كيف تتسبب الخصائص الديموغرافية في تقويض القدرة الشرائية لشبكات المحسوبية القائمة على المُحاصصة الطائفية في العراق

أصبح النظام السياسي في عراق ما بعد عام 2003، الذي اتسم بنظام المحاصصة الطائفية واستخدام النخب السياسية التوظيف في القطاع العام لتعزيز الزبائنية، غير مستدام اقتصادياً. تناولت الورقة التي سبق أن أعدّها المؤلف لمبادرة الإصلاح العربي تأثير انخفاض أسعار النفط على نظام المحاصصة، وتبحث هذه المقالة كيف تؤدي الديموغرافيا المتنامية في العراق إلى تآكل القوة الشرائية للنخب الطائفية، على الرغم من أن الإنفاق على الزبائنية ازدادت بسرعة على مر السنين.

arab-reform-initiative-how-demographics-erode-the-patronage-buying-power-of-iraqs-muhasasa-taifia
طلاب الجامعات العراقية يحملون العلم الوطني العراقي خلال مظاهرات في بغداد، شباط/فبراير 2020.© EPA-EFE/مرتجى لطيف

* تنشر مبادرة الإصلاح العربي هذه المقالة بالتعاون مع تشاتام هاوس، وهي جزء من سلسلة تتناول مستقبل الحوكمة والأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتأثيرهما على دور الدولة في المنطقة.

تتخذ هذه المقالة من ورقة بحثية سابقة أعدها المؤلف لصالح مؤسسة "مبادرة الإصلاح العربي" مرتكزاً تنطلق منه. فقد بحثت المقالة السابقة تأثير انخفاض أسعار النفط الناجم عن أزمة كوفيد-19 على النظام السياسي في العراق بعد عام 2003، والذي اتسم بالتقسيم الطائفي أو ما يُعرف بالمُحاصصة الطائفية. تنظر هذه المقالة في الديناميات والاتجاهات الديموغرافية1نظراً إلى عدم وجود بيانات موثوقة حول التعدادات السكانية (المذكورة أدناه)، فإن هذا التحليل يستند إلى تقديرات لمعدلات السكان والخصوبة ونمو القوى العاملة (مستمدة من منظمة العمل الدولية و الأمم المتحدة). وعلى هذا فإن معدلات النمو الفعلية الأعلى من شأنها أن تسرع من وتيرة الأنماط المطروحة للمناقشة هنا، في حين أن المعدلات المنخفضة سوف تؤدي إلى العكس، إلا أن القوى الأساسية التي تحرك مسار تلك الأنماط لم تتغير وتأثير هذه القوى هو جوهر هذه المقالة. أول تعداد رسمي للسكان في العراق كان عام 1934، أعقبه تعدادات سكانية أخرى في أعوام 1947 و1957 و1965 و1977 و1987 و1997. بيد أن تعداد عام 1997 لم يشمل منطقة كردستان العراق واستخدم تقديرات للسكان استناداً إلى التعدادات السابقة. المصدر. تحليل الوضع السكاني في العراق 2012. في العراق وتأثيرها على النظام الحالي.

مُقدمة

وضعت الحكومة العراقية الجديدة التي تشكلت في مطلع أيار/مايو الماضي خططاً أولية من أجل إعادة التوازن ومُعالجة الاختلالات الهيكلية في الموازنة، فقد اقترح وزير المالية تخفيض رواتب الموظفين في القطاع العام من خلال خفض الاستحقاقات والبدلات عبر فرض ضرائب تصاعدية، في الوقت الذي كشف فيه انهيار أسعار النفط عن افتقار النظام المعمول به حالياً إلى عنصر الاستدامة. إلا أن التخفيضات الأولية التي أقرتها الحكومة، بالرغم من أنها كانت ضئيلة نسبياً، قوبلت بمقاومة شرسة من جانب النخبة السياسية التي  ألزمت الحكومة بتأمين دفع الرواتب والمعاشات من خلال رهن موافقتها على اقتراض الدولة 18 مليار دولار لسد العجز المالي للعام الجاري بدفع الحكومة للرواتب والمعاشات.

رغم أن كل المؤشرات تشير إلى أنه لا يُمكن الإبقاء على حجم نفقات الرواتب في القطاع العام كما هو، فضلاً عن أنه يحوّل الموارد التي تمس الحاجة إليها بعيداً عن الاستثمارات العامة، تُعد هذه الاستجابة من جانب النخبة استجابة متوقعة نظراً إلى حوافز الأحزاب العِرقية الطائفية لحماية شبكات المحسوبية التي أقامتها على مر السنين من خلال التوسع في توظيف العمالة في القطاع العام. وفي حين تأمل النخبة الحاكمة أن ترتفع أسعار النفط في المستقبل القريب، مما سيساعد في ضخ الأموال إلى الخزائن من جديد، ثمة إشكالية كامنة تتمثل في أن الضغوط الديموغرافية القوية التي تعاني منها البلاد تعمل بشكل مستمر على تقويض الآثار المترتبة على الإنفاق المتزايد على رواتب العاملين في القطاع العام والقدرة الشرائية الناتجة عن ريع النفط التي تُعد بمثابة الأساس الذي استند إليه النظام المعروف باسم المُحاصصة الطائفية.

