سوريا: لا ينبغي رفع العقوبات، بل لابد من تحسينها

رغم أن العقوبات لم تكن السبب الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية  التي تعاني منها سوريا، فقد تسببت في تفاقم حدّة الصعوبات التي يواجهها الشعب السوري، خصوصا مع تزايد الاحتياجات الطبية والإنسانية الجديدة التي أسفرت عنها جائحة كوفيد-19. تجادل هذه الورقة أن العقوبات تُمثل أهمية حيوية في الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة وتعزيز المساءلة. ولذا بدلاً من تعليقها، لا بد من إدخال تحسينات رئيسية عليها للاستفادة الفعالة من الاستثناءات الإنسانية وتقليل آثارها السلبية على الشعب السوري.

arab-reform-initiative-syria-sanctions-should-not-be-lifted-but-they-must-be-improved.j
سوريون في ساحة الأمويين بدمشق يحملون صور الأسد والأعلام السورية ولافتات مناهضة لقانون قيصر تنديدا بالعقوبات الأميريكية، يونيو/حزيران 2020.© EPA-EFE/يسف بدوي

** هذه الورقة هي جزء من سلسلة أوراق تصدرها مبادرة الإصلاح العربي من أجل إثارة الجدل حول فعالية العقوبات الدولية ضد سوريا وتأثيرها على السوريين ومستقبل البلاد.

رغم أن العقوبات لم تكن السبب الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها سوريا، فقد تسببت في تفاقم حدّة الصعوبات التي يواجهها الشعب السوري. إذ أدت الاحتياجات الطبية والإنسانية الجديدة التي أسفرت عنها جائحة كوفيد-19، بالإضافة إلى الغموض الذي يكتنف الآثار الناجمة عن قانون قيصر إلى تفاقم التأثيرات الضارة للعقوبات على المواطنين السوريين العاديين. بيد أن العقوبات تُمثل أهمية حيوية في الجهود الرامية إلى صون العدالة وتعزيز المساءلة وحماية حقوق الإنسان داخل سوريا، ومن شأن تعليقها أن يشكل خطراً كبيراً على المدنيين السوريين، ويؤثر تأثيراً خطيراً على الجهود المبذولة في إطار تحقيق العدالة. ولذا بدلاً من تعليقها، لا بد من إدخال تحسينات رئيسية عليها لمواجهة العقبات الراهنة التي تحول دون الاستفادة الفعالة من الاستثناءات الإنسانية وتقليل الآثار السلبية للعقوبات على الشعب السوري.

العقوبات المفروضةعلىسورياوقانونقيصروجائحةكوفيد-19

في الوقت الذي تكافح فيه سوريا لمواجهة انهيار غير مسبوق للعملة، أصبحت العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد موضوعاً لمناقشة محتدمة. فقد انخفض سعر صرف الليرة السورية، التي بلغت 940 ليرة مقابل الدولار في يناير/كانون الثاني، إلى 3,500 ليرة في 18 يونيو/حزيران، وهو ما يُعد انخفاضاً قياسياً. وهذا يُعزى بدرجة كبيرة إلى المخاوف بشأن جولة جديدة من العقوبات الأميركية والأزمة المصرفية التي تواجهها لبنان.1"لماذا تزيد أنقرة من تدفق الليرة تركية في سوريا؟" تقرير من إعداد فهيم تشتكين، موقع "المونيتور"، نُشر بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2020. https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2020/06/turkey-syria-ankara-pouring-turkish-lira-alleviate-sanctions.html فقد أدت الاضطرابات المالية في سوريا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث بلغ سعر السلة الغذائية، التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمية مرجعاً له مؤخراً، أعلى المستويات المسجلة منذ بداية الأزمة أي أعلى من متوسط السعر في السنوات الخمسة السابقة للنزاع  بنحو 15.8 مرة.2"تقرير موجز من برنامج الأغذية العالمي حول سوريا" مايو/أيار 2020، إعداد برنامج الأغذية العالمي، نُشر بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2020 https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/wfp-syria-country-brief-may-2020 ولأن التقديرات تشير إلى أن ما يزيد على 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فإن التقلبات الاقتصادية الأخيرة ومعدل التضخم يهددان دون شك قدرة السوريين العاديين على تحمل تكاليف السلع والمواد الأساسية الضرورية.

