وباء كوفيد-19 والأزمة: قراءة في تطورات المشهد الليبي

من الواضح أن حدة التصعيد العسكري بين أطراف النزاع في ليبيا لم تتأثر لا بظهور وانتشار كوفيد-19 ولا بالمحاولات الدولية لفرض هدنة مؤقتة. ويبقى الوضع الإنساني الذي يزداد تدهورا رهينا لعقبات انعدام التنسيق بين الطرفين الحكوميين وغياب التنفيذ الفعّال للاستراتيجيات المعتمدة في مكافحة وباء الكورونا. تستكشف هذه الورقة تأثيرات كوفيد-19 على الواقع الصحي والإنساني في ليبيا في ضوء الانقسام السياسي للمؤسسات الحكومية، وترصد ملامح استمرار الصراع السياسي والعسكري بتحريض من الأطراف الدولية والإقليمية المهيمنة.

غرفة مستشفى بعد هجمات قوات حفتر الصاروخية على مستشفى الهضرة، الذي يضم حالات مصابة بفيروس كورونا، في طرابلس، ليبيا في 5 نيسان/أبريل 2020.© AA-عمرو صلاح الدين

يوم الرابع من نيسان/أبريل الأخير، أدركت العاصمة الليبية طرابلس سنة كاملة من بداية الحملة العسكرية التي شنها القائد "خليفة حفتر" على حكومة الوفاق المعترف بها دوليا في مسعى للاستيلاء على المؤسسات الاقتصادية ومركز القرار السياسي. أسفرت العملية عن كارثة إنسانية عميقة في ظل تردي الواقع المؤسساتي للبلاد ولم تجلب أي حسم عسكري، حيث لا زال السجال سيد الموقف بين طرفي النزاع. إلا أنّ الكلفة الإنسانية للنزاع ما فتئت في التصاعد مُنبٍّئة بتهديد أشد حدة بعد رصد الحالات الأولى من وباء كوفيد-19 في المنطقة الغربية من البلاد. بالرغم من بعض المحاولات الدولية لفرض هدنة مؤقتة فإن استمرار المعارك وتدخل الفاعلين الاقليميين يدل على عدم مبالاة بالوضع الإنساني.

تستكشف هذه الورقة تأثيرات وباء كوفيد-19 على الواقع الصحي والإنساني في ليبيا على ضوء واقع الانقسام السياسي للمؤسسات الحكومية، وترصد ملامح استمرار الصراع السياسي والعسكري في البلاد بتحريض من الأطراف الدولية والإقليمية المهيمنة.

فيروس كورونا المستجد: أي مضاعفات على الوضع الإنساني في ليبيا؟

بدأت أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا بالظهور في ليبيا في 24 آذار/مارس 1ليبيا تعلن أول حالة إصابة بالكورونا، العربية نت، 25 آذار/مارس 2020: النفاذ إلى الموقع  بعد أكثر من ثلاث أسابيع من ظهوره عند جيرانها مصر وتونس والجزائر، ليصل عددها في 19 أيار/مايو إلى  68 حالة مؤكدة2ليبيا، تسجيل 3 إصابات جديدة بالكورونا والعدد يرتفع إلى 68 إصابة، موقع روسيا اليوم بتاريخ 19 أيار/مايو 2020: النفاذ إلى الموقع وثلاث حالات وفاة بعد تحليل 3762 عينة.3صفحة المركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض على شبكة الفايسبوك بتاريخ 20 أيار/مايو 2020 شهدت التحاليل الطبية للوباء تذبذبا واضحا في المرحلة الأولى من اكتشاف المرض حيث كان عدد التحاليل اليومية لا يتجاوز العشرات قبل أن يزيد عددها بشكل واضح بداية من أواسط أيار/مايو ليصل إلى 200 عينة تحليل يوم 19 من نفس الشهر.4استنادا إلى عينات من المختبر المرجعي الوطني في طرابلس وفرع المختبر في مصراتة إضافة إلى مختبر مركز بنغازي الطبي. وتتوزع الحالات التي تم رصدها بين مدن طرابلس وبنغازي ومصراتة وصرمان في حين توجد ثلاث حالات لا يعرف مكانها بالتحديد.