نما عدد السكان في العراق بنسبة 53٪ من 26.3 مليون في عام 2004 إلى 40.2 مليون في عام 2020 (انظر الحاشية 1)، بينما مارست التركيبة السكانية، ولا تزال تمارس، ضغوطًا قوية على موارد البلاد نظرًا لاحتياجات الشباب. نمت الفئة العمرية أقل من 25 عاماً، والتي شكلت 63٪ من السكان في عام 2004، بمعدل أبطأ في الفترة بنسبة 40٪، لتصل إلى 57٪ من الإجمالي في عام 2020. وتباطؤ معدل الخصوبة المرتفع في البلاد عند 3.7 مولود لكل امرأة، بانخفاض من 4.6 في عام 2004، يعني أن عدد السكان سينمو بنسبة 25٪ بحلول عام 2030 إلى 50.2 مليون. بينما تقل أعمارهم عن 25 عاماً، بينما يستمرون في النمو بشكل أبطأ بنسبة 16٪ في هذه الفترة، ولكن سيظلون يمثلون نسبة عالية تبلغ 53٪ من الإجمالي.

التأثير الفعلي للخصائص الديموغرافية

لقد كان التوظيف في القطاع العام وسيلة أساسية لبناء شبكات المحسوبية الخاصة بالأحزاب العِرقية الطائفية الحاكمة بسبب هيمنة هذا القطاع على الاقتصاد ودوره كأكبر جهة توظيف رسمية في البلاد. وقد استمر دعم هذه الشبكات من خلال زيادة عدد موظّفي القطاع العام والأموال التي تنفق على الرواتب والمعاشات التقاعدية.

فقد تضاعفت الأعداد الفعلية للعاملين في القطاع العام ثلاث مرات بين عامي 2004 و2014،2المصدر: أعداد العاملين في القطاع العام لأعوام 2004 و2005 والفترة بين عامي 2008-2015، مستقاة من تقرير "دراسة تشخيصية منهجية" من إعداد البنك الدولي 2017. أما الأعداد لعامي 2006 و2007، فهي تقديرات المؤلف استناداً إلى تقرير البنك الدولي المذكور آنفاً. بينما الأعداد للفترة بين عامي 2016-2018 فهي مأخوذة من ورقة بحثية بعنوان: زيادة الرواتب العامة في العراق من إعداد علي المولوي. وأخيراً أعداد عام 2019 هي تقديرات المؤلف ونتيجة للمناقشات التي جرت مع علي المولوي. تشمل الأرقام موظفي القطاع العام في إقليم كردستان العراق الذين شكلوا نحو 600 ألف من أعداد العاملين عام 2016 (الشكل 2 من تقرير صندوق النقد الدولي 252/17). كافة البيانات اللاحقة عن السكان والقوى العاملة، تخص العراق ككل. لا تشمل الأرقام الإجمالية موظفي المؤسسات المملوكة للدولة الذين يقدر عددهم بنحو 500 ألف موظف، بالرغم من عدم توفر بيانات تاريخية. ومن شأن إدراج هذه الأعداد أن يضيف إلى النسب المئوية المستخدمة هنا، ولكنه لن يغير مسار الأنماط. وفي معرض ذلك، زادت بمعدل نمو سنوي يربو على 11.3%. بيد أن ذلك تقلص بفعل الزيادة المركبة في القوة العاملة3تُعرف القوة العاملة على أنها الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 15 عام. وتشمل العاملين والعاطلين عن العمل ولكنهم يبحثون عن عمل، وكذلك الباحثين عن عمل لأول مرة. ولا تشمل العاملين دون أجر بصفة عامة، والعاملين دون أجر داخل نطاق الأسرة، والطلاب. من بين المفاهيم المرتبطة بذلك مُعدل مشاركة القوة العاملة، والذي يمثل نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاماً الناشطين اقتصادياً، ويقارن هذا المفهوم بين نسبة من يعملون أو يسعون للحصول على عمل خارج المنزل وبين أولئك الذين لا يعملون أو لا يسعون للحصول على عمل خارج المنزل. بالنسبة للعراق، بلغ متوسط مُعدل مشاركة القوة العاملة 43% للفترة بين عامي 2004-2019، وهو مُعدل منخفض للغاية بالنسبة لدولة فتيّة مثل العراق، إلا أنه يتأثر بمعدل مشاركة منخفض للغاية للإناث وصل عام 2019 إلى 11.6% مقابل 74.2% للذكور. المصدر: البنك الدولي، مشتق من بيانات صادرة عن منظمة العمل الدولية، قاعدة بيانات إحصاءات منظمة العمل الدولية. التي بلغت 3.5%، مما يعني أنه على الرغم من الزيادة المطلقة في عدد موظفي القطاع العام، فإن نسبتهم الإجمالية من القوة العاملة بلغت ذروتها عند 35.6% عام 2011،4وهو مستوى مرتفع بالمقاييس الإقليمية والدولية، ويمكن ملاحظته من خلال النظر إلى الإنفاق على القطاع العام مقارنةً بالقطاعات الأخرى في الشكل 1 من تقرير صندوق النقد الدولي 252/17.   ثم انخفضت إلى 33.7% عام 2014 (المُخطط البياني 1).

المُخطط البياني 1: موظّفو القطاع العام، الأعداد المطلقة مقابل النسبة المئوية التي تمثلها في القوة العاملة للفترة 2004-2019.

لم تتوقف هذه الزيادة المستمرة في عدد الموظفين إلا بعد عام 2014 بسبب مجموعة من الأزمات أبرزها التكاليف المتزايدة الناجمة عن الصراع ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وانهيار عائدات النفط. وقد أدى ذلك إلى انخفاض عدد موظفي القطاع العام بنسبة 5.8% خلال الفترة 2014-2018، وبالتالي انخفضت نسبتهم من القوة العاملة في نفس الفترة إلى 28.4%. واستأنف معدل نمو التوظيف صعوده في أعقاب انتهاء الصراع والزيادة الهائلة في عائدات النفط، حيث ارتفعت الأعداد عام 2019 لتتجاوز مستويات عام 2014، غير أن النسبة المئوية لموظفي القطاع العام في القوة العاملة لم ترتفع إلا بصورة طفيفة (المُخطط البياني 1).

