طوارئ غير استثنائية في مصر

تأثير إعلان حالة الطوارئ على المجال العام في بلد يعيش حالة غاية في الاستثنائية واستغلاله من طرف النظام الحاكم لشرعنة الانتهاكات والتنكيل بالأصوات المعارضة.

arab-reform-initiative-2017-06-Egypts-Unexceptional-State-of-Emergency
قوات الامن تقف بالقرب من متظاهر في وسط القاهرة، مصر، 2016. © EPA

ملخَّص

ورقة جديدة للباحث شريف محي الدين يتطرق فيها لإعلان حالة الطوارئ في مصر ومدى تأثيره على المجال العام والفارق الذي يمكن أن يشكله في وقت تعيش فيه البلاد حالة غاية في الاستثنائية منذ تموز/يوليو 2013.
ويقدم الباحث على أن الإعلان الأخير عن حالة الطوارئ في نيسان/إبريل 2017 هو استكمال لإجراءات وسياسات الغرض منها تكريس حالة الاستثناء التي يستخدمها نظام يحكم بالقوة ويفرض القمع للحفاظ على حكمه، أكثر من كونها إجراءات تُستخدم بالفعل لمواجهة أخطار الارهاب والعنف المسلح.
إن فرض الطوارئ على مصر ليس أكثر من مجرد إعلان شكلي عن مرحلة تم تجاوزها بكثير من خلال القمع والانتهاكات وقتل المجال العام. خصوصاً وأن وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان تخطت ما كانت تشرعنه الطوارئ من استثناءات في الماضي. وبالتالي أصبح فرض الطوارئ إجراءاً غير استثنائي من قبل النظام الحاكم لأن حالة الطوارئ أصبحت وضعاً طبيعياً في البلاد.
وعلى الرغم من عدم استثنائية الطوارئ في حد ذاتها، فإن السياق الحالي الذي يتم تطبيق الطوارئ فيه، هو الأكثر استثنائية ضمن ما عاشته مصر طيلة العقود الخمس الاخيرة. لكن هذا لا يمنع السلطات من محاولة شرعنة الانتهاكات الماضية والاستمرار فيها بدعوى حالة الطوارئ المفروضة. مما يتيح للنظام مزيداً من القمع استناداً على ذلك ويعطيه سلاحا رئيسيا ضد الأصوات المعارضة والديموقراطية يمكن له استخدامه في أي وقت.
ومن الواضح أن حالة الطوارئ لم تنجح في الوقوف أمام اندلاع ثورة 2011 ومكافحة الإرهاب او منع التفجيرات التي شهدتها البلاد. بل اتخذها النظام الحاكم كذريعة لتثبيت السلطة واستعملها للتنكيل بالأصوات المعارضة والتضييق عليها في إطار الحرب على الإرهاب.
وللتصدي فعلا لأخطار الإرهاب يقدم الباحث مجموعة من المقترحات منها إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتفعيل مبادئ المحاسبة ووقف الإفلات المنهجي من العقاب وتحقيق عدالة انتقالية غير انتقائية أو مسيّسة للقضاء على الخصوم السياسيين وعزلهم.
الصورة: قوات الامن تقف بالقرب من متظاهر في وسط القاهرة، مصر، 2016. – © EPA
اقرأ المزيد

في التاسع من نيسان/إبريل 2017 أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قراراً بفرض حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وذلك في أعقاب تفجيرين كبيرين استهدفا كنيستي مارجرجس بمحافظة الغربية، والمرقسية بمدينة الإسكندرية. وتبنى مسؤوليتهما الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وأثار هذا القرار العديد من التساؤلات، فهل كانت مصر تعيش ضمن منظومة حكم غير استثنائية قبل ذلك الإعلان؟ وما الذي يمكن أن تشكله حالة الطوارئ من فارق؟ وما هي احتماليات تجديد هذه الحالة؟ وما هي تأثيراتها الحالية على المجال العام في مصر؟