عبّرت منظمة الصحة العالمية وعديد المنظمات الأخرى على غرار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة عن تخوفات كبرى تجاه تطورات الأزمة الصحية في ظل الواقع الليبي وضعف تنفيذ الإجراءات المعتمدة من طرف السلطات الليبية لمواجهة فيروس كورونا.5LIBYA: COVID-19 Situation Report no.4 OHCHR ,12 May https://reliefweb.int/report/libya/libya-covid-19-situation-report-no-4-12-may-2020 وتشمل أهم التحديات التي قد تساهم في تفاقم الوضع ضعف المراقبة الحدودية للوضع الصحي في آذار/مارس خاصة، مما سبب تسرب العديد من الأشخاص من المنافذ الحدودية دون التدقيق في وضعهم الصحي.6https://www.humanitarianresponse.info/sites/www.humanitarianresponse.info/files/health_sector_libya_covid-19_response_plan.pdf كما يحد ضعف البنية الصحية الأساسية من القدرة على إدارة الاتصال بين المراكز الصحية وتتبع الحالات، إضافة إلى غياب الصرامة في القيام بحالات العزل، حيث لم تسجل سوى حالات محدودة من العزل في المستشفيات، بينما تم حجر معظم حالات الإصابة بالفيروس في منازلهم دون احترام الإجراءات الكاملة للعزل الصحي.

كما برز كذلك خلاف على المستوى المؤسساتي في المرحلة الأولى من إدارة الأزمة بين السلطة المركزية والبلديات حول اختصاص الرصد. قدّرت وزارة الصحة أن البلديات لا تمتلك الأدوات الكافية للرصد والتحليل الدقيق، في حين أقرّ عدد من البلديات بغياب السلطة المركزية عن القيام بإجراءات مبكرة لتفادي انتشار العدوى. وهو ما طالبت به بلدية تاجوراء خاصة التي بادرت إلى الاستفادة من الصلاحيات الموجودة في قانون الطوارئ والقانون عدد 59 لسنة 2012 لفرض قرار بحظر التجول يوم 13 آذار/مارس قبل أيام من الحظر الذي فرضته سلطات حكومة الوفاق. وانتقد عميد بلدية تاجوراء في عديد من التصريحات الإعلامية عدم تعاون حكومة الوفاق مع البلديات في المراحل الأولى من إدارة الوباء وعدم توفيرها للعدد الكافي من الكمامات والأدوات الطبية وسيارات الإسعاف والتأخر في صرف منح الطوارئ.

وصل التصعيد بين السلطة المركزية والبلديات إلى مطالبة 30 بلدية تابعة لحكومة الوفاق في الجنوب والغرب بإقالة وزير الصحة ووكيل الوزارة في بيان مشترك. إثر تلك الضغوط، تم تجاوز هذا الخلاف جزئيا عندما بدأت حملة الترصد النشط بمبادرة من مركز مكافحة الأمراض الليبي الذي يستهدف القيام بعملية التحليل السريع في بعض أحياء مدينة طرابلس بالتنسيق مع بعض البلديات، منها جنزور وسوق الجمعة وتاجوراء. لكن لم يرق التعاون بين السلطة المركزية والمحلية إلى المستوى الشامل والفعّال للتصدي للوباء.

على مستوى التقصي عممت السلطات مراكز التحليل من مركز واحد إلى ثلاث مراكز في العاصمة طرابلس إضافة إلى مركزين آخرين في طور الإعداد، وعدد من المراكز الأخرى في الجهات. إلا أن التجهيز الطبي في ليبيا يبقى مفتقرا إلى العدد الكافي من أسرة العناية المركزة على المستوى الوطني التي لا تتعدى 482 سريرا، معظمها في المنطقة الغربية مع عدد قليل في الشرق والوسط (8 على سبيل المثال في مستشفى الكويفية و4 في مستشفى سرت)، وعدم وجود عدد مجهز في مستشفى الهراوة وانعدامها بالكامل في الجنوب. ويُضعف غياب استراتيجية وطنية متكاملة للتنسيق من الاستعمال الأمثل لهذه القدرات الأولية المحدودة إضافة إلى نقص فرق الاستجابة السريعة التي تبلغ ستة مراكز في مناطق البلاد الثلاثة. ومن المرتقب في حال استمرار انتشار الوباء أن تتأثر الخدمات الطبية الأخرى إلى حد تعليق فحوصات ما قبل الولادة وخدمات علاج الأمراض غير السارية مثل غسيل الكلى والعلاج الطبيعي.

