سرديات إعادة تصنيف الفُوسفوجيبس في تونس: هل يتحول السم البيئي إلى ترياق تنموي؟

تمت كتابة الورقة هذه ضمن إطار البرنامج التدريبي ”السياسة العامة والمواطنة الفعالة“، وهو أحد ركائز مشروع مبادرة الإصلاح العربي حول ”تطوير التحليل النقدي للسياسات العامة“. ويهدف البرنامج التدريبي إلى تعزيز البحوث الخاصة بالسياسات العامة والقائمة على الأدلة من خلال تزويد الباحثين/ات الصاعدين/ات بالأطر النظرية والمهارات الفنية لتمكينهم من كتابة أوراق السياسات.

في ميناء قابس، تقوم سفن الشحن بتحميل الفوسفات، وهو مكوّن يُستخدم في الأسمدة الزراعية – كانون الثاني/يناير 2016. © Shutterstock - سيباستيان كاستيلييه

مقدمة

خلال لقائه بوزيرة الصناعة والمناجم والطاقة التونسيّة، في الرابع من آذار/مارس2025، تدخّل الرئيس التونسيّ قيس سعيد مباشرةً مشددًا على ضرورة "إيجاد حل نهائي لمعضلة الفوسفوجيبس" في قابس، معتبرًا أن "العلم كفيل بإثبات عدم خطورة هذه المادة ".1رئاسة الجمهورية التونسية، «لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع السيدة فاطمة ثابت حرم شيبوب، وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة»، 4 مارس/آذار 2025، متاح علىhttps://www.carthage.tn/fr/node/8344 ولم يمض يوم واحد على تلقي هذه التوجيهات حتى عُقِد مجلس وزاري مضيق تقرر خلاله "شطب مادة الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة" وإدراجها كمادة منتجة وقابلة للاستعمال في مجالات متعددة وفق "شروط مضبوطة".2الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة التونسية على الفايسبوك، يوم 5 آذار/مارس2025. متاح على https://www.facebook.com/share/v/1BTEiRMaLi/

يتعلق المشكل بإعادة تصنيف نفاية صناعية ناتجة عن معالجة الفوسفات الطبيعي، تحتوي في تركيبتها الكيميائية على العناصر التالية :

  • مكون رئيسي : يتمثل أساسا في الجبس (CaSO₄2H₂O) وبقايا الحمض الفوسفوري.3Nesrine Ayeb et al., “Caractérisation du phosphogypse issu de l'industrie phosphatière du Groupe Chimique Tunisien et sa distribution dans l'eau et le sédiment du golfe de Gabès”, Revue FSB, vol. XVIII, 2020, pp. 69–70.
  • ملوثات معدنية : وتشمل المعادن الثقيلة على غرار الكادميوم (Cd)، الزنك (Zn)، الرصاص(Pb)، الكروم (Cr) وكذلك الزرنيخ (As).
  • عناصر مشعة : قد يتفاوت تركيزها حسب الخام الفوسفاتي وتشمل اليورانيوم (U-238 ) والراديوم (Ra- (226.4Moncef Zairi and Mohamed Jamel Rouis, “Impacts environnementaux du stockage du phosphogypse à Sfax (Tunisie)”, Bulletin des laboratoires des ponts et chaussées, no. 219, 1999, pp. 29–40.