تذهب الورقة إلى أن إعلان حالة الطوارئ لا يضيف جديداً على إطار غاية في الاستثنائية، يحكم مصر منذ تموز/يوليو 2013، فالتوجه العام تغلب عليه الإجراءات الاستثنائية التي تشرعن انتهاكات حقوق الإنسان بزعم مكافحة الإرهاب، على الرغم من فشل هذه الإجراءات في التصدي له، حيث يستمر في توسيع دوائر استهدافه ونطاق عملياته ليصل مؤخراً بضرباته إلى وسط سيناء، وإلى مدن مثل طنطا، كما يعود للإسكندرية بضربة غير مسبوقة منذ اندلاع الثورة، وتحديداً منذ تفجير كنيسة القديسين في 2010 قبل اندلاع الثورة. إضافة إلى الهجوم المسلح على حافلة تقل مواطنين مسيحيين في محافظة المنيا في 26 أيار/مايو 2017 والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 26 مواطناً.

إن تأثيرات حالة الطوارئ ستؤدي بشكل كبير لمضاعفة حالة الانحسار التي يعيشها المجال العام في مصر منذ تموز/يوليو 2013، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية تمديدها مرة أخرى، استلهاماً لتجارب سابقة، حيث يستمر السيسي في تطبيق حالة الطوارئ على بعض مناطق شمال سيناء لأكثر من عامين ونصف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2014 رغم أن الدستور نص على تحديدها بمدة ثلاثة أشهر فقط، مع إمكانية تجديدها لمرة واحدة.

وفي النهاية فإن هذه الحالة لا تطرح حلولاً فاعلة ولا سياقاً يسمح بتطوير أساليب المواجهة وأدواتها ضد الخطر الإرهابي، وهي تشي باستنفاد كافة الأدوات الأمنية الاستثنائية لمواجهة هذا الخطر، وفي الوقت نفسه يتضح على الأرض فشلها في مواجهته. وبناءً على ذلك فإن فرض الطوارئ على مصر هو استكمال لإجراءات وسياسات الغرض منها تكريس حالة الاستثناء التي يستخدمها نظام يحكم بالقوة ويفرض القمع للحفاظ على حكمه أكثر من كونها إجراءات تستخدم بالفعل لمواجهة أخطار العنف المسلح. تلك الأخطار التي انتشرت بشكل غير مسبوق خلال الفترة التي أعقبت تموز/يوليو 2013، والتي كان من أهم دوافع انتشارها الاستثمار في حالة انسداد الأفق السياسي وهزيمة الثورة وتحول عشرات من الشباب إلى العنف،1https://www.arab-reform.net/ar/node/996 وخصوصاً الإسلاميين بعد ما قامت أجهزة الأمن بإراقة دماء المئات منهم في الشوارع أثناء فض الاعتصامات والتظاهرات.

من الطوارئ غير المعلنة إلى الطوارئ المعلنة

وصفت العديد من المنظمات الحقوقية المستقلة في مصر في بيان مشترك لها في آب/أغسطس 2015 مشروع قانون مكافحة الإرهاب قبل إصداره بأنه: "يرسخ لحالة الطوارئ غير المعلنة ويكرسها تحت ذريعة حماية المجتمع والوحدة الوطنية". كما أنه يشجع القتل خارج إطار القانون ويعزز الإفلات من العقاب. إضافة إلى كونه "يعزز دوافع التطرّف والإرهاب ويساهم في انهيار ركائز الدولة ومؤسساتها". ورغم كل هذه الاعتراضات فإن نظام 3 تموز/يوليو 2013 لم يستجب لأي من هذه النداءات، وأصدر القانون بعد أن صرّح الرئيس السيسي أن "يد العدالة مغلولة بالقوانين"، وذلك أثناء تشييعه لجنازة النائب العام الذي تم اغتياله بتفجير موكبه قرب منزله في العاصمة القاهرة في 29 حزيران/يونيو 2015.