كما تشهد الخطة المعتمدة من الحكومتين المسيطرتين على المجال الليبي تفاوتا في التنفيذ بين المناطق، فالتمشي المتبع واضح نوعا ما في المنطقة الغربية من البلاد حيث تم اتخاذ عديد من الوسائل الوقائية كوضع ست مراكز للعزل الصحي في طرابلس (مراكز معيتيقة وجزيرة سوق الثلاثاء وزاوية الدهماني وطريق المطار ومركز علاج أبو سليم ومركز في سفينة " بن عوف " في عرض البحر قبالة قاعدة أبو ستة البحرية)7نفس المصدر إضافة إلى مركز في مصراتة وعديد من المراكز في زليطن وزوارة والزاوية ونالوت والخمس وغدامس.8كورونا في ليبيا:.نقص في البنية الصحية وتعتيم في مناطق حفتر، الجزيرة نت، 5 نيسان/أبريل2020: النفاذ إلى الموقع

أما في الشرق الليبي فلا يزال الانقسام السياسي عاملا مؤثرا يعيق المجهودات الطبية. هناك قصور أوجه التعاون وتبادل المعلومات بين الهياكل الحكومية في المنطقة والهياكل الصحية التابعة لحكومة الوفاق باستثناء مركز "طبرق". كما أن اللجنة المكلفة بمكافحة الوباء في الشرق تقودها السلطة العسكرية ويرأسها الجنرال عبد الرزاق الناظوري، رئيس أركان القوات المسلحة العربية الليبية، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على شفافية التعامل مع المنظمات الدولية وتداول المعلومات المتعلقة بحالة الفيروس في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات حفتر.

بينما يسود الغموض الوضع الوبائي في الجنوب حيث تتنازع حكومتا الوفاق و"المؤقتة" الموالية لحفتر حصص الخدمات المدنية في المنطقة التي خصصت لمكافحة الوباء باعتبار اختلاف الاشراف على المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية. وقد يزيد ضعف المراقبة الحدودية من سوء الوضع الصحي في هذا الإقليم الذي عُرف تاريخيا بأنه معبر للمهاجرين غير الشرعيين في اتجاه سواحل البحر المتوسط، في حال دخول عدد من المصابين من خارج ليبيا.9أرسلت حكومة الوفاق بعض المعدات الطبية المخصصة لمكافحة الوباء إلى عشر بلديات في الجنوب الليبي يوم 19 نيسان الماضي. وقد كان اكتشاف حالة وفاة في سبها يوم 21 أيار/مايو يشتبه في إصابتها بفيروس كورونا عاملا آخر يزيد من تعزيز المخاوف حول الوضع الوبائي في الجنوب رغم المساعدات التقنية التي قدمتها منظمة الصحة العالمية لمستشفيات المنطقة.10LIBYA: COVID-19 Situation Report no.4 OHCHR ,12 May https://reliefweb.int/report/libya/libya-covid-19-situation-report-no-4-12-may-2020: النفاذ إلى الموقع

ومن جهة أخرى رصدت المنظمات الدولية جملة من التبعات السلبية للوباء على الوضع الإنساني لآلاف المهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء المحتجزين في مراكز الإيواء في طرابلس والزاوية، خصوصا التي تقرب من مناطق القتال الأمامية، حيث علقت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية الأممية للاجئين العديد من برامجها لإعادة التوطين والعودة الطوعية التي تشمل قرابة 15 ألف مهاجر محتجز في ليبيا. واقتصرت على برنامج مؤقت للمساعدة الحضرية يُقدم بعض المعدات الوقائية والمساعدات المالية للمحتجزين. يلقى هذا البرنامج معارضة قوية ومستمرة من المهاجرين الذين يطالبون في المقابل بحلول ناجعة ونهائية كخطوط هجرة قانونية إلى بلدانهم أو بلدان أوروبية.