لقد تفاقم الوضع المتقلقل في سوريا بسبب احتمال تفشي وباء كوفيد-19، وهو ما من شأنه أن يزيد من مخاطر العقوبات الاقتصادية. على الرغم من أن انتشار فيروس كورونا المستجد في سوريا لا يزال في أدنى مستوى له في الوقت الراهن مقارنةً بالدول الأخرى (وإن كان لا بد من الإشارة إلى أن الفحص اللازم للكشف عن الفيروس لا يزال محدوداً للغاية في البلاد)، فإن التأثير المدمر الذي خلفته الحرب على نظام الرعاية الصحية العامة في سوريا قد جعل البلاد أكثر عُرضة لهذا الوباء. فعلى سبيل المثال، يتعرض الأشخاص النازحون داخلياً لخطر شديد يتمثل في الإصابة بالفيروس ونقله إلى المخيمات المكتظة بالسكان؛ كما يتعرض المعتقلون لمخاطر شديدة مماثلة في السجون ومراكز الاحتجاز، في حين لا يعمل سوى 50% فقط من المستشفيات والمنشآت الطبية في البلاد.

احتدم الجدال حول ما إذا كانت العقوبات تُخلّف تأثيراً سلبياً مفرطاً على الشعب السوري في أعقاب دخول "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا" حيز التنفيذ مؤخراً، والذي أضاف مزيداً من العقوبات إلى أنظمة العقوبات الشاملة القائمة بالفعل. صُممت العقوبات الإجبارية التي ينص عليها قانون قيصر بحيث تتبع "نهجاً قطاعياً"، إذ إنها تستهدف الشركات الأجنبية والأفراد الذين يستثمرون في الصناعات السورية في مجال النفط وأنشطة البناء أو يشاركون فيها بأي شكل آخر.  وفي نفس اليوم الذي دخل فيه قانون قيصر حيز النفاذ، أعلنت وزارتا الخزانة والخارجية عن إدراج 39 هدفاً يشمل أشخاصاً وكيانات كبداية لحملة متواصلة من الضغط الاقتصادي والسياسي. ومن بينهم، وقعت وزارة الخارجية العقوبات على 15 هدفاً بموجب الأمر التنفيذي رقم 13894، وقد سبق بالفعل أن حددت عدة أهداف منهم بموجب عقوبات مسبقة.3الحكومة الأمريكية تصدر قائمة العقوبات الأميركية الأولى بموجب قانون القيصر كجزء من مجموعة أكبر من عمليات الإدراج على لوائح العقوبات التي تستهدف الحكومة السورية. تقرير من إعداد شركة "كرويل آند مورينج" للمحاماة.  نُشر بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2020 https://www.crowell.com/NewsEvents/AlertsNewsletters/all/US-Government-Issues-First-Designations-under-the-Caesar-Act-as-Part-of-Larger-Set-of-Designations-Targeting-the-Syrian-Government ومن جهتها حددت وزارة الخزانة الأهداف الـ 24 المتبقية، بصورة رئيسية بموجب الأمر التنفيذي رقم 13573 (لكونها وكالات أو أدوات للحكومة السورية، أو مملوكة من قبل حكومة سوريا أو من قبل مسؤول أو مسؤولين في الحكومة السورية، أو خاضعة لسيطرة، مباشرة أو غير مباشرة، لهم)، والأمر التنفيذي رقم 13582 (الذي يستهدف من يقدمون المساعدات أو الدعم المادي للحكومة السورية). ومن بين هذا العدد الإجمالي، حدد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، 9 أهداف بموجب النصوص المحددة في قانون قيصر، واستهدف في المقام الأول الأفراد والكيانات المشاركة في مشاريع ضخمة للتطوير العقاري.