وفقاً لقانون الطوارئ في عهد مبارك كان يتم اعتقال المئات بأوامر اعتقال، ويتم تجديدها أمام محاكم تم إنشاؤها وفقاً للقانون بمسمى محاكم أمن الدولة العليا، وأحياناً كان يتم قبول دفاعهم والإفراج عنهم، بل والحكم لصالح الضحايا ممن عانوا من فترات حبس احتياطي أو تعذيب وغير ذلك من الانتهاكات. لكن نظام 3 تموز/يوليو 2013، اعتمد سلسلة إجراءات استثنائية تجاوز بمقتضاها السلطات ومجمل التأثير على قطاعات عريضة من المواطنين مما كان يسمح به قانون الطوارئ في عهد مبارك. والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن من أبرزها القرار بقانون رقم 136 لسنة 2014 والذي أصدره السيسي ومعروف باسم "قانون حماية المنشآت العامة والحيوية". وقد نص القانون على مشاركة قوات الجيش قوات الشرطة في تأمين المنشآت العامة والحيوية، وشرعن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية في توسع أكبر مما سمح به الدستور المعدّل في كانون الثاني/يناير 2014، وعارضته العديد من التظاهرات وحملات المنظمات والمبادرات الحقوقية آنذاك.

ورغم أن القانون قد نص على فترة محددة لسريانه، محددة بعامين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2014، فإن السيسي أصدر قراراً جديداً بتمديد القانون لفترة خمس سنوات إضافية. وبناءً عليه تمت محاكمة الآلاف من المدنيين أمام محاكم عسكرية، وبعضهم تمت محاكمتهم بأثر رجعي رغم أن الوقائع التي تم اتهامهم بارتكابها كانت قد حدثت قبل إصدار القانون. إضافة إلى تنفيذ أحكام إعدام ظالمة في إحدى هذه القضايا على سبعة شباب ثبت قيام أجهزة الأمن باعتقال اثنين منهم على الأقل قبل حدوث الواقعة التي ذكرت المحاضر قيام قوات الأمن بالقبض عليهم فيها، وهي منطقة عرب شركس بمحافظة القليوبية.

إن الإعلان الأخير عن حالة الطوارئ في مصر، ليس أكثر من مجرد إعلان شكلي عن مرحلة تم تجاوزها2http://carnegie-mec.org/sada/69887 بكثير من خلال القمع والانتهاكات وقتل المجال العام. وهو ما يجعلها غير استثنائية في تلك الحالة. فعلى مدار قرابة خمسة وستين عاماً منذ سيطرة تنظيم الضباط الأحرار على الحكم في مصر خضعت البلاد بأكملها لحكم حالة الطوارئ لأكثر من ثلاثة وخمسين عاماً، بينما خضعت قطاعات جغرافية بعينها لحكم الطوارئ بشكل جزئي (سيناء في عهد السيسي، ومحافظات القناة؛ الإسماعيلية وبورسعيد والسويس في عهد مرسي). لكن هذا لا يمنع السلطات من محاولة شرعنة الانتهاكات الماضية والاستمرار فيها بدعوى حالة الطوارئ المفروضة. مما يتيح مزيداً من القمع استناداً على ذلك. وفيه يتم استخدام الطوارئ غير الاستثنائية في سياق من الانتهاكات غير استثنائي يعمل على تكريسها وزيادة وتيرتها.

شكل توضيحي (1): تاريخ الطوارئ في مصر، من إعداد الباحث ومنشور بموقع صدى – كارنيجي

تأثير الطوارئ على المجال العام

شهدت الأسابيع التالية لتطبيق حالة الطوارئ في عموم مصر بعد نيسان/إبريل 2017 موجات من الاعتقالات والتضييقات على المجال العام. حيث تم اعتقال العشرات من النشطاء في بعض الأحزاب السياسية، إضافة إلى نشطاء سابقين تفرغوا لحياتهم الخاصة وابتعدوا عن الانخراط في المجال العام والسياسة بعد تولي السيسي رئاسة الجمهورية في حزيران/يونيو 2014.