ومن ضمن الإجراءات الهامة الأخرى التي وضعت لتوفير الحماية من الفيروس أفرجت وزارة العدل التابعة للوفاق في 28 آذار/مارس عن 466 سجينا من سجون طرابلس كخطوة أولى لتقليص الاكتظاظ. كما وضعت بعض المنظمات الحقوقية منها هيومان رايتس واتش جملة من التوصيات للحد من خطر انتقال العدوى داخل السجون، من بينها النظر في إطلاق سراح الأطفال ومرتكبي الجرائم البسيطة غير العنيفة والأشخاص الذين قضوا معظم عقوباتهم إضافة إلى زوجات وأطفال المقاتلين المشتبه في انتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية.11بيان هيومان رايتس واتش حول ليبيا في 29 آذار 2020. https://www.hrw.org/ar/news/2020/03/29/340066

فشل اتفاقيات الهدنة وأزمة الخدمات الأساسية

في المجمل، تهدد الأزمة الوبائية وتبعاتها القدرة الاستيعابية للدولة وتصورها لإدارة الشأن العام في ظل مشاكل موروثة، من بينها تأثير العمل العسكري المتواصل على مرافق حيوية كالإمدادات الطاقية والتزويد بالمواد الأساسية. لم تنجح الهدنة المقترحة في شهر كانون الثاني/يناير بالتزامن مع مؤتمر برلين في تحقيق الحد الأدنى من خفض التصعيد. كان هذا كذلك مصير الهدنة الثانية المقترحة في 22 آذار/مارس من قبل الأمم المتحدة وتسع عواصم عربية وأوروبية بالرغم من الموافقة الرسمية عليها من قبل حكومة الوفاق وحكومة الشرق الليبي المؤيدة لحفتر.  واستمرت انتهاكات قوات حفتر في أحياء مدينة طرابلس بما في ذلك قصف الطيران المساند له لمستشفى الخضراء بحي الهضبة في طرابلس لثلاث مرات منذ 6 نيسان/أبريل بحجة أن الوفاق يستغله عسكريا، مما دمر أجزاء من المستشفى الذي يحتوي على 400 سريرا وعقّد من تطويق انتشار الفيروس خصوصا أن المستشفى يأوي حالة مصابة بالوباء. 12https://www.defendercenter.org/ar/3789 ومن جهة أخرى ساهم استهداف طيران الوفاق المسير لمسالك تزويد قوات حفتر بالمؤن والذخائر في حدوث أزمة غذائية ودوائية في مدينتي بني وليد وترهونة استدعت تدخل منظمة الصحة العالمية التي أرسلت مجموعة من الإمدادات الطبية الرئيسية في 10 أيار/مايو.

وأدى ضعف الخضوع للتعليمات العسكرية وغياب تراتبية مؤسساتية صارمة للقوات الناشطة ميدانيا إلى إخلالات خطيرة أخرى كإغلاق مجموعة قبلية مساندة لحفتر إمدادات المياه على طرابلس في منطقة الشويرف الصحراوية التي يمر منها النهر الصناعي الذي يعتبر الشريان الرئيسي لإمداد العاصمة وأكثر من ستين بالمائة من الأراضي الليبية بالمياه. وكان ذلك بحجة احتجاز قوات الوفاق لأحد قياديها. ونتج عن ذلك أزمة إنسانية في المدينة تضاعفت بسبب حالة الحجر التي حدت من استكشاف طرق بديلة لتدارك النقص في الوصول إلى مياه الشرب.13https://oya.news/36084/

