسرية إلى فرض هدوءٍ داخلي.

لا تتوفر خيارات جيدة

على الرغم من هذه القيود، هيمنت فكرتان أساسيتان على النقاش العام طوال فترة حرب إيران. فقد وجه الأردنيون انتقادات لاذعة للولايات المتحدة، إلى جانب دعوات لتعزيز العلاقات مع الصين والدول الأوروبية. وأصبح تنويع السياسة الخارجية بهذه الطريقة، إلى جانب تعزيز التحالفات الأمنية مع الدول العربية الأخرى، مطلباً متكرراً في الخطاب الشعبي. علاوة على ذلك، لم يقتصر تجدد الغضب من إسرائيل على المواطنين فحسب، بل شمل الملك عبد الله ومسؤولين حكوميين، خصوصاً بعد الغزو الإسرائيلي المدمر للبنان. يرى كثيرون أن الصراع الإسرائيلي-اللبناني الجديد دليل على أن التوسع الصهيوني لا حدود له: فكما تسعى حكومة نتنياهو إلى ضم الضفة الغربية، فإنها ستحتل في نهاية المطاف جنوب لبنان من دون رادع. لكن، وكما هو الحال مع سيناريو "الوطن البديل"، لا يملك الأردن أي نفوذ حقيقي لكبح جماح الحرب الإسرائيلية الجديدة.

ومع ذلك، لا يملك الأردن بديلاً فعلياً عن اعتماده على الولايات المتحدة، على الرغم من علاقاته الودية مع قوى أخرى. يقدم الاتحاد الأوروبي ثلاثة مليارات يورو على شكل قروض واستثمارات للفترة بين 2025 و2027. أما الصين فهي أكبر مصدر للواردات الأردنية، وتُشيد بالمملكة باعتبارها "قوة استقرار". كما أن العلاقات مع روسيا ودية، وقد وقّع البلدان اتفاقية إعفاء من التأشيرة العام الماضي. لكن أياً من هذه الأطراف لا يستطيع تقديم المنح النقدية الضخمة التي تشكل حجر الأساس للمساعدات الأمريكية، والتي تحتاج إليها الخزانة الأردنية للبقاء. كما أن الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا غير مستعدين لتوفير صفقات تسليح واسعة النطاق تُمكن القوات المسلحة الأردنية من فك ارتباطها بالاعتماد على الجيش الأمريكي، أو تقديم قوات وضمانات أمنية تحلّ محل الوجود الأمريكي. ويضاف إلى ذلك عامل آخر مهم يتمثل في العلاقة الشخصية المريحة التي تجمع الملك عبد الله بالولايات المتحدة، بحكم تعليمه الأمريكي وخبرته الدبلوماسية في فهم آليات السياسة الداخلية في واشنطن. كذلك، فإن الدعوات لانضمام الأردن إلى إطار أمني عربي يتجاوز الجامعة العربية، مثل حلف شمال أطلسي (ناتو) عربي، ليست جديدة، لكنها تعثرت تاريخياً بسبب غياب القيادة التنظيمية والخلافات بين الدول العربية.

ونتيجة لذلك، تبدو خيارات الأردن محدودة للغاية في مواجهة العاصفة الجيوسياسية الحالية. فقد أحاطت "حرب إيران" بالبلاد، رابطةً بين خطر الضربات الجوية الآتية من الشرق والعدوان الإسرائيلي من الغرب. والقاسم المشترك بينهما هو الولايات المتحدة. وتستهدف هذه التهديدات الخارجية سيادة الأردن بشكل مباشر، بخلاف الصراعات الإقليمية السابقة. والمفارقة أن قدرة المملكة على مقاومة هذه التهديدات تتقوّض بشدة بسبب سياستها الخارجية الموالية لواشنطن، التي تحصر البلاد في معاهدة سلام غير مثمرة، بينما تجعلها في الوقت نفسه هدفاً لأي هجمات إيرانية مستقبلية. وفي المقابل، يبقى اعتمادها على الدعم الأمريكي شبه مطلق، فلو وُجِد مصدر أفضل للدعم الدبلوماسي والمساعدات الاقتصادية والعسكرية، لكانت المملكة اتجهت إليه بالفعل.

وهنا تكمن المعضلة الجيوسياسية للأردن. فهرمية القوى الكبرى التي احتاجت إليها القيادة الأردنية طويلاً – ولا تزال تحتاج إليها – لتعزيز أمنها القومي، جعلت البلاد في الواقع أقل أمناً. ولذلك، قد تكون السنوات المقبلة من أكثر المراحل خطورةً، لأنها قد تعيد رسم مستقبل ما إذا كانت المملكة الهاشمية ستبقى جزيرة الاستقرار في المنطقة أو لا.

Endnotes

Endnotes
1 عززت معاهدة وادي عربة لعام 1994، من الناحية النظرية، النفوذ الدبلوماسي للأردن لدى إسرائيل، وبالتالي قدرته على تعزيز مفاوضات حل الدولتين بطرق عديدة. فإلى جانب إنهاء الأعمال العدائية الثنائية، كانت المعاهدة تبشر بالتعاون في مجالات المياه والطاقة والزراعة والسياحة والتجارة. ومن خلال الاعتراف رسمياً بوصاية الأردن على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، جعل الاتفاق المملكة الأردنية طرفاً مهماً في المناقشات حول دور المدينة كجزء من دولة فلسطينية مستقبلية. كما ترك الاتفاق صراحةً الوضع القانوني للضفة الغربية مفتوحاً، وتضمن نصاً يمنع أي "نقل قسري للأشخاص" (أي طرد الفلسطينيين) – وهي قضايا حاسمة بالنسبة للسيادة الفلسطينية.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.