وتأتي المفارقة في أن تصاعد هذه الموجة، لم يدفع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي أصدرت بيانات منددة، إلى تأطير تلك الموجة على أنها استخدام لحالة الطوارئ على وجه الخصوص؛ من أجل إسكات الأصوات المعارضة. ليس لأن هذا غير حقيقي بل لأن حالة الطوارئ أصبحت وضعاً طبيعياً في مصر. ففي بيان3https://www.facebook.com/BreadanDLibertyParty/posts/1315079191940899 أصدرته ستة أحزاب وسبع مجموعات سياسية وحقوقية، و155 شخصية عامة. تم التأكيد على أن الحملة الأخيرة تكشف «كذب ما يتردد عن كون التشريعات التي تصدر، والإجراءات التي تُتخذ هي في إطار مواجهة الإرهاب، بل هي في إطار رغبة السلطة في فرض هيمنتها الكاملة على كل القوى والأُطر القائمة في المجتمع، وإسكات أي أصوات مختلفة ومعارضة، وإجهاض أي فرص أو احتمالات لمساحات من الحراك السياسي والمجتمعي، بالذات مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2018». ولم تتم الإشارة من قريب أو من بعيد لحالة الطوارئ المفروضة على البلاد، ولعل هذا التجاهل يؤكد على مدى إدراك العديد من جموع المصريين، بما فيهم مجموعة من أبرز الأصوات المعارضة في هذه الحالة على أن فرض الطوارئ أصبح إجراءاً غير استثنائي من قبل النظام الحاكم. خصوصاً وأن وتيرة انتهاكاته حقوق الإنسان تخطت ما كانت تشرعنه الطوارئ من استثناءات في الماضي بكثير. ولم تصبح هي الحجة الرئيسية المستخدمة لكتم الأصوات المعارضة كما كانت الحال في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

لكن هذا لا يعني أيضاً عدم إمكانية استمرار الانتهاكات في الصعود والزيادة. سواء تم إسنادها وتبريرها بحالة الطوارئ؛ أو لم يتم استخدامها كحجة أساسية. لكن من المهم الإشارة إلى كونها سلاح رئيسي في ذخيرة النظام وحربه ضد الأصوات المعارضة والديموقراطية، يمكن له استخدامها في أي وقت. إضافة إلى غيرها من الانتهاكات والتضييقات التي كان من أبرزها أيضاً التضييق والتحقيق مع المحامي الحقوقي الشهير والمرشح الأسبق لرئاسة الجمهورية خالد علي واحتجازه يوماً كاملاً في 23 أيار/مايو والإفراج عنه بعدها مع إحالته للمحكمة العاجلة لاتهامه بالقيام بفعل فاضح خادش للحياء، وجاء ذلك إثر تداول بعض الأخبار عن نيته للترشح في انتخابات الرئاسة القادمة والتي من المفترض أن تقام في أيار/مايو 2018.

وفي 24 أيار/مايو 2017، فوجئ كثير من المصريين بحجب العديد من المواقع الإخبارية المحلية المستقلة وكذلك موقع قناة الجزيرة وبعض المواقع التابعة لها. وبعد ساعات نشرت وكالة الشرق الأوسط (وكالة الأنباء الرسمية) تأكيداً لهذا المنع بتصريح من "مصدر أمني رفيع المستوى" قائلاً: "إنه تم حجب 21 موقعاً إلكترونياً داخل مصر، وذلك لتضمنها محتوى يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمد نشر الأكاذيب". ومن الغريب أن هذا المصدر قد أضاف أنه "تم اتخاذ الإجراءات القانونية المتبعة حيال هذه المواقع". في إشارة واضحة لكيفية اتخاذ الإجراءات القانونية لاحقاً لشرعنة الانتهاكات لا لكونها أداة للفصل بين المتنازعين وتحقيق العدل. ولم يعلّق أي مصدر حكومي آخر على هذا الحجب في اليومين التاليين له، سوى تصريح مسؤول في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والذي لم يؤكد أو ينفي الخبر فيه، لكنه قال: "معنديش معلومة، بس فيها إيه لو (الخبر) حقيقي؟ إيه المشكلة؟".4http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN18K30X?sp=true

وتبقى هذه إحدى المشكلات الرئيسية في أن المسؤولين في النظام المصري لا يدركون ما هي المشكلة في حجب المواقع وممارسة الانتهاكات ضد قطاعات واسعة من الحقوق والمواطنين. واعتبارهم ذلك ممارسة طبيعية للغاية. وقد تأكد هذا المنحى السلطوي الجديد أيضاً في حجب الدخول لموقعين صحفيين إضافيين هما موقعي الدايلي نيوز، والبورصة المصريين بعدها بأيام.