أرسلت عمليات الإدراج الأخيرة بموجب قانون قيصر والتي ركزت على قطاع العقارات، إشارة مخيفة إلى الشركات الأجنبية التي تفكر في الاستثمار في إعادة بناء سوريا. بينما أثارت المخاوف المحدقة حول التفشي المُحتمل لوباء كوفيد-19 مناقشات جديدة بشأن دور العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. الأمر الذي شجع الحكومة السورية وحلفاءها الذين وجدوا الفرصة سانحة للدعوة إلى رفع العقوبات عن سوريا أو تعليقها مؤقتاً. إذ تزعم الحكومة السورية أن العقوبات هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الاقتصادي الذي يؤثر سلباً على المواطنين السوريين العاديين، كما أنها تُعرقل توفير الإغاثة الطبية والإنسانية الضرورية اللازمة لاحتواء فيروس كورونا.

دعوات رفع العقوبات مُضللة وتطمس حقيقة الدور الذي تلعبه الحكومة السورية

لا جدال في أن القول بأن العقوبات الاقتصادية لها بعض التأثيرات السلبية على الاقتصاد السوري بأسره وبالتالي على الشعب السوري ينطوي على شيء من الحقيقة. فضلاً عن ذلك، وكما أوضح بعض الأعضاء البارزين في الأوساط الإنسانية والطبية، فمن المؤكد أيضاً أن "المساعدات الإنسانية الاستثنائية" في أنظمة العقوبات تعوقها مسائل خطيرة يتعين التصدي لها على وجه السرعة. بيد أنه في نهاية المطاف، فإن الخطاب المناهض للعقوبات الذي يتبناه النظام وحلفاؤه مُضلل، سواء من خلال المبالغة في تبسيط القضايا المعقدة التي تحول دون توزيع المساعدات على نحو يتسم بالكفاءة والإنصاف في جميع أنحاء سوريا، أو محاولة تجاهل المخاطر الخطيرة التي قد تترتب على تعليق العقوبات بالنسبة إلى الجهود الرامية إلى مراعاة حقوق الإنسان وتحقيق العدالة وتعزيز المساءلة عن جرائم الحرب التي ارتُكبت في سوريا. والواقع أن الخطاب المناهض للعقوبات يتعمد طمس حقيقة الدور الرئيسي الذي تلعبه الحكومة السورية وحلفاؤها في استغلال المساعدات الإنسانية كورقة ضغط، وعرقلة وصول الإغاثات الطبية في الوقت المناسب، وتفاقم الأزمة المالية.

لن يؤدي رفع العقوبات بالضرورة إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية والطبية الكافية لمواجهة جائحة كوفيد-19، بل على الأغلب لن يكون لذلك أيّ تأثير. تؤكد هذه الحقيقة أدلة قاطعة على أن الحكومة السورية وجهت وراقبت في الماضي مسار المساعدات واستخدمتها كسلاح، و"تلاعبت" بفعالية بجهود الإغاثة الإنسانية المقدّرة بمليارات الدولارات المقدمة من المانحين الدوليين لسوريا.4المركز السوري للعدالة والمساءلة حصل على وثائق تُظهر دور المخابرات السورية في توجيه المساعدات الإنسانية https://syriaaccountability.org/updates/2019/08/01/documents-obtained-by-sjac-show-role-of-syrian-intelligence-in-directing-humanitarian-aid/ النسخة العربية للمادة تجدونها هنا وقد تناول تقريران صدرا العام الماضي عن مؤسسة "هيومن رايتس ووتش"، ومعهد "تشاتام هاوس" بالتفصيل نمط التلاعب بتدفق المساعدات الإنسانية الذي تتبناه الحكومة السورية لمعاقبة المواطنين الذين تعتبرهم معادين لها ومكافأة الموالين للحكومة، في حين تناولت الوثائق التي حصل عليها "المركز السوري للعدالة والمساءلة" تحديداً كيف أدت أجهزة المخابرات السورية دوراً محورياً في  توجيه ومراقبة جهود المساعدات الإنسانية في سوريا.5نفس المرجع السابق لذا لا يمكن بأي حال تصور أن هذا النمط قد يتغير فقط بسبب تفشي محتمل لوباء كوفيد-19.

فضلاً عن ذلك، إذا ما عُلقت العقوبات مؤقتاً، سيظل المجتمع الدولي دون أيّ نفوذٍ أو أيّة آلية يمكنه من خلالها ضمان التوزيع العادل والمتساوي للمساعدات الطبية والإنسانية المخصصة لمواجهة كوفيد-19 في جميع أرجاء سوريا، أو حتى أيّة قدرة على مراقبة عملية التوزيع.