حدث نفس التدهور الديموغرافي فيما يتعلق بالمبالغ التي أُنفقت على الرواتب والمعاشات التقاعدية، حيث بلغ الإنفاق ذروته الفعلية (على أساس نصيب الفرد) قبل عام واحد، أي في عام 2013.5المصادر: قيمة نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية لأعوام 2004-2018 مستقاة من تقارير صندوق النقد الدولي عن دولة العراق للأعوام 2006-2019، أما بالنسبة لعام 2019، فهي مأخوذة عن وزارة المالية (ستُراجع  الحسابات النقدية التي تصدرها وزارة المالية في تقارير صندوق النقد الدولي المستقبلية لتتوافق مع الأرقام السابقة). تشمل المبالغ المستخدمة مدفوعات موظفي القطاع العام في إقليم كردستان العراق والتي استُخدمت في جميع السنوات باستثناء الفترة ما بين عامي 2014-2017. تم تحويل الدينار العراقي إلى دولارات أميركية باستخدام متوسط أسعار الصرف الرسمية السنوية كما نشرها البنك المركزي العراقي. جميع الأرقام (نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية، والإنفاق على الاستثمار غير النفطي، وعائدات النفط) تُقاس بالنسبة لسعر صرف ثابت للدولار عام 2019، من أجل التخلص من تأثير التضخم وإجراء مقارنات "مماثلة"، حيث  تم التخلص من تأثير التضخم باستخدام أرقام مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة التي تم الحصول عليها من بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس. وتستند مدفوعات الرواتب والمعاشات في نهاية المطاف إلى بيانات تنفيذ ميزانية الصادرة عن وزارة المالية، والتي من المرجح ألا تشمل البيانات الخاصة بموظفي المؤسسات المملوكة للدولة، ولا العاملين التعاقديين أو العاملين بأجر يومي الذين توظفهم العديد من الوزارات. ويمكن أن تضيف هذه المدفوعات، باستخدام مقترح الميزانية الأولية لعام 2019، حوالي 10٪ إلى المدفوعات. ومع أنه لا توجد بيانات متاحة للعامة عن السنوات الأخرى، إلا أن إدراجها حتى وإن كانت متاحة لن يغير مسار الاتجاهات التي نوقشت. إلا أنّ مُعدل النمو المركب الذي بلغ 27.9% من زيادات المدفوعات في عام 2013 شهد تقلصاً بسبب النمو السكاني السنوي الذي يربو على 2.6%، بحيث ان التأثير التراكمي حوّل زيادة من 100 نقطة في عام 2004 إلى 919 في عام 2013 إلى زيادة الى 729 فيما يتعلق بحصة الفرد. بعبارة أخرى، أدت الخصائص الديموغرافية إلى تقويض القدرة الشرائية الفعلية لشبكات المحسوبية إلى حد كبير، على الرغم من أن مثل هذا الإنفاق ازداد بسرعة على مر السنين (المُخطط البياني 2).

المُخطط البياني 2: نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية بالأرقام المطلقة، ونصيب الفرد، كلاهما تم إعادة تحديد أسسه إلى 100 في عام 2004.

بدءاً من عام 2018، زادت الحكومة من مدفوعات الرواتب والمعاشات التقاعدية ونقضت أول الإصلاحات الهيكلية المصاحبة لاتفاق الاستعداد الائتماني الذي تم التوصل إليه مع صندوق النقد الدولي عام 2016. بيد أن التدهور الديموغرافي كان واضحاً أيضاً في هذا القطاع. فقد كان المعدل الأعلى على الإطلاق من نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية -من حيث حصة الفرد- في عام 2019 أقل من حده الأقصى في عام 2013 بنسبة 3.7%، وذلك لأن الخصائص الديموغرافية جعلت الركود في الإنفاق خلال الفترة بين عامي 2013-2017 يتحول إلى انخفاضٍ في نصيب الفرد من الإنفاق بنسبة 14.0% من أعلى قيمة له. (المُخطط البياني 2)

فقد تجاوزت نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية الزيادة التي شهدها ريع النفط بكثير، ففي عام 2012 كانت أعلى قيمة لها هي 429 نقطة مقارنة بنحو 100 نقطة في عام 2004، في حين كانت أعلى قيمة وصلت لها نفقات الرواتب والمعاشات في عام 2013 هي 919 نقطة (المُخططان البيانيان 2 و4). وفي هذا السياق، استنفد هذا الإنفاق حصة متزايدة لا مثيل لها من عائدات النفط مما أدى إلى استبعاد أشكالاً أخرى كان من الممكن توزيع الثروة النفطية عليها في سبيل الإذعان الاجتماعي لحكم المُحاصصة. فعلى سبيل المثال، أخذت معدلات الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية في الهبوط والانخفاض على مر السنين،6يُمكن ملاحظة المستوى المنخفض للإنفاق على الصحة والتعليم في الشكل 3 من تقرير صندوق النقد الدولي 252/17، والذي يبين انخفاض الإنفاق في العراق على قطاع الرعاية الصحية وتأثيراته السلبية على السكان، وأن الإنفاق الفعلي في القطاع التعليمي تركز في الأغلب على وظائف القطاع العام.   وكان الانخفاض ملحوظاً بوجه خاص في حصة الفرد بسبب الديناميات والاتجاهات الديموغرافية في العراق. يندرج هذا الإنفاق ضمن الإنفاق الاستثماري غير النفطي، والذي يمكن ملاحظة أنماطه العامة في المُخطط البياني (3). أدى هذا الانخفاض الإجمالي في الإنفاق الاستثماري غير النفطي إلى تدهور الخدمات العامة، وهو ما يعني أن الزيادة في رواتب موظفي القطاع العام أصبحت على نحو متزايد الوسيلة الوحيدة لبناء شبكات المحسوبية للنخب العِرقية الطائفية.