ومن المدهش أيضاً قيام السلطات المصرية برفض العديد من طلبات التظاهر للتضامن مع الضحايا في تفجيرات كنيستي طنطا والإسكندرية، وذلك وفقاً لقانون التظاهر الجديد (قانون رقم 106 لسنة 2013) الذي كان ضمن حزمة التشريعات التي سنّها نظام 3 تموز/يوليو منذ أيامه الأولى. إذ يحق لوزير الداخلية أو مدير الأمن المختص منع الاجتماع العام أو التظاهرة. بعد تقديم منظميها إخطاراً كتابياً لمركز الشرطة الذي يقع بدائرته مكان الاجتماع العام أو بدء التظاهرة. ورغم حرص المنظمين على عدم مخالفة القانون بإقامة وقفات تضامنية في القاهرة مع ضحايا التفجيرين، وتقدمهم بالإخطار الكتابي؛ فإنه تم إلغاؤها أيضاً قبل انعقادها من قبل مسؤولي الأمن.

ليس هذا فحسب، بل وفقاً لمقابلتين مع اثنين من مؤسسي المراكز الثقافية والشبابية في الإسكندرية والقاهرة فإن للطوارئ تأثيرات جمة على طبيعة عملهم. بما تضفيه من تخوفات من المضايقات الأمنية وخصوصاً لكون هذه الأماكن يجتمع بها قطاعات مختلفة من الشباب، وهو ما يجعلها مصدراً للقلق من جانب النظام. وعلى الرغم من ابتعادها التام عن السياسة، وتركيزها على التعليم وورش العمل والملتقيات الثقافية والأدبية؛ فإن الإحساس بالخطر على الدوام والعرضة للمضايقات أو الاعتقال في أية لحظة قد عاد لرواد هذه المراكز مجدداً مع التفجيرات وإعلان الطوارئ، وذلك بعد أن تضاءل كثيراً بعد وصوله لمستويات غير مسبوقة منذ تموز/يوليو 2013 وحتى أواخر عام 2015، مقارنة بالأيام الأولى للثورة وأواخر عهد مبارك.

ومع اللحظات الأولى لإعلان الطوارئ، قامت مصلحة السجون التابعة لوزارة الداخلية بمنع زيارات الأهالي لأقاربهم وأبنائهم من السجناء في سجن طرة شديد الحراسة والمعروف باسم سجن العقرب. واستمر هذا المنع لما يزيد عن شهرين. وفي 18 نيسان/إبريل شهدت إحدى جلسات القضية المعروفة بقضية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات قيام الأهالي باحتفال بسيط بخطبة فتاة في قاعة المحكمة لأحد المتهمين في القضية عبر القفص الزجاجي5 http://www.almasryalyoum.com/news/details/1120269 المحبوسين فيه، وهو ما أثار حفيظة القنوات الإعلامية الداعمة للنظام، وهو ما عبّر عنه الإعلامي أحمد موسى في نبرة اندهاش، قائلاً

"خطوبة في المحكمة، والبنت فرحانة بإرهابي، من الخونة الإرهابيين أعضاء تنظيم الإخوان الإرهابي، يزغردون ويصرخون لأنه لا يوجد من يردعهم. أقل شيء كان يمكن لمسؤولي الأمن القيام به هو أخذ هؤلاء الناس ورميهم في الشارع من قفاهم! لو كان لدينا قانون لكان يجب محاكمة كل هؤلاء الناس لأنهم أخلّوا بالقاعة. مع احترامي للقضاء لو كنا أعدمنا هؤلاء الإرهابيين لما رأينا هذا المنظر الذي يسيئ لكل شريف في هذه البلد".