كما يؤدي استمرار حصار المواقع النفطية من قبل قوات حفتر ومنع تصدير النفط إلى مفاقمة الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ بداية الحرب، حيث بلغت خسائر حكومة الوفاق الاقتصادية قرابة الأربعة مليارات دولار منذ بداية غلق مصادر النفط.14بيان للمؤسسة الوطنية للنفط بتاريخ 6 نيسان أبريل 2020 كما ساهم غلق بعض مقاتلو مدينة ترهونة الموالون لحفتر لصمام الغاز في منطقة سيدي السائح في إيقاف التزويد بالكهرباء في عديد من المناطق بغرب ليبيا.15يوفر الخط الموارد الطاقية لمصانع الإسمنت في طرابلس ومحطتي الخمس ومصراتة لتوليد الطاقة بقرابة 200 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا وحتى الحلول البديلة التي تم اتخاذها من قبل المؤسسة الوطنية العامة للنفط في الأسبوع الثاني من نيسان/أبريل ظلت مكلفة جدا لميزانية أنهكتها الحرب.16تصريح رئيس المؤسسة الوطنية العامة للنفط" مصطفى صنع الله في 11 نيسان http://alwasat.ly/news/libya/279758

وأمام هذه التطورات، لم يقم المجتمع الدولي بدور حاسم لوقف الانتهاكات. ومع تتالي دعوات التهدئة (في كانون الثاني/يناير إثر انعقاد مؤتمر برلين، البيان الدولي المتعلق بإقامة هدنة إنسانية لمحاربة وباء الكوفيد-19 في 17 آذار/مارس) اصطدم التنفيذ بالعراقيل السياسية للدول الداعمة لمحوري الصراع. وفشلت بذلك المبادرة الجديدة التي قدمتها فرنسا وإيطاليا وألمانيا إضافة إلى الممثل الأعلى للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي يوم 25 نيسان/أبريل لإقرار هدنة إنسانية بمناسبة شهر رمضان واستئناف المحادثات السياسية بشكل جدي.

 تصعيد العمل العسكري

على المستوى العسكري بدأ تخفيض التوتر الهش بعد مؤتمر برلين يتآكل. واستغلت حكومة الوفاق والقوى العسكرية الإقليمية المتحالفة معها ضربات قوات حفتر لبعض مناطق العاصمة طرابلس في شهري شباط/فبراير وآذار/مارس كذريعة لإعلان عملية "عاصفة السلام" في عديد من المحاور بالعاصمة طرابلس يوم 26 آذار/مارس. مكنت هذه العملية قوات الوفاق من التقدم في محور الطويشة جنوب غربي المدينة، وهي منطقة استراتيجية قريبة من المطار الدولي، وفي محاور أخرى كعين زارة ومشروع الهضبة جنوب العاصمة.

إلا أن المتغير الأبرز في العملية ظل استهداف قوى حكومة الوفاق قاعدة "الوطية" قرب الحدود التونسية للمرة الأولى منذ عملية فجر ليبيا سنة 2014، وهي القاعدة المعروفة بموقعها الحصين داخل الصحراء الليبية وعلى مشارف جبال نفوسة. وتلى العملية الخاطفة هجوم منظم من الوفاق على سبع مدن في الساحل الغربي الليبي قرب الحدود مع تونس أبرزها مدينتي صرمان وصبراتة التي كانت تتمركز فيهما قوات المباحث الجنائية الغربية وبعض الكتائب المدخلية ككتيبة الوادي ومقاتلون قبليون من أنصار النظام السابق انضموا إلى كتيبة طارق بن زياد التابعة لقوات حفتر.17عن الخبير في الشؤون الليبية السيد المهدي ثابت كما استمر الصراع على محور سرت، حيث قامت قوات الوفاق بهجومات مباغتة في مناطق أبو قرين والوشكة بين مدينتي مصراتة وسرت أسفرت عن مقتل العديد من القيادات العسكرية الموالية لحفتر أبرزها اللواء سالم درياق، آمر غرفة عمليات سرت الكبرى، والعميد القذافي الصداعي وعلي سيدا التباوي، إضافة إلى عديد العناصر من كتيبة 604 المدخلية بسرت،18"الوفاق" الليبية: مقتل آمر عمليات سرت ومعاونه إثر ضربة جوية، أنادول التي غيرت ولاءها من الوفاق إلى معسكر حفتر وساهمت في دخول قوات هذا الأخير إلى المدينة في أوائل كانون الثاني/يناير الماضي. وفي الأثناء ارتكزت هجومات قوات الوفاق على ضرب خطوط الإمداد لقوات حفتر في المناطق ذات الأهمية اللوجستية، كما حدث في بني وليد وترهونة. واستمرت ضربات الطيران المسير للوفاق على قاعدة الوطية قبل التمهيد لاقتحامها والشروع في الهجوم على مدينة ترهونة، التي تعتبر من أكبر المعاقل المتبقية لحفتر في منطقة الغرب. ومنذ 18 أيار/مايو حققت قوات الوفاق تقدمات استراتيجية مهمة بالسيطرة على قاعدة الوطية ودخول مدن بدر وتيجي ومزدة في جبل نفوسة، إضافة إلى تدمير سبع منظومات دفاع جوية روسية في مناطق متفرقة من البلاد بالاستعانة بطائرات بدون طيار (الدرونز) التركية. 19رفض تركي لإيريني .ما مصير العملية الأوروبية في ليبيا   https://m.arabi21.com/Story/1270704