المُخطط البياني 3: الانفاق الاستثماري الغير نفطي بالأرقام المطلقة، ونصيب الفرد، كلاهما تم إعادة تحديد أسسه إلى 100 في عام 2004

أضف إلى ذلك أن ريع النفط أيضاً ينخفض بفعل الخصائص الديموغرافية. وبصرف النظر عن تقلب عائدات النفط وتراجعها أثناء الأزمات، لا يبدو الاتجاه الصاعد على المدى الطويل لمعدل نمو عائدات النفط، الناتج عن زيادة حجم الإنتاج بشكل كبير في العراق، كبيراً بما يكفي عند النظر إليه على أساس حصة الفرد وينتهي به المطاف كاتجاه صاعد ضعيف (المخطط البياني 4).

المخطط البياني 4: الأرقام المطلقة لعائدات النفط، والعائدات حسب حصة الفرد تبدأ من نقطتي 100 و2004، الخطوط المتقطعة توضح الاتجاه.

المحاصصة على أرض الواقع

أجبرت النخبة السياسية العراقية الحكومة على التراجع عن مسارها ومحاولتها خفض رواتب القطاع العام وضغطت على الحكومة من خلال المعارضة البرلمانية، نظراً لضعف التمثيل البرلماني للحكومة، لتخصيص كل الموارد اللازمة لضمان دفع الرواتب والمعاشات. وافق مجلس النواب العراقي على طلب الحكومة الاقتراض لتعويض عجز الموازنة - بشرط ألا يزيد سقف الاقتراض عن مبلغ 5 مليار دولار اقتراض خارجي و13 مليار دولار اقتراض محلي بإجمالي 18 مليار دولار- لتأمين المبالغ اللازمة للنفقات الحالية (عام 2020) بما في ذلك رواتب الموظفين الجدد، ومن ثم زيادة مخصصات رواتب القطاع العام (انظر الحاشية 7).

لكن هذه التدابير لن تحقق الغرض المرجو منها، المتمثل في الحفاظ على شبكات المحسوبية، إلا بشكل جزئي. من الصعب استيعاب كيف ستتمكن الحكومة من تجنب التبعات السلبية المستقبلية لهذه التدابير، حتى لو افترضنا استمرار الظروف الاقتصادية الإيجابية لعام 2019 حتى عام 2024، وهي احتمالية بعيدة، أو تمكن الحكومة من تأمين مصادر أخرى لدفع الرواتب والمعاشات مع ضمان القدرة على دفع النفقات الحكومية الأساسية الأخرى.

وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في الإنفاق وفي أعداد الموظفين في القطاع العام التي أتت كمحاولة من الحكومة السابقة لتهدئة الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2019،7 لتهدئة المتظاهرين، خفضت الحكومة السابقة سن التقاعد ليصبح 60 عاماً، وهو ما أدى إلى إتاحة 200 ألف وظيفة إضافة إلى توفير 300 ألف وظيفة جديدة بإجمالي 500 ألف وظيفة. وحسب التقديرات، سيؤدي هذا العدد إلى  إضافة 8.9 مليار دولار إلى نفقات الرواتب والمعاشات التي تصل إلى 44 مليار دولار في عام 2020. سيشهد عدد موظفي القطاع العام -بوصفه نسبة مئوية من قوة العمل- تراجعاً مطرداً نتيجة للعوامل الديموغرافية لتصل النسبة إلى 28.1% بحلول 2024، أيّ أقل بنسبة قليلة من مستوى 2018 (المخطط البياني 5).

المخطط البياني 5: يشير الخط والأعمدة المكونة من نقاط إلى التوقعات.

وفي نفس الفترة، سيقل الإنفاق على الرواتب والمعاشات بسبب التضخم والخصائص الديموغرافية، وبحلول عام 2024 ستصل حصة الفرد من الإنفاق الحكومي إلى مستويات عام 2015 (المخطط البياني 6).

المخطط البياني 6: تبدأ الأرقام من نقطة 100 في 2004، تشير الخطوط المكونة من نقاط إلى التوقعات.

رغم أن حجة العوامل الديموغرافية مقنعة للغاية وتفرض نفسها بقوة في سبيل تحقيق إصلاحات حقيقية، لا يوجد ما يدعو لتوقع أن النخبة الحاكمة ستتحلى بالحصافة المالية نظراً للسجل الحافل بأخطاء الإدارة، والحوافز غير المتوازنة في ظل النظام السياسي العراقي في مرحلة ما بعد 2003 الذي يعزز من صنع سياسات اقتصادية قاصرة النظر، والأهم هنا هو التدهور المؤسسي  المستشري والتشرذم اللذان يعاني منهما النظام السياسي.

كوفيد-19 ينضم إلى المشهد

أحد العوامل المساهمة في هذه السلوكيات هو اعتقاد النخبة السياسية الحاكمة أن هذه الأزمة رغم شدتها ستمضي في نهاية المطاف مثلما مضت كل الأزمات السابقة، ولهذا يفوق الحفاظ على المكاسب السابقة أي اعتبارات أخرى.