برهنت الحكومة السورية مراراً على افتقارها للمصداقية وعجزها أو بالأحرى عدم رغبتها في اتخاذ قرارات سياسية من شأنها منح الأولية لصحة مواطنيها ورعايتهم اجتماعياً. والأمثلة التي تؤكد ذلك موجودة منذ عهد طويل ولا تزال مستمرة. على سبيل المثال، واصلت الحكومة السورية وحلفاؤها مهاجمة الأهداف المدنية بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمؤسسات الطبية حتى مطلع هذا العام، وهو ما يقوض مصداقية مطالباتهم برفع العقوبات لصالح مجهودات الإغاثة.

وفي ظل عدم بذل أيّة مجهودات لتحسين آلية توصيل المساعدات، لا يوجد أيّ أساس جدير بالثقة يدعم الرأي القائل إن رفع العقوبات قد يكون له أبعاد إيجابية فيما يتعلق بتقديم المساعدات الطبية والإغاثية في سوريا. لكن على النقيض من ذلك، لدينا عقد كامل تقريباً مليء بالأدلة التي تدعم بقوة الرأي المضاد.

العقوبات مهمة للغاية لتعزيز مجهودات المساءلة وتحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان

غالباً ما يركز المنتقدون على حقيقة أنه لم يثبت فعالية العقوبات، على مدى تاريخها، في إرغام أيّ نظام أو تغيير أيّة سياسات. صحيح أن الغاية القصوى للعقوبات تهدف بالفعل إلى إرغام الأنظمة على تغيير سياساتها، لكن الإخفاق في تحقيق تلك الغاية لا يجعلها عديمة الجدوى أو غير فعالة. بل على النقيض من ذلك، حتى في حال إخفاق العقوبات في الوصول إلى غايتها القصوى، فإن فرضها يكون بمثابة رادع قوي لانتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة التي يرتكبها النظام المستهدف، ويمنع حدوث تواطؤ أجنبي مع نفس الانتهاكات، ويحول دون انتفاع الجهات المستهدفة، سواء كانوا أفراد أم كيانات، من انتهاك القانون الدولي.

وتُعد العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر خير مثال على مدى فعالية العقوبات في حماية حقوق الإنسان، حتى في حال فشل نظام العقوبات ككل في إحداث تغيير جذري في السياسات. فمن خلال استهداف الأفراد والكيانات الأجنبية، خاصة حلفاء النظام السوري والمستثمرين المحتملين في عملية إعادة الإعمار، تساعد عقوبات قانون قيصر في منع إمكانية انتفاع حلفاء النظام من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. على سبيل المثال، يُزعم أن القوات الروسية نفذت هجمات على ثلاث مؤسسات طبية ومدرسة وملجأ للأطفال في شمال غرب سوريا عام 2019، إضافة إلى أن موسكو أعلنت مؤخراً انسحابها من نظام "الإبلاغ الإنساني" الذي تقوده اﻷمم المتحدة في سوريا بهدف حماية مراكز تقديم المساعدات الإنسانية مثل المستشفيات والمراكز الصحية.6روسيا تنسحب من برنامج الأمم المتحدة الذي يهدف إلى حماية المستشفيات وشحنات المساعدات في سوريا. نيويورك تايمز، 25 حزيران/يونيو 2020 https://www.nytimes.com/reuters/2020/06/25/world/europe/25reuters-syria-security-russia-un.html لهذا، سوف تمنع العقوبات، خاصة عقوبات قانون قيصر الجديدة، الشركات والأفراد -لا سيما الذين ينتمون لبلدان متهمة بارتكاب جرائم حرب في سوريا- من الانتفاع والتربح من تلك الجرائم ذاتها.