الأدوار الإقليمية والدولية في خضم أزمة الكورونا

يخضع التوازن العسكري بين طرفي الصراع في ليبيا لضغوطات وحجم الدعم من الأطراف الدولية التي تجعل النزاع يستمر كحرب بالوكالة. في حين تتصدر القوى الإقليمية التدخل في العمليات العسكرية رغم بداية بروز الأزمة الوبائية، ويعود ذلك أساسا إلى اعتمادها على الوسائل غير المباشرة (مرتزقة والطيارات بدون طيار وتوفير الأسلحة بطرق غير شرعية) وشلل الحل السياسي على المستوى الدبلوماسي وتفرغ الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية عن ماعداها من متعلقات الأزمة الليبية.

فمنذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019 تنامى الدعم التركي لحكومة الوفاق بعد توقيع مذكرتي تفاهم بهذا الخصوص، نتج عنهما إمداد قوات الوفاق بأنواع جديدة من الجيل الحديث لطائرات الدرونز التركية؛ الأمر الذي ساعد قوات الوفاق على إعادة سيطرتها الجوية على مجال العمليات الميدانية، كما كان واضحا خاصة مع عملية "عاصفة السلام". وساهمت تركيا في التخطيط العسكري عبر عدد من مستشاريها للعمليات الحربية الجديدة قرب طرابلس. 20ليبيا.. هويات الضباط الأتراك تفضح دعم أنقرة لميليشيات طرابلس، سكاي نيوز عربية.   من الملاحظ أن الدعم التركي لم يتأثر بالأزمة الوبائية بل زادت وتيرته ابتداءً من آذار/مارس لتساهم بشكل جذري في تفوّق قوات الوفاق ميدانيا اعتمادا على التطور التقني والسيطرة التامة على الأجواء عسكريا.

استعملت تركيا كذلك قدراتها المادية لتقديم عدد من الإعانات لبعض الدول الأوروبية المتضررة من أزمة الكورونا لضمان عدم مشاركتها في عملية "إيريني" البحرية التي تستهدف خطوط الإمداد العسكري التركي بحرا نحو ليبيا.21 رفض تركي لإيريني .ما مصير العملية الأوروبية في ليبيا   https://m.arabi21.com/Story/1270704 كما لم تحد الأزمة الوبائية العالمية من الدور الإماراتي ولا المصري المساند لحفتر حيث تواصلت شحنات الأسلحة بالتوافد على المنطقة الشرقية منذ كانون الثاني/يناير.22شحنات أسلحة بأكثر من خمسة آلاف طن نقلت من قاعدة السويحان الاماراتية إلى قاعدة الخادم الليبية

وقد بقي الدور الروسي الواضح في مساندة قوات حفتر مثيرا للجدل خصوصا مع ما تسرب من معلومات عن تقرير خبراء الأمم المتحدة السري حول ليبيا الذي أشار إلى وجود ما بين 800 و1400 عنصر من مرتزقة شركة فاغنر الروسية في عديد مناطق البلاد،23https://www.aljazeera.net/news/politics/2020/5/6/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%AD%D9%81%D8%AA%D8%B1-%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3-%D9%82%D8%B5%D9%81-%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%B2%D9%82%D8%A9 من بينهم مجموعة من فرق القناصة المختصة، إضافة إلى مشاركة كيان استخباراتي مرتبط بفاغنر في عملية معقدة على وسائل التواصل الاجتماعي لدعم حفتر وعمليته.