بيد أن النظام العالمي الذي سيظهر بعد أزمة كوفيد-19 يتطلب طريقة تفكير مختلفة كلياً. فقد أوضح صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الأخير، أن الآثار السلبية لجائحة كوفيد-19 على الاقتصاد العالمي أسوأ بمراحل من التوقعات الأولية. فمن المتوقع أن يتراجع الاقتصاد العالمي بنسبة 4.9% عام 2020 وأن يكون تعافي الاقتصاد بطيئاً للغاية. ويُتوقع أن يبلغ النمو العالمي في عام 2021 نحو 5.4%، وهو ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2021 سيكون أقل بمقدار 6½ نقطة مئوية مقارنة بتقديرات ما قبل جائحة كوفيد-19 (المخطط البياني 7).

المخطط البياني 7: توقعات صندوق النقد الدولي الواردة في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، حزيران/يونيو 2020

في حين أن هناك احتمالية متساوية سواءً في التغير الايجابي أو السلبي لهذه التوقعات، فإن حجم الضرر الاقتصادي وانخفاض الإنتاجية (نظراً لتبني قطاع الأعمال تدابير احتواء كوفيد-19) يشير إلى أن الأنشطة الاقتصادية ستظل أدنى من المعدل الطبيعي السابق حتى التوصل إلى اكتشاف لقاح فعال وانتشاره على مستوى العالم، مما يعني أن النمو الاقتصادي سيكون ضعيفاً على أفضل تقدير على مدى السنوات القليلة المقبلة، فضلاً عن أن العالم أجمع سيعاني من تباطؤ النمو مثل الذي عانت منه الاقتصادات المتقدمة في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ومن ثَمَّ، بالرغم من فاعلية الاتفاق التاريخي الذي توصلت إليه مجموعة "أوبك ++" سيتأثر العرض والطلب على النفط تأثراً كبيراً بالانخفاض المحتمل في الطلب عن المستوى المعهود على مدى السنوات القليلة المقبلة على الأقل. غير أن الوفرة المحتملة للنفط لدى الدول الأعضاء في منظمة الأوبك، نظراً إلى قدرتها على الإنتاج الاحتياطي ومستويات تخزين النفط العالية، ستكون بمثابة غطاء يحدد من ارتفاع في أسعار النفط حتى بعد تجاوز أصعب الأزمات.

معضلة العراق

بالنسبة إلى العراق، تمثل هذه التوقعات معضلة لهيكل الموازنة غير المتزن لا يمكن حلها من خلال التدابير المقترحة الحالية مثل زيادة عائدات القطاعات غير النفطية والتدابير البسيطة لخفض التكاليف التي ينادي بها8تشمل التدابير المتعلقة بالعائدات زيادة الرسوم الجمركية المحصلة من خلال فرض رقابة صارمة على النقاط الحدودية والضرائب والرسوم، أما التدابير المتعلقة بخفض التكاليف فتشمل التخلص من ظاهرة الموظفين الأشباح والإنفاق بشكل أكثر كفاءة وتأجيل المدفوعات المستحقة لشركات النفط الدولية والحد من الإنفاق على السلع والخدمات والإنفاق على الاستثمارات. مجلس النواب الحالي.

يهيمن على الجزء الخاص بالتكاليف التشغيلية من الموازنة عنصر إنفاق ثابت ومتحجر يصعب تغييره: استناداً إلى عام 2019 كأساس للأرقام - تصل مخصصات الرواتب والمعاشات إلى50 مليار دولار من أصل موازنة الإنفاق التشغيلية التي تصل إلى 80 مليار دولار.9تستند الأرقام إلى بيانات وزارة المالية لعام 2019، الرواتب والمعاشات كما هي موضح في الحاشية 7، كل الأرقام تقريبية للتبسيط، لذا قد يختلف مجموع الأعداد عن الرقم الإجمالي. بينما يبلغ الإنفاق على الاستثمارات 21 مليار دولار منها 16 مليار دولار لاستثمارات النفط. ومن الصعب أن تقوم الحكومة باستقطاع أكثر من 10 مليار دولار من موازنة الإنفاق التشغيلي نظراً للعوامل الاجتماعية والمصالح الخاصة. وبالمثل، يصعب تخفيض الإنفاق على استثمارات النفط إلى أقل من 10 مليارات دولار نظراً إلى التزامات الحكومة تجاه شركات النفط الدولية وللحفاظ على مستويات إنتاج النفط الضرورية لتحقيق عائدات. قد تواجه موازنة الاستثمارات غير النفطية الضئيلة تخفيضات كبيرة للغاية، وحتى القدر القليل المتبقي للإنفاق على هذه الاستثمارات سيكون من الضروري توجيهه لتأمين الخدمات الأساسية مثل توليد الطاقة الكهربائية.

أما فيما يخص العائدات، فقد تصل عائدات النفط إلى 39 مليار دولار إذا كان متوسط سعر خام البرنت 40 دولار للبرميل على مدار 12 شهراً المقبلة وإذا ما امتثل العراق جزئياً بالتزاماته تجاه اتفاق مجموعة "أوبك ++". دائماً ما كانت الإيرادات غير النفطية أقل أهمية بكثير من عائدات النفط وتؤدي دوراً ثانوياً في الموازنة العامة، لكن حتى تلك الإيرادات تعتمد على النفط، ففي 2019، فقد كانت الضرائب المفروضة على شركات النفط وأرباح شركات النفط المملوكة للدولة مصدر 25% من العائدات غير النفطية المدرجة في الميزانية. بيد أن خطط زيادة الإيرادات غير النفطية من خلال تحسين آليات تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية ستكون أقل كثيراً من المتوقع بسبب الانكماش الاقتصادي الحالي وهو ما يترتب عليه انخفاض الدخول والأرباح والواردات. وعليه، فمن المستبعد للغاية أن تتجاوز العائدات غير النفطية 10 مليار دولار على أحسن تقدير.