وعلى مدار عقود، مثلت هذه المادة دليلا صارخا على الظلم البيئي في المنطقة بالنسبة للمجتمعات المتضررة5فرانس 24، «شهادات من مواطنين تونسيين عن التلوث الكارثي في قابس»، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، متاح على https://youtu.be/1J1PqhZp3qs?si=gWhW7jvxVS8y1U3r. نتيجة السكب المتواصل في البحر الذي تحول هو الآخر إلى مزبلة للمصانع؛ مما أدى إلى بروز إشكاليات بيئية وصحية واقتصادية عديدة، لعل أبرزها القضاء على الثروة السمكية والأعشاب البحرية النادرة التي أسهمت سابقا في إعتبار قابس كحاضنة لأكبر مراعي البوسيدونيا في البحر الأبيض المتوسط. فضلا عن تضرر الأنشطة التجارية والحرفية واستفحال الأمراض السرطانية والتنفسية، وتزايد حالات الإصابة بالإلتهابات لدى السكان المحليين.6يشير عالم الاجتماع الفرنسي دينيس دوكلو (Denis Duclos)، في دراسته الصادرة سنة 1980 حول الطبقة العاملة و تأثير النشاط الصناعي على البيئة ، إلى الفترة التي أعقبت عام 1968 و موجة الحركات البيئية التي تلتها، حيث يبرز في تحليله ظهور تحالفات جديدة في فرنسا جمعت النشطاء البيئيين والصيادين وبعض مكونات الحركة العمالية المعارضة لتصريف الفوسفوجيبس في نهر السين (Seine) مطالبين بتخزينه على اليابسة ليعاد استخدامه من جديد . وقد أثار هذا الحل عدة مخاوف و اعتراضات في أوروبا لما قد ينتج عنه من مخاطر. في المقابل ، أظهرت نتائج الدراسة التي قامت بها الباحثة الأمريكية جاكلين لوبيز (Jaclyn Lopez) سنة 2022 ، حول أزمة الفوسفوجيبس و الإخفاقات التنظيمية لوكالة حماية البيئة ، وجود العديد من التهديدات البيئية و الصحية التي تتعرض لها الفئات الأكثر تهميشا وقربا من نقاط تخزين مادة الفوسفوجيبس على اليابسة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع انتقال مراكز الإنتاج إلى دول الجنوب، امتدت بؤر التوتر المرتبطة بإدارة الفوسفوجيبس إلى دول مثل تونس خصوصا مع تصاعد وتيرة الاجتجاج ضد التلوث الصناعي بعد الثورة. فقد أشارت نتائج تقرير التدقيق البيئي والاجتماعي للمجمع الكيميائي بقابس،الصادر في شهر يوليو 2025، إلى وجود العديد من الإخلالات التي تؤكد عدم التزام المؤسسة بمبادئ التنمية الصناعية المستدامة و غياب الامتثال في مستويات الكادميوم في الفوسفوجيبس التونسي حيث تتجاوز الحد التنظيمي المحدد ب (106,02NT).7Groupe Chimique Tunisien, « Réalisation d’une mission d’audit environnemental et social (E&S) des sites du Groupe chimique tunisien (Gabès, Skhira et Mdhila 1) », juillet 2025, disponible sur: https://www.afdb.org/sites/default/files/rapport_audit_es-gct-gabes-def_16_08_2025.pdf (GCT, "Audit E&S" )وهو ما يثير تساؤلات جدية حول هذه المادة التي أصبحت محور نزاع محلي.

على هذا الأساس، يتجاوز القرار المعلن طابعه التقني ليتحول إلى حدث رمزي له دلالاته ومعانيه، يجعل من قرار إعادة تصنيف النفاية "السامة" ضربا من الجرأة السياسية غير المألوفة في سياق صنع السياسات البيئية التونسية. فالسرديات التي روج لها النظام لا تقل أهمية عن القرارات التي أُقِرَّت، كسردية سياسية تكشف عن عمليات أشمل لها علاقة بكيفية تأطير السلطة للمشاكل، وبالتبعية طرح حلول لها ضمن أطر علمية وسياسية.8Carol Bacchi, “Introducing the ‘What’s the Problem Represented to be?’ Approach”, in A. Bletsas and C. Beasley (eds.), Engaging with Carol Bacchi: Strategic Interventions & Exchanges, University of Adelaide Press, 2012, pp. 21–24, available at http://www.adelaide.edu.au/press/titles/engaging/

تندرج هذه الورقة ضمن مدخل الإطار السردي للسياسات (Narrative Policy Framework)الذي يسعى إلى تفكيك البنية السردية والوقائع المرتبطة بها، باعتبارها بناءات اجتماعية للمعنى. فضلا عن فهم مكوناتها ودلالاتها على مستوى المايكرو، الميزو والماكرو.9Elizabeth A. Shanahan, Michael D. Jones, Mark K. McBeth and Claudio M. Radaelli, “The Narrative Policy Framework”, in Theories of the Policy Process, Routledge, 2018, pp. 173–213. وتزداد أهمية التحليل السردي للسياسات في اللحظة التي نجد فيها أنفسنا كباحثين في منطقتنا العربية أمام أنظمة سُلطوية متوجسة تعمد إلى التعتيم والحجب المستمر للمعلومات والمعطيات الرسمية والتحالفات والشبكات المحيطة بعملية صنع السياسات. في الحالة التونسية، يميل النظام إلى الترويج لسياساته في بلاغات"فيسبوكيّة" ومراسيم وخطابات مشحونة لغويا وعاطفيا. وهو ما يجعل الإطار السردي للسياسات المدخل التحليلي الأمثل لتفكيك سردية إعادة تصنيف الفوسفوجيبس وأهدافها الأداتية من داخل النص السلطوي نفسه.