الأمر الآخر هو أن العقوبات القطاعية، مثل تلك المفروضة بموجب قانون قيصر، تساعد في تمهيد الطريق أمام جهود تحقيق العدالة وتعزيز المساءلة مستقبلاً. وفي حين قد تبدو عرقلة جهود إعادة الإعمار منافية للمنطق للوهلة الأولى، ينبغي ألا ينسى المنتقدون لها أن العقوبات مُعدة خصيصاً لاستهداف مشاريع إعادة الإعمار التي تشرف عليها الحكومة. إذ لم تنصب الجهود التي تبذلها الحكومة السورية لترغيب الاستثمار الأجنبي في الاضطلاع بإعادة الإعمار على المناطق الأكثر تضرراً من الحرب أو على إعادة بناء البنية التحتية الأساسية لصالح كافة الشعب السوري. بل على النقيض من ذلك، ركزت الجهود الحكومية لإعادة الإعمار على الاستثمارات المترفة المستجدة التي شيدتها نخبٌ تابعة للحكومة، والتي غالباً ما تكون على أراضي مُصادرة. ومن ثم، فإن العقوبات الرادعة التي تحول دون عمليات البناء التي تشرف عليها الحكومة قد تساهم في حماية أراضي من شردتهم الحرب قسراً وصون حقوق ملكيتهم لها، وتساعد أيضاً في تكملة الجهود الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب.

وبينما تبدو العواقب القانونية بعيدة وصعبة الحدوث، يُعد توقيع العقوبات على شخصيات وكيانات بعينها أمراً بالغ الأهمية لإخضاع المتورطين في التربح من انتهاكات القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان أو الراضين عن ذلك لنوع من المساءلة السياسية والمالية. لذا تُعد حماية حقوق الإنسان والجهود الحالية الرامية إلى ضمان العدالة والمساءلة أمراً أساسياً وستصبح هذه الحقوق والجهود عرضة للخطر بشكل كبير في حالة رفع العقوبات.

لتلبية الاحتياجات العاجلة، يجب تحسين العقوبات على النظام السوري

من الواضح أن نظام العقوبات الحالي يحتاج إلى التعديل والتحسين خاصةً في ظل تفشي جائحة كوفيد-19 والوضع الاقتصادي المتردي. في حين توفر أنظمة العقوبات "استثناءات خاصة" للعمل الإنساني، إلا أن هذه الاستثناءات المعتزمة لا تؤتي ثمارها بشكل فعال على أرض الواقع. لذا يجب تعديل الاستثناءات الإنسانية بحيث تعالج المشكلات التي تواجهها باستمرار الجماعات والشركات والمنظمات المستفيدة منها. وفي ظل أزمة كوفيد-19، ينبغي إيجاد حل عاجل للعوامل التي تعرقل الاستفادة من الاستثناءات الإنسانية مثل متطلبات الامتثال المرهقة والضمانات العامة الزائدة عن اللازم وغير المحددة بوضوح وإجراءات التقديم التي تستغرق وقتاً طويلاً.

يمكن القيام بعدد من التحسينات الرئيسية في أنظمة العقوبات لتخفيف معاناة الشعب السوري خاصةً في ظل الجائحة. على سبيل المثال، اقترحت المجموعات الإنسانية والطبية التي تستخدم هذه الاستثناءات بشكل متكرر إصدار الجهات المصدرة للتراخيص مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميريكية "خطابات طمأنة" محددة. ومن شأن التراخيص العامة المصحوبة بخطابات الطمأنة تهدئة مخاوف البنوك والمؤسسات المالية التي لا تفضل المجازفة عن طريق تقديم سبل حماية ملموسة من احتمالات التعرض للمقاضاة في المستقبل بتهمة مخالفة العقوبات.

ثمة مشكلة أخرى تتعلق بجهود الإغاثة الطبية في السياق الحالي بوجه خاص، وهي مشكلة السلع والخدمات ذات الاستخدام المزدوج مثل المواد الخام أو الأدوات التقنية التي يشيع استخدامها في المعدات الطبية والتي يمكن استخدامها أيضاً لأغراض خبيثة. تمثل هذه السلع، مثل أكسيد النيتروس المستخدم للتخدير في المستشفيات ومنتجات الكلور المستخدمة في تنقية المياه والصرف الصحي وقطع الغيار الضرورية لأجهزة غسيل الكلى، مشكلةً للمجموعات الإنسانية والطبية التي تحاول استخدام الاستثناءات من العقوبات إذ تؤدي إلى تأخر قبول طلبات التراخيص ومن ثم تفاقم من نقص السلع والمعدات الأساسية. وهناك مشكلة ثالثة ناجمة عن العقوبات وهي تأثير تلك العقوبات على التحويلات المالية من أبناء سوريا المغتربين التي تشتد حاجة المواطنين السوريين العاديين داخل البلاد إليها نظراً للأزمة المالية الراهنة.