دون إجراء إصلاح حقيقي في بنود الإنفاق التشغيلية الثابتة والمتحجرة، فمن المتوقع أن يواجه العراق عجزاً في 12 شهراً القادمة يقدر بحوالي 33 مليار دولار والذي سيتعين تمويله. وسيستمر هذا العجز إذا لم ترتفع عائدات النفط بالقدر الكافي لِتغطيته، لكن هذا يبدو مستبعداً خلال هذه المرحلة على مدى السنوات القليلة المقبلة.

إذن كيف يمكن للعراق أن يغطي هذا العجز؟ على الأرجح لن يكون العراق قادراً على الاستدانة من الأسواق الدولية بما أن قدرته على سداد دين بهذا الحجم باتت محل شك في ظل استمرار العجز الحالي.10يعني استمرار العجز الهيكلي أو "الموازنة العامة"، حتى في حال تقليصه من خلال رفع عائدات النفط، استمرار الحاجة إلى الاقتراض لتغطية العجز والاستدانة مجدداً لسداد الديون المتراكمة التي تم تجميعها لتغطية العجز السابق. وسيؤدي هذا الوضع إلى استحالة الاستدانة من الأسواق الدولية.   وقد كانت المصادر المحلية11يرى تقرير مرتقب للكاتب أن الحكومة شبعت الأسواق المحلية تقريباً، أو بمعنى آخر، قامت بالاقتراض من المصارف الحكومية سواء من خلال الاقتراض المباشر أو إصدار سندات خزانة، وعليه فإن الخيار الوحيد يتمثل في التمويل النقدي غير المباشر من خلال إصدار سندات خزانة للبنوك الحكومية التي سيتم تخفيض أسعار فائدتها (أو شراؤها) من قبل البنك المركزي العراقي وهو ما سيؤدي نسبياً إلى تقويض الاحتياطات النقدية الأجنبية.   للتمويل متشبعة بالفعل خلال الأزمات السابقة. وبناءً على ذلك، فإن الخيار الوحيد المتاح هو التمويل النقدي غير المباشر، من خلال اللجوء إلى احتياطيات النقد الأجنبي التي بلغت قيمتها 62 مليار دولار في أواخر حزيران/يونيو. يمكن أن تغطي هذه الاحتياطيات العجز على نحو كافي لمدة 15 شهراً على الأقل قبل الوصول إلى المستويات الدنيا التي ستؤدي على الأرجح إلى الانخفاض القسري في قيمة العملة. لكن هذه الاحتياطيات ضرورية أيضاً لدعم واردات البلاد وتمكينها من الإيفاء بالتزاماتها الخارجية. وباتخاذ معطيات الفترة 2015-2016 باعتبارها سيناريوهات اقتصادية يمكن مقارنة الوضع الحالي بها، سنجد أن الطلب على تلك الاحتياطات لدعم الواردات وباقي الالتزامات يمكن أن يصل إلى حوالي 10 مليار دولار سنوياً. لذا عملياً سيكون العراق قادراً بالفعل على الاستفادة من احتياطاته لمدة 12 شهراً أو قرابة ذلك، قبل أن تنفذ موارده كلياً. وبعدها لن يكون في إمكانه الإيفاء بمعظم التزاماته المحلية، وزيادة البلة ستكون خفض قيمة العملة، وهو ما من شأنه أن يزيد من انخفاض مستويات معيشة معظم السكان بصورة كبيرة في ظل اعتماد البلاد الكبير على الواردات لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية.

تحمل ألم كبير الآن، أم المعاناة من ألم أكبر بكثير لاحقاً

تُعجل التطورات الأخيرة من تلاشي المكاسب الديموغرافية السابقة وتدفع النخب إلى تجديد أساليب عملهم قبل أن تحدث أزمة لا يمكن حلها. وبالنظر إلى استجابة النخبة السياسية والاقتصادية في لبنان إزاء الأزمة المالية، من المرجح للغاية أن تصر النخبة السياسية العراقية، تماماً مثل مثيلاتها في لبنان، على اتباع سياسة النعامة أو التجاهل والاكتفاء بانتظار حدوث انتعاشة في أسعار النفط.

يفترض مدى سوء الإدارة الاقتصادية في الماضي أن جميع الحلول الممكنة لمعالجة حجم القطاع العام، سواءً كانت جذرية أم تدريجية، سوف تنطوي على ألم اقتصادي كبير ستعاني منه الفئات الضعيفة والهشة أكثر بكثير من غيرها. غير أن الإصلاحات الحقيقية والمبكرة تتمتع بميزة السماح للحكومة باستخدام أيّة موارد متوافرة لديها -مثل الاحتياطيات النقدية الأجنبية- لحماية وتحصين الفئات الأكثر ضعفاً قدر الإمكان. إضافة إلى ذلك، ستؤدي مثل هذه الإصلاحات إلى ميزانية مستدامة، وهو ما يمهد الطريق أمام استئناف الحوار الجاد مع صندوق النقد الدولي والحصول على حزمة إنقاذ وفي نهاية المطاف السماح للعراق بالولوج إلى أسواق الدين العالمية.