ومن هذا المنطلق، تسعى الورقة الحالية إلى الإجابة عن سؤال أساسي وهو: كيف بنى النظام التونسي سرديته لإزالة صفة الخطر عن الفوسفوجيبس؟ وما الدور الذي لعبته هذه السرديات في التأثير على واقع السياسات البيئية في تونس؟

وللإجابة عن هذا السؤال تنقسم الورقة إلى ستة محاور رئيسية، يستعرض المحور الأول جملة الإجراءات المعلنة التي أحاطت بقرار إعادة التصنيف. في القسم الثاني نتناول القرار بصفته إجراء تصحيحي يستجيب للمطلبية المحلية. أما المحور الثالث، فقد خُصِّص لتفكيك البنية السردية للقرار. بينما يحلل المحور الرابع التحالفات الخطابية الداعمة للسردية الرسمية. في حين، يطرح المحور الخامس الآليات الخطابية والرمزية التي ابتكرتها السلطة لقمع السرديات البديلة. أما المحور السادس والأخير فيركز على البعد النيوليرالي لقرار حذف الفوسفوجيبس من قائمة المواد السامة.

Endnotes

Endnotes
1 رئاسة الجمهورية التونسية، «لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع السيدة فاطمة ثابت حرم شيبوب، وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة»، 4 مارس/آذار 2025، متاح علىhttps://www.carthage.tn/fr/node/8344
2 الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة التونسية على الفايسبوك، يوم 5 آذار/مارس2025. متاح على https://www.facebook.com/share/v/1BTEiRMaLi/
3 Nesrine Ayeb et al., “Caractérisation du phosphogypse issu de l'industrie phosphatière du Groupe Chimique Tunisien et sa distribution dans l'eau et le sédiment du golfe de Gabès”, Revue FSB, vol. XVIII, 2020, pp. 69–70.
4 Moncef Zairi and Mohamed Jamel Rouis, “Impacts environnementaux du stockage du phosphogypse à Sfax (Tunisie)”, Bulletin des laboratoires des ponts et chaussées, no. 219, 1999, pp. 29–40.
5 فرانس 24، «شهادات من مواطنين تونسيين عن التلوث الكارثي في قابس»، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، متاح على https://youtu.be/1J1PqhZp3qs?si=gWhW7jvxVS8y1U3r.
6 يشير عالم الاجتماع الفرنسي دينيس دوكلو (Denis Duclos)، في دراسته الصادرة سنة 1980 حول الطبقة العاملة و تأثير النشاط الصناعي على البيئة ، إلى الفترة التي أعقبت عام 1968 و موجة الحركات البيئية التي تلتها، حيث يبرز في تحليله ظهور تحالفات جديدة في فرنسا جمعت النشطاء البيئيين والصيادين وبعض مكونات الحركة العمالية المعارضة لتصريف الفوسفوجيبس في نهر السين (Seine) مطالبين بتخزينه على اليابسة ليعاد استخدامه من جديد . وقد أثار هذا الحل عدة مخاوف و اعتراضات في أوروبا لما قد ينتج عنه من مخاطر. في المقابل ، أظهرت نتائج الدراسة التي قامت بها الباحثة الأمريكية جاكلين لوبيز (Jaclyn Lopez) سنة 2022 ، حول أزمة الفوسفوجيبس و الإخفاقات التنظيمية لوكالة حماية البيئة ، وجود العديد من التهديدات البيئية و الصحية التي تتعرض لها الفئات الأكثر تهميشا وقربا من نقاط تخزين مادة الفوسفوجيبس على اليابسة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع انتقال مراكز الإنتاج إلى دول الجنوب، امتدت بؤر التوتر المرتبطة بإدارة الفوسفوجيبس إلى دول مثل تونس خصوصا مع تصاعد وتيرة الاجتجاج ضد التلوث الصناعي بعد الثورة.
7 Groupe Chimique Tunisien, « Réalisation d’une mission d’audit environnemental et social (E&S) des sites du Groupe chimique tunisien (Gabès, Skhira et Mdhila 1) », juillet 2025, disponible sur: https://www.afdb.org/sites/default/files/rapport_audit_es-gct-gabes-def_16_08_2025.pdf (GCT, "Audit E&S"
8 Carol Bacchi, “Introducing the ‘What’s the Problem Represented to be?’ Approach”, in A. Bletsas and C. Beasley (eds.), Engaging with Carol Bacchi: Strategic Interventions & Exchanges, University of Adelaide Press, 2012, pp. 21–24, available at http://www.adelaide.edu.au/press/titles/engaging/
9 Elizabeth A. Shanahan, Michael D. Jones, Mark K. McBeth and Claudio M. Radaelli, “The Narrative Policy Framework”, in Theories of the Policy Process, Routledge, 2018, pp. 173–213.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.