وكان أحمد موسى قد استنكر سابقاً أيضاً فرحة الأهالي برؤية ذويهم في أقفاص المحكمة، متسائلاً كيف لهم أن يفرحوا؟ وكيف للأهالي الذين لديهم ابن إرهابي –على حد وصفه- أن يخرجوا من منازلهم أصلاً؟

ورغم قيام أحمد موسى بالاتصال بقاضي المحكمة حسن فريد الذي ينظر في القضية والذي أكد في مداخلته الهاتفية على أن هذا الاحتفال كان قد تم بعد إنهائه الجلسة؛ فقد تم منع الأهالي من دخول قاعة المحكمة لجلستين متتاليتين عقب ذلك على إثر حديثه وإثارته للموضوع بهذا الشكل، وذلك وفقاً لمقابلة مع أقارب أحد المتهمين بالقضية.

ومن الصعب القول إن لفرض الطوارئ تأثير مباشر على تصاعد تلك النزعة الفاشية، والتي تحظى بعلاقة تأثير وتأثر مع النظام الحاكم. إذ يغذيها من ناحية وينصاع لمطالبها الهيستيرية من ناحية أخرى. لكن الواضح أنها قد تشهد تصاعداً نسبياً أيضاً مع تزايد موجة التفجيرات والاعتداءات المسلحة في القاهرة والوادي منذ تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة في كانون الأول/ديسمبر 2016. إضافة إلى ما تسمح به حالة الطوارئ من مزيد من التوقيف من جانب أجهزة الأمن.

دستور على الورق

من المدهش أن تتضاعف كل تلك الانتهاكات في الوقت الذي من المفترض أن يكون الدستور الذي يحكم البلاد هو الأكثر تقدمية نسبياً في محور الحقوق والحريات. إذ جرّمت النصوص الدستورية التعذيب وجعلته "جريمة لا تسقط بالتقادم" بجميع صوره وأشكاله في المادة 52 منه. كما نص أيضاً على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس" ووضع محددات لإجراءات القبض على الشخص والتفتيش وضرورة أن "لا يبدأ التحقيق إلا في حضور محاميه". وأن "يُقدّم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته". (مادة 54 من دستور مصر المعدّل في كانون الثاني/يناير 2014).

وقد اتسعت الهوة بين النص والتطبيق، حيث وثقت العديد من المنظمات الحقوقية المستقلة المصرية والدولية القبض على الآلاف من المواطنين بخلاف الضمانات التي أكد عليها الدستور. وإخفائهم قسرياً بمعزل عن العالم الخارجي، ودون اعتراف من الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية بمسؤوليتهم عن هذا الاحتجاز. وقد ارتفع ذلك لمعدلات غير مسبوقة في عام 2015 مع تولي وزير الداخلية مجدي عبد الغفار حقيبة الوزارة بعد سلفه الوزير محمد إبراهيم الذي جرى الفض الدموي لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة والعديد من الاعتصامات والتظاهرات الأخرى في عهده.

وبمقارنة الأعداد التقريبية التي توصلت إليها تلك المنظمات في عام 2015، بالأرقام خلال قرابة شهرين عقب إعلان الطوارئ على جميع أنحاء البلاد في نيسان/إبريل 2017 نجد أن الأولى أكبر بكثير. ففي تقرير لمنظمة العفو الدولية بعنوان "مصر رسمياً، أنت غير موجود: اختطاف وتعذيب باسم مكافحة الإرهاب"،6https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2016/07/egypt-hundreds-disappeared-and-tortured-amid-wave- of-brutal-repression/   أكدت المنظمة في هذا الصدد على وجود "موجة من اختفاء الأشخاص دون أدنى أثر على أيدي الدولة شملت المئات من الطلاب والنشطاء السياسيين والمتظاهرين، من بينهم أطفال لا تزيد أعمارهم عن 14 عاماً. وطبقاً لبعض المنظمات غير الحكومية المحلية، يتم أخذ ما بين ثلاثة إلى أربعة أشخاص يومياً في المتوسط. وذلك عادة عندما تقوم قوات الأمن المدججة بالسلاح بقيادة ضباط من الأمن الوطني بمداهمة منازلهم. ويُعتقل الكثيرون لأشهر طويلة في المرة الواحدة، ويظلون معصوبي الأعين مقيدي الأيدي طوال فترة الاعتقال".