لكن الصعوبة مع ذلك تكمن في أن مثل هذا الإصلاح وما يليه من ألم اقتصادي سوف يقوضان شبكات المحسوبية المنبثقة من نظام المحاصصة وسوف يستوجب تأييد فئة سكانية مستبعدة ومنبوذة وسيتطلب ذلك قلب نظام التقسيم الطائفي الذي تأسس بعد غزو العراق عام 2003 رأساً على عقب، مثلما طالبت الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2019.

إقرار وشكر

تستند المعلومات الواردة في هذا التقرير إلى بيانات ومعلومات متاحة لعامة الجمهور في مواقع على شبكة الإنترنت ومنشورات ومحاضرات وتقارير بحثية كما توضح المراجع الواردة في الحواشي والروابط. يرتكز هذا المقال على ورقة بحثية سابقة للكاتب حول الحتمية الديموغرافية للحركة الاحتجاجية والمخاطر النظامية (المخاطر الكلية أو المخاطر التي لا يمكن تجنبها) الناجمة عن الاعتماد على عائدات النفط. لكن البحث الذي أعده ألكسندر هاميلتون كان مصدر إلهام للنهج الاستدلالي المتبع في هذا المقال، خاصة مقاله الذي لم يُنشر بعد حول العراق والخصائص الديموغرافية. ولهذا، يود الكاتب أن يُعرب عن تقديره وامتنانه لألكسندر هاميلتون. يتحمل الكاتب مسؤولية كافة الأخطاء وأوجه القصور الواردة في هذا المقال.

تنويه

"إن تعليقات أحمد معن الطبقچلي وآرائه وتحليلاته هي آراءٌ شخصية للأغراض الإعلامية وللمنفعة العامة فقط ولا يجب تفسيرها على أنها نصائح استثمارية فردية أو توصيات أو التماس لشراء أو بيع أو الاحتفاظ بأي أموال أو سندات أو اعتماد أي استراتيجية استثمارية، وهي لا تُمثّل نصيحة قانونية أو ضريبية. لقد جُمِعَت المعلومات الواردة في هذه المادة من مصادر يعتقد أنها موثوقة، ولكن ليس هناك ضمان لصحتها، وهي مُقدّمَة في تاريخ النشر وقد تتغير دون إشعار ولا يُقصد منها أن تكون تحليلاً كاملاً لكل واقعة مادية فيما يتعلق بالعراق أو المنطقة أو السوق أو الاستثمار".

Footnotes   [ + ]