غير أن الأزمة الوبائية قد قلصت بوضوح من الدور الأوروبي الذي خالجه الضعف في فرض الحل السياسي والالتزام بمقررات اتفاق برلين، ولم يتسم بالتجانس بين مختلف أعضاء الاتحاد الأوروبي في تبني عملية "إيريني" البحرية على عرض الشواطئ الليبية التي تهدف إلى تنفيذ أحد مقررات الاتفاق المتعلقة بحظر توريد الأسلحة. تعتبر عملية "إيريني" أساسا استمرارا لعملية "صوفيا" البحرية التي انتهت مهمتها في 20 آذار/مارس الماضي لكنها توسعت لتشمل جمع المعلومات عن الصادرات غير الشرعية للنفط الليبي عن طريق البحر ومهام أخرى كمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر ودعم قدرات خفر السواحل الليبي وتدريب قوات البحرية التي تستند إلى قرارات مجلس الأمن الأممي. غير أن هذه العملية لاقت عديد من الانتقادات خصوصا من الأوساط الممثلة لحكومة الوفاق التي رأت بأنها استهداف مقنّع لها وحرصت على أن يشمل مجال العملية مراقبة الحدود البرية والجوية، متهمة أنصار حفتر الإقليميين والدوليين باستغلالها لنقل التعزيزات العسكرية. وعبرت أطراف دولية أخرى عن احترازها تجاه هذه العملية ومن بينها جنوب أفريقيا وروسيا، حيث رأت روسيا خاصة أن طريقة تطبيق عملية "إيريني" يشوبها الغموض من الناحية الإجرائية، الموقف الذي عبر عنه بوضوح وفدها في الأمم المتحدة في 8 نيسان/أبريل.

عموما بدأت عملية "إيريني" مهمتها يوم 7 أيار/مايو عبر بارجة فرنسية لمراقبة مناطق شرق المتوسط بمساندة لوجستية أوروبية عبر السفن والطائرات والأقمار الاصطناعية24إيريني عملية أوروبية جديدة لوقف تدفق السلاح إلى ليبيا، موقع دوتشة فيلة 7 مايو 2020: النفاذ إلى الموقع وسط تكهنات بتأثير اختلاف الآراء صلب بلدان الإتحاد الأوروبي حيال الأزمة الليبية على تحقيق الهدف المشترك لهذه المهمة. إذ ركز الطرف الفرنسي على أولوية المناطق البحرية الغربية بالعملية في حين أكدت إيطاليا على أن المراقبة الجوية ستشمل كذلك الحدود الشرقية لليبيا مع مصر كنوع من التطمين لحكومة الوفاق.

أما على المستوى السياسي فيخضع تأجيل اختيار مبعوث جديد للأمم المتحدة صراعا جديدا بين أطراف النزاع التي تحاول التأثير على الحل السياسي في الاتجاه الذي يخدم مصالحها. خصوصا مع دعم الإمارات العربية المتحدة ومصر والسعودية لتولي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد للمنصب. بالتأكيد ستكون مهمة إحلال السلام في مفترق صعب حاليا مع مأزق الشرعية السياسية الذي يلقي بظلاله على الأزمة بإعلان خليفة حفتر لعدم التزامه باتفاق الصخيرات وحل البرلمان وتولي المؤسسة العسكرية التي يرأسها للسلطة في مناطق البلاد الخاضعة له، وهو ما سيعقد من نقاش الإطار السياسي لحل الأزمة ويمنح شرعية جديدة لحكومة الوفاق من الناحية القانونية على اعتبار الاعتراف الدولي بها.

خاتمة

من الواضح أن بروز الوضع الوبائي لم يساهم في خفض حدة التصعيد العسكري على الأراضي الليبية، ويعود ذلك أساسا إلى المدى الذي وصل إليه انخراط القوى الإقليمية المتنافسة في سبيل تحقيق المنافع الاستراتيجية على المستوى العاجل، وتحسين مواقع التفاوض في صورة الذهاب إلى الحلول السياسية. وساهم في ذلك انشغال الاتحاد الأوروبي في مسألة مكافحة الهجرة غير الشرعية والشلل الذي تعانيه مؤسسات الأمم المتحدة في تعاطيها مع الملف الليبي وحالة اللاحسم التي تنتهجها بعض القوى الكبرى المؤثرة.

