مراحل الانتقال الديمقراطي وفاعلوه الأساسيون

مراحل الانتقال الديمقراطي وفاعلوه الأساسيون
أعضاء البرلمان خلال الجلسة الافتتاحية بالقاهرة، مصر، يناير / كانون الثاني 2016 © Namer Galal Egypt Out / EPA

مقدمة
أسماء نويرة - مؤطرة في برنامج دعم البحث العربي

تهتّم دراسات الدمقرطة بتحوّل الأنظمة السياسية من أنظمة سلطوية إلى نوع آخر من الأنظمة لا يمكن تحديده مسبقا. وظهرت هذه الدراسات في سياق دراسة ما سميّ بالموجة الثالثة من الدمقرطة التي انطلقت مع التجربتين البرتغالية ثم الاسبانية في سبعينات القرن الماضي، وانتشرت بعد ذلك في دول امريكا اللاتينية في الثمانينات، لتجتاج اوروبا الشرقية في التسعينات. فقد أدى نجاح التجربة الاسبانية في التحول الديمقراطي إلى نمذجته لدراسة بقية الحالات. وتحولت هذه البلدان التي عرفت تجارب الانتقال الديمقراطي الى مختبر لدراسة التحولات الديمقراطية.  إذ ينطلق علم الانتقال الديمقراطي، كعلم تجريبي، من دراسة التجارب التاريخية من أجل وضع إطار نظري لمحاولة فهم وضعيات الشك التي تصاحب العملية الانتقالية. وهو يحاول أن يقدم نهجا عمليا وإجرائيا لفهم ظاهرة غير مستقرة ومتقلبة. ورغم ما قدمه أهل هذا الاختصاص من نتائج ساعدت الى حد كبير في فهم الانتقال الديمقراطي وتفسيره، فقد تعرض هذا العلم للنقد. كما عرف مفهوم التحول نفسه أزمة نظرية.

ونشأ هذا العلم بعيدا عن العالم العربي. فلم يُولِ اهتماما كبيرا بهذه المنطقة في ظل الموجة الثالثة للدمقرطة. إذ لم تكن منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا مهيئة للديمقراطية. وهي تبدو منيعة أمام هذه موجة الدمقرطة مثلما حدث في اوروبا وامريكا اللاتينية. وإن صمد العالم العربي أمام هذه الموجة لسنين طويلة، فإن سلسلة التحولات التي عرفتها المنطقة العربية منذ 2010 أعادت مفهوم "التحول" إلى مركز الإهتمام. ما دعا الباحثين من أهل هذا الإختصاص وغيرهم من علماء السياسة للتنقل بين مختلف بلدان الربيع العربي لدراستها عن كثب ومراقبة عملية الانتقال الديمقراطي بها عبر استعمال الادوات النظرية والمنهجية لهذه العلم ومقارنتها بالتجارب السابقة.

ودخلت المنطقة العربية مرحلة تاريخية جديدة إثر سقوط عدد من الأنظمة السلطوية بداية من تونس ثم مصر وليبيا واليمن. وانطلقت مسارات التحول في هذه البلدان في نفس الوقت تقريبا وتشابهت أحيانا، إلا أنها اختلفت وذهبت في اتجاهات مختلفة بعد ذلك. وتميّز المسار الانتقالي بتونس عن غيره من المسارات التي عرفتها البلدان الأخرى. فكان الأقرب إلى النموذج الاسباني القائم على فكرة الاتفاق بين الفاعلين في المسار الانتقالي. ولعب المجتمع المدني دورا هاما في تحقيق هذا الاتفاق بين الفرقاء السياسيين وخصوصا الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لعب دورا مهما منذ انطلاق الثورة وبداية المسار الانتقالي مرورا بالحور الوطني. ويقدم النموذج التونسي أيضا دليلا على إمكانية التوفيق بين المنهج البنيوي الذي يفسّر التحول الديمقراطي عبر توفر شروط هيكلية مسبقة ترتبط بالتنمية والازدهار الاقتصادي والتحديث، من جهة، وبين المقاربة التي تعتمد على دراسة دور الفاعلين في الدمقرطة.

لقد أصبحت دول الربيع العربي اليوم مخبرا جديدا لعلماء التحول الديمقراطي. وهي توفر مادة للبحث العلمي والاكاديمي. وتطرح هذه المسارات إشكاليات عديدة تتعلق أساسا بالفاعلين سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي كالجيش والنخب والاسلاميين والمجتمع المدني. وتتعلق أيضا بالتأثيرات الخارجية على هذه السياقات سواء على المستوى الاقليمي او الدولي  ومدى تأثيرها على نجاح هذه التجارب أو فشلها.