1. نظراً إلى عدم وجود بيانات موثوقة حول التعدادات السكانية (المذكورة أدناه)، فإن هذا التحليل يستند إلى تقديرات لمعدلات السكان والخصوبة ونمو القوى العاملة (مستمدة من منظمة العمل الدولية و الأمم المتحدة). وعلى هذا فإن معدلات النمو الفعلية الأعلى من شأنها أن تسرع من وتيرة الأنماط المطروحة للمناقشة هنا، في حين أن المعدلات المنخفضة سوف تؤدي إلى العكس، إلا أن القوى الأساسية التي تحرك مسار تلك الأنماط لم تتغير وتأثير هذه القوى هو جوهر هذه المقالة. أول تعداد رسمي للسكان في العراق كان عام 1934، أعقبه تعدادات سكانية أخرى في أعوام 1947 و1957 و1965 و1977 و1987 و1997. بيد أن تعداد عام 1997 لم يشمل منطقة كردستان العراق واستخدم تقديرات للسكان استناداً إلى التعدادات السابقة. المصدر. تحليل الوضع السكاني في العراق 2012.
2. المصدر: أعداد العاملين في القطاع العام لأعوام 2004 و2005 والفترة بين عامي 2008-2015، مستقاة من تقرير "دراسة تشخيصية منهجية" من إعداد البنك الدولي 2017. أما الأعداد لعامي 2006 و2007، فهي تقديرات المؤلف استناداً إلى تقرير البنك الدولي المذكور آنفاً. بينما الأعداد للفترة بين عامي 2016-2018 فهي مأخوذة من ورقة بحثية بعنوان: زيادة الرواتب العامة في العراق من إعداد علي المولوي. وأخيراً أعداد عام 2019 هي تقديرات المؤلف ونتيجة للمناقشات التي جرت مع علي المولوي. تشمل الأرقام موظفي القطاع العام في إقليم كردستان العراق الذين شكلوا نحو 600 ألف من أعداد العاملين عام 2016 (الشكل 2 من تقرير صندوق النقد الدولي 252/17). كافة البيانات اللاحقة عن السكان والقوى العاملة، تخص العراق ككل. لا تشمل الأرقام الإجمالية موظفي المؤسسات المملوكة للدولة الذين يقدر عددهم بنحو 500 ألف موظف، بالرغم من عدم توفر بيانات تاريخية. ومن شأن إدراج هذه الأعداد أن يضيف إلى النسب المئوية المستخدمة هنا، ولكنه لن يغير مسار الأنماط.
3. تُعرف القوة العاملة على أنها الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 15 عام. وتشمل العاملين والعاطلين عن العمل ولكنهم يبحثون عن عمل، وكذلك الباحثين عن عمل لأول مرة. ولا تشمل العاملين دون أجر بصفة عامة، والعاملين دون أجر داخل نطاق الأسرة، والطلاب. من بين المفاهيم المرتبطة بذلك مُعدل مشاركة القوة العاملة، والذي يمثل نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاماً الناشطين اقتصادياً، ويقارن هذا المفهوم بين نسبة من يعملون أو يسعون للحصول على عمل خارج المنزل وبين أولئك الذين لا يعملون أو لا يسعون للحصول على عمل خارج المنزل. بالنسبة للعراق، بلغ متوسط مُعدل مشاركة القوة العاملة 43% للفترة بين عامي 2004-2019، وهو مُعدل منخفض للغاية بالنسبة لدولة فتيّة مثل العراق، إلا أنه يتأثر بمعدل مشاركة منخفض للغاية للإناث وصل عام 2019 إلى 11.6% مقابل 74.2% للذكور. المصدر: البنك الدولي، مشتق من بيانات صادرة عن منظمة العمل الدولية، قاعدة بيانات إحصاءات منظمة العمل الدولية.
4. وهو مستوى مرتفع بالمقاييس الإقليمية والدولية، ويمكن ملاحظته من خلال النظر إلى الإنفاق على القطاع العام مقارنةً بالقطاعات الأخرى في الشكل 1 من تقرير صندوق النقد الدولي 252/17.
5. المصادر: قيمة نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية لأعوام 2004-2018 مستقاة من تقارير صندوق النقد الدولي عن دولة العراق للأعوام 2006-2019، أما بالنسبة لعام 2019، فهي مأخوذة عن وزارة المالية (ستُراجع  الحسابات النقدية التي تصدرها وزارة المالية في تقارير صندوق النقد الدولي المستقبلية لتتوافق مع الأرقام السابقة). تشمل المبالغ المستخدمة مدفوعات موظفي القطاع العام في إقليم كردستان العراق والتي استُخدمت في جميع السنوات باستثناء الفترة ما بين عامي 2014-2017. تم تحويل الدينار العراقي إلى دولارات أميركية باستخدام متوسط أسعار الصرف الرسمية السنوية كما نشرها البنك المركزي العراقي. جميع الأرقام (نفقات الرواتب والمعاشات التقاعدية، والإنفاق على الاستثمار غير النفطي، وعائدات النفط) تُقاس بالنسبة لسعر صرف ثابت للدولار عام 2019، من أجل التخلص من تأثير التضخم وإجراء مقارنات "مماثلة"، حيث  تم التخلص من تأثير التضخم باستخدام أرقام مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة التي تم الحصول عليها من بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس. وتستند مدفوعات الرواتب والمعاشات في نهاية المطاف إلى بيانات تنفيذ ميزانية الصادرة عن وزارة المالية، والتي من المرجح ألا تشمل البيانات الخاصة بموظفي المؤسسات المملوكة للدولة، ولا العاملين التعاقديين أو العاملين بأجر يومي الذين توظفهم العديد من الوزارات. ويمكن أن تضيف هذه المدفوعات، باستخدام مقترح الميزانية الأولية لعام 2019، حوالي 10٪ إلى المدفوعات. ومع أنه لا توجد بيانات متاحة للعامة عن السنوات الأخرى، إلا أن إدراجها حتى وإن كانت متاحة لن يغير مسار الاتجاهات التي نوقشت.
6. يُمكن ملاحظة المستوى المنخفض للإنفاق على الصحة والتعليم في الشكل 3 من تقرير صندوق النقد الدولي 252/17، والذي يبين انخفاض الإنفاق في العراق على قطاع الرعاية الصحية وتأثيراته السلبية على السكان، وأن الإنفاق الفعلي في القطاع التعليمي تركز في الأغلب على وظائف القطاع العام.
7.  لتهدئة المتظاهرين، خفضت الحكومة السابقة سن التقاعد ليصبح 60 عاماً، وهو ما أدى إلى إتاحة 200 ألف وظيفة إضافة إلى توفير 300 ألف وظيفة جديدة بإجمالي 500 ألف وظيفة. وحسب التقديرات، سيؤدي هذا العدد إلى  إضافة 8.9 مليار دولار إلى نفقات الرواتب والمعاشات التي تصل إلى 44 مليار دولار في عام 2020.
8. تشمل التدابير المتعلقة بالعائدات زيادة الرسوم الجمركية المحصلة من خلال فرض رقابة صارمة على النقاط الحدودية والضرائب والرسوم، أما التدابير المتعلقة بخفض التكاليف فتشمل التخلص من ظاهرة الموظفين الأشباح والإنفاق بشكل أكثر كفاءة وتأجيل المدفوعات المستحقة لشركات النفط الدولية والحد من الإنفاق على السلع والخدمات والإنفاق على الاستثمارات.
9. تستند الأرقام إلى بيانات وزارة المالية لعام 2019، الرواتب والمعاشات كما هي موضح في الحاشية 7، كل الأرقام تقريبية للتبسيط، لذا قد يختلف مجموع الأعداد عن الرقم الإجمالي.
10. يعني استمرار العجز الهيكلي أو "الموازنة العامة"، حتى في حال تقليصه من خلال رفع عائدات النفط، استمرار الحاجة إلى الاقتراض لتغطية العجز والاستدانة مجدداً لسداد الديون المتراكمة التي تم تجميعها لتغطية العجز السابق. وسيؤدي هذا الوضع إلى استحالة الاستدانة من الأسواق الدولية.
11. يرى تقرير مرتقب للكاتب أن الحكومة شبعت الأسواق المحلية تقريباً، أو بمعنى آخر، قامت بالاقتراض من المصارف الحكومية سواء من خلال الاقتراض المباشر أو إصدار سندات خزانة، وعليه فإن الخيار الوحيد يتمثل في التمويل النقدي غير المباشر من خلال إصدار سندات خزانة للبنوك الحكومية التي سيتم تخفيض أسعار فائدتها (أو شراؤها) من قبل البنك المركزي العراقي وهو ما سيؤدي نسبياً إلى تقويض الاحتياطات النقدية الأجنبية.