في المقابل يبقى الوضع الإنساني رهينا لعقبات عدم التنسيق بين الطرفين الحكوميين وغياب التنفيذ المحكم للاستراتيجيات المعتمدة في مكافحة الوباء بالاشتراك مع السلط المحلية التي كثيرا ما أخذت بزمام المبادرة وأضحت قوة ضغط فعالة في وضع السياسات العمومية زمن الأزمة الوبائية.

Footnotes   [ + ]

1. ليبيا تعلن أول حالة إصابة بالكورونا، العربية نت، 25 آذار/مارس 2020: النفاذ إلى الموقع
2. ليبيا، تسجيل 3 إصابات جديدة بالكورونا والعدد يرتفع إلى 68 إصابة، موقع روسيا اليوم بتاريخ 19 أيار/مايو 2020: النفاذ إلى الموقع
3. صفحة المركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض على شبكة الفايسبوك بتاريخ 20 أيار/مايو 2020
4. استنادا إلى عينات من المختبر المرجعي الوطني في طرابلس وفرع المختبر في مصراتة إضافة إلى مختبر مركز بنغازي الطبي.
5. LIBYA: COVID-19 Situation Report no.4 OHCHR ,12 May https://reliefweb.int/report/libya/libya-covid-19-situation-report-no-4-12-may-2020
6. https://www.humanitarianresponse.info/sites/www.humanitarianresponse.info/files/health_sector_libya_covid-19_response_plan.pdf
7. نفس المصدر
8. كورونا في ليبيا:.نقص في البنية الصحية وتعتيم في مناطق حفتر، الجزيرة نت، 5 نيسان/أبريل2020: النفاذ إلى الموقع
9. أرسلت حكومة الوفاق بعض المعدات الطبية المخصصة لمكافحة الوباء إلى عشر بلديات في الجنوب الليبي يوم 19 نيسان الماضي.
10. LIBYA: COVID-19 Situation Report no.4 OHCHR ,12 May https://reliefweb.int/report/libya/libya-covid-19-situation-report-no-4-12-may-2020: النفاذ إلى الموقع
11. بيان هيومان رايتس واتش حول ليبيا في 29 آذار 2020. https://www.hrw.org/ar/news/2020/03/29/340066
12. https://www.defendercenter.org/ar/3789
13. https://oya.news/36084/
14. بيان للمؤسسة الوطنية للنفط بتاريخ 6 نيسان أبريل 2020
15. يوفر الخط الموارد الطاقية لمصانع الإسمنت في طرابلس ومحطتي الخمس ومصراتة لتوليد الطاقة بقرابة 200 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا
16. تصريح رئيس المؤسسة الوطنية العامة للنفط" مصطفى صنع الله في 11 نيسان http://alwasat.ly/news/libya/279758
17. عن الخبير في الشؤون الليبية السيد المهدي ثابت
18. "الوفاق" الليبية: مقتل آمر عمليات سرت ومعاونه إثر ضربة جوية، أنادول
19. رفض تركي لإيريني .ما مصير العملية الأوروبية في ليبيا   https://m.arabi21.com/Story/1270704
20. ليبيا.. هويات الضباط الأتراك تفضح دعم أنقرة لميليشيات طرابلس، سكاي نيوز عربية.
21.  رفض تركي لإيريني .ما مصير العملية الأوروبية في ليبيا   https://m.arabi21.com/Story/1270704
22. شحنات أسلحة بأكثر من خمسة آلاف طن نقلت من قاعدة السويحان الاماراتية إلى قاعدة الخادم الليبية
23. https://www.aljazeera.net/news/politics/2020/5/6/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%AD%D9%81%D8%AA%D8%B1-%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3-%D9%82%D8%B5%D9%81-%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%B2%D9%82%D8%A9
24. إيريني عملية أوروبية جديدة لوقف تدفق السلاح إلى ليبيا، موقع دوتشة فيلة 7 مايو 2020: النفاذ إلى الموقع