بينما تقلصت تلك الوتيرة الكبيرة نسبياً خلال عامي 2016 و2017 لكنها لم تتوقف تماماً. فبحسب أحد الحقوقيين7http://www.madamasr.com/ar/2017/05/18/news/u/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%B6-%D8%B9%D9%84%D9%89-28-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%B2%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%8A/ فإن أحد الحملات الأمنية عقب فرض الطوارئ استهدفت عدداً من النشطاء والشباب المنتمين لأحزاب مختلفة، قُدر عددهم في منتصف أيار/مايو 2017 بحوالي 28 شاباً من عشر محافظات. هذا بالطبع إضافة إلى عشرات الآخرين من المواطنين العاديين وغير الناشطين سياسياً.

خاتمة وتوصيات

بالرغم من استمرار فرض الطوارئ في مصر لأكثر من خمسة عقود متقطعة منذ سيطرة تنظيم الضباط الأحرار في تموز/يوليو 1952 على السلطة وتحويل نظام البلاد للجمهورية بدلاً من الملكية، بحيث أصبحت على عكس الشائع هي القاعدة بدلاً من الاستثناء؛ فإنها لم تنجح تماماً في منع العديد من التفجيرات وموجات العنف المسلح التي شهدتها البلاد سواء قبل الثورة في التسعينيات، وتفجيرات طابا ونويبع 2004، وشرم الشيخ 2005. أو بعدها، وأثناء الطفرة الكبيرة في عمليات العنف المسلح والإرهاب عقب تموز/يوليو 2013. كما أن الطوارئ لم تمنع الثورة من أن تندلع في كانون الثاني/يناير 2011. رغم استخدامها في قتل أي فرصة لنمو بديل سياسي، أو حراك احتجاجي في المهد. ومن غير الواضح كيف ستقوم السلطات الحالية باستخدام هذه الحال لمحاربة الإرهاب والعنف المسلح ومكافحتهما. بخلاف الإجراءات الاستثنائية التي تم تفعيلها وتجاوز مضمون ما نصت عليه حالة الطوارئ أصلاً. وإضافة إلى ذلك كله يأتي قانون مكافحة الإرهاب الذي رسّخ لنهج الإفلات من العقاب، وشجّع القتل خارج إطار القانون.

وعلى الرغم من عدم استثنائية الطوارئ في حد ذاتها في مصر، فإن السياق الحالي الذي يتم تطبيق الطوارئ فيه، هو الأكثر استثنائية ضمن ما عاشته مصر طيلة عقود. بحيث تجاوزت تلك الانتهاكات ما كان يتم في عهد مبارك قبل الثورة بمراحل عديدة. وبالتالي فإنه لا يُمكن أن تتجه التوصيات لمجرد جزئيات وتعديلات تشريعية فحسب. إذ يتعدى الأمر ذلك، بحيث لا يمكن أن يقتصر الحل على بضعة تعديلات تشريعية لمواد قانون مكافحة الإرهاب أو قانون الطوارئ وغيرها. فعلى العكس يتضح أن على صناع القرار حال توافرت الإرادة الحقيقية لمكافحة الإرهاب؛ الابتعاد عن التنكيل بالأصوات المعارضة والتضييق عليها في إطار الحرب على الإرهاب. واتخاذها ذريعة لتثبيت السلطة. وتأتي إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتفعيل مبادئ المحاسبة ووقف الإفلات المنهجي من العقاب؛ في صدارة المبادئ التوجيهية الأساسية التي لا سبيل لقيام مصر من جديد من دون تفعيلها وفق منظومة عدالة انتقالية غير انتقائية أو مسيسة للقضاء على الخصوم السياسيين وعزلهم.