تساعد المعلومات والرسائل الواضحة والدقيقة والشاملة أيضاً في مواجهة آثار العقوبات السلبية على الشعب السوري. حالياً، هناك قصور في معرفة أو فهم أنظمة العقوبات بين أفراد الشعب السوري الذي تلقى سيلاً من الأخبار المضللة والسرديات المسيّسة التي تنشرها حكومة الأسد. وقد تزايدت المخاوف وأوجه القلق المتعلقة بعقوبات قيصر نتيجةً لنقص الجهود من جانب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي التي تعمل على تعزيز الوعي بالاستثناءات الإنسانية أو توضيح الآثار المتوقعة للعقوبات الجديدة. تساعد الإرشادات المصاغة خصيصاً لدحض المفاهيم الخاطئة عن العقوبات لدى الشعب السوري في تحسين التصورات عن العقوبات بشكل كبير وتهدئة المشاعر السلبية تجاهها.

من الضروري أن تظل العقوبات السورية مفعلة. فرفع العقوبات سيعرض حقوق الإنسان الأساسية للشعب السوري للخطر ويقوض من المساعي الحالية الرامية إلى تحقيق العدالة والمساءلة ويؤيد ضمنياً الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي. يمثل رفع العقوبات وتطبيع العلاقات مع الحكومة السورية خيانة للأفراد وجماعات المجتمع المدني السورية التي وثَّقت انتهاكات حقوق الإنسان وناضلت لتحقيق المساءلة رغم المخاطر الشخصية الجسيمة التي تعرضت لها على مدار الحرب. مع ذلك يجب الأخذ في الاعتبار أنه على الرغم من أن العقوبات ضرورية ومناسبة زمنياً ولها ما يبررها من تصرفات الحكومة السورية وحلفائها، لا تزال هناك حاجة إلى القيام بتعديلات أساسية لأنظمة العقوبات لتخفيف آثارها السلبية على الشعب السوري وتحسين عملية تقديم مساعدات الإغاثة الطبية والإنسانية في ظل أزمة كوفيد-19.

Footnotes   [ + ]

1. "لماذا تزيد أنقرة من تدفق الليرة تركية في سوريا؟" تقرير من إعداد فهيم تشتكين، موقع "المونيتور"، نُشر بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2020. https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2020/06/turkey-syria-ankara-pouring-turkish-lira-alleviate-sanctions.html
2. "تقرير موجز من برنامج الأغذية العالمي حول سوريا" مايو/أيار 2020، إعداد برنامج الأغذية العالمي، نُشر بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2020 https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/wfp-syria-country-brief-may-2020
3. الحكومة الأمريكية تصدر قائمة العقوبات الأميركية الأولى بموجب قانون القيصر كجزء من مجموعة أكبر من عمليات الإدراج على لوائح العقوبات التي تستهدف الحكومة السورية. تقرير من إعداد شركة "كرويل آند مورينج" للمحاماة.  نُشر بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2020 https://www.crowell.com/NewsEvents/AlertsNewsletters/all/US-Government-Issues-First-Designations-under-the-Caesar-Act-as-Part-of-Larger-Set-of-Designations-Targeting-the-Syrian-Government
4. المركز السوري للعدالة والمساءلة حصل على وثائق تُظهر دور المخابرات السورية في توجيه المساعدات الإنسانية https://syriaaccountability.org/updates/2019/08/01/documents-obtained-by-sjac-show-role-of-syrian-intelligence-in-directing-humanitarian-aid/ النسخة العربية للمادة تجدونها هنا
5. نفس المرجع السابق
6. روسيا تنسحب من برنامج الأمم المتحدة الذي يهدف إلى حماية المستشفيات وشحنات المساعدات في سوريا. نيويورك تايمز، 25 حزيران/يونيو 2020 https://www.nytimes.com/reuters/2020/06/25/world/europe/25reuters-syria-security-